شبلي النعماني لم يؤسس علم الكلام الجديد

3700
عدد القراءات

2019-08-10

ظهر تعبيرُ "علم الكلام الجديد" للمرّة الأولى عنواناً لكتاب ألفه شبلي النعماني (1857 – 1914) وقد نقله إلى الفارسية: محمد تقي فخر داعي كيلاني، وطبعه في طهران سنة 1329ش/1950م بالعنوان نفسه. ونقله إلى العربية: جلال السعيد الحفناوي، ونشر في القاهرة سنة 2012. وكان النعماني من مؤسّسي ندوة العلماء بلكنو سنة 1893، وهي مؤسّسةٌ دينيةٌ تهتمّ بالتعليم الديني التقليدي، وتعارضُ دراسةَ العلوم الحديثة، خلافاً لجامعة عليكرة التي أسَّسها أحمد خان سنة 1875. وكان شبلي النعماني يتحدّث العربيةَ والفارسيةَ والأرديةَ والتركيةَ والهندية.

لا شيء يشبه علمَ الكلام الجديد في تفكير النعماني. كلُّ شيء يشبه الكلامَ القديم. النعماني يستأنف القديمَ بلغة أكثر وضوحاً

ولا يمكن الجزمُ بأنّ النعماني أولُ من نحت مصطلح "علم الكلام الجديد" الذي أضحى عنواناً للاتجاه الحديث في إعادة بناء علم الكلام، لكنه كان أولَ مؤلِّفٍ يؤلّف كتاباً تحت هذا العنوان. فقد ألّف شبلي النعماني كتاباً في علم الكلام أملاه على أحد تلامذته وهو على سرير المرض، فرغ منه في 18 آذار (مارس) 1902، ونُشر في الهند في آذار (مارس) 1903. وكان هذا الكتابُ الجزءَ الأول، ثم تلاه تأليفُه للجزء الثاني الذي خصّصه لـ "علم الكلام الجديد"، وفرغ منه سنة 1903، ونشره في الهند أيضاً سنة 1904، كما يرد في مقدمة الحفناوي لكتاب النعماني، الذي ترجمه ونشره بجزئيه في القاهرة سنة 2012، ص 8-10.
في الجزء الثاني من كتابه هذا يتحدّث النعماني عن مجال علم الكلام الجديد فيقول: "لقد كان علم الكلام القديم منصباً فقط على بحث العقائد الإسلامية؛ لأنّ المخالفين للإسلام في ذلك العهد كانت اعتراضاتُهم تتعلق بالعقائد، ولكنه في الوقت الحاضر يبحث في الجوانب التاريخية والحضارية والأخلاقية للدين. إنّ عقائد أيّ دين عند الأوروبيين لا تكون جديرة بالاعتراض إلى هذا الحد، ما لم تكن هذه المسائل قانونية وأخلاقية.  وفي رأيهم أنّ إباحة تعدد الزوجات والطلاق، والرق، والجهاد، في أي دين لهو أكبر دليل على بطلان هذا الدين، بناء على هذا سيتم بحث هذا النوع من المسائل في علم الكلام، وهذا الجزء بالكامل من علم الكلام الجديد. أهمّ الأشياء الضرورية في هذا الصدد أن تقدّم مثل هذه الدلائل والبراهين بأسلوب بسيط وواضح، تستوعبه الأفهام بسرعة، ويستقر في القلب، فقد كان يستخدم في المنهج القديم مقدمات معقدة ومتشابكة، ومصطلحات منطقية، وأفكاراً دقيقة وحساسة جداً، فكان المخالف يصمت بعد أن يصاب بالرهبة، ولكن لا يوقر في قلبه حالة من الوجدان والإيمان. المهم أنه يجب مراعاة تلك الأمور المذكورة عند تأليف علم الكلام الجديد" (المصدر السابق، ص 181-182). أدرج النعماني في هذا الكتاب مسائلَ جديدة مثل: الدين والعلوم الحديثة، حقوق الإنسان، مسألة الانتحار، حقوق المرأة، الإرث، والحقوق العامة للشعب، بموازاة مباحث: وجود الباري، والنبوة، والمعاد، والتأويل، وغير المحسوسات، كالملائكة والوحي وغيرها، والعلاقة بين الدين والدنيا. لكننا لم نعثر له على رأي في الوحي خارج سياق الكلام القديم، ولم نجده في مسائل الاعتقاد الأخرى يفكر في فضاء العقلانية الحديثة، ولم يعالجها من منظور مختلف عن المنظور التقليدي، ولم يطل على أفق جديد في تدوينها. وهذا يعني أن علمَ الكلام الجديد في مفهوم النعماني يعني استيعابَ مسائل جديدة تضاف إلى مسائله القديمة، والتحدّثَ بلغة أكثر وضوحاً وأقل التباساً، والبحثَ عن أدلّة جديدة في مناقشة ما يُثار من إشكالات واستفهامات.

اقرأ أيضاً: السؤال الميتافيزيقيّ الجديد يفرض علينا بناء علم كلام جديد
تظل وظيفةُ الكلام الجديد في مفهوم النعماني دفاعية، إذ يمكث علمُ الكلام في مقولات متكلّمي الفرق القديمة، يشرحها ويعزّز أدلتَها بأدلة جديدة، من دون أن يعيد النظرَ في مضمونها، ويتعرّف قدرتَها على الاستجابةِ والوفاءِ ببناءِ رؤية توحيدية تواكب إيقاعَ حياة المسلم، ومتطلباتِ العقل والروح والقلب في عالم نسيجيّ متشابك مركّب، وتحريرِ صورة الله مما تراكم عليها من غبار التاريخ، ولوّثها من دماء الحروب، وشوّهها من أزمنة الاستبداد.

اقرأ أيضاً: إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي
لم نعثر في كتاب النعماني على نقضٍ أو إعادةِ تفسير لـ "مقولات الإسلاميين واختلاف المصلين" (عنوان لأشهر كتاب للعقيدة الأشعرية المنسوبة إلى مؤلفه أبي الحسن الأشعري المتوفى 324 هـ)، أو غيرِه من كتب المتكلّمين المعروفين، ولم يتعامل معها بوصفها اجتهاداتٍ قالها بشر، ترتسم فيها ملامحُ ثقافتهم، ودرجةُ تطوّر العلوم والمعارف في عصرهم، ولم يناقشها كاجتهاداتٍ بشريةً قابلةً للصواب والخطأ. أما ما اقترحه النعماني من أمثلة جديدة يضيفها إلى علم الكلام فإنها تنتمي للمدونة الحقوقية والقانونية، وتتصل بالشريعة أكثر من اتصالها بالعقيدة. وكأنه يحسب علم الكلام الجديد مجرد إستيعاب مسائل مُستحدَثة، وإن كانت لا تعود لعلم الكلام.

اقرأ أيضاً: الخوفُ ليس مصدراً للأخلاق
ولا نقرأ في آثار شبلي النعماني أو نجد في محطات حياته ما يشي بخروجه على مسلمات الكلام القديم في تفكيره، ولا نرى محاولةً لبناء رؤية جديدة لله والعالم في كتابه "علم الكلام الجديد"، أو فهماً جديداً للوحي والنبوة، أو مسعىً لتوظيف المكاسب الحديثة للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم الدين وتفسير نصوصه.

لا نقرأ في آثار شبلي النعماني أو نجد في محطات حياته ما يشي بخروجه على مسلمات الكلام القديم في تفكيره

لا شيء يشبه علمَ الكلام الجديد في تفكير النعماني وآرائه، كلُّ شيء يشبه الكلامَ القديم. شبلي النعماني يستأنف القديمَ بلغة أكثر وضوحاً واختزالاً للاستطرادات والتفاصيل المملة، وحتى العناوين الجديدة التي أدرجها في كتابه هذا لا نرى في حديثه عنها ما يشير إلى معالجة تخرج من جلباب الآباء، وتنزع لبناء نهجٍ جديد في التفكير الديني، كما نجده في آثار سلفه أحمد خان، أو خلفه محمد إقبال. ونخلص من ذلك إلى أنّ شبلي النعماني شارحٌ جديدٌ لعلم الكلام القديم. وذلك ما يدعونا للظنّ بأن النعماني اصطاد مصطلحَ "علم الكلام الجديد" من أحمد خان، غير أنه لم يشأ أن يخبرنا عن مصدر تلقيه. آثارُ أحمد خان هي الوحيدةُ التي خرجت على التراث الكلامي قبل النعماني، وبعضُ ما جاء فيها يشبه علمَ الكلام الجديد، إذ بحثت قضايا محورية في علم الكلام بطريقة تخرج على تقليد المتكلمين، وقدّمتْ فهماً مختلفاً عن فهم المتكلمين. ونعترف بأنّ المراجعَ تنقصنا للوثوق بأول من ابتكر تسميةَ علم الكلام الجديد. وإن كنا نعدّ المفهومَ الجديدَ للوحي الذي يقول به أحمد خان وغيرُه من أهمّ القضايا التي يمكننا على وفقها أن نصنّف آثارَ مفكرٍ بأنها كلامٌ جديد. شبلي النعماني متكلم تقليدي وضع عنواناً جديداً لمضمونٍ قديم.

وفي سنة 1922 أصدر اسماعيل حقي الإزميرلي "1869 – 1946" كتاباً بعنوان "علم الكلام الجديد" باللغة العثمانية، وجاء عنوان الكتاب بالعثمانية: "يني علم كلام"، ويني بمعنى جديد. وطُبِع هذا الكتاب في الآستانة "اسطنبول" (راجع ترجمة إسماعيل حقي الإزميرلي في: انسكلوبيديا الإسلام التركية، المنشورة على الرابط التالي: https://islamansiklopedisi.org.tr/izmirli-ismail-hakki

لكن هذا الكتاب لم يُترجَم إلى العربية أو غيرها من اللغات حتى اليوم، ولم يُعرَف عن مؤلفه أنّه من رواد التجديد، لذا يمكننا القول إنّ مفهوم الكلام الجديد لديه لا يتجاوز الدعوة للانفتاح على الأسئلة التي فرضها الواقعُ الجديد على عقيدة المسلم وشريعته في العصر الحديث، وهو ما كان يدعو له شبلي النعماني قبله في كتابه. ولو كان كتابُ اسماعيل حقي يتضمنُ رؤيةً للتوحيد واجتهاداً في فهم الوحي خارج آفاق مقولات المتكلمين الموروثة، لذاعت رؤاه واشتهرت بين المهتمين بدراسة الاتجاهات الفكرية الجديدة في عالَم الإسلام غرباً وشرقاً، كما اشتهرت رؤى روّاد التجديد غيره.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"قوارير داعش" ... المغرب يفتح ذراعيه لضحايا البغدادي

2019-11-11

منذ الإعلان عن القضاء النهائي على ما تبقى من تنظيم داعش، في المناطق التي كان يسيطر عليها، في سوريا والعراق، من لدن التحالف الدولي لقتال التنظيم الإرهابي، بدا أنّ مخلّفات هذا الأخير وتداعياته مرشحة كي تعيش بعده فترة ربما قد تطول؛ بسبب حجم الدمار والخراب العمراني والبشري الذي خلّفه طوال ما يقرب من خمسة أعوام، عاث فيها فساداً في الأرض، وترك وراءه جروحاً وضحايا، بل ربما سنسمع قريباً عن مدافن جماعية لمقاتلي هذه الميليشيا المسلحة، كشأن أيّ حكم ديكتاتوري يتسلط على الناس بالحديد والنار، ويخلّف وراءه سجلاً من المآسي الإنسانية.

اقرأ أيضاً: دراسة إسبانية تلقي الضوء على "الجهاد المؤنث".. لماذا يستقطب داعش النساء؟
وخلال العامين الأخيرَين؛ برز إلى السطح موضوع المقاتلين العائدين من مناطق القتال، أولئك الذين اختاروا بشكل إرادي، منذ الإعلان عن مسمى الخلافة الداعشية عام 2014، الالتحاق بالمناطق التي يسيطر عليها، إما قناعة ناتجة عن تشرّب الفكر المتطرف وأوهامه، أو بسبب الخضوع لغسيل الأدمغة تحت القصف الدعائي للتنظيم على شبكة الإنترنت، أو الاستقطاب المباشر عبر الوسطاء المجنّدين في صفوفه.

يقدَّر عدد النسوة والأطفال المغاربة بنحو 12 ألفاً وهو رقم كبير يعطي صورة عن حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها داعش

ويتكدّس المئات من هؤلاء اليوم في سجن الهول، تحت قيادة القوات الكردية السورية المقاتلة، في أوضاع كارثية جعلتهم يستفيقون على حقيقة مختلفة عمّا كان التنظيم في السابق يمطرهم به من الأوهام والخيالات، وبعد أن كانوا يحملون السلاح ويقتلون المدنيين بدعوى "الجهاد"، تحت راية البغدادي، ويصولون ويجولون في مناطق نفوذ التنظيم، صاروا اليوم يبحثون فقط عن مجرد البقاء على قيد الحياة، بعد أن فقد بعضهم أحد أطرافه، أو أصيب بأمراض خطيرة، أو فقد بصره، وبعضهم توفّي نتيجة عدم القدرة على المقاومة.
هؤلاء لا ترغب أية واحدة من البلدان التي ينحدرون منها في استعادتهم، رغم الدعوات المتكررة من القوات الكردية، كون أغلبهم ما يزال يشكل خطراً، خاصّة أنّ عدداً كبيراً منهم، بحسب شهادات أعضاء الجيش الكردي، قاتل حتى الرمق الأخير قبل اعتقاله، ما يعني أنّ قناعاتهم المتطرفة ما تزال حيّة وقابلة للاشتعال.
وحتى الآن، عاد ما يقرب من 300 مقاتل من المقاتلين المغاربة الذين كانوا قد التحقوا بالتنظيم خلال الأعوام الماضية، وذلك من بين حوالي 1600 مغربي، بحسب تصريحات رسمية، عام 2015، عدد كبير منهم لقي مصرعه في مناطق القتال، وقد تمت محاكمة هؤلاء العائدين وإيداعهم السجن، بمقتضى القانون الذي سنّه المغرب قبل أربعة أعوام، والذي ينصّ على عقوبات سجنية تتراوح بين 10 و15 عاماً، لكلّ من غادر البلاد باتجاه مناطق التوتر.

اقرأ أيضاً: نساء داعش.. عرائس أم إرهابيات؟
بيد أنّ السلطات المغربية تسامحت مع النسوة اللواتي رجعن من تلك المناطق في الفترات الأخيرة؛ إذ لا تتم متابعتهنّ قضائياً، وإن تمّ الاستماع إليهنّ للتعرّف من خلالهنّ إلى طبيعة الأوضاع هناك وطبيعة المهام التي كانت تسند إليهنّ في المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم البغدادي، غير أنّ كثيرات من هؤلاء النسوة ما يزلنَ معتقلات في سجن الهول، أو ضائعات في تركيا، خوفاً من اعتقالهنّ لدى عودتهنّ.
وقد قرّر المغرب، لدواع إنسانية صرفة، فتح ذراعيه لهؤلاء النسوة وأطفالهنّ، انطلاقاً من أنهنّ كنّ من المغرَّر بهنّ، ولم تكن لهنّ علاقة بالأعمال الإرهابية؛ إذ تجري العادة أن ترافق المرأة زوجها، وبحسب إفادات غير رسمية، حتى الآن، يقدَّر عدد النسوة والأطفال المغاربة بنحو 12 ألفاً، وهو رقم كبير يعطي صورة عن حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها تنظيم داعش، وإذا أضفنا هذا الرقم إلى أرقام النساء المغرَّر بهنّ من بلدان أخرى، نكون أمام قائمة طويلة من الضحايا الجانبيين للإرهاب.

قرّر المغرب فتح ذراعيه لنساء داعش انطلاقاً من أنهنّ كنّ من المغرَّر بهنّ ولم تكن لهنّ علاقة بالأعمال الإرهابية

هذا ما أعلنه مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، عبد الحق الخيام، مؤخراً، حين كشف عن قرب إطلاق إستراتيجية لإعادة النساء والأطفال المغاربة من بؤر التوتر، مبرراً ذلك بأنّ هؤلاء النسوة لم ينتقلن إلى تلك البؤر للقتال؛ بل لمرافقة أزواجهنّ، كما كشف الخيام أنّ هؤلاء لن تتمّ متابعتهنّ.
لكنّ هذه المبادرة الإنسانية تلقي على السلطات المغربية أعباء كبرى؛ ذلك لأنّ هؤلاء النساء والأطفال يحتاجون إلى عناية نفسية وطبية ومصاحبة اجتماعية لفترات زمنية طويلة، تساعدهم على التخلص من الإرث النفسي والجروح العاطفية، التي تركت آثارها فيهم طوال مدة إقامتهم في تلك المناطق التي كان تنظيم داعش يسيطر عليها، وإذا كان الأمر يسيراً بالنسبة إلى النساء؛ فإنّ المهمة ستكون مضاعفة بالنسبة إلى الأطفال؛ فهؤلاء أغلبهم فتح عينَيه على مظاهر العنف والقتل ومشاهد السلاح اليومية، داخل البيوت وفي الشوارع، وتسربت إليه الشعارات العنيفة والمتطرفة التي كان التنظيم يحرص على بثّها في نفوس الصبيان، تنفيذاً لمقولته "باقية وتتمدد"، فهو كان ينوي بقاء مسمى الخلافة، وكان يعمل على تنشئة جيل جديد من الأتباع المطيعين الذين لا يعرفون سوى لغة القتال، وهو ما جعله يضع مقررات تعليمية جديدة في المناطق التي كان يديرها، تدور كلّها حول محاور محددة، هي: القتال "الشرعي"، والدفاع عن "الخلافة"، و"عبادة" شخص الخليفة المفترض، قبل أن يتبدّد كلّ شيء.

للمشاركة:

أطفال السوشيال ميديا.. نجومية أم عمالة من نوع جديد؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-11-11

جاء في اتفاقية حقوق الطفل، الموقّعة عام 1989: "ضرورة السعي لحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أيّ عملٍ يُرجّح أن يكون خطراً أو يمثّل إعاقة لتعليمه، أو ضرراً بصحته، أو بنموّه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي"، قد ترجع أهمية هذا البند إلى شموليّته في إدانة أيّ عمل قد يُعدّ انتهاكاً للطفولة مهما كان نوعه، لكن ماذا لو كنّا اليوم نشهد نوعاً جديداً من العمالة فيما يسمّى بالعالم الافتراضي؟ وماذا لو كان هذا النوع يلقى رواجاً حتى في الدول التي وقّعت على هذه الاتفاقيّة، وتُعدّ حقوق الطفل فيها مقدّسة؟

اقرأ أيضاً: الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات
ما نراه من قنواتٍ يتصدّرها الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي، خاصةً اليوتيوب، هي عمالة من نوعٍ جديد، بزيٍّ أنيق وحذاءٍ لامع، عمالة تعتمد على الشهرة لتحقيق الربح؛ حيث تصبح شهرة الطفل الذي يحظى بمشاهدات عالية أداة لترويج المنتجات، مهما كان نوعها ومصدرها، وهذا بالضبط ما يربط الطفل بالعمل، لكن بطريقة ملتفة؛ إذ إنّ هناك الكثير من العائدات الإعلانية ستعود على أسرته بالمرابح، ومن اللافت للانتباه أنّ أغلب الأسر التي تقوم بتغذية عمالة الأطفال في العالم الافتراضي ليست من الأسر الفقيرة، بخلاف عمالة الأطفال في العالم الواقعي.

ما نراه من قنوات يتصدّرها الأطفال على منصات التواصل، خاصة اليوتيوب، عمالة من نوع جديد بزيّ أنيق وحذاء لامع

قد تكون هذه العمالة  دليلاً على التناقض بين حقوق الطفل والجشع العام، الذي جعل من الشهرة والربح غايتَين في الواقع الاجتماعي، ورغم أنّ فكرة الكسب المادي من خلال السوشيال ميديا في مجتمعاتنا ما تزال تقتصر على فئاتٍ معينةٍ، ولم تحقق بعد انتشاراً واسعاً، ولكن هناك ما نقوم به ربما هو أخطر من ذلك بكثير وأوسع انتشاراً، فكثيرٌ من الفيديوهات التي يقوم الوالدان بمشاركتها، ليس لها هدف سوى التسلية، وقد لا تبالي في كثيرٍ من الأحيان بجعلِ الطفل أضحوكةً ومثارَ تندّر، غير مكترثةٍ لمشاعره وأحاسيسه، وفي فيديوهاتٍ أخرى يستخدم الوالدان أطفالهما ليمرّرا من خلالهم مواقفهما ووجهات نظرهما، خاصةً السياسية منها والدينيّة. 

اقرأ أيضاً: هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!
ربما ليس مفاجئاً أن نجعل أطفالنا أضحوكة للآخرين عبر العالم الافتراضي، أو نستخدمهم كأداةٍ للكسب المادي، أو للشهرة، أو لتمرير أيديولوجياتنا، أو لتعويض عقد نقصنا، فما ذلك سوى انعكاس لعالمنا الواقعي، الذي نتعامل فيه مع الطفل كدمية نحرّكها كما نشاء، ونقوّلها ما نريد، ونختبئ وراء تبريرات تزيد من الطين بلّة، كتبرير الكسب المادي عبر السوشيال ميديا،  بحجة أنّه من المهم أن يعرفَ الطفل مبكراً قيمة المال الذي يجنيه بجهده، أو من يدّعي أنّ هذه الفيديوهات لمشاركة أفراحه مع الآخرين، وليس وراءها أيّ كسب مادي، أو أنّ هذه المواهب يجب أن ترى النور عبر منابر أصبحت أساسية في حياتنا، أو بحجة التوثيق والأرشفة. 
ومهما قُدِّم من تبريرات، ستبقى موسومة باختراقها لثلاثة بنودٍ في اتفاقية حقوق الطفل؛ من ناحية عمالة الطفل، وعدم احترام خصوصيته، واستغلاله، وخاصةً البند الأخير، فأيّ مبررٍ لن يكون خارج دائرة الاستغلال، وإن كان بغير قصدٍ؛ فالطفل لم يمتلك بعد الإدراك الكافي ليقرر إيجابية هذا الأمر أو سوءه، والأهلية التي يتحصّن بها الوالدان تفقد شرعيتها طالما لا يستطيعان النظر إلى الطفل كما هو، وباستمرارهما في التعامل مع الموهبة على أنّها أهم من الطفل، سينتهي بهما الأمر إلى فقدان الطفل وموهبته.   

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرتدي الإمبراطور ثياباً؟
وإذا كان هذا النوع من العمالة يحظى بمقبولية اجتماعية؛ كونه لا يتطلب جهداً كما في العمالة التقليدية؛ فهذه المقبولية لا تبيح لنا، بأيّ شكلٍ من الأشكال، أن نجعل الأطفال يسدّدون  فواتيرنا المعيشيّة، ففي النهاية مهما كان نوع العمل الذي يقومون به، ومهما بدا غير مُذلّ؛ فهم يعملون من أجلنا بدل أن نعمل من أجلهم، وبهذا يتحطّم المبدأ الأقوى في أيّة تربية؛ مبدأ حماية الطفل، كما أنّ تحويل الطفل إلى مهرجٍ أو ممثلٍ أو أداة ترويج لمنتجٍ ما، أو تعريضه للشهرة والنجومية، سيجعل أطفالنا يعيشون خارج طفولتهم، في عالمٍ يكون الإنسان فيه مهماً فقط كلّما ازدادت أعداد المعجبين به، هكذا نربي الآخرين داخل أطفالنا، ليصبح الآخرون، منذ اللحظة، من يقررون وجودهم.  

اقرأ أيضاً: لماذا نورث أطفالنا ما كان وبالاً علينا؟
فالفيديوهات التي تروّج لهؤلاء الأطفال على أنّهم خارقون أو غير طبيعيين، ويتم تناول هذا التوصيف على أنّه إيجابيٌّ، تدفعنا للتساؤل: هل نحن في حاجة إلى أطفال غير طبيعيين؟ إنّ فكرة التفوّق التي تدغدغ المخيلة البشرية، جعلت من العالم حلبة صراع، ومن التنافس الذي يتغذى على الإقصاء، الطريقة الوحيدة للوجود؛ على هذا الطريق بالضبط نحن نضع أطفالنا، وبينما نحن نمنعهم من أن يكونوا أطفالاً طبيعيين يحظون بطفولتهم، نجعل منهم ما نريد، وما نريده هو ما سينتج عنه العنف والتطرّف؛ لذلك نجد أنّ الفيديوهات التي ينشرها المتطرفون لأطفالهم، والتي تتضمن عقائدهم، لا تختلف عن الفيديوهات التي ننشرها لأطفالنا، سوى أنّ الأولى مباشرة وواضحة، تضعك أمام العنف وجهاً لوجه، بينما ما ننشره نحن عن أطفالنا، ولأطفالنا، وإن كان يبدو في الاتجاه المعاكس المشرق والمضيء، لكنّه يحمل في طياته منتجات العنف نفسه.

الاستخدام الخاطئ وغير العقلاني للتقنية عزّز القلق والخوف وساهم مساهمة حاسمة في تسطيح الوعي الإنساني

فما خلّفته وتخلّفه الحروب والنزاعات، من تشريدٍ للأطفال وآلام الفقد لذويهم، والتردي الاقتصادي الذي يجبر قسماً كبيراً منهم على العمل، بالإضافة لموجات اللجوء والنزوح، والأمراض المنتشرة بفعل عوامل كثيرة، وما يتعرضون له من بردٍ وجوع، له وقعُ كارثيّ، وربما لا يمكن مقارنة واقع طفل الحروب، بطفل السوشيال ميديا الجالس بين أفراد أسرته ولم يتعرض لكلّ هذا الجحيم، ولكن إذا أمعنّا النظر بالنتائج، سنجدها واحدة بأدواتٍ مختلفة، فطفلٌ تشرّده وتستنزفه الحرب، وآخر يشرّده ويستنزفه الجهل، جهلنا.
من المفترض على القفزات التي تقفزها البشرية في أيّ مجال أن تساهم في استقرار الإنسان وسعادته، لكنّ ما يحدث واقعياً هو العكس تماماً؛ فالاستخدام الخاطئ، وغير العقلاني، للتقنية، عزّز القلق والخوف، وساهم مساهمةً حاسمة في تسطيح الوعي الإنساني، بالتأكيد ما لم نعترف بأخطائنا، أو طالما نصرّ على تبريرها، وسيشكّل هذا التجاهل المتعمّد التهديد الأهم في الوجود؛ إذ سينتهي بنا الأمر لأن نبتلع بعضنا، بينما تستمر التقنية في استهلاكنا؛ حيث تتردّد صرخة نيتشه في نهاية المطاف كنبوءة: "احذروا عصر العدمية القادم لا محالة".

للمشاركة:

هل إيران عنوان التحدي الأبرز لأمريكا؟

2019-11-10

إيران عنوان التحدي الأمريكي الأبرز... هل يبدو هذا منطقياً؟
أعتقد ذلك؛ فبحسب تعبير كونداليزا رايس؛ هي التحدي الإستراتيجي الأخطر على أمريكا، وهي تشكّل حالة مزدوجة من ناحية كونها هدفاً في حدّ ذاتها، ومبرراً لأهداف أخرى، بمعنى أنّ الهدف الأمريكي من إيران هو كبح جماح تطور قدراتها النووية وإفشال مساعيها وأدوارها في العراق، وفي لبنان فيما يتصل بحزب الله، ووقف تنامي نفوذها وتقليص حجم محوريتها في المنطقة بشكل عام، وهي في الوقت ذاته مبرر وعنوان رئيس لأهداف أخرى، أهمّها بقاء أمريكا في المنطقة لأطول فترة ممكنة، وذريعة للتدخّل في لبنان بحجة ارتباط حزب الله بإيران.

اقرأ أيضاً: هل زادت فرص نشوب صراع عسكري بين إيران وأمريكا؟
ليس سهلاً على أيّ أحد القول إنّ من مصلحة أمريكا أن يبقى الخطر الإيراني قائماً، ليبقى معه كلّ هذا الاضطراب في المنطقة، إلا أنّ هذا الأمر ليس مستبعداً، بدليل أنّ أمريكا حريصة على أن يكون لها سبب أو عنوان أو مبرّر لوجودها، وكلّما انتهى سبب، استطاعت أن تخلق سبباً آخر.

أمريكا حريصة على أن يكون لها سبب أو مبرّر لوجودها وكلّما انتهى سبب استطاعت أن تخلق آخر

كان العراق سبباً كبيراً للوجود الأمريكي، وحتى لا تصل أمريكا في وقت من الأوقات إلى حالة تكون فيها مضطرة للخروج من العراق، ومن المنطقة، أوجدت عنواناً دائماً لها، يسمى "إيران"، وقدرة هذه الأخيرة على خلق الجدل وتثوير المجال السياسي العام في المنطقة، وأهمها سوريا ولبنان وحزب الله، كدولة موازية داخل الدولة.

الحرب التي وقعت فعلاً هي الحرب على العراق، والحرب التي تقع باستمرار هي الحرب على إيران، من جهة الولايات المتحدة الأمريكية أولاً، ومن جهة الشعوب التي بدأت تعيد صياغة مواقفها من المسلّمات التي حشرت عنوة في وعيها، مثل وعي الممانعة والمقاومة فيما يتصل بحزب الله تحديداً، الذراع الإيراني الخطير، في خاصرة لبنان.
أياً كانت التحليلات والتوقعات فإنّ قرار إبقاء المشهد الإيراني مفتوحاً على احتمالات متعددة، متصل بالمشهد العام في المنطقة برمّتها، "العراق وسوريا ولبنان" على وجه التحديد، لذا كان الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج دبليو، على سبيل المثال، ممتلئاً بقناعة أنّ إيران لا يجدي معها أيّ جهد دبلوماسي، ومع ذلك بقي دبلوماسياً معها إلى حدّ ما، كذلك الحال مع دونالد ترامب الذي لا يمكن اعتبار قناعاته أسباباً كافية للحرب، ولا للسلام؛ إنّه يبدو كما لو أنّه يعتنق مبدأ الحرب أو اللاحرب، وليس الحرب أو السلام، وثمة فارق كبير بين المبدأين، أن تبقى إيران بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، في حالة الحرب أو اللاحرب، أما مسألة السلام فتلك فكرة لا يمكن الإيمان بها في أجواء مشحونة بالمصالح غير المنجزة للقوى العالمية ولشعوب المنطقة أيضاً، تلك الشعوب التي بدأت تقرأ عناوين مصالحها وخياراتها جيداً، كما حدث في تونس، وكما يحدث اليوم في لبنان عبر انحياز الشعب الخارج في الشوارع لمصالحه، وليس لفئاته السياسية، أو لتكتلات السلطة ومحاصصات نفوذها.

قرار إبقاء المشهد الإيراني مفتوحاً على احتمالات متعددة متصل بالمشهد العام بالمنطقة برمّتها وعلى وجه التحديد بالعراق وسوريا ولبنان

عبث إيران في هوامشها سيؤول حتماً إلى نتائج وخيمة عليها، وليس لها، سواء أكان ذلك في وقت قريب أم بعيد، فليست إيران الوحيدة التي تتقن فنّ إدارة الزمن، واللعب البطيء، إنّ خمسة عشر يوماً في الشوارع ليست فترة طويلة، وليست قصيرة أيضاً، إذا كانت المسألة تعبيراً عن حالة رفض عام، أعني احتجاجات الشعب اللبناني، لكنّها مؤشر على أنّ الشعب اللبناني جادّ وحاسم في وقف العبث بمصالحه ومستقبله، لصالح أجندات سياسية متصلة بمصالح خارجية وأذرع عسكرية أيضاً مرتبطة بمصالح خارجية.

اقرأ أيضاً: أمريكا تعاقب إيران على هجوم أرامكو.. بهذه الطريقة

أختم المقالة بأنّ الخبراء الأمريكيين الذين حاولوا سابقاً الركون للرأي القائل إنّ إيران، مع ما تسبّبه من قلق، فإنّها لا تسعى باتجاه جعل المنطقة أكثر اضطراباً؛ لأنّ ذلك لا يوحي بأنّه يخدم مصالحها وتوجهاتها، ربما أدركوا كم كانوا واهمين، أو لم يدركوا، ذلك شأنهم، لكنّ شواهد المنطقة التي تحتضن هوامش إيران، تؤكد أنّ العبث الإيراني الذي تأسس، سياسياً وعسكرياً، في عدد من الدول، يقدم نتائج بالجملة، فإيران متن مهم من متون السياسة الأمريكية، بينما العراق وسوريا ولبنان هوامش.

للمشاركة:



الإمارات تعيد تأهيل المدارس في مناطق الساحل الغربي باليمن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

أعادت دولة الإمارات العربية، عبر ذراعها الإنساني "الهلال الأحمر الإماراتي"، ترميم وتأهيل وتأثيث 36 مدرسة، موزعة على امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة.

وافتتحت الإمارات، أمس، وفق ما أوردت وكالة "وام"، مدرسة جديدة في مديرية الخوخة تخدم 800 طالب، فيما تشهد الأسابيع المقبلة افتتاح ثمان مدارس أخرى.

الإمارات تعلن إعادة ترميم وتأهيل وتأثيث 36 مدرسة موزعة على امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة

وافتتحت هيئة الهلال الأحمر، أمس، مدرسة الفتح، في منطقة قطابة التابعة لمديرية الخوخة بمحافظة الحديدة، بحضور ممثلي السلطة المحلية، وسط فرحة عارمة من أهالي المنطقة .

وأوضح ممثل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي في الساحل الغربي؛ أنّ الهيئة تعمل وفق خطة إستراتيجية، وبوتيرة عالية، لضمان استئناف العملية التعليمية على طول امتداد مديريات الساحل الغربي المحررة، معتبراً أنّ مدرسة الفتح تقع في منطقة قطابة، ذات الكثافة السكانية، ليتمكن 800 طالب وطالبة من العودة إلى صفوفهم الدراسية .

من جهته، نقل مدير مكتب التربية والتعليم في مديرية الخوخة، إبراهيم أجعش، شكر وتقدير منتسبي القطاع التعليمي وأهالي المديرية كافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

مدير مكتب التربية والتعليم في الخوخة ينقل شكر وتقدير منتسبي القطاع التعليمي إلى دولة الإمارات

وأكّد أجعش، في تصريح صحفي، أنّ الإمارات تمكّنت عبر ذراعها الإنسانية، هيئة الهلال الأحمر، من سدّ الفراغ الحاصل وانتشال قطاع التعليم المدمر في مديرية الخوخة ومختلف مديريات الساحل الغربي.

وفي السياق نفسه؛ أكّد مدير مدرسة الفتح، محمد العود؛ أنّ المدرسة كانت قد خرجت عن الجاهزية، وتوقف التدريس فيها تماماً، قبل أن تتدخل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي لإعادة ترميمها وتأهيلها وتأثيثها.

ولفت العود إلى أنّ هذه هي المدرسة الثالثة التي أعادت الإمارات ترميمها وتأهيلها في منطقة قطابة.

 

للمشاركة:

أحزاب تونسية ترفض سلفاً مخططات الإخوان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

أعلنت أحزاب: "الدستوري الحرّ"، و"التيار الديمقراطي"، و"حركة الشعب"، رفضها القاطع لأيّة تحالفات مع "النهضة" تفضي إلى جلوس إخواني على رأس الحكومة التونسية من جديد.

وكان كلّ من قلب تونس وحزب الدستوري الحرّ، وعيش تونسي، وحركة الشعب والتيار الوطني الديمقراطي، قد أعلنوا رفضهم للتحالف مع حركة النهضة، لتشكيل الحكومة، بعد تصدّر الأخيرة، مما يطرح العديد من نقاط الاستفهام حول كيف ستتمكن حركة الإخوانية من تشكيل حكومتها بعد العزلة السياسية التي فرضتها عليها الأحزاب التقدمية المذكورة، وفق ما أوردت "العين" الإخبارية.

أعلنت أحزاب "الدستوري الحر" و"التيار الديمقراطي" و"حركة الشعب" رفضها القاطع لأيّة تحالفات مع "النهضة"

وتبدو الحركة، التي تقلّص تمثيلها البرلماني من 89 مقعداً في انتخابات عام 2011، إلى 69 مقعداً عام 2014، و52 مقعداً من أصل 217 في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تبدو الآن في أمسّ الحاجة إلى رافعة سياسية داخلية بعد انحسار النفوذ الإخواني الداعم لها في المنطقة وانكشاف ممارساتها في الداخل التونسي، وسقوط شرعيتها وانصراف الناس عنها.

هذا ولم تحدّ الانتخابات الأخيرة من تغوّل حزب النهضة الإخواني فحسب، وإنّما حدّت أيضاً من حجم حلفائه في الشارع السياسي، فقد تقلّص عدد ممثّلي كتلة "نداء تونس" في البرلمان من 44 (عام 2014) إلى 14 مقعداً فقط في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وتتّجه حركة النهضة الإخوانية إلى اقتراح اسم من خارج الحركة، ليكون رئيساً للحكومة الجديدة في تونس، بعد أن أعنلت ترشيح زعيمها، الغنوشي، لرئاسة مجلس النواب التونسي.

 

 

 

للمشاركة:

القوات الحكومية تصدّ هجوماً للحوثيين في مأرب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

تمكّنت القوات الحكومية من صدّ هجوم عنيف لميليشيا الحوثي الإرهابية على مواقع للجيش، في منطقة "المخدرة" بمديرية "صرواح"، غرب محافظة مأرب.

مصدر حكومي يؤكّد مقتل أكثر من 5 مسلحين حوثيين خلال الهجوم وإصابة آخرين

وقال مصدر عسكري، وفق ما نقل موقع "المشهد" اليمني: إنّ الحوثيين شنّوا عدة هجمات على مواقع الجيش في جبهة المخدرة، غرب مأرب.

وأضاف المصدر: "تصدّت قوات الجيش للهجوم، لكن ما تزال الاشتباكات مستمرة في عدد من المواقع التي تسعى الميليشيا للسيطرة عليها".

وأكّد المصدر مقتل أكثر من 5 مسلحين حوثيين خلال الهجوم، وإصابة آخرين، فيما لم يعطي تفاصيل عن الضحايا في صفوف القوات الحكومية.

ويشنّ الحوثيون، بين الحين والآخر، هجمات متكررة على مواقع الجيش في جبهة صرواح في محاولة للسيطرة على تلك المواقع.

الأمم المتحدة: 55 % من سكان اليمن لا يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي

وفي سياق مرتبط بجرائم الحوثيين الإنسانية؛ كشفت منظمة الهجرة الدولية، التابعة للأمم المتحدة، اليوم؛ أنّ نحو 55% من سكان اليمن، لا يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي الأساسية.

وأشارت المنظمة في تغريدات على حسابها في تويتر؛ إلى أنّها تقوم حالياً بإعادة تأهيل مستمرة لـ 7 نقاط مياه، في 3 مستشفيات و4 منشآت صحية، في محافظة شبوة جنوب شرق اليمن.

وأضافت المنظمة: "من المتوقع أن يحصل حوالي 20 ألف مريض شهرياً على المياه بشكل أفضل، بعد الانتهاء من عمليات إعادة التأهيل".

 

للمشاركة:



موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية