هل تنجح السلطة الفلسطينية في وقف الاتفاقيات مع إسرائيل؟

في رد واضح على قيام إسرائيل بهدم عشرات المباني السكنية في حي وادي الحمص بالقدس المحتلة، وقرصنة أموال الضرائب الفلسطينية، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 25 تموز (يوليو) الجاري، وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل وتشكيل لجنة لتنفيذ القرار الذي صدر في وقت سابق عن المجلس المركزي الفلسطيني.

محللون رأوا أنّ الإعلان يهدف إلى تهدئة الرأي العام الفلسطيني بفعل الممارسات التعسفية التي يمارسها الاحتلال

وقال عباس في اختتام اجتماع طارئ للقيادة الفلسطينية برام الله إنّ قرار وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع تل أبيب يعزى إلى إصرار دولة الاحتلال على التنكّر لكل الاتفاقيات الموقعة، وما يترتب عليها من التزامات، إلا أنّ محللين رأوا أنّ الإعلان يهدف إلى "تهدئة" الرأي العام الفلسطيني بفعل الممارسات التعسفية التي يمارسها الاحتلال، ولن تكون سوى "حبر على ورق"، وفق وصفهم؛ إذ لن تتمكن السلطة الفلسطينية من الدخول في مغامرة جديدة قد تزيد من معاناتها وإضعافها؛ سياسياً واقتصادياً.

وكان المجلس المركزي قد سبق له أن قرر في مارس (آذار) العام 2015، وفي نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2018، إنهاء التزامات منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينيتين باتفاقياتهما مع سلطات الاحتلال، واتخذ المجلس قرارات عديدة تصب في اتجاه وقف التعاون مع إسرائيل، أبرزها وقف التنسيق الأمني وتعليق الاعتراف بها، لكن هذه القرارات لم يتم تنفيذها من قبل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والرئيس محمود عباس.

تشكيل لجنة لتنفيذ القرار

ووصفت حركة حماس إعلان عباس بأنّه "خطوة في الاتجاه الصحيح وتتوازى مع متطلبات المرحلة الصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية"، داعية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية فوراً، ووقف التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

ودعت الحركة، وفق ما أورد تقرير نشره موقع "بي بي سي"، أول من أمس، إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين كافة، ودعوة الإطار القيادي المؤقت لتدارس سبل تنسيق العمل المشترك.

الأمر الذي يفتح الباب للتساؤل عن إمكانية السلطة وقف الاتفاقيات مع الاحتلال فعلياً على أرض الواقع، وهل يمكن أن تحدث مصالحة وطنية في ظل اللحظات الحرجة التي تمر على القضية الفلسطينية؟

حبر على ورق

وفي تعليقه على هذه الخطوة، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، عماد البشتاوي، إنّ "السلطة الفلسطينية لن تقدم على مغامرة بإعلانها وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي على الرغم من الوضع الفلسطيني الداخلي، والذي يشهد حالة كبيرة من التأزم بفعل التهديدات والإجراءات الإسرائيلية والتي تهدف إلي إضعاف السلطة الفلسطينية، وكان آخرها لجوء الاحتلال إلى خصم جزء من أموال المقاصة الفلسطينية، وهدم عشرات المنازل في حي وادي الحمص، والذي تجاوز فيها الاحتلال الإسرائيلي الخطوط الحمراء من وجهة نظر السلطة الفلسطينية"، مستدركاً إلا أنّ قرار الرئيس عباس يهدف إلى "تهدئة الرأي العام الفلسطيني وتجاوز المرحلة الحالية، ولن يكون سوى حبر على ورق، طالما لم نشهد أي إجراءات حقيقية وعملية لتطبيقه على أرض الواقع".

ليست هذه المرة الأولى التي تقرر فيها منظمة التحرير والسلطة إنهاء التزاماتهما بالاتفاقيات مع الاحتلال

وبيّن البشتاوي في حديثه لـ "حفريات" أنّه من الصعوبة أن تلجأ السلطة الفلسطينية لتطبيق هذا القرار عملياً خلال المرحلة الحالية، والتي تشهد انتخابات إسرائيلية مقبلة، والتي تنتظر السلطة نتائجها مع وجود حكومة يمينية متطرفة وإدارة أمريكية متطرفة تدعم وتساند الجانب الإسرائيلي، وتتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني العادلة، بالتالي فإنّ أي قرارات جديدة ستتخذها القيادة الفلسطينية "يجب أن تتم بحذر شديد، وبالتالي تحمل عواقبها ونتائجها المتوقعة عليها من قبل إسرائيل وحلفائها في المنطقة".

ولفت البشتاوي إلى أنّه "بعد مرور أكثر من 48 ساعة على إعلان الرئيس عباس لم نرَ تنفيذاً لهذا القرار على الأرض، وخاصة مع دعوة المجلس المركزي الفلسطيني قبل أكثر من أربعة أعوام خلال اجتماعين منفصلين له بوقف الاتفاقيات المبرمة مع الجانب الإسرائيلي والتي لم نشهد ثمارها منذ ذلك الحين"، واصفاً ما تم الإعلان عنه من قبل الرئيس الفلسطيني بأنّه "مجرد تلويح من قبل السلطة الفلسطينية بنفاد صبرها تجاه الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة في الضفة الغربية والقدس المحتلة، في محاولة لوقف الإجراءات الصهيونية التعسفية وخاصة في حي وادي الحمص والذي يتهدد سكانه التهجير القسري".

هل يمكن أن تحدث مصالحة وطنية في ظل اللحظات الحرجة التي تمر على القضية الفلسطينية؟

لا إستراتيجية وطنية

وتابع البشتاوي أنّ "السلطة الفلسطينية لا تمتلك إستراتجية وطنية أو خططاً مستقبلية لمواجهة هذا الإعلان؛ لأنّ تنفيذه بحاجة إلي قيام الجانب الفلسطيني بإجراء دراسات معمقة لبحث تبعاته ونتائجه، والتأكد من مدى مقدرتها على تحمل أيّ عقوبات إسرائيلية أو أمريكية جديدة قد تنتج عنه، وعلى السلطة الفلسطينية حالياً وقبل البدء باتخاذ أي إجراءات ضد الاحتلال الإسرائيلي الإسراع في تحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني".

البشتاوي: من الصعوبة أن تلجأ السلطة الفلسطينية لتطبيق هذه القرار عملياً خلال المرحلة الحالية

وعن إمكانية لجوء إسرائيل والولايات المتحدة للتعامل مع حركة حماس في غزة كبديل عن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية رداً على قرار الأخيرة، أوضح البشتاوي أنّ "إسرائيل والولايات المتحدة تهدفان لعدم إتمام المصالحة الفلسطينية، ووضع العراقيل أمام تحقيقها بهدف إبقاء حالة الانقسام الفلسطيني قائمة، من خلال العمل على تسهيل دخول الأموال القطرية إلي موظفي حركة حماس في غزة، وعدم رغبتهما بإسقاط حكم الحركة في القطاع، لبقاء قطاع غزة في عزلة تامة عن الضفة الغربية، وبالتالي فإن الشعب الفلسطيني قد يفقد الثقة بإعلان الرئيس عباس الأخير في ظل استمرار حالة الانقسام الفلسطيني، وعدم جدية الطرفين لإنهائه والوصول إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية".

 إمكانية لجوء إسرائيل والولايات المتحدة للتعامل مع حركة حماس في غزة كبديل عن السلطة الفلسطينية

تنفيذ القرار على الأرض

من جهته، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، عبد الستار قاسم، إنّه "منذ توقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993، ومروراً بكافة الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الصهيوني، لم تلتزم إسرائيل بواجباتها لتطبيق ما نصّت عليه هذه الاتفاقيات، وبقيت السلطة الفلسطينية ملتزمة بها من طرف واحد، وهو الأمر الذي دفع إسرائيل للإمعان في تنفيذ اعتداءاتها العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، حتى باتت السلطة الفلسطينية أضعف بكثير مما كانت عليه سابقاً".

قاسم: القرار خطوة في الطريق الصحيح للتخلص من الاتفاقيات التي أبقت الجانب الفلسطيني رهيناً للاحتلال الإسرائيلي سياسياً واقتصادياً

ويتابع قاسم حديثه لـ"حفريات" أنّ "القرار الفلسطيني جيد، ولكنه يحتاج إلى ترجمة عملية على أرض الواقع، وخاصة أنّ الإعلان لم يلغِ العمل بالاتفاقيات، وإنما دعا إلى وقف العمل بها، وبالتالي قد يدفع ذلك السلطة الفلسطينية إلى العودة للعمل بهذه الاتفاقيات مجدداً"، مؤكداً أنّ الشعب الفلسطيني اعتاد على الوعود منذ توقيع اتفاقية أوسلو قبل أكثر من 26 عاماً، و"بقي الرئيس عباس يطرح مواقف ولا يتخذ خططاً لمواجهة الغطرسة الأمريكية، كما حصل عند قيام واشنطن بنقل سفاراتها للقدس، فقد اتخذت السلطة موقفاً، ولم يكن لديها خطة واضحة للرد على القرار الأمريكي ومواجهته، كما لا يوجد لدى الجانب الفلسطيني أي إستراتيجية لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المواطنين وأراضيهم في الضفة الغربية والقدس المحتلتين".

إستراتيجية فلسطينية موحدة

ويرى قاسم أنّ "إعلان السلطة الفلسطينية وقف العمل بالاتفاقيات مع إسرائيل هي خطوة في الطريق الصحيح للتخلص من الاتفاقيات التي أبقت الجانب الفلسطيني رهينة للاحتلال الإسرائيلي؛ سياسياً واقتصادياً".
ونوّه إلى أنّ الاتفاقيات مع الاحتلال ألحقت الضرر بالاقتصاد الفلسطيني، والذي تدهور بشكل كبير لتبعيّته المطلقة للجانب الإسرائيلي، ولن تتمكن السلطة الفلسطينية من التخلص من هذه الاتفاقيات إلا بإعادة هيكلة وترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني، وتحقيق الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام الفلسطيني، لإعادة تصليح البوصلة والانطلاق نحو إستراتيجية فلسطينية موحدة تكون قادرة على مواجهة الإجراءات والاعتداءات الصهيونية العنصرية المتواصلة بحق السكان الفلسطينيين".

اقرأ أيضاً: فلسطين تقرر وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل

ودعا قاسم إلى ضرورة "ألا يكون للجنة التي أعلن عنها الرئيس عباس للإشراف على وقف العمل بالاتفاقيات الإسرائيلية مشاركة سابقة في اتفاقية أوسلو، في ظل حاجة المرحلة الحالية إلى أشخاص وأساليب ومنهاج جديد لتعزيز ثقة الشعب الفلسطيني بهذه اللجنة؛ لتتمكن من اتخاذ قرارات حاسمة وحقيقية لتنفيذ قرار السلطة الفلسطينية بوقف الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي".

دعوة حماس للمصالحة شعارات

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي، أسعد العويوي، إنّ إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس وقف العمل بالاتفاقيات المبرمة مع الجانب الاسرائيلي "ليس بالأمر السهل، ولن يسمح الاحتلال للسلطة الفلسطينية بتنفيذ قرارها، وستقوم بممارسة المزيد من الضغوط عليها من أجل إرغامها على القبول بالأمر الواقع وبالاتفاقيات الموقعة معها، لتنفيذ أهدافها العدوانية وتمرير "صفقة القرن"، وتصفية القضية الفلسطينية".

العويوي: دعوة حماس إلى مصالحة فلسطينية داخلية عبارة عن شعارات إعلامية لم نرَ نتائجها على أرض الواقع

وأوضح العويوي في حديثه لـ "حفريات" أنّ "السلطة الفلسطينية وإسرائيل تربطهما اتفاقيات وعلاقات معقدة، وإنهاؤها في غاية التعقيد والصعوبة، كونها تمكنت من ربط الجانب الفلسطيني، سياسياً واقتصادياً، بالاحتلال، ولا مناص للخروج من عباءة هذه الاتفاقيات والانفكاك عنها إلا بتحقيق الوحدة الوطنية، وتوافر الدعم العربي والدولي للوقوف إلى جانب السلطة الفلسطينية في قرارها الأخير".
وحول مصير المصالحة الفلسطينية رأى العويوي أنّها "مصلحة وطنية يتطلب تحقيقها إجبارياً خلال الوقت الراهن للخروج من الأخطار المحدقة التي تواجه القضية الفلسطينية"، منوهاً إلى أنّ مصير المصالحة يتوقف على مدى جدية حركتي فتح وحماس على تحقيقها، مبيناً أنّ ما تم تداوله في وسائل الإعلام عن دعوة حركة حماس لتشكيل حكومة وحدة وطنية والذهاب إلى مصالحة فلسطينية داخلية "عبارة عن شعارات إعلامية لم نرَ نتائجها على أرض الواقع، فالشعب الفلسطيني فقد ثقته بالطرفين واللذين تسببا له بمزيد من الإحباط، في ظل عدم وصولهما إلى برنامج وطني تحرري ينهي الانقسام الفلسطيني".
وكانت السلطة الفلسطينية وإسرائيل وقّعتا منذ تسعينيات القرن الماضي ثماني اتفاقيات أمنية وسياسية واقتصادية، هي: اتفاقية أوسلو العام 1993، واتفاقية غزة أريحا العام 1994، واتفاقية طابا العام 1995، واتفاقية واي ريفر الأولى والثانية في العامين 1998 و1999، وتقرير ميتشل العام 2001، وخريطة الطريق العام 2002، وأخيراً اتفاقية المعابر في العام 2005.

الأقسام: