شجرة الجهاد: التاريخ العائليّ للتنظيمات المتطرفة في مصر

قرّرت أم المثنى، السيدة أمل عبد الفتاح عبده إسماعيل؛ أن تبايع تنظيم داعش، لتصبح أول من بايعت داعش من النساء في مصر، بعد أن راودها الأمل أنّه من الممكن تأسيس خلية تابعة للتنظيم في صعيد مصر، تحت مسمّى ولاية الصعيد، غير أنّها لم تكن تعلم أنّ التنظيم الجديد ستقتله الأجهزة الأمنية في مهده، قبل أن يرى النور، في القضية المقيدة برقم 832 لعام 2016، حصر أمن دولة عليا، والمقيدة برقم 32 لعام 2017، جنايات أمن الدولة العليا، المعروفة بقضية "تنظيم ولاية الصعيد".

من أشهر الأحداث التي واجهها أعضاء تنظيم 1965 داخل السجون ذلك الجدل الدائر حول فكر التكفير والهجرة

أعادت أم المثنى للأذهان قصة والدها عبد الفتاح عبده إسماعيل، صديق سيد قطب المقرَّب، الذي سعى مع قطب وزينب الغزالي إلى إعادة إحياء تنظيم جماعة الإخوان من جديد، عام 1965، غير أنّ إسماعيل أعدم بصحبة قطب والزميل الثالث، محمد يوسف هواش، هواش الذي قرّر زوج ابنته، أحمد عبد المجيد عبد السميع، تأسيس دعوة أهل السنّة والجماعة، فور خروجه من السجن، بداية السبعينيات من القرن الماضي، بصحبة الشيخ عبد المجيد الشاذلي، وهي الجماعة التي أثرت بشكل مباشر في الدعوة السلفية الجهادية بمحافظة سيناء المصرية، والتي يعدّ الجهادي أسعد البيك ودعوته امتداداً لها في سيناء.

الشيخ عبد الفتاح إسماعيل
إعدام عبد الفتاح إسماعيل لم يمنع ذريته من إكمال مسيرته، بداية بولده نجيب عبد الفتاح إسماعيل، منظّر فكر التوقف والتبين التكفيري، الذي خرج من رحمه تنظيم "الناجون من النار"، بقيادة مجدي الصفتي، وتنظيم "الشوقيون"، بقيادة المهندس شوقي الشيخ، نهاية بأم المثنى، وزوجها أحمد الماحي، وولدهما، حفيد عبد الفتاح إسماعيل، سهيل الماحي، أحد عناصر حركة "حسم"، الذي تمّت تصفيته بمحافظة الإسماعيلية في منتصف تموز (يوليو) 2017.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" المصريون وثورة 23 تموز
تلك الروابط العائلية تشير إلى ما نستطيع أن نطلق عليه شجرة الجهاد، التي ربطت جميع التنظيمات الجهادية ببعضها، منذ تأسيسها الأول، عام 1966، نهاية بقيام تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، بذرة عائلية رواها سيد قطب، وصديقاه: عبد الفتاح عبده إسماعيل، ومحمد يوسف هواش، ولم يمنع إعدام ثلاثتهم من ظهور البذرة فوق سطح الأرض، وتشعب غصونها عبر عقود حتى أصبحت أكثر ما يرهق العالم اليوم.
تنظيم 1965
من الخطأ اعتبار تلك الغصون التي تغطي المناطق الملتهبة بالعمليات الإرهابية مجرد غصون متفرقة، لا تنتمي للشجرة نفسها؛ بل هي في الأحرى امتداد للأفكار والأشخاص أنفسهم، ممّن حملوا على عاتقهم تطبيق فكرة الدولة الإسلامية، كما يظنّون، والبداية دائماً ما تكون عند منظّر فكر الجهاد الأول؛ سيد قطب.

 شكري مصطفى
بدأت الأفكار الجهادية تجد طريقها بين أعضاء تنظيم الإخوان على خلفية حملة الاعتقالات التي قام بها نظام عبد الناصر في القضية المعروفة بتنظيم 1965، وقد حاول إعادة إحياء تنظيم الإخوان المسلمين مرة أخرى، غير أنّ فكرة الإحياء التي قتلت في المهد بسجن أعضاء التنظيم، جمعت في سجون الحقبة الناصرية، أصحاب أشدّ النظريات التكفيرية فتكاً في التاريخ المعاصر، مثل: سيد قطب، وعلي عبده إسماعيل، وأخيه عبد الفتاح إسماعيل، ومحمد يوسف هواش، وشكري مصطفى، ليبدأ التلقيح الفكري لعقول من في السجون، المسألة التي دعت مرشد الإخوان في ذلك الوقت، حسن الهضيبي، إلى إصدار كتابه، "دعاة لا قضاة"، في محاولة لاحتواء فكر الجهاد والفكر التكفيري المسيطر على أعضاء التنظيم في السجون.

اقرأ أيضاً: مصر تحاكم عملاء إيرانين..
وعند دخول حقبة السبعينيات، وقرار الرئيس الراحل، محمد أنور السادات، الإفراج عن جميع المعتقلين؛ خرج أصحاب تلك الأفكار إلى النور مرة أخرى، ليبدؤوا في عملية التلقيح، التي انتهت اليوم إلى ما يعرف بتنظيم داعش.
دعوة أهل السنّة والجماعة
من تلك الأسماء؛ كان أحمد عبد المجيد عبد السميع، زوج ابنة محمد يوسف هواش، الذي قرّر، بصحبة صديقه في المعتقل، الشيخ عبد المجيد الشاذلي، تأسيس دعوة عرفت باسم "دعوة أهل السنّة والجماعة"، والتي أطلقت عليها الأجهزة الأمنية في مصر اسم "التنظيم القطبي"، الذي اعتمد في كلّ أفكاره على كتابات سيد قطب، وبدأ في تدريسها بين أعضائه بشكل كبير، ثم طارت تلك الأفكار سريعاً إلى سيناء، والتي اعتنقها الشيخ أسعد البيك، منظر دعوة أهل السنّة والجماعة في سيناء، وكان من تلامذته خالد مساعدة، مؤسس تنظيم "التوحيد والجهاد"، الذي أصبح فيما بعد تنظيم "أنصار بيت المقدس"، ثم "ولاية سيناء"، بعد مبايعتهم لتنظيم داعش.
الشيخ عبد المجيد الشاذلي

جماعة التكفير والهجرة
من أشهر الأحداث التي واجهها أعضاء تنظيم 1965 داخل السجون؛ ذلك الجدل الدائر حول فكر التكفير والهجرة، الذي دعا له علي عبده إسماعيل، واعتنقه داخل السجن شكري مصطفى، ورغم رجوع علي عبده إسماعيل عن أفكاره، إلا أنّ ابن أخيه، نجيب عبد الفتاح إسماعيل، قرّر أن يستكمل مسيرة عمّه، بتنظيره لفكر "التوقف والتبين"، الذي تأسس على أعمدته، أخطر تنظيمين جهاديين شهدهما العصر العديث في مصر؛ تنظيم "الناجون من النار" في محافظة الجيزة، وتنظيم "الشوقيون" في محافظة الفيوم.

بعد مقتل شوقي الشيخ إثر مواجهات مسلحة مع الأجهزة الأمنية قرّر الضابط السابق حلمي هاشم اعتناق أفكاره

يشير اللواء حسين صادق، في كتابه "الفرق الإسلامية بين الفكر والتطرف" إلى أنّ جماعة "التكفير والهجرة" نشأت بين جدران السجن الحربي، برئاسة شكري مصطفى، وكان شكري قد التحق بتنظيم الإخوان بأسيوط قبل تخرجه في كلية الزراعة، عام 1964، حتى صدر القرار الجمهوري، عام 1965، باعتقال أعضاء الإخوان المسلمين، فاعتقل مصطفى ومن معه، وأودعوا السجن الحربي، وهناك اختلط بمعتنقي الفكر القطبي المتطرف، الذين أقنعوه باعتناق هذا الفكر، ومن أبرز الأفكار التي تبلورت لدى مصطفى، بحسب ما ذكره اللواء حسين صادق في كتابه، فكرة التصور الإسلامي للجماعة، التي يقوم على أنّ الإسلام قد عاد غريباً، وأنّ المجتمعات القائمة سوف تنهار، وسيبدأ الإسلام من جديد علي يد الصفوة المؤمنة بحدّ السيف، انطلاقاً من جبال اليمن، وأيضاً فكرة الهجرة، وهي تقضي بضرورة الانفصال عن المجتمع القائم والانعزال عنه، وبدء التحرك الإيجابي لتحقيق نواة المجتمع الإسلامي المنشود، وذلك باللجوء للجبال والمغارات.
فكر التوقّف والتبيّن
فكر "التوقف والتبين"؛ هو مدرسة فكرية تنتسب للشيخ عبد المجيد الشاذلي، وهو أحد خواص تلامذة سيد قطب، والذي سجن بصحبته في قضية تنظيم 1965، وتبنّى الفكر أيضاً ابن عبد الفتاح إسماعيل، نجيب، وروج له في المعتقل، ليقتنع بذلك الفكر الطبيب الشاب مجدي الصفتي، الذي تخلى عن انتمائه إلى فكر تنظيم "الجهاد"، وتبنّى فكر "التوقف والتبين"، وسرعان ما كوّن جماعة خاصة به، مزج فيها بين فكر الجهاد في العمل المسلح، وعقيدة جماعات التوقف والتبيّن المنتشرة.

اقرأ أيضاً: كيف دفعت مصر ثمن "الصحوة"؟
ويقوم فكر التوقف والتبيّن على تكفير المجتمع بعمومه والتوقف عن تكفير الآحاد إلا بعد التبين، فهم يرون كفر عموم المجتمع؛ لأنّهم ساكتون عن كفر الحكام، وهو الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وبالتالي فهم مشاركون لهم في الكفر علموا أم لم يعلموا، رضوا بذلك أم سخطوا؛ لذا فهم يعتقدون أنّ راية المجتمع راية جاهلية، ولكنّهم لا يخلعون وصف الكفر على كلّ فرد فيه، "تورعاً" من أن يكون مسلماً بالشروط المعروفة لديهم، وبالتالي فهم يتوقفون في أمره حتى يعقدوا له الاختبار الذي يفصل في شأنه.

تم تأسيس فرع لتنظيم داعش في محافظات صعيد مصر
ومن أبرز من تأثروا بذلك الفكر، المهندس شوقي الشيخ، بعد أن تعرّف في المعتقل إلى نجيب عبد الفتاح عبده إسماعيل، ليقرّر الشيخ فور عودته إلى محافظته الفيوم، أن يؤسس تنظيمه الخاص، وأن ينفصل عن تنظيم "الجماعة الإسلامية"، الذي كان مسيطراً بقوة على محافظات الصعيد في تلك الفترة.

اقرأ أيضاً: الأمن المصري يلاحق الإرهابيين في سيناء.. حصيلة آخر هجوم
ويرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، ماهر فرغلي، أنّ هذا اللقاء كان الحلقة الفاصلة في حياة شوقي الشيخ، ويتوقف أمامه فرغلي معتقداً أنّ بذرة التكفير ستجد في نفس شوقي تربة خصبة جداً، في مخاض النقاشات مع نجيب، ليبلورها بمعرفته بعد أقل من عشرة أعوام، على نحو أكثر تطرّفاً من الآباء الأوائل للفكر التكفيري، وربما بما يفوق قدراتهم على التصور.
وبعد مقتل شوقي الشيخ، إثر مواجهات مسلحة مع الأجهزة الأمنية، قرّر الضابط السابق، حلمي هاشم، اعتناق أفكاره، ليقود مسيرة تنظيم "الشوقيون" نيابة عن أستاذه، الذي لم يقابله وجهاً لوجه، غير أنّه تشبّع بأفكاره، ويُنسب لهاشم تأصيله وحثّه لأفراد تنظيم الدولة الإسلامية على تنفيذ الأحكام في أسراهم "ذبحاً" أمام العالم كله.

اقرأ أيضاً: لنعترف.. الخطاب العلماني في مصر مأزوم أيضاً
اعتقل هاشم عدة مرات، بداية من عام 1982، واتُّهم بالانضمام إلى تنظيم الجهاد، ثم عام 1987؛ تمّ اتهامه في قضية تنظيم "الناجون من النار"، ثم عام 1992؛ تمّ اتّهامه في قضية تنظيم "الشوقيون"، ثم قبض عليه مؤخراً بتهمة الانتماء لتنظيم داعش، بعد أن اكتشف أنّ هاشم بمثابة مفتي التنظيم، وأنّ كتاباته أحد أهمّ روافد تنظيم داعش الفكرية.

ولاية الصعيد 
جاء الإعلان عن "ولاية الصعيد" عبر صفحات تابعة لتنظيم داعش، في شهر نيسان، (أبريل) عام 2015، بموقع "تويتر"، بإعلان عن اقتراب تأسيس فرع جديد للتنظيم في محافظات صعيد مصر، وتحركت الجهات الأمنية عقب الإعلان ليتم القبض على أكثر من 60 شخصاً، وجِّهت إليهم اتهامات بالانضمام لخلية إرهابية، غير أنّ أبرز ما جاء في القضية؛ أنّ أسماء المقبوض عليهم تضمّنت اسم أول امرأة مصرية تبايع داعش، والملقّبة بــ "أم المثنى"؛ وهي أيضاً ابنة عبد الفتاح عبده إسماعيل، ومن ضمن المقبوض عليهم في القضية؛ زوجها وولدها، حفيد عبد الفتاح إسماعيل، لتعيد تلك القضية إلى الأذهان من جديد بدايات رحلة التكفير التي غزت عقول أعضاء جماعة الإخوان عقب القبض عليهم في تنظيم 1965، تلك الأفكار التي لم تتوقف عن الانتشار والتكاثر، نقلاً من جيل إلى جيل آخر، حتى أضحت الصورة وكأنها شجرة عائلية للجهاد، اتفق فيها الجميع على تكفير المجتمع.

الأقسام: