لماذا ينفذ الرجال البيض عمليات إطلاق النار الجماعية؟

4638
عدد القراءات

2019-08-26

في أعقاب عمليتَيْ إطلاق نار، مطلع الشهر الجاري، أوقعتا 29 قتيلاً في ولايتي تكساس وأهايو، خلال 24 ساعة؛ كتبت ريبيكا تايلور، مراسلة الأخبار في شبكة "سكاي نيوز" البريطانية، متسائلة: "لماذا ينفذ الرجال البيض المزيد من عمليات إطلاق النار الجماعية؟

اقرأ أيضاً: ما هي نقاط التشابه والاختلاف بين الإرهاب الأبيض و "القاعدة" و"داعش"؟
وأوضحت: "بين عامَي 1982 وآب (أغسطس) 2019، تمّ تنفيذ 110 عملية إطلاق نار جماعي، والبالغ عددها 114 عملية في الولايات المتحدة من قبل الرجال، شاركت النساء في تنفيذ أربع منها فقط، وحالة واحدة نفذها رجل وامرأة معاً (هجوم سان برناردينو، في كانون الأول (ديسمبر) 2015 بولاية كاليفورنيا، نفّذه أمريكي مسلم من أصل باكستاني، ومعه زوجته مواطنته المهاجرة التي كانت قد وصلت حديثاً للبلاد).
64 قاتلاً من البيض و19 من السود
ووفق تحليل إحصائي كان 64 قاتلاً من البيض، في حين كان 19 من السود، و10 لاتينيين، وثمانية آسيويين، وهو ما يعني وفق تلك الإحصائيات؛ أنّ البيض ينفذون حوالي 58% من عمليات إطلاق النار؛ أي إنّ البيض الأمريكيين يفوقون الأشخاص الآخرين.

 المتطرفون اليمينيون مرتبطون بما لا يقل عن 50 جريمة قتل في أمريكا عام 2018
وفي تموز (يوليو) الماضي؛ أخبر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كريستوفر راي، لجنة تابعة لمجلس الشيوخ: "سأقول إنّ غالبية قضايا الإرهاب الداخلي التي حققنا فيها كانت مدفوعة مما قد أسميه عنفاً أبيض، لكنّه يتضمّن أشياء أخرى".

اقرأ أيضاً: هجوم نيوزيلندا: إلى متى يتجنب الغرب الاعتراف بـ"الإرهاب الأبيض"؟
وأضاف: "نحن نأخذ الإرهاب الداخلي، أو جريمة الكراهية، بغضّ النظر عن الأيديولوجيا، على محمل الجدّ، يمكنني أن أؤكّد لكم، ونحن نتابع ذلك بقوة باستخدام كلّ من موارد مكافحة الإرهاب، وموارد التحقيق الجنائي والشراكة عن كثب، نحن "مكتب التحقيقات الفيدرالي" لا نحقق في الأيديولوجيا، بغضّ النظر عن مصدر البغيضة، نحن نحقق في العنف".
موقف رابطة مناهضة التشهير
من جهتها، ذكرت "رابطة مناهضة التشهير"، في كانون الثاني (يناير) 2019؛ أنّ المتطرفين اليمينيين "مرتبطون بما لا يقل عن 50 جريمة قتل في الولايات المتحدة، عام 2018"، وهي أكثر حالات القتل المسجلة منذ عام 1995. ووجدت أيضاً أنّ "73.3٪ من جميع الوفيات يمكن ربطها بالمتطرفين اليمينيين المحليين، في حين أنّ 23.4 ٪ يمكن أن يُعزى إلى المتطرفين الإسلاميين".

يربط ترامب العنف الأهلي في أمريكا بالمهاجرين بينما الحقائق المجردة تؤكّد أنّ أغلب عمليات القتل الواسعة لا ينفذها مهاجرون

رغم أنّ هناك تكهنات متكررة حول مخاوف الصحة العقلية لأولئك الذين يقومون بالأفعال المدمرة، إلا أنّ الحديث أقلّ حول ما إذا كان جنس الجاني يمثل مشكلة أكبر.
وبعد اتهام نيكولاس كروز بـ 17 تهمة بالقتل؛ لقيامه بإطلاق النار في مدرسة مارجوري ستونيمان دوغلاس الثانوية، في باركلاند بولاية فلوريدا، في شباط (فبراير) 2018، قال البروفيسور ديفيد ويلسون، المتخصص بعلم الجريمة في جامعة برمنغهام سيتي: إنّ مطلقي النار في المدارس الأمريكية ذكور استخدموا أسلحة نارية مملوكة قانوناً، عادة أسلحة شبه آلية، أو كانوا طلاباً سابقين في المدرسة التي يستهدفونها".
وبشأن تأثير الصحة العقلية، يقول خبراء أمريكيون: "ليس نقص توفير خدمات الصحة العقلية في الولايات المتحدة هو السبب، بل توافر الأسلحة".
تكهنات متكررة حول مخاوف الصحة العقلية لأولئك الذين يقومون بالأفعال المدمرة

ماذا كان رد ترامب؟
كعادته، لم يخرج رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن القاعدة التي باتت ثابتةً في قراءة السلطات الأمريكية لحوادث إطلاق النار الجماعي في العامَيْن الماضيَيْن، ومعظمها تسبّب بها رجال بيض، فهي حوادث "عنف محلي" ينفّذها (متخلفون عقلياً ومرضى نفسيّون)، بينما وصف "إرهاب" هو صفة العمليات التي ينفذها غير البيض، والمسلمون تحديداً.

نائب وزارة العدل الأمريكية السابق: مكتب التحقيقات يصنّف عمليات القتل على أنّها إرهاب داخلي الوصف الأدقّ هو الإرهاب الأبيض

الغريب فيما اقترحه ترامب غداة حادثتي تكساس وأهايو على الجمهوريين والديمقراطيين حول "التوافق بتشديد القيود على الأسلحة"، هو في ربطه بمشروعه حول الإصلاحات المتعلقة بالهجرة: "على الجمهوريين والديمقراطيين أن يتّحدوا، وأن يقوموا بالتحقق بشكل دقيق من خلفيات الموضوع، وربما ربط قانون (السلاح) بإصلاح الهجرة الذي نحن في حاجة ماسّة إليه".
مرة أخرى، يربط ترامب العنف الأهلي في أمريكا بالمهاجرين، بينما الحقائق المجردة الصادرة عن المؤسسات الأمريكية تؤكّد؛ أنّ أغلب عمليات القتل الواسعة ينفذها مواطنون لا مهاجرين.
ترامب والكراهية والأمراض العقلية
صحيح أنّ الرئيس ترامب، وبعد مقتل 20 شخصاً في أحد فروع "وولمارت"، وهي سلسلة المتاجر الأمريكية الأكبر، في مدينة إل باسو بولاية تكساس، و9 آخرين أمام حانة في حيّ يعجّ بالملاهي الليلية في مدينة دايتون، بولاية أوهايو، بعد 13 ساعة على الحادثة الأولى، قال إنّه "لا مكان للكراهية في بلدنا"، لكنّه عزا أعمال العنف إلى الذريعة الأمريكية الثابتة؛ (فهي ناتجة عن مشاكل أمراض عقلية"، موضحاً "هؤلاء أشخاص مصابون بأمراض عقلية خطيرة جداً"؟
خلاصة ترامب هذه لم يقرّها سواه، والشرطة لم تؤكّد بعد ذلك الاحتمال (إصابة مطلقي النار بأمراض عقلية).

اقرأ أيضاً: "الإرهاب الأبيض": إلى متى تتجاهل أمريكا الخطر الأكبر على أمنها؟
وخروجاً على قاعدة ترامب والنغمة السائدة التي بدا أنّ أحداً لا يصدقها "تفكر السلطات في اتهام المشتبه في عملية تكساس بارتكاب جرائم كراهية فيدرالية" بعد أن أكّد مسؤول فيدرالي، بحسب ما أوردت "نيويورك تايمز"؛ أنّ "المشتبه به قام بإصدار بيان ضدّ المهاجرين".

 المنفّذ باتريك كروسيوس (21 عاماً)
وكان المنفّذ، باتريك كروسيوس (21 عاماً)، "نشر بياناً على الإنترنت من 2300 كلمة مناهضة للمهاجرين قبل دقائق من إطلاقه النار".
وقال خايمي إسبارزا، محامي مقاطعة إل باسو: إنّ مكتبه اتهم كروسيوس بالقتل العمد، وسيطلب عقوبة الإعدام في أيّة محاكمة قضائية.
وفيما لن يمسّ الرئيس ترامب معسكر أشدّ مناصريه (منظمة الأسلحة الأمريكية)، أكّدت السلطات أنّ البندقية المستخدَمة في إطلاق النار في تكساس "تمّ شراؤها بشكل قانوني، وتمّ السماح للمسلَّح بحملها علانية"، هنا يؤكد منتقدو المنظمة التي تشتري معظم السياسيين، وتحديداً الجمهوريين منهم؛ أنّ "معظم عمليات القتل الجماعية تمّت بأسلحة مرخَّصة".
وكان رود روزنشتاين، نائب وزارة العدل الأمريكية السابق، كتب على موقع تويتر: "قتل المدنيين بشكل عشوائي يتم لنشر رسالة سياسية؛ هو الإرهاب، ومكتب التحقيقات الفدرالي يصنّفه على أنّه إرهاب داخلي، لكنّ الوصف الأدقّ هو الإرهاب الأبيض".
وأكّد روزنشتاين أنّ "العديد من القتلة تلقوا تعاليم الكراهية من خلال الإنترنت، مثلهم مثل الإرهابيين الإسلامويين".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



رئيس تونس الجديد في مجابهة بركان الصراعات السياسية.. فهل ينجح؟

2019-10-14

قلب الشباب التونسي، الذي استقال من الحياة السياسية منذ عام 2011، المعادلة الانتخابية، وعاقب الطبقة الحاكمة، بمحاولة إقصائها من المشهد، لينتخب المرشّح المستقل قيس سعيّد (61 عاماً) الذي يتبنى أفكاراً اجتماعيةً محافظة، والداعم لمبادئ الثورة، ومطالبها، بنسبة فاقت 76 بالمئة، متقدّماً على منافسه، نبيل القروي، بأكثر من أربعين نقطة، وفقاً لتقديرات شركات سبر الآراء، وهي نسبة تُسجّل لأوّل مرّة في تونس منذ ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، 90 بالمئة منها من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً.

العبيدي: الخبرة القانونية نقطة إيجابية تُحسب لرئيس البلاد لكنّها غير كافية لتسيير دواليب الدولة

وفي ظرف وجيز استطاع سعيّد بعثرة أوراق الأحزاب التقليدية، وإنهاء مسيرة شخصيات سياسية بارزة، تحكّمت إلى وقت قريب في مفاصل الدولة، أن يكسب تأييداً واسعاً من قبل الشباب الغاضب، خصوصاً بعد أن رفض منحة الدولة التي قُدمت له من أجل الإنفاق على حملته الرئاسية، معتبراً إيّاها من أموال الشعب ولا يحق له قبولها، واعتمد على مجهوداتٍ ذاتية قادتها مجموعة من الشباب التونسي.
قراره رفض مواصلة حملته الانتخابية ما لم يتم الإفراج عن منافسه، رجل الأعمال التونسي نبيل القروي، بجولة الإعادة، حيث أعلن حينها وقف جميع أنشطة حملته حتى الإفراج عن منافسه، وإتاحة الفرصة كاملة له، لخوض الانتخابات بنزاهة وشرف، وضماناً لتكافؤ الفرص بينهما، كان له وقع إيجابي لدى مؤيديه، وأكسبه مزيداً من الدعم.
آلاف التونسيين يحتفلون بفوز قيس سعيد برئاسة تونس

رئيس دون خبرة سياسية
ولئن عُرف الرجل منذ ظهوره كخبيرٍ قانوني على شاشات التلفزيون التونسي عقب الثورة بمداخلاته العلمية للفصل الدقيق في الخلافات الدستورية بين القوى السياسية، وبنظافة يده واستقامته، لكنّه مع ذلك لا يملك رصيداً سياسياً قوياً يجعله قادراً على مواجهة أسماء بارزة في المشهد السياسي، ولا خبرة كافية لإدارة المناورات السياسية، كما أنّه لا يستند إلى حزب أو جهة سياسية تدعمه.

ونيس: التزام قيس سعيّد باعتماد الشريعة في القوانين مخيف وخطوة إلى الوراء في مجال الحريات الفردية

سعيّد الذي أبهر متابعيه باستخدامه المتقن للغة الضاد في كل تدخلاته وتصريحاته للصحافة، التي ظهر خلالها بهيئة الاستثناء الذي لا يشبه باقي السياسيين، وهو الذي لم يبتسم أبداً في كلّ مداخلاته الإعلامية منذ 2011، وبدا جديّاً إلى درجة وصفه بـ"الرجل الآلي"، شدّد في عدّة مناسبات على أنّه ترشح "مكرهاً"، وأنّه غير مدعوم من أيّ حزب؛ لأنّه يرى أنّ عهد الأحزاب قد "أفلس وولى"، وأنّ السلطة يجب أن تكون بيد الشعب وحده.
هذا واعتبر المحلل السياسي، عبد الله العبيدي، في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ الخبرة القانونية نقطة إيجابية، تُحسب لرئيس البلاد، لكنّها غير كافية لتسيير دواليب الدولة، وأنّه على سعيّد أن يكوّن حزاماً سياسياً وبرلمانياً، ليستطيع مواصلة تسيير مهامه.

اقرأ أيضاً: بعد فوز سعيّد... علاقته مع النهضة تثير مخاوف التونسيين
وشدّد العبيدي على أنّ البرلمان الجديد، تضمّن عدّة أعضاء مورطين في قضايا فساد وتهرّب ضريبي، إلى جانب مهرّبين، وهو ما سيضع كل المبادرات التشريعية، تحت طائلة المساومات، وسيعطّل سير الدولة، وعمل الحكومة، في ظلّ عجز الرئيس عن التفاوض مع مختلف مكونات المشهد من حكم ومعارضة، وإدارة المناورات السياسية.
المحلل السياسي رجّح أيضاً لجوء الرئيس المنتخب، إلى استفتاءات شعبيّة على بعض المبادرات التي تمرّ ضرورة بالبرلمان، في ظلّ المعارضة التي قد يلقاها.
لم يخبر التونسيين ببرنامجه
لم يخبر سعيّد الشعب التونسي بتفاصيل برنامجه الانتخابي، ودار معظم ما قاله في لقاءاته في فلك ضرورة إصدار تشريعات جديدة، واكتفى بالمدافعة عن لامركزية القرار السياسي، وضرورة توزيع السلطة على الجهات ويتبنى شعار الثورة "الشعب يريد" و"شغل حرية كرامة وطنية".

ثابت: حركة النّهضة تسعى إلى السيطرة على الرئاسات الثلاث وسعيّد مجبرٌ على التحالف معها

ويرى سعيّد أنّه لا يجب تقديم برنامج جاهز، بل يجب أن يضع الشعب التونسي برنامج الرئيس؛ أي أن يقدم مطالبه، ليضع من خلالها هو برنامجه للخمس سنوات القادمة.
ورجّح الديبلوماسي السابق والمحلل السياسي، أحمد ونيسي، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّه لا تسير الدولة وفق برنامج مسطّر، ومخطّط واضح؛ بل ستسير وفقاً لمسائل تطرأ عليها بين الفينة والأخرى، وسيعتمد فيها سعيّد على الفريق الحكومي، الذي سيتم تشكيله من قبل الحزب الأوّل في البلاد (حركة النّهضة)، مشيراً في المقابل، إلى أنّ سعيّد يتمتّع باندفاع وطني مطمئن.
ولم يُعرف بعد عن سعيّد من أيّ تيارٍ فكري هو، خاصّةً أنّه لم يصنّف نفسه، ولم يقدم آراءه الشخصية في قضايا تتعلق بسياسات الدولة، وقد اعتبره البعض يسارياً فيما صنّفه آخرون بالإسلامي المحافظ، لكنّ المخاوف الليبرالية واليسارية تصاعدت بعد جملةٍ من المواقف التي أدلى بها، بخصوص الحريّات الفردية، بعد أن أكد رفضه لمقترح المساواة في الميراث بين الإناث والذكور، واعتبر أنّه لا مجال فيها للتأويل أو الاجتهاد؛ لأنّ النص القرآني واضح؛ فضلاً عن دعمه تطبيق عقوبة الإعدام.
ويقول في هذا الشأن أحمد الونيسي، إنّ التزام سعيّد باعتماد الشريعة في القوانين، "مخيف وخطوة إلى الوراء بالنسبة إلى تونس التي قطعت أشواطاً هامّةً نحو الحرية، وهو ما قد يلقى معارضة شديدة من قبل القوى الحداثية".
قيس سعيّد يبعثر أوراق الأحزاب التقليدية

مخاوف من تغوّل حركة النّهضة
من جهتها، ألقت حركة النهضة بثقلها لدعم سعيّد، بعد خروج مرشحها عبد الفتاح مورو من الدور الأوّل، وحشدت أنصارها، لانتخابه، ودعم حملته الانتخابية، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة منها لاستمالته، من أجل فرض سيطرتها على الرئاسات الثلاث (رئاسة البرلمان والحكومة والجمهورية)، خصوصاً بعد فوزها بأكثر الأصوات في الانتخابات التشريعية، وهو ما يمنحها حق تعيين رئيس حكومة.
وهو ما أشار إليه المحلّل السياسي، منذر ثابت، الذي أكّد أنّ الحركة تنسب لنفسها الانتصار الرئاسي لقيس سعيّد، وتعتبر نفسها الفاعل الرئيسي الذي رجّح كفّة فوزه، معتبراً أنّ ذلك في سياق حسابات شديدة التعقيد، في مسعى إلى توظيفه لاستكمال حلقات استحواذها على الرئاسات الثلاث.

الفتيتي: حركة النّهضة لن تطالب برئاسة الحكومة خوفاً من تحمّل مسؤولية إخفاقها

وقال ثابت، في تصريحه لـ"حفريات"، إنّ المخاوف التي طبعت المشهد السياسي مؤخّراً من إمكانية تغوّل الحركة، وسيطرتها على كلّ أجهزة الدولة، لها وجاهتها، خاصّةً أنّ القاعدة الانتخابية التي دعمت سعيّد، معظمها من أنصار النّهضة، كما أنّ فوزها بالقوة البرلمانية الأولى، رغم عدم حصولها على الأغلبية رغم فوز حلفائها بثالث مركزٍ في البرلمان، يمنحها حق تكوين حكومة، "وبالتالي فهي ضمنت رئاسة البرلمان والحكومة في انتظار رئاسة البلاد".
المحلّل السياسي أكّد أيضاً أنّ الرئيس المنتخب حديثاً سيحتاج بالضرورة إلى دعم حركة النّهضة، على مستوى تمرير مبادراته التشريعية، وأنّه سيكون في بعض الأحيان ملزمٌ على التحالف معها، من أجل المصادقة على القوانين التي تتطلّب أغلبيةً تفوق 109 أصوات.

اقرأ أيضاً: انتخابات تونس.. برلمان دون أغلبية وفوز منقوص لحركة النهضة الإخوانية
في مقابل ذلك؛ يرى عضو مجلس نواب الشعب المتجدّدة عهدته، طارق الفتيتي، أنّ حركة النهضة دعمت قيس سعيّد على حساب نبيل القروي، في محاولة للتخفيف من شدّة غضب قواعدها الذي عاقبوها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الماضية، بعد أن غادرها أغلبهم، وتراجعت من مليون ونصف مليون ناخب إلى أقل من 500 ألف ناخب فقط.
واستبعد الفتيتي، في حديثه لـ"حفريات"، أن تطالب حركة النّهضة برئاسة الحكومة، خوفاً من تحمّل العبء، وتحمّل مسؤولية إخفاقها؛ لأنّها تملّصت منذ 2013، إلى اليوم من هذا المنصب، لافتاً إلى أنّها تعي جيّداً أنّ السلطة الأصليّة تحت قبّة البرلمان، كما أنّ التوازنات السياسية، والتحالفات التي ستجريها مستقبلاً لن تسمح بمنح الحركة كافة الرئاسات.

للمشاركة:

قمع التظاهرات العراقية.. هل تغير الوضع عن النظام السابق؟

2019-10-14

مع إعلان "المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق" عن وفاة متظاهرين اثنين في محافظة ميسان (جنوب) بلغ عدد الضحايا الذين سقطوا في القمع الرهيب للاحتجاجات الشعبية  108، والجرحى زادوا على الأربعة آلاف، غير الذين سحبتهم عوائلهم من المشافي بعدما بدأت حملة من التحقيقات طالت الجرحى وهم على أسرّة العلاج.

اقرأ أيضاً: احتجاجات العراق.. والدور الإيراني
هذا المشهد في ملاحقة الجرحى واقتيادهم إلى السجون أو تغييبهم يذكّر بآخر مارسته سلطات نظام صدام حسين في العام 1991 بعد إفشالها انتفاضة شعبية بقوة الحديد والنار، وهو ما يلفت إليه الكاتب صادق الطائي، في مقال له نشرته صحيفة "القدس العربي" أول من أمس: "من ناحية العنف الذي وجّهته القوات الحكومية للمتظاهرين، فقد كان الأعنف مقارنة بكل حالات المواجهة بين محتجين وقوات حكومية منذ 2003، وذكّر قمع المتظاهرين بأداء القوات الأمنية للنظام السابق في تعاطيها مع المحتجين".

بين ضحايا التظاهرات من وُلدوا العام 2003 مع الاحتلال الأمريكي وآثاره الكارثية
وما كشفته لاحقاً فيديوهات صورها مواطنون وناشطون ومدونون عن فصول القمع للمتظاهرين تؤكد أنّ العراق انتقل بقوة من "ديمقراطية ناشئة" إلى "دولة بوليسية متوحشة" شيّعت المحتجين باتهامات موالاة البعث والسفارات الأجنبية، وهو ما يتوقف عنده الكاتب والصحافي الشاب أحمد الشيخ ماجد؛ حيث كتب على صفحته على فيسبوك: "بين شهداء التظاهرات هناك من مواليد 2003، ولدوا مع الاحتلال الأمريكي وآثاره الكارثية، سمعوا رصاصات الحرب الطائفية وكانوا أطفالاً، كان شيعة السلطة من المسؤولين عن هذه الحرب أيضاً، شاهدوا جثث إخوانهم ملفوفة بالأعلام العراقية بعد اجتياح تنظيم داعش للمحافظات العراقية، وكان شيعة السلطة من المسؤولين عن هذا أيضاً، مرت عليهم جثث العراقيين متناثرة في مناطقهم أثناء المفخخات، حين كانت كل سيّارة عراقية مشروع مفخخة، وكان شيعة السلطة من المسؤولين عن هذا الأمر، وشيعة السلطة هم المسؤولون عن دمائهم، وحدهم فقط، لا منافس لهم في الإجرام".

"قوات مكافحة الشغب" التي كان لها الدور البارز في قمع المتظاهرين تحولت إلى "منفى للمُعاقبين" في وزارة الداخلية

ويتساءل كثير من العراقيين عن مؤسسات أمنية تقمع المتظاهرين بهذه الوحشية، فيما يفترض أنّها بنيت بعد العام 2003 على قيم حقوق الإنسان ومنها حق التظاهر والاحتجاج السلمي، لنكتشف أنّ "قوات مكافحة الشغب" التي كان لها الدور البارز في قمع المتظاهرين قد تحولت إلى "منفى للمُعاقبين" في وزارة الداخلية التي توزّع الضباط والمراتب قبل تخرجهم على أجهزتها المتنوعة؛ حيث ينخرط الضباط في دورات تخصصية في مجال عملهم، وفي حالة إجراء نقل أو تنسيب لضرورة ما يكون لقسم مقارب للقسم الأصلي.
لكن قوات مكافحة الشغب تحوّلت إلى منفى للمُعاقبين في الوزارة، بحسب مصدر في الوزارة، والذي يقول إنّ "النقل إلى قوات مكافحة الشغب هي إحدى أقصى العقوبات التي يتلقاها الضباط المخالفون أو المرتشون بعد إحالتهم للجان تحقيقية".

اقرأ أيضاً: العراق ما بعد الأول من أكتوبر
وثمة ضابط برتبة نقيب كان في مديرية المرور العامة "ضُبط متلبساً بتسلم رشاوى مقابل منح إجازات سوق وتمرير معاملات أخرى"، لكنه تمكّن من تجنّب عقوبة الفصل بـ"دفع مبالغ كبيرة، قبل أن يصدر قرار من قبل القائمين على ملفه، يقضي بنقله إلى قوة مكافحة الشغب؛ حيث ظهر في تسجيلات فيديو لأكثر من مرة يضرب المتظاهرين في ساحة التحرير".

ما آلت إليه مؤسسة الحكم بالعراق جعلت حتى المتعاطين معها بشيء من الموضوعية يطالبون برحيلها

جهازان تابعان لوزراة الداخلية، هما؛ "الشرطة الاتحادية"، وجهاز "مكافحة الشغب" كانا الأكثر قمعاً للمتظاهرين، وهو ما سيجعل التحقيقات تتوجه نحو قيادات وضباط كبار في الجهازين وتحميلهم المسؤولية لتجنّب الحقيقة القاسية والتي تتعلق بأنّ القناصة الذين أثخنوا جراح المتظاهرين واستهدفوهم واحداً واحداً ينتمون إلى ميليشيات مسلّحة مقربة من إيران وتعمل ضمن هيئة "الحشد الشعبي" برئاسة مستشار الأمن الوطني فالح الفياض.
ونقل تقرير صحافي، نشرته "العربي الجديد"، تأكيداً على مسؤولية أركان الحكومة في قتل المتظاهرين: "آمرو ألوية وأفواج، ومسؤولون في مكتب عبد المهدي ومكتب مستشار الأمن الوطني فالح الفياض، يقفون وراء إعطاء الأوامر بإطلاق النار وقمع المتظاهرين، خصوصاً بين 3 و6 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري. أصدروا أوامر وتوجيهات بقمع المتظاهرين في ساحة التحرير والطيران وقرب مستشفى الجملة العصبية ليلة السبت وشارع الفلاح وساحة مظفر في مدينة الصدر مساء اليوم التالي (الأحد) من الأسبوع الماضي، صادرة من قيادات أمنية رفيعة على صلة بمكتب رئيس الحكومة نفسه".

رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي
ويلفت الخبير الأمني والسياسي هشام الهاشمي، في مقال له منشور على موقع "ناس نيوز"، إلى أنّ "التهم سوف توجه إلى ضباط من مكافحة الشغب والشرطة الاتحادية والطوارئ وقوات من الجيش العراقي، علماً أنّ هذه الرتب جميعها كانت لديها تعليمات صارمة من عادل عبد المهدي بعدم استخدام القوة المميتة مهما كانت الظروف، وبحسب سجلات هؤلاء الضباط إنّ أغلبهم حضر ورشاً ودورات تدريبية عن حقـوق الإنـسان، وقـد انكـشفت أسماء ووجوه هؤلاء الضباط لدوائر المعلومات والأمن الخاصة بالأجهزة التي ينتسبون إليها".
المتهمون يحققون بقتل المتظاهرين!
ولتدارك فضيحة تحوّلها إلى حكومة بوليسية حقيقية، أمطرت الرئاسات العراقية الثلاث على مواطنيها "لجان تحقيقية بقتل المتظاهرين"، وانتهت لاحقاً إلى لجنة مركزية برئاسة الحكومة، غير متنبهة إلى مفارقة أنّ "التحقيق بقتل المتظاهرين سيكون من قبل الطرف المتهم بقتلهم"، فيما لا يبدو مؤكداً دور قوي للقضاء، وهو ما تنبه إليه الخبير الهاشمي "لقد كشفت التسريبات أنّ لجان التحقيق المشتركة التي تم تشكيلها للتحقيق في عملية انتهاك حقوق الإنسان واستخدام العنف المفرط في تفكيك تجمعات التظاهرات في بغداد والنجف وذي قار، بحاجة لمشاركة قضاة من مجلس القضاء الأعلى، وإنّ نتائج التحقيق قد تتأخر أكثر من 5 أيام وقد لا يتم نشر نتائجها أمام الرأي العام".

الهاشمي: التهم سوف توجه إلى ضباط من مكافحة الشغب والشرطة الاتحادية والطوارئ وقوات من الجيش العراقي

وحيال مسؤولية رئيس الحكومة، وهو ما حاول التنصل منه، كتب الناشط والصحافي أحمد عبد الحسين، في صفحته على الفيسبوك، خطاباً قصيراً لعبدالمهدي: "لقد خسرت معركتك أمام شعبك حين أغراك مستشاروك بانتهاج أسلوب سلفيك (المالكي والعبادي). اليوم قتلتْ "قواتك" شباناً عزّلاً بدم بارد، وأظنك قد كتبت نهايتك بيديك. ويا لها من نهايةٍ لرجلٍ تنقّل في الأيديولوجيات من ماركسيّ ماويّ إلى قوميّ اشتراكي ثم إلى عنصر في الحرس القوميّ ثم إلى إسلاميّ متشدد فإسلاميّ متحزب فإسلاميّ مستقلّ ثم ها هو يصبح في لحظةٍ سوداء عدوّاً لشعبه وقاتلاً لشبابٍ بعمر الزهور".
ويذكّر عبدالحسين "رفيقه" القديم أيام العمل في المعارضة العراقية قبل 2003 "سيدنا أبا هاشم، أنت على مشارف الثمانين من عمرك الذي لم يبق فيه متسع لحياةٍ تنعم بها هانئاً حتى لو ضممت مال سلفيك؛ العبادي والمالكي، إلى مالك الكثير أصلاً. سنّك تجعل القبر أقرب إليك من حلم التنعّم بهذه الأموال. هل تتقبّل نصيحة من "صديقك" القديم الذي عمل معك أيام المعارضة: الاستقالة أفضل ما تفعله الآن. عسى أن تكفّر فيها عن بعض ذنبك. يا لها من نهاية"!

اقرأ أيضاً: لماذا ثار العراقيون؟
ما آلت إليه مؤسسة الحكم في العراق جعلت حتى من الأصوات التي تتعاطى معها بشيء من الموضوعية تطالب برحيلها، ومجيء أخرى بإشراف دولي لا دخل لمؤسسات النظام الحالي في تنظيمها، وهو ما كتب حوله الصحافي مشرق عباس، في مقال له منشور على موقع "الحرة" حيث قال: "يبقى الأصل في التعاطي مع المطالب التي أشعلت التظاهرات من خلال ما قدمه المتظاهرون أنفسهم من مطالب، وتضمنت حلولاً جوهرية لإصلاح النظام السياسي برمّته من خلال حزمة قوانين وإصلاحات تبدأ بقانون انتخابات عادل ومفوضية نزيهة وإشراف أممي على الانتخابات مع الأخذ في الحسبان الذهاب إلى انتخابات مبكرة وإنهاء نظام المحاصصة، مروراً بتفعيل قوانين وإجراءات الخدمة العامة والقضاء على الفساد، وانتهاء بوضع خطط منهجية لتوفير الخدمات والتعاطي مع أزمات الشباب".

للمشاركة:

مومياء يويا وتويا: هل اكتشف المصريون جثمان النبيّ يوسف؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-10-14

بعد أن حلّت مقبرة الملك توت عنخ آمون مكانة كبيرة في نفوس علماء المصريات، تمّ رفعها من العرض المخصص في المتحف المصري بالقاهرة، لتحلّ محلّها مقتنيات مقبرة الزوجين "يويا وتويا"، التي تشمل مومياواتهما، المكتشفة قبل مقبرة الملك توت بسبعة عشر عاماً.
يجمع العلماء على أنّ يويا، مستشار الفرعون، كان شخصية استثنائية في حكم الأسرة الثامنة عشرة، لدرجة دفعت بعض الباحثين إلى طرح نظرية تثبت أنّ يويا هو نفسه النبي يوسف بن يعقوب، الذي ورد أثره في التوارة والقرآن الكريم.

صورة من قبر يويا وقت اكتشافه 1905

شفرات الكتب المقدسة
حفل كلٌّ من العهد القديم والقرآن الكريم بقصة النبي يوسف، عليه السلام، وإخوته وأبيه يعقوب، عليه السلام، حتىّ إنّ القرآن الكريم نزل بسورة كاملة تروي قصة النبي يوسف، عليه السلام، ورحلته إلى مصر، التي مكث فيها حتى وفاته، ووفق العهد القديم، الذي تتشابه سرديته مع القرآن الكريم في قصة النبي يوسف، عليه السلام، ومن الرواية التوراتية والقرآنية، حاول كتاب "غريب في وادي الملوك"، للباحث المصري في علم المصريات، أحمد عثمان، تقديم نظرية جديدة، تفيد بأنّ يويا المكتشف قبل أكثر من قرن، هو نفسه يوسف الصديق، أبو الفرعون، الذي قدمته الكتب المقدسة، ليدلل عثمان في أطروحته على وجود وزير قد دفن في مقابر الملوك، إنّما يدل على أنّه شخص استثنائي، كما أنّ الاسم الغريب عن اللغة المصرية، ينفي أنّه من أبناء البلد، إضافة إلى عدم ثقب آذان المومياء، على عكس المعهود من آثار الفراعنة، وما زاد شكوك الباحثين، كان خلوّ المقبرة من أيّة نقوش ورسومات تكشف بسهولة أصحاب المقبرة، إضافة إلى الحالة المثالية التي وجدت عليها المومياء، فالجسم والشعر بحالة جيدة جداً، وهو ما أضاف الغموض حول هوية المومياوات.

اقرأ أيضاً: بالصور: الفرعون الحائر يصل محطته الأخيرة

صورة الزوجين وتعكس الشعر بحالة جيدة

إضافة إلى الجثامين؛ حظيت مقتنيات المقبرة باهتمام الباحثين، والتي لم تكن بالكثيرة، سوى عجلة حربية، والتي لا توجد في قبر رجل عادي، وقلادة من الخزرات الكبيرة مصنوعة من الذهب واللازورد، وبعض الخيوط القوية، يبدو أنّ الخيط تمّ كسره بواسطة اللصوص، إضافة إلى بعض المقاعد الخشبية والأثاث الجنائزي، وتوابيت المومياوات التي نقش عليها اسم يويا، بأحد عشر إصداراً من الاسم، باللغة المصرية القديمة، وهنا يطرح عثمان فرضية أنّ الاسم الذي ينقش على قبر أحدهم هو اسم الإله الذي يرعى الميت، وهو ما لم يوجد في قبر يويا.

اقرأ أيضاً: الفراعنة إذ يقتربون من أخلاق الإسلام: قراءة في وصايا الحكماء

تقدم نظرية أحمد عثمان، التي أيدها كثير من الباحثين الأوروبيين، طرحاً يتماس مع الدين

بين المقدَّس والنظري
تقدم نظرية أحمد عثمان، التي أيدها كثير من الباحثين الأوروبيين، طرحاً يتماس مع الدين، فيما تتعالى صيحات المجتمعات المتدينة رفضاً لتلك النظرية، بينما يحاول هو التوفيق بين التواريخ المقاربة لوجود يويا، مع فترة حياة النبي يوسف، عليه السلام، بمصر، وهو ما يرفضه تيار واسع من علماء المصريات، المسلمين بشكل خاص، كون ما يقدمه يدحض القداسة الدينية التي تعلي من الأنبياء؛ حيث إنّ الأرض لا تأكل أجسادهم، وكونها لا تستند إلى نصّ قرآني أو توراتي صريح، يحدّد متى ومع من عاش يوسف الصديق بمصر، إلّا أنّ الرواية التوراتية التي تخبرنا بأنّ النبي يوسف قضى نحبه وهو ابن 110 أعوام، وهو ما ينطبق على الجثة، بحسب كلام إليوت جرافتون سميث، أحد القائمين على تشريح مومياء يويا، فالرجل لم يمت وهو أقل من الستين؛ إذ كان متوسط الأعمار آنذاك 35 عاماً، وهو ما جعل المصريين يعتقدون أنّ الشيخوخة رمز للحكمة، ويقدسون أصحابها، فيما كتب عن يويا على البرديات المصرية؛ أنّه "الحكيم الوحيد الذي يحب إلهه"، فالشيخوخة إنّما كانت رمزاً للقداسة.

يويا وابنته تي

ومن موقع الأحداث التوراتية التي وقعت في طيبة عاصمة مصر العليا، ذات البوابات المئة، التي حكاها الشاعر اليوناني، هوميروس، وأخبر يعقوب أبناءه عنها في العهد القديم، عاش يويا برفقة زوجته، وابنته "تي"، والتي ستنجب لاحقاً "أخناتون"، أول من نادى بالتوحيد في مصر القديمة، وابن امنحتب الثالث الذي عيّن يويا مستشاراً له وقائداً للجيش والجنود، ويروي سيجال؛ أنّ المقبرة كانت تحتوي على ختم فقد لاحقاً، منقوش عليه "أبا الفرعون"، وهو اللفظ الذي منحه حاكم مصر ليوسف الصديق، كما نصّت التوراة أيضاً على العجلة الحربية التي استقبل بها النبي يوسف إخوته، وقد وجدت في قبره، وهنا حدث اللغط بين علماء المصريات الذين اعتقدوا أنّ ملوك الهكسوس الذين حكموا مصر هم أول من أدخل العجلة الحربية، وهو ما لم يكن صحيحاً؛ حيث تمّ التنقيب عن كلّ مواقع الهكسوس في دلتا النيل، ولم يُعثر على أيّ أثر لعجلات حربية، إلّا بقدوم الأسرة الثامنة عشرة، التي طردت الهكسوس وقدّمت العجلة الحربية للمصريين.
مغالطات التاريخ
يبدو أنّ الباحثين الأوروبيين وجدوا في نظرية عثمان قصة أكثر تشويقاً، تجعلهم يؤيدونها وبشدّة، وبحسب مدرّس التاريخ والآثار الفرعونية بجامعة الإسكندرية، الدكتور أحمد حمدي حسين، في تصريحه لـ "حفريات"؛ "كل من يويا وزوجته مصريان من منطقة إخميم بسوهاج، وقد نزحا للإقامة بالعاصمة طيبة؛ إذ كان يويا يعمل كقائد للعجلات الحربية للملك امنحوتب الثالث، وعملت تويا رئيسة للحريم الملكي لقصر الملك، وابنتهما "تي"، التي تزوجها الملك فيما بعد، كان لها من النفوذ في القصر ما جعل السفراء يفضّلون التواصل معها على التواصل مع الملك نفسه، وخُصّص لها مركب، وقد اشتهر الملك امنحوتب بأنّ البلاد انتعشت في حكمه، كما لم تنهض قبل، وبعد أن أنجبت الملكة تي ابنها أخناتون، الذي نادى بتوحيد الآلهة، إلّا أنّ والدته لم ترق لها الدعوة التي ستنتقص من نفوذها الكبير.

حفل العهد القديم بقصة النبي يوسف وإخوته وأبيه يعقوب حتىّ إنّ القرآن الكريم نزل بسورة كاملة تروي القصة والرحلة إلى مصر

رحل أخناتون إلى تل العمارنة في المنيا، وأقام فيها حتى مماته، أمّا يويا، فكان وزيراً استثنائياً وحامل أختام الملك، وذلك بفضل ذكاء زوجته وابنته التي أحبّها الملك لشدّة ذكائها".
ويستطرد الدكتور حسين: "القرآن الكريم والكتب المقدسة هي للحكمة والعبرة والعظة، ولا يجوز أن نحاول إثبات كل ما أتى فيها، أمّا ما يقدمه عثمان فأعتقد أنّ لا أساس له من الصحة، فيويا هو اسم مصري، كما زوجته المصرية وابنتهما التي تزوجّت من الملك هي السبب في أن يصبحا أصحاب مكانة استثنائية عند الملك، لا أنّه نبيّ، كما يزعم عثمان، وأكبر دليل على ذلك؛ أنّ المقبرة لم تتضمّن أشياء عظيمة كمقابر الملوك، وإنّما هي مقابر لشخوص عاديين، عاشا في رحاب البلاط الملكي، ويحاول عثمان أن يثبت أنّهما عاشا في عصر الهكسوس، والحقيقة أنّ الفارق بين وجودهما يقارب المئتي عام، ما ينفي ادّعاءه".

للمشاركة:



ألمانيا تحذّر من هؤلاء..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

حذرت هيئة حماية الدستور (المخابرات الداخلية) من اليمين المتطرف في ولاية ساكسونيا، لافتة إلى أنّ ظهوره بشكل مسلح، كما حدث في مدينة هالة، في الحادثة التي راح ضحيتها مواطنون، الأسبوع الماضي، له دلالات خطيرة.

وقالت الهيئة، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية: "أيديولوجيتهم تهدف إلى تغيير المجتمع بشكل دائم"، وفي مدينة هاله تغيّر الكثير في الأعوام الماضية، حتى لو أنّ رئيس وزراء ولاية ساكسونيا – أنهالت، راينر هازلهوف، يؤكّد أنّ الهجمات اليمينية المتطرفة، مثل ما حصل الآن في هالة، ليس لها مكان داخل المجتمع.

المخابرات الداخلية: ظهور اليمين المتطرف في ساكسونيا كما حدث في هالة له دلالات خطيرة

العنصريون ومعادو السامية لهم الكثير من مراكز الالتقاء في ساكسونيا – أنهالت؛ فهناك مجلس مدني تابع لحزب البديل من أجل ألمانيا، ثمّ هناك ما يسمون "مواطني الرايخ" المعروفين بكراهيتهم للمجتمع المتعدد الثقافات، إضافة إلى عدد من المجموعات اليمينية المتطرفة الصغيرة التي توسعت في ساكسونيا – أنهالت، مثل "مجموعة النوع الشعبية"، التي تمجد النظام النازي.

وبحسب جهاز الاستخبارات الداخلية؛ فهي "متحدث مهم بالنسبة إلى الوسط فيما يرتبط بالحياة الثقافية داخل الحركة القومية، وتعرض بأنشطتها، لا سيما للنازيين الجدد، إطاراً أيديولوجياً لربط العائلات والأطفال بالوسط اليميني، ونشر القناعات العنصرية، وفي هذا السياق؛ يتمّ نشر بعض المثل على غرار "النوع الذاتي" و"العنصر".

وكانت القوات الأمنية قد ألقت القبض على أحد المتطرفين اليمينيين، بعد ارتكابه جريمة قتل مزدوجة، يوم الأربعاء الماضي؛ حيث أطلق النار على سيدة (40 عاماً)، فقتلها أمام كنيس يهودي، في حي باولوس، بمدينة هالة، ثم قام بإطلاق النار داخل محل للشاورما التركية، يقع بالقرب من الكنيس، فقتل شاباً عمره 20 عاماً.

 

 

 

للمشاركة:

بوتين يصل السعودية.. أبرز الملفات التي سيبحثها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

وصل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى الرياض، اليوم، في زيارة رسمية؛ حيث من المتوقع أن يلتقيه الملك سلمان بن عبد العزيز.

مساعد بوتين يؤكّد أنّه تمّ تحضير نحو 30 وثيقة بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية وتجارية لتوقيعها خلال زيارته

وكان مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، قد قال في وقت سابق؛ إنّه "تمّ تحضير نحو 30 وثيقة، بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية وتجارية، لتوقيعها خلال زيارة بوتين إلى السعودية"، وفق ما نقلت "رويترز".

كما سيناقش خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، مع بوتين، قضايا التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، تشمل آفاق التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة والتعاون العسكري التقني والتبادلات الثقافية والإنسانية، وفق أوشاكوف.

ديميتريف: قيمة الاتفاقات ستبلغ أكثر من 3 مليارات دولار حالياً وإحدى الشركات ستستثمر في شراكة مع "أرامكو"

وقال الرئيس التنفيذي للصندوق الروسي للاستثمار المباشر، كيريل ديميتريف، في تصريح لـ "العربية": "قيمة اتفاقاتنا ستبلغ أكثر من 3 مليارات دولار حالياً، وإحدى الشركات ستكون مختصة في صناعة النفط، وستستثمر في شراكة مع "أرامكو" لإنتاج مواد مهمّة للشركات الروسية، و"أرامكو"، وشركات عديدة أخرى حول العالم".

يذكر أنّ الرئيس الروسي كان قد زار السعودية آخر مرة، في شباط (فبراير) 2007، أي منذ 12 عاماً، أما الملك سلمان فقد زار روسيا عام 2017، في زيارة وصفها الرئيس الروسي بـ "التاريخية".

 

 

 

 

للمشاركة:

الحوثيون يستخدمون المختطفين دروعاً بشرية.. نداء استغاثة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

كشفت رابطة أمھات المختطفین، الیوم، قیام ميلیشیا الحوثي الانقلابیة، بإلباس 400 مختطف داخل السجن المركزي بصنعاء الزيّ العسكري للقوات الجویة، ونقلھم إلى معسكر الأمن المركزي في منطقة السبعین، بعد إیھامھم داخل السجن المركزي، أنّه سیتمّ إطلاق سراحھم.

وحمّلت رابطة أمھات المختطفین ميلیشیا الحوثي مسؤولیة حیاة المختطفین بعد نقلھم إلى منطقة عسكریة تعرضت سابقاً لضربات طیران التحالف.

أمھات المختطفین: الحوثيون ألبسوا 400 مختطف الزيّ العسكري ونقلوھم إلى معسكر الأمن المركزي في السبعین

 

وقالت الرابطة، في بیان عاجل نقلته صحيفة "المشهد" اليمنية: "فقدنا سابقاً العشرات من أبنائنا المختطفین بعد احتجازھم في الشرطة العسكریة بصنعاء وسجن كلیة المجتمع بذمار، وقتل خلالھا العشرات من أبنائنا المختطفین المدنیین".

وناشدت الرابطة، في بیانھا، الصلیب الأحمر والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقیة بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة، وإنقاذ حیاة المختطفین، وإطلاق سراحھم دون قید أو شرط.

كما دأبت ميليشيات الحوثي الإرهابية، منذ سيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء، في أيلول (سبتمبر) 2014، والتمدّد إلى مناطق أخرى، على انتهاك القانون الإنساني الدولي عبر سلسلة من جرائم الحرب، أبرزها اتخاذهم دروعاً بشرية.

واتّهمت تقارير دولية ومحلية الحوثيين باستخدام المدنيين كدروع بشرية في التصدي للجيش الوطني اليمني المدعوم من تحالف دعم الشرعية.

وكان مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي، قد أفاد بأنّ "الحوثيين يعتمدون بشكل رئيس على الدروع البشرية، كتكتيكات فعالة في مواجهة الحرب الجوية".

 

للمشاركة:



منظمة "الإيثار" الخيرية.. ستار إخواني لنشر الفكر المتطرف بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

مرتضى كوكو

إن كان السودان قد تخلص من ما يعرف بـ"الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة" أضخم ذراع إخوانية سودانية داخل المؤسسة العسكرية، فإنه بحاجة ملحة لتفكيك منظمة "الإيثار" وهي واحدة من أخطر أدوات الحركة الإسلامية السياسية لأدلجة ضباط الصف بالجيش والمجتمعات الريفية لصالح أجندة التطرف تحت غطاء العون الإنساني، وفق عسكريين.

وتصاعدت المطالب في السودان بضرورة اجتثاث منظمة "الإيثار الخيرية" المتغلغة في 11 ولاية إقليمية وعدداً من المناطق الريفية، وتنشط في بث الفكر المتطرف لأكثر من 28 عاماً بتدبير وإيعاز من نظام الإخوان البائد، لكونها تشكل خطراً على البلاد خلال المرحلة المقبلة.

وتأسست منظمة الإيثار الخيرية على يد الحركة الإسلامية السياسية في يونيو عام 1991، أي بعد عامين من صعود الإخوان إلى سدة الحكم في السودان بانقلاب عسكري ضمن مخطط كبير لأدلجة المجتمع والقوات المسلحة السودانية لصالح أجندته وخلق قاعدة أتباع عريضة ليتسنى لهم الاستمرار أطول فترة ممكنة في السلطة، بحسب مهتمين.

وكشفت مصادر، لـ"العين الإخبارية" عن أن قيادات المنظمة يتم اختيارهم بعناية فائقة من قبل الحركة الإسلامية السياسية ودائماً ما تكون بعيدة عن الأضواء، ولهم قدرات عالية في التغلغل وسط المجتمع تحت غطاء العمل الإنساني والدعوة الإسلامية.

ويتولى رئاسة المنظمة حالياً الإخواني، محمد موسى البشير، وسبقه في هذه المهمة عدد من الإخوان وأغلبهم من ضباط جهاز الأمن الشعبي التابع للحركة الإسلامية السياسية (مليشيا سرية لقمع الخصوم السياسيين)، أبرزهم: إبراهيم محمد أحمد البلولة، وعباس عبدالله حسين.

وبحسب المعلومات، فإن المنظمة تنتشر في ولايات الخرطوم، والجزيرة، والبحر الأحمر، والقضارف، وكسلا، ونهر النيل، وسنار، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، وشمال كردفان، والشمالية، حيث لديها مقار مؤسسة، كما تنشط في إقليم دارفور غربي البلاد وتعاونها في ذلك أذرع إخوانية أخرى.

ويزعم قيادات المنظمة وفق ديباجيتهم التعريفية أن منظمة "الإيثار" تعمل على ساحات العمل الخيري لتكون أداة لنشر قيم الحق والخير والفضيلة والإيثار في المجتمع والإسهام في التنمية الاجتماعية والصحة ومقرها من خلال 4 برامج، التعليم، تخفيف حدة الفقر، تنمية ورفع قدرات، دعوة وتوعية.

لكن في واقع الأمر تستغل المنظمة هذه اللافتات الإنسانية لبث سموم تنظيم الإخوان، حيث يبدأ مشروعها للأدلجة من رياض الأطفال إلى المراحل التعليمية الأخرى، وصولاً إلى ضباط صف وجنود القوات المسلحة.

وأوضحت مصادر عسكرية لـ"العين الإخبارية" أن الحركة الإسلامية أوكلت مهمة أدجلة ضباط الصف والجنود لمنظمة "الإيثار" التي تعمل بينهم بكثافة وتقدم لهم المساعدات لكسب تعاطفهم، بينما أعطت مهمة اختيار وتنقيح طلبة الكلية الحربية "الضباط" للهيئة الخيرية للقوات المسلحة التي فككها مجلس السيادة قبل أيام.

وشددت المصادر على أن هناك مطالب واسعة داخل المؤسسة العسكرية بحل منظمة الإيثار الخيرية ومصادرة أملاكها في كل ولايات السودان لصالح الخزينة العامة للدولة، أسوة بما حدث مع الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة.

وتشير المصادر إلى أن الإيثار تستعطف المجتمع بمساعدات وخطاب دعوي لصالح الحركة الإسلامية السياسية، بينما تتبنى منهجاً خاصا تنفذه في رياض الأطفال والمدارس لأدلجة الطلاب على الفكر الإخواني، وكل ذلك بإيعاز من النظام المعزول.

وفي منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، أصدر رئيس المجلس السيادي في السودان الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان مرسوما دستوريا يقضي بحل "الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة"، إحدى أضخم أذرع تنظيم الإخوان الإرهابي داخل الجيش.

ونص المرسوم على أن تؤول جميع الممتلكات الثابتة والمنقولة والأصول والخصوم الخاصة بالهيئة الخيرية إلى الصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي للعاملين بالقوات المسلحة.

وبهذا المرسوم، فقد تخلّص السودان من أكبر ذراع إخوانية داخل الجيش، حيث تملك الهيئة الخيرية عددا من الشركات أبرزها "زادنا"، وكانت تتولى مهمة اختيار الطلبة الحربيين، وتغيير فكرهم لصالح الحركة الإسلامية السياسية، ويشرف على ذلك الإخواني محمد أحمد علي الفششوية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تركيا وخطر تقسيم سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

عبد الوهاب بدرخان

غزو تركي، عدوان، مجرد «عملية» عسكرية... أياً كان التوصيف لا يبدو المجتمع الدولي حتى الآن مقبلاً على التعامل المتناسب مع تركيا، تحديداً بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. والسبب أن هذا المجتمع الدولي عجز أو جرى تعجيزه عن التعامل مع الأزمة السورية برمّتها، فتُرك للقوى النافذة والمؤثرة التشارك في صنع «قوانين» خاصة بتوافقاتها أو منافساتها، أمكن لروسيا والولايات المتحدة أن تتوافقا أحياناً، وأن تختلفا في معظم الأحيان، حين لا تكون المصالح واضحة ومتوازنة. نتيجةً لذلك يجري تمديد الأزمة، وتُفتح فيها فصول حروب جديدة، في انتظار أن يرتسم توافقٌ دوليٌ ما. في كل المراحل كان الشعب السوري هو الضحية، وقد قُزّمت طموحاته في الحل السياسي للأزمة، والآن يُسلّط الضوء على قضية الأكراد الذين يتعرّضون لهجمة تركية شرسة قد تقضي على كيان خاص بهم في سوريا.
كثير من الأخطاء ارتُكب دولياً وإقليمياً وأوصل إلى تدخّل تركي «غير مقبول» وفقاً للإجماع على توصيفه. وتقع المسؤولية هنا على عاتق القوى الدولية التي اعتبرت باكراً جداً، منذ غزو العراق وقبل اندلاع الأزمة السورية، أن الشرق الأوسط بات منطقة مريضة ويمكن إيلاء العناية بها إلى ثلاث دول إقليمية هي إسرائيل وإيران وتركيا. وبعدما زرعت إيران نفوذها في لبنان إلى جانب النفوذ السوري ما لبثت أميركا أن تركتها تستأثر بالعراق وتتمدد إلى سوريا وإلى غزّة، ومع بدء الانتفاضة الشعبية السورية استشعرت إيران تهديداً لنفوذها فضاعفت تدخّلها وإقحام ميليشياتها. إزاء ذلك أقامت روسيا تنسيقاً مع إسرائيل أولاً لمنع الإيرانيين من فتح جبهات ضدّها انطلاقاً من سوريا، وثانياً لإجازة ضربات إسرائيلية لأي تحركات إيرانية تعتبرها إسرائيل خطراً على أمنها. هذا التنسيق تحوّل إلى توافق أميركي - روسي ثابت، وهو الوحيد الذي تمكن الرئيسان من التوصّل إليه وإعلانه بعد قمتهما في هلسنكي (يوليو 2018)، ولم يتفقا في شأن إيران لكن فُهم أن نقطة الخلاف الرئيسية هي النفوذ العسكري وليس الوجود الإيراني في سوريا.
بقيت تركيا في منطقة رمادية بين الدولتين الكبريين، لا توافق على دورها أو نفوذها، بل تنافس حادٌّ وصامت بينهما عليها. كانت روسيا أزعجت أميركا بإجازتها عام 2016 تدخّلاً تركياً لطرد تنظيم «داعش» من غربي الفرات، إذ كانت «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية اقتربت من تلك المنطقة في سياق الخطط الأميركية لمحاربة الإرهاب. وبعد قطع خطوط الأكراد مع غربي الفرات انسحب الروس من منطقة عفرين الكردية (أقصى شمال غربي سوريا) فدخلها الأتراك دخولها وسيطروا عليها والحؤول دون اتصال القوات الكردية بها. كان قادة أكراد صرّحوا مراراً بأن منطقتهم (روج آفا) تمتد على طول الحدود وصولاً إلى المتوسط. ما تحاوله تركيا في المرحلة الحالية هو دفع الأكراد شرقاً إلى محافظة الحسكة المعروفة بأنها ذات كثافة كردية.

كثيرون يعتقدون أن ترامب قدّم «هدية» إلى أردوغان، ومثلهم من يعتقد أنها قد تكون مصيدةً لتركيا. هذا لا يغيّر شيئاً في التقويم العام الذي يُظهر أن سوريا باتت ساحة مطروحة في مزاد مغلق بين خمس قوى وتريد إحداها (الولايات المتحدة) أن تنسحب لكن بعد إنجاز توزيع الحصص. وينظر إلى التدخّل التركي على أنه المؤشّر الأخطر إلى «تقسيم سوريا» باعتبار أنه سيقتطع من جغرافية البلد (ماذا عن الجولان؟). المطلوب التأكيد على «وحدة سوريا»، خاصة أن هناك من استهان بقضية الشعب السوري واستسهل اللعب بالورقة الكردية رغم خطورة ذلك على الدول الأربع التي ينتشر فيها الأكراد.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"الإخوان" في الدول الإسكندنافية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

إميل أمين

ما الذي يجعل التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين» يكثف جهوده في الآونة الأخيرة من أجل تثبيت حضوره في مجموعة الدول الإسكندنافية وبنوع خاص في السويد؟... لعل ما تعرضت له جماعة «الإخوان المسلمين» من انتكاسات في الأعوام الماضية في الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج العربي مؤخرا، كما في حال افتضاح شأنها في الكويت، جعل السعي المحموم إلى الخارج أمرا ملحا لا سيما إذا كانت في دول تتوفر فيها الشروط الملائمة لنشوء وارتقاء «الجماعة» مرة أخرى من أجل تحقيق أهدافها التي لم تغب عن عينيها.

منذ أن تأسست «الجماعة» وحتى الساعة، كان في المقدمة وضمن أهدافها، بسط هيمنتها ومقدراتها لا على العالم العربي والإسلامي فقط، بل تصدير دعوتها واكتساب أرض جديدة يوما تلو الآخر إلى حين تتمكن من التحكم في العالم برمته.

ما الذي يدعو لفتح ملف «الإخوان المسلمين» في الدول الإسكندنافية في هذا الوقت؟ المؤكد أن هناك رصدا ومتابعة دقيقين قد جرت بهما المقادير الأشهر القليلة الماضية، هناك، حيث أكدت الخلاصات أن العديد من أفراد جماعة الإخوان والقياديين في «التنظيم الدولي» قد وقر لديهم يقين بأن السويد والدنمارك والنرويج، هي أفضل ثلاث دول يمكن أن يباشروا عليها أنشطتهم وبخاصة بعد التضييق عليهم من قبل الأجهزة الأمنية، في الدول التقليدية التي عاشوا فيها طويلا لا سيما بريطانيا وألمانيا وفرنسا بدرجة ما.

أضف إلى ذلك أن انحسار تنظيم داعش ومؤيديه أيديولوجيا على الأقل قد كشف أوراق الكثيرين الذين باتوا قولا وفعلا أوراقا محروقة، ويتحتم عليهم الابتعاد والتواري عن المشهد.

عطفا على ذلك فإن الدول الإسكندنافية في هذه الأوقات تبقى الأكثر أمانا من ناحية عدم استطاعة اليمين الأوروبي المتطرف، السيطرة على حكوماتها وهو التيار الذي يعادي جهرا وسرا الوجود الإسلامي على الأراضي الأوروبية.

في دراسة حديثة لـ«وكالة الطوارئ المدنية» في السويد إحدى أهم وزارات الدفاع والتي تقوم بمثابة الاستخبارات على الأرض، نجد خلاصات مفادها أن «الإخوان» يسعون إلى اختراق الوجود الإسلامي في السويد ونشر مفاهيم الجماعة واكتساب أعضاء جدد.

على أن السؤال المطروح في هذا المقام كيف تمكن «الإخوان» من اختراق هيكل الدولة السويدية خلال العقدين الماضيين أي مع أوائل الألفية الجديدة بنوع خاص؟

الجواب يحمله إلينا البرفيسور السويدي ماغنورس نورويل، وعنده أن جماعة «الإخوان» تمكنت على مر السنين من بناء مؤسسات قوية في ذلك البلد الإسكندنافي البعيد بعد أن ضمنت عمليات تمويل من الأموال السويدية العامة، وبعد أن أتقنت فن الاحتيال في هذا البلد منذ سنين طويلة.

أما الباحث السويدي والخبير في شؤون جماعة «الإخوان لمسلمين» لورينزو فيدينو، فيذهب في تحليله لطريقة انتشار الإخوان في السويد، إلى القول بأن جماعة «الإخوان» الأم تعتمد على ثلاث فئات من الكيانات السويدية أعضاء الإخوان أنفسهم، وشبكات الإخوان غير المباشرة، والمنظمات المتأثرة بالإخوان.

ولعل تعميق البحث في مسألة الوجود الإخواني في السويد يقودنا إلى اكتشاف جذور تعود إلى ثلاثة عقود خلت وليس لعقدين فقط، وأنهم عرفوا كيف يتعاطون وإن بذكاء شديد مع مفاتيح الدولة السويدية، وعليه فقد قاموا ببناء هيكل مؤسسي يستخدم بسلاسة «النموذج السويدي» للاستفادة الكاملة من نظام المنح السخي والمساعدات المالية من الخزائن العامة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أنشأت جماعة «الإخوان» منظمات مستقلة ظاهريا لكنها ترتبط بها تشمل شبكات من المدارس والشركات والجمعيات الخيرية وغيرها من الكيانات، كل واحدة تنتمي إلى إحدى الفئات الثلاث المتقدمة، تحصل على تمويلها من دافعي الضرائب.

في هذا الصدد كانت هيئة «الحماية المدنية والتأهب» تصدر تقريرا بعنوان «النشاط الإسلامي في سياق متعدد الثقافات» قام على إعداده أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية السويدي «إيه كارلوم»، من جامعة «مالمو» خلص فيه إلى أن «الإخوان» على أراضي السويد لديهم مهمة راديكالية الطابع ذات خطر على الدولة، ولا ينبغي أن تتلقى أموالا من الأصول الضريبية.

دعا تقرير «كارلوم» إلى فتح العيون على أهم بل وأخطر أربع جمعيات كبرى في السويد على صلة مباشرة بالإخوان وأشهرها «جمعية الإغاثة» و«جمعية بن رشد التعليمية» و«جمعية الشباب السويدي المسلم» و«الرابطة الإسلامية» التي تعد مقرا لـ«الإخوان».

يستدعي الحديث عن هذه الرابطة حديثا مطولا لا سيما بعد أن باتت ملاحقة رسميا من السلطات السويدية متمثلة في جهازي الشرطة والمخابرات، فهي تابعة بشكل كامل «للتنظيم الدولي» والذي ينشط بأذرع متعددة في أوروبا وخصوصا في السويد عبر نشاط اقتصادي مغلف بعمل خيري أو تربوي أو حتى تعليمي وديني وإرشادي، وإن كانت المحصلة النهائية لكافة هذه التنظيمات واحدة أي ملء خزائن التنظيم الدولي لـ«الإخوان» بالأموال، وهي تستوحي قيمها من أفكار المؤسس حسن البنا، ورئيسها يدين بالولاء التام للزعيم الروحي لـ«الإخوان» يوسف القرضاوي.

تزعم الرابطة اليوم أنها تمثل ما لا يقل عن سبعين ألف سويدي مسلم، وهو رقم كبير يكاد يشمل الغالبية العظمى للمسلمين في السويد، وتشكل الرابطة مظلة لعدد من المنظمات السويدية، بما فيها المجلس الإسلامي السويدي، ومسجد ستوكهولم والأصول التابعة له في السويد.

لاحقا تكشف لجهات الأمن السويدية أنهم أمام تشكيلات إخوانية تكاد تكون صورة طبق الأصل من نظيراتها في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، إذ تتألف كل منظمة من المنظمات التابعة لـ«الإخوان» في السويد من مجلس شورى تحت قيادة أمير أو زعيم، ويتكون كل مجلس من اثني عشر شخصا يتناوبون على رئاسته، وينقسم الأعضاء بدورهم إلى وحدات صغيرة تتألف من خمسة أفراد ليشكلوا بذلك أسرة أو عائلة، وتقوم الأسرة بدورها بتنظيم اجتماعات أسبوعية تتخللها مناقشة الأمور الأيديولوجية في البلاد. ويضع تقرير المعهد الأميركي جيتسون السويديين أمام حقائق مخيفة حول ما يجري على أراضيهم من خداع فعلى سبيل المثال لم يكن هناك مشروع لإنشاء مسجد يعد مركزا لـ«الإخوان» في مدينة مالمو، بل مركز للأنشطة الشبابية والأسرية، وحين تم سؤال المسؤول عن البناء المدعو خالد عاصي قال إن الوقف غير تابع لأي مؤسسة، وإن جميع المساهمات المالية تأتي من أفراد المنطقة. فيما الأمر الأكثر إزعاجا أن العديد من أعضاء ما يعرف بـ«الوقف الإسلامي السويدي» ينتمون إلى الجمعية الثقافية الإسلامية السويدية التي ينتمي متحدثها الرسمي عمار دواد إلى طائفة أتباع الإمام الدنماركي أبو لبن، المعروف بصلاته بعناصر جهادية وبتحريضه للعالم الإسلامي ضد الدنمارك، وقد وصف أبو لبن ذات مرة «سيد قطب» منظر جماعة الإخوان المسلمين الأشهر بأنه مثله الأعلى.

ولعل خلاصة التقارير السويدية عن حالة «الإخوان المسلمين» في البلاد يمكن إجمالها في أن الجماعة تسعى في الداخل إلى بناء وخلق مجتمع مواز بمساعدة النخب السياسية التي تدعم سياسات الصمت على أنشطة هذه المجموعة الأصولية غير البريئة، وأن هذه الجماعة تبني كيانا موازيا في هذه الدولة الإسكندنافية، يمتد ليتصل ببقية الإخوان في الدنمارك والنرويج، كما أن هناك حالة جهل عام في صفوف السياسيين السويديين بشأن المجموعات المنتسبة إلى جماعة الإخوان، وبشأن مفهوم الإسلام السياسي ككل، وقد حان الوقت للاعتراف بالمشاكل المتجذرة المنبثقة عن وصول الجماعة إلى المال العام دون قيود، ولا بد من تحقيق رقابة على الأفراد الذين يديرون منظمات قد تكون بديلا عن اللبنات الأساسية للمجتمع.

ولعله من المؤكد أن الحديث عن التمدد «الإخواني» في الدول الإسكندنافية لا يستقيم بدون الحديث عن ذلك الوجود في النرويج وكذا الدنمارك.

يستلفت النظر في النرويج بداية وجود الرابطة الإسلامية الموازية لنظيرتها في السويد، والتي لها مسجد مستقل هو «مسجد الرابطة» في العاصمة النرويجية أوسلو، ويديره بعض الأشخاص وثيقو الصلة بالمرشد الروحي لـ«الإخوان» يوسف القرضاوي.

يستغل إخوان النرويج بنفس العقلية مؤسسات الدولة النرويجية التي تسبغ حرصها ودعمها للأقليات، وعليه يحصلون من الدولة على دعم مالي يستخدم في خدمة الأغراض الإخوانية، وخلال إجراء النيابة النرويجية التحقيقات حول نشاط خلية مايكل داود المتهم بتفجير صحيفة جيلاندز بوست الدنماركية ورد ذكر اسم مسجد الرابطة، فقد كان داود، وهو نرويجي من أصل صيني تحول إلى الإسلام عقب زواجه من امرأة مسلمة من أصول مغربية يتردد بشكل مستمر على المسجد قبل سفره إلى دول عربية حيث تواصل مع تنظيم «القاعدة»، وأشار إلى أنه أثناء قيادة الإخواني الأردني إبراهيم الكيلاني لـ«الرابطة الإسلامية» عام 2006 توسعت المؤسسة الإخوانية في أنشطتها الاجتماعية ونظمت فعاليات ومؤتمرات اشترك فيها قادة من الجماعة.

ماذا عن الدنمارك؟ الشاهد أن بعض التقارير الإعلامية الغربية تحدثت مؤخرا عن العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، فوصفتها بأنها «مغارة الحمدين» في إشارة لا تخطئها العين لما تقوم به قطر منذ عام 2000 في نشر رؤاها الأصولية من خلال الجماعات الإخوانية المنتشرة هناك.

منذ عقدين أسست قطر ما يعرف بـ«المجلس الإسلامي الدنماركي»، لتجعل منه صندوقا لتمويل تيارات متطرفة وفلول جماعة الإخوان الفارين من الدول العربية وحصالة لجمع الأموال وتوزيعها على قياديين في جماعات وتنظيمات وتيارات مشبوهة داخل أوروبا.

ولعل ما كشف حقيقة الدور المزعج لذلك المجلس قضية اختلاس بعض أعضائه لمبالغ تصل إلى ملايين الدولارات، مما جعل أجهزة الاستخبارات الدنماركية تتساءل من أين تحصلوا على تلك الأموال؟ وفيم أنفقوها؟

وفي كل الأحوال يتكشف للدنماركيين والحديث على لسان هنريك يرني عضو اللجنة القانونية بالحزب الديمقراطي الاجتماعي أنه منذ عام 2010 تدفقت الأموال القطرية بالملايين على المركز المعروف باسم المجلس الإسلامي، وما أثار المخاوف هو أن تبرعات المسلمين في الدنمارك ومساعدات الدولة تكفي لبناء هذ المسجد وأكثر، وعليه فلماذا المزيد من ملايين قطر تلك التي يقوم بنقلها مسؤولون كبار في قطر.

ويبقى السؤال قبل الانصراف: هل يتحتم على الدول الإسكندنافية التيقظ اليوم لما يحاك لها ويجري على أراضيها؟

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية