مرضى قطاع غزة لم تقتلهم إسرائيل بالرصاص بل بالمنع من العلاج

يحاول الاحتلال الإسرائيلي التضييق على سكان قطاع غزة بشتى الطرق، فكثير من مرضى القطاع، خاصة المصابين بمرض السرطان، الذين يحتاجون إلى العلاج في المستشفيات الإسرائيلية، والتي تعاقدت معها وزارة الصحة الفلسطينية، ممنوعون من السفر عبر حاجز بيت حانون "إيرز"، وذلك بذريعة المنع الأمني، في محاولة لابتزازهم وزيادة أوجاعهم.
ويفرض الاحتلال الإسرائيلي قيوداً عل حرية التنقل للمرضى في قطاع غزة، فهذه الانتهاكات تهدّد حياة المرضى وتحرمهم من الوصول إلى العلاج؛ حيث تواصل سلطات الاحتلال استغلال المعابر، كمصيدة للإيقاع بالفلسطينيين وابتزازهم، وقد أدّت تلك الممارسات إلى وفاة العديد من المرضى الذين ينتظرون العلاج.

الدكتور مسلم حرب: ارتفاع نسبة الإصابة بمرض السرطان في قطاع غزة سببه الحروب الإسرائيلية المتكررة على القطاع

ويضطر مرضى السرطان للسفر خارج قطاع غزة للخضوع إلى العلاج الإشعاعي، غير المتوفر في القطاع، نتيجة الحصار الإسرائيلي، وغياب الأجهزة التشخيصية المناسبة، وتراجع المنظومة الصحية، لكنّ القيود استمرت، سواء برفض منح التصاريح، أو المماطلة في الردود، وتؤكد الإحصائيات الأخيرة أنّ 38% من المرضى لم يتمكنوا من الوصول إلى المرافق الصحية خارج القطاع لتلقي العلاج.
ينتظر المواطن نادر أبو راس، المصاب بمرض السرطان منذ عام ونصف العام، تصريح السفر عبر معبر بيت حانون الحدودي، الذي يسيطر عليه الاحتلال الإسرائيلي، لإجراء صورة مقطعية بالمستشفيات الإسرائيلية، للكشف عن تطور المرض داخل جسده، إلا أنّ الاحتلال الإسرائيلي حرمه من الاطمئنان على وضعه الصحي، بعد رفضه إصدار تصريح للسفر دون إبداء أية أسباب للرفض.
يضطر مرضى السرطان للسفر خارج قطاع غزة للخضوع إلى العلاج الإشعاعي

إجراءات تعسفية
ويقول أبو راس في حديثه لـ "حفريات": "بعد اكتشاف الأطباء إصابتي بالمرض، حصلت على تحويلة طبيّة للعلاج داخل المستشفيات الإسرائيلية، وذلك نتيجة قلة الإمكانيات في القطاع، وقدمت طلباً للحصول على تصريح للسفر لإجراء الفحوصات اللازمة للاطمئنان على حالتي الصحية، لكنّ الاحتلال الإسرائيلي يريد أن يعذبنا، ويقتلنا ببطء، من خلال إجراءاته التعسفية".  

اقرأ أيضاً: الأدوات الخشنة على حدود غزة هل تعود للخدمة من جديد؟
ويضيف: "يتنقل المواطنون في كافة دول العالم بكل حرية، ودون قيود، لكن نحن في قطاع غزة محرومون من السفر لتلقي العلاج؛ فالاحتلال الإسرائيلي يريد زيادة فصول معاناتنا ويتذرع بالفحص الأمني، فأنا أعيش أوضاعاً مأساوية، وعدم تمكّني من السفر يعرضني للخطر، ويزيد انتشار المرض في مكان آخر من جسدي".
ويعاني أبو راس من حالة نفسية نتيجة عدم السماح له بالعلاج داخل المتسشفيات الإسرائيلية، إضافة إلى قلقه الدائم من انتشار المرض في جميع أنحاء جسده دون أن يتلقى العلاج المناسب.
أما أم خالد سالم (49 عاماً)، والتي لا تقلّ معاناتها عن معاناة سابقها؛ فقد خسرت ثديها وحياتها الزوجية بسبب المرض الذي احتل جسدها، ولم تستطع الشفاء منه نتيجة منع الاحتلال الإسرائيلي سفرها لتلقّي العلاج داخل المستشفيات الإسرائيلية".
أمل بالشفاء
تقول لـ "حفريات": "قبل ثلاثة أعوام أصبت بمرض السرطان، وكان المرض في المراحل الأولى، وحصلت على تحويلة من السلطة الفلسطينية للعلاج داخل المستشفيات الإسرائيلية، وأخبرني الأطباء بأنّ المرض في مراحله الأولى، وسيتم التغلب عليه بعد متابعة العلاج في المستشفيات الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: هل ينجح مخطط الهجرة الطوعية في إفراغ قطاع غزة من سكانه؟
وتضيف: "بعد حصولي على التحويلة الطبية، رفضت السلطات الإسرائيلية إصدار تصريح للسفر، لدواعٍ أمنية، حاولت معرفة سبب المنع، لكن دون جدوى، وكان هناك حلّ آخر بالسفر إلى مصر، وتكلفة العلاج لمرة واحدة تزيد على 3 آلاف دولار، وهذا مبلغ لا أستطيع دفعه باستمرار".
وبصوتٍ مملوء بالألم، تردف: "بعد فترة بدأ المرض يزداد، وخشية أن ينتشر في كافة أنحاء جسدي، أجريت عملية جراحية لاستئصال الثدي على نفقتي الخاصة، وبعد فترة وجيزة بدأ زوجي يتذرّع بأنّني مريضة، وأنّني لا أقوم بحقوقه الزوجية، فقرّر أن ننفصل، وبعد طلاقنا بأقلّ من شهر تزوج، فهو لم يراعِ ظروف مرضي، وتخلّى عني دون أن يساندني".
شهد قطاع غزة الفترة الماضية ازدياداً ملحوظاً في معدل الإصابة بمرض السرطان

ابتزاز
في السياق ذاته، يقول محمد مدوخ (30 عاماً): "قبل ثلاثة أعوام أصبت بمرض سرطان الدم، وكان العلاج في مراحله الأولى، بعد السماح لي بالعلاج بالمستشفيات الإسرائيلية، وأثناء عودتي إلى قطاع غزة، تمّ استدعائي لغرفة الأمن، وطلب مني ضابط إسرائيلي بأن أتعاون معهم، وأزوّدهم بمعلومات عن أشخاص معنيين، وعندما رفضت قال لي حرفياً: "لا تحلم بأن تكمل علاجك".

نادر أبو راس: يتنقل المواطنون في العالم بكلّ حرية لكننا في قطاع  غزة محرومون من السفر لتلقي العلاج

ويضيف: "بعد مرور ستة أشهر كان موعد المراجعة، لكنّني لم أتمكن من الذهاب إلى المستشفى لمتابعة العلاج، نتيجة إدراج اسمي ضمن الممنوعين أمنياً، فحاولت، مراراً وتكراراً، ولكن دون جدوى، ولم أتمكّن من السفر إلى مصر لتلقي العلاج، نتيجة ارتفاع تكاليف العلاج، التي لا أمتلك جزءاً منها".

من جهة أخرى، يقول الدكتور مسلم حرب، المتخصّص في أورام الدم لـ "حفريات": "شهد قطاع غزة الفترة الماضية ازدياداً ملحوظاً في معدل الإصابة بمرض السرطان، وهناك 60% من خدمات العلاج الكيميائي والإشعاعي، غير متوفرة في غزة، وهذا المرض يحتاج إلى تشخيص طبي غير متوفر في مستشفيات القطاع، لذلك نضطر إلى تحويل المرضى للعلاج داخل المستشفيات الإسرائيلية".
أسباب انتشار السرطان
ويضيف: "يعود ارتفاع نسبة الإصابة بمرض السرطان في قطاع غزة، إلى الحروب الإسرائيلية المتكررة على القطاع، التي تستخدم خلالها أسلحة محرَّمة دولياً، وتلوث البحر، وإلى استخدام المبيدات الحشرية، والأسمدة الخطيرة والسامة في زراعة المحاصيل، إضافة إلى الضغط النفسي الذي يعيشه المواطنون بقطاع غزة، الذي له دور كبير أيضاً في الإصابة بمرض السرطان".
ويلفت إلى أنّ معدل الإصابة في القطاع 84 حالة بين كلّ 100 ألف نسمة، وأنّ إجمالي الحالات التي تتمّ متابعتها في المستشفيات حالياً نحو 6000 حالة، منها 300 طفل، ويتمّ تسجيل من 100 إلى 120 حالة جديدة شهرياً"، مشيراً إلى أنّ "غزة لا تمتلك مستشفيات متطورة يمكن أن تساعد في التخفيف من انتشار المرض، أو حتى علاج المصابين".
غزة لا تمتلك مستشفيات متطورة يمكن أن تساعد في التخفيف من انتشار المرض

قلق وانفعال
يقول منسّق مؤسسة "بسمة أمل" لرعاية مرضى السرطان، سامي الجوجو، لـ "حفريات": "هناك كثير من مرضى السرطان في قطاع غزة أتموا مرحلة التشخيص المبدئي، وفي حاجة إلى العلاج داخل المستشفيات الإسرائيلية، لكنّ عدم السماح لهم بالسفر يقف عائقاً أمام استكمال علاجهم، الأمر الذي يجعلهم يعيشون في قلق وانفعال شديدَيْن نتيجة الانتظار".
ويضيف: "هناك ارتباط كبير بين الحالة النفسية والصحية لمرضى السرطان، وخشية حدوث مضاعفات؛ إذ نعمل على دعمهم، ومساعدتهم في التخلص من التوتر الشديد الذي يتعرضون له، وذلك من خلال جلسات توعوية بشكل مستمر حفاظاً على سلامتهم، وعدم تعرضهم إلى حالة نفسية تؤثر على عملية شفائهم".

الأقسام: