الأضحى في الجزائر.. طقوس خارج حسابات السياسة

رغم التحولات التي شهدها المجتمع الجزائري، على كافة الأصعدة: السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، خلال العقود الماضية، إلا أنّه حافظ على طقوسٍ ثابتة للأعياد، سيما الأضحى، وحتى الحراك الأخير، غير المسبوق، الذي شهدته البلاد، وماتزال، لم يحدث تغييراً جوهرياً في الاحتفاء بهذه المناسبة التي يحرص الجزائريون على بقائها خارج حسابات السياسة والاقتصاد ما أمكنهم ذلك.
 تحرص الأمهات في ليلة العيد على تخضيب جباه الأضاحي بالحناء

طقوس خاصة
لعيد الأضحى في الجزائر طقس خاص؛ حيث درجت العائلات الجزائرية، على الإعداد له مبكراً، بعدد من مظاهر البهجة والسرور، فإلى جانب الطقس الديني المتعارف عليه، ثمة عادات ارتبطت بهذه المناسبة الاجتماعية؛ حيث يحرص الجزائريون على شراء الأضاحي، في وقت مبكر (أسبوعان على الأقل قبل العيد)، لتتحول حدائق في المدن الكبرى إلى مراعٍ للخراف، فيما تمثل المناسبة فرصة نادرة للأطفال للتعامل مع هذا "الوافد الجديد والطارئ على حياتهم"، فتجدهم في الطرقات يتجولون وقد ذُهلوا بهذه الخرفان، التي تتعرف هي الأخرى على أضواء المدن والأرصفة المسفلتة، وهو ما لا يحدث طوال العام.

اقرأ أيضاً: الأضحى في تونس: طقس للتواصل والمتعة وطرد الجن والشياطين
بينما يحوّل الشباب ساحات المدن إلى حلقات صراع، في طقس أشبه ما يكون بمقامرة صراع الثيران الإسبانية، لكنّ طرفي الصراع هنا من الخرفان؛ حيث يتباهى كلّ شاب بقوة أضحيته، وهي العادة التي طالما واجهت انتقادات شديدة من الأهالي، والأئمة وجمعيات الرفق بالحيوان، دون أن تجد آذاناً صاغية.
كما تحرص الأمهات في ليلة العيد على تخضيب جباه الأضاحي بالحناء، تيمّناً بعادة الأسلاف، إلى جانب إشعال الشموع المغروسة في أطباق الحناء، ووضعها على شرفات المنازل، كإعلان لحلول العيد.

لعيد الأضحى في الجزائر طقس خاص

العيد الأول من دون بوتفليقة

لعلّ ما يميز عيد هذا العام في الجزائر، استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بعد عشرين عاماً من البقاء في السلطة، ما يعني أنّ الجيل الجديد من الشباب سيحتفل، للمرة الأولى، دون رئيس وجدوه في السلطة منذ ميلادهم!
لكن أيضاً، دون رئيس منتخب يُعبّر عن آمالهم وتطلعاتهم؛ حيث ما تزال الحالة السياسية تعاني من الانسداد والفراغ!

اقرأ أيضاً: الأضحى في غزة: لا مشترين للمواشي ولا شحذ للسكاكين
حول هذه الجزئية، يقول الإعلامي الجزائري زكريا ديب إنّ "تأثير الحراك الشعبي القائم منذ 6 أشهر، على مظاهر العيد يظلّ محدوداً جداً، سيما أنّ وهج الحراك نفسه قد تراجع كثيراً خلال الفترة الماضية، لكن لا شكّ في أنّ كونه أول أضحى دون بوتفليقة، قد يضاعف الفرحة لدى الجيل الجديد".

يحوّل الشباب ساحات المدن إلى حلقات أشبه بمصارعة الثيران الإسبانية لكن بين الخرفان

ويرى ديب في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "الحراك وإن نجح في تحقيق مطلب رحيل بوتفليقة، وساهم في الزجّ برؤوس نظامه في السجون، إلا أنّ الفساد ما يزال كامناً في العديد من القطاعات الحكومية، ومنها قطاع الفلاحة والثروة الحيوانية، وهو ما يبرر استمرار مافيا المواشي في إحكام قبضتها على أسعار الأضاحي"!
ويُقدّر ديب سعر الأضحية الواحدة متوسطة الحجم "بحوالي مئتين وخمسين دولاراً أمريكياً؛ أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الدخل الأدنى المحدد من طرف الحكومة، وهو ما يتقاضاه أغلب الجزائريين العاملين في قطاع الوظيفة العمومية، ما تسبَّب في عزوف الكثير من المواطنين، هذه المرة، عن اقتناء الأضاحي"!
ويؤشّر هذا الأمر، بحسب ديب، إلى "عدم جدية السلطة فيما تُسمى حملات مكافحة الفساد، وهو أمر يبعث على الشكّ في النوايا الحقيقية لتلك السياسة"، سيما في ظلّ تجاهل السلطة لمطالب الشارع، والجمعيات الناشطة في قطاعي الفلاحة والثروة الحيوانية، وجمعيات حماية المستهلك، والداعية إلى ضرورة تسقيف الأسعار، سيما في فترات الأعياد التي تتحول إلى مواسم لمحتكري المواد الأساسية والمواشي".

 الصحفي الجزائري زكريا ديب

الأضحية لمن استطاع إليها سبيلاً

من جهته، يقرّ مصطفى زبدي، رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك؛ أنّ "أسعار الأضاحي شهدت ارتفاعاً كبيراً هذا العام، وذلك عائد للحالة الاقتصادية والمالية المرتبطة أساساً بتداعيات الحالة السياسية"، ويلاحظ زبدي؛ أنّ "هناك تراجعاً كبيراً في نسب الإقبال على شراء الأضاحي، خلال هذا العام مقارنة بالأعوام الماضية، وذلك نتيجة لضعف القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار".

ويؤكّد، في الوقت ذاته؛ أنّ "ارتفاع أسعار بعض المواد الاستهلاكية من خُضراوات وفواكه، وما شابه، عائد بالأساس إلى الإجازة غير الرسمية، التي يغتنمها التجار خلال أيام العيد، مما يضاعف من نسبة المشتريات خلال الأسبوع السابق للعيد، وبالتالي يقفز الطلب على حساب العرض، ويخلق حالة من الإرباك في السوق، مما يساهم في ارتفاع الأسعار".
ويرى ناشطون جزائريون على مواقع التواصل الاجتماعي؛ أنّ السلطة أمام الأزمة السياسية الراهنة، وتحوّل سلم الأولويات قد أغفلت المسؤولية الاجتماعية المتعلقة بالرقابة على الأسواق، سيما في موسم العيد؛ حيث أضحت "الأضاحي لمن استطاع إليها سبيلاً"!

 مصطفى زبدي رئيس المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك
لكنّ رئيس الفيدرالية الوطنية للرعاة، عزاوي جيلالي، له رأي مختلف؛ حيث يعتقد أنّ "أسعار الماشية تعدّ معقولة، قياساً بغلاء المواد الأخرى، مثل العلف واحتياجات الرعاية البيطرية والتطعيم، وغيرها، فضلاً عن الغلاء العام"، فلا يمكن، بحسب علاوي، "أن ترتفع أسعار كلّ المواد وتبقى أسعار المواشي ثابتة"، والأهم برأيه، "الحرص على توفير الكمّ الكافي لرؤوس الماشية تلبية لاحتياجات المواطنين في هذه المناسبة الدينية، وضمان الرقابة الصحية المطلوبة بالتنسيق مع المصالح الفلاحية".

اقرأ أيضاً: أبرز عشرة شروط فقهية يجب أن تتوفر في الأضحية
وأضاف عزاوي جيلالي، في حوار مع القناة الإذاعية الجزائرية الأولى؛ أنّ "الحكومة عملت على تكثيف نقاط بيع الأضاحي في مختلف مناطق الوطن، مع ضمان الرقابة الصحية عليها".

يتم إعداد تشكيلة منوعة من الحلويات التقليدية

طقوس لا تغيّرها الأزمنة

تقول الصحفية الجزائرية المختصة بالشؤون الثقافية، آسيا شلبي، إنّ "المجتمع الجزائري بالرغم من تنوعه الثقافي واللساني وامتداده الجغرافي الكبير، إلا أنه يحافظ على طقوس مشتركة خاصة في عيد الأضحى"، مضيفة في حديثها لـ "حفريات" أنّ ثمة طقوساً لم تتغير، منها: أنّ "هذه المناسبة تعدّ السانحة الأهم لعودة المغتربين ببلاد المهجر نحو الديار، وعودة العاملين في المدن الكبرى إلى قراهم، كما يقصد الأبناء المتزوجون والمستقلون بحياتهم الأسرية، داخل القرى أو المدن، في هذا اليوم بيت العائلة الكبير؛ حيث تذبح كلّ أضاحي الأبناء في بيت الأب، وهو اليوم الذي يضمن تجمع أكبر قدر من الأبناء وأبناء العمومة في بيت واحد، وعلى مائدة واحدة".

الجيل الجديد من الشباب سيحتفل للمرة الأولى من دون رئيس وجدوه في السلطة منذ ميلادهم

وحول الوجبات المرتبطة بهذه المناسبة الدينية والاجتماعية، تقول شلبي: "هناك أطباق شعبية شهيرة وقديمة تحرص العائلات الجزائرية على طبخها بشكل موحّد، وكأنّه عقد اجتماعي توارثته الأجيال، فبعد ذبح الأضحية مباشرة تقوم النسوة بتجهيز كبدة الخروف للشواء؛ حيث من الدارج أن يفطر الجزائريون على كبدة مشوية صباح العيد، ثم يتمّ الإعداد لاحقاً للوجبة الرئيسة، التي تتمثل فيما يسمى بـ "طبق الدوارة"، وهي وجبة تتكون من الأمعاء والكرش والمعلاق، ومختلف أحشاء الخروف، تقطَّع قطعاً متساوية، وتخلط مع التوابل ثم تطبخ مع البصل والطماطم على نار هادئة".

الصحفية المختصة في الشأن الثقافي آسيا شلبي
وتؤكّد شلبي أنّ هناك عدة طرق لطبخ "الدوارة"، تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنّها الوجبة المشتركة لكلّ العائلات في اليوم الأول للعيد.
ومن الطقوس الثابتة أيضاً، بحسب شلبي، أنّ "الجزائريين يعدّون وجبة الكسكسي في اليوم الثاني لعيد الأضحى المبارك، وهي عادة موحدة ومتوارثة".
بالنسبة إلى الحلويات المرتبطة بالعيد، تقول آسيا: "رغم أنّ هذا العيد مرتبط بالأضحية أكثر، إلا أنّه لا يخلو من حضور الحلويات؛ حيث تحرص الجزائريات على إعداد تشكيلة منوعة من الحلويات التقليدية، منها: الدزيرية، البقلاوة بالعسل، العرايش، مقروط باللوز، ...إلخ".

اقرأ أيضاً: الجزائر: أزمة ثقة بين السلطة والمعارضة. من يحاور من؟
وترى آسيا أنّ "لا شيء تغيّر من طقوس العيد هذا العام، بسبب الحراك الشعبي أو غيره، باستثناء غلاء الأسعار؛ حيث حافظ الجزائريون على مظاهر العيد وبهجته، بجانب حفاظهم على بقاء الحراك الشعبي حيّاً وفاعلاً"، بحسب قولها.
لكن، لا شكّ في أنّ مياهاً كثيرة جرت تحت الجسور منذ العيد الماضي، وأنّ ثمة تحوّلاً ما ينضج تحت السطح، بحسب رأي البعض، وأنّ العيد قد يمثل فرصة سانحة ومناسبة لوضع اللبنة الأولى لبناء الثقة، وذلك من خلال إطلاق سراح عدد من الموقوفين على خلفية مشاركتهم بالحراك الشعبي، بإدماجهم في قوائم العفو الرئاسي الذي عادةً ما يصدر في مثل هذه المناسبات الدينية والوطنية، وهذا ما يطالب به عدد من الناشطين.

الأقسام: