هل يسدد الصومال ديونه الخارجية ويخرج من نفق "الدولة الفاشلة"؟

في الانتخابات الرسمية الأولى لعام 2012، حازت الحكومة الصومالية اعترافاً من المجتمع الدولي، منذ اندلاع الحرب الأهلية الحكومة المركزية، عام 1991، وبعدها بعام، اعتراف الصندوق النقد الدولي الحكومة الصومالية، عام 2013، بعد تجميد عضويتها في أعوام الحرب.
وفي خضمّ ما يبدو أنّه عودة صومالية إلى الساحة الدولية، ظهرت الصومال وهي تعاني من عبء شديد في الديون الخارجية، التي تراكمت عليها منذ الاستقلال، وهي ديون قدرها 5 مليارات دولار؛ أي ما يقرب من 80٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وبالمعدلات الحالية لتحصيل الإيرادات، سيستغرق سداد هذه الديون 60 عاماً، وتحول هذه الديون دون إمكانية وصول الصومال إلى الموارد المالية والمساعدات والاستثمارات التي تحتاجها من المجتمع الدولي، من أجل إعادة البناء والإعمار.

اقرأ أيضاً: تمرير قانون النفط يفاقم الانقسامات السياسية في الصومال
لذلك تحاول الحكومة الصومالية الوصول إلى حلول عاجلة لمشكلة الديون؛ فقد طالب الرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، في مؤتمر لندن، في 11 أيار (مايو) 2017، بإعفاء بلاده من الديون كي تتمكن من تحقيق قدر من النمو الاقتصادي، لكنّ المجتمع الدولي اشترط، لتنفيذ مطالب الحكومة الصومالية، إجراء إصلاح مؤسساتي واقتصادي في بلد يعاني من الفساد وضعف المؤسسات السيادية وغياب الخدمات الحكومية الأساسية.

طالب الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو2017 بإعفاء بلاده من الديون

مأزق الديون
تتشكل معظم ديون الصومال من تراكم قروض متأخرة السداد، يعود معظمها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما ذهب الديكتاتور العسكري، سياد بري، إلى حشد القروض لشراء الأسلحة وتمويل خططه الاقتصادية والتنموية؛ حيث كان الاقتراض المسرف والفساد يسيران جنباً إلى جنب، وعرف بري كيف يتعامل مع دائنيه، مستغلاً تنافسات الحرب الباردة على المنطقة في ذلك الوقت، واستخدم شعارات الهوية الإسلامية وسياسة المحاور الإقليمية لبناء مجموعة ضخمة من سندات الديون.

تتشكّل معظم ديون الصومال من تراكم قروض متأخرة السداد يعود معظمها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي

وبحلول عام 1990، عندما انهارت الحكومة المركزية، عام 1991، ارتفع الدين الخارجي المستحق للصومال إلى 277٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
واليوم، يحتفظ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بأكثر من 800 مليون دولار من الديون على الصومال، والدائنون في نادي باريس، خاصة الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا وروسيا، وحدهم يطالبون 2.3 مليار دولار أخرى، بعد أن فرضوا معدلات فائدة جزائية على عدم الدفع لأكثر من 30 عاماً، الجزء الباقي من الديون يطالب فيه دائنون، مثل: صندوق النقد العربي، والمملكة العربية السعودية، والكويت.
ويوجد في الصومال ما مجموعه 27 دائناً معروفاً، وأكبر خمسة دائنين هم: الولايات المتحدة (حوالي 22٪)، وإيطاليا (حوالي 13٪)، وفرنسا (حوالي 9٪)، والبنك الدولي (حوالي 11٪)، وصندوق النقد الدولي (IMF) (حوالي 7%)، ومن المهم الإشارة إلى أنّ بيانات الدين الخارجي للصومال هي تقديرات، حيث تواصل الحكومة التوفيق والتحقق من قاعدة بيانات الدين الخارجي الحالية مع الدائنين.

وزير المالية الصومالي مع مسؤولين من صندوق النقد الدولي

مفاوضات إلغاء الديون
تعترف الحكومة الصومالية بعجزها عن سداد هذه الديون في أيّ وقتٍ قريب، وتخوض مفاوضات مع الدائنين لطلب إلغائها، أو تخفيفها، وحتى الآن؛ ألغت الصين بالفعل كامل ديونها على الصومال، وأعادت المملكة العربية السعودية جدولة ديونها على الصومال، اعتباراً من عام 2016؛ حيث أعادت جدولة ما يقارب 106 ملايين دولار أمريكي.

إلغاء الديون من شأنه أن يتيح للصومال الوصول إلى تمويل إنمائي طويل الأجل يحتاج إليه في هذا الوقت

ويرى محللون؛ أنّ الصومال يمكن أن يستفيد من مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون "هيبيك"، في حلّ مشكلة الديون أو تخفيفها، ومع أنّ المبادرة لن تؤدي إلى إلغاء الديون الثنائية بالكامل من جميع الدائنين، بسبب أنّ المبادرة ليست ملزمة لجميع الدائنين الخارجيين، وتحاول الحكومة الصومالية تأمين اتفاقيات ثنائية مع الدائنين المعروفين في الصومال، البالغ عددهم 27 دولة، لإلغاء الديون بالكامل.
وخلال لقائه بمسؤولين من الولايات المتحدة وبريطانيا، أكبر دائني الصومال، قال وزير المالية الصومالي، عبد الرحمن دعالي بيلي، الأحد 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2019؛ أنّه يشعر بالتفاؤل بالتقدّم الذي تحقق خلال المحادثات مع المسؤولين الأمريكيين، وغيرهم، أثناء الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي الأسبوع الماضي. وأضاف الوزير، في مقابلة مع "رويترز": "الوضع يتحسن... الجميع كانوا إيجابيين"، وتابع: "المسؤولون الأمريكيون، وغيرهم، أبدوا رضاهم عن النتائج الطيبة التي حققها الصومال في برنامج يهدف لإلغاء الديون".
ومن جانبها، تعهّدت كريستينا جورجيفا، مديرة صندوق النقد الدولي، يوم السبت 19 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، بدعم الصندوق الكامل لمساعي الصومال لإعفائه من الديون في "المستقبل القريب"، قائلة إنّها "ديونٌ لا يستطيع الصومال تحمّلها".

اقرأ أيضاً: الصحفية الصومالية هودون ناليي تكتب بدمائها سيرة الأمل وتتحدى الإرهاب
وقال الوزير الصومالي، بيلي: "صندوق النقد الدولي يدرس المنح المطلوبة على وجه الدقة لمعالجة متأخرات ديون الصومال، قبل اجتماع مجلس إدارته، في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وشرح أنّ جهات، من بينها الاتحاد الأوروبي، عرضت تحمّل نحو 150 مليون دولار من ديون الصومال لدى صندوق النقد الدولي، والتي تبلغ في المجمل نحو 330 مليون دولار، ولعبت وزارة الخزانة الأمريكية دوراً في تشجيع الدعم من باقي أعضاء صندوق النقد الدولي، وتجري محادثات مع الكونغرس بشأن الخطوات اللازمة لشطب الدين الضخم المستحق على الصومال، وتبلغ الديون المستحقة لوزارة الخزانة الأمريكية على الصومال مليار دولار".

اقرأ أيضاً: أين ذهبت تجربة الصومال بالمساواة بين الجنسين؟
وفي هذا السياق؛ أعادت الولايات المتحدة فتح سفارتها في الصومال، في بداية هذا الشهر، بعد نحو ثلاثة عقود من إغلاقها، وتأتي هذه الخطوة بعد إعادة إقامة وجود دبلوماسي أمريكي دائم في مقديشو، العام الماضي، وقالت السفارة في بيان: إنّ "فتح أبوابها يمثل خطوة أساسية على طريق تعزيز العلاقات بين البلدين، ومن شأنها دعم الاستقرار والتنمية في الصومال".
ونقل البيان، عن السفير دونالد ياماموتو، قوله: "هذا يوم مهم وتاريخي، يعكس تقدم الصومال خلال الأعوام القليلة الماضية"، وأضاف: "السفارة ستعمل من أجل تعزيز التعاون ودفع المصالح الإستراتيجية الوطنية الأمريكية، ودعم تطورنا الشامل (على المستويات) الأمنية والسياسية والاقتصادية".

أعادت الولايات المتحدة فتح سفارتها في الصومال مطلع الشهر الجاري

الديون تعيق الحصول على المساعدات
أقرّ رئيس البنك الدولي، جيم يونج كيم، بالحاجة الملحّة إلى أن تلعب المؤسسة دوراً أكبر في دعم البلدان التي تتعامل مع النزاعات والحالات الإنسانية الطارئة.
وحسبما أعلنه وزير المالية الصومالي، في مقابلته مع "رويترز"؛ فإنّ "الحكومة الصومالية تسعى للتفاوض بشأن الحصول على منح بقيمة 300 مليون دولار سنوياً، على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة"، وأوضح أنّ "هذه المنح ستسمح للصومال بالبدء في الإنفاق على مشروعات للحدّ من الفقر، من خلال تحسين قطاعَي التعليم والرعاية الصحية، وكذلك دعم إمدادات المياه والكهرباء والاستثمار في مشروعات البنية التحتية المهمة الأخرى".

اقرأ أيضاً: نواب صوماليون يرفضون خرق فرماجو للدستور
وفي اجتماع الربيع؛ سيُطلب من مجلس إدارة البنك الدولي الموافقة على تمويل بقيمة 770 مليون دولار، لتمويل الأزمة لمواجهة حالات الطوارئ الغذائية في القرن الأفريقي، وفي أماكن أخرى، وأعلن البنك توفّر 1.6 مليار دولار أخرى من التمويل المتاح للحماية الاجتماعية وتقديم الخدمات الأساسية في البلدان المهددة بالمجاعة، لكن لن تصل نسبة سنت واحد من أموال المؤسسة الدولية للتنمية إلى الصومال، ما لم تتم تسوية متأخرات الديون، وفي الواقع؛ تتفوق القواعد التي تحكم تخفيف الديون على "الضرورة الأخلاقية لإنقاذ الأرواح"، وفق تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، في تاريخ 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2019.
ومع ذلك؛ فإنّ الحكومة الصومالية، بقيادة محمد عبد الله محمد، قد أشارت إلى التزامها بإجراء إصلاحٍ في مؤسساتها المالية والاقتصادية، لأجل إعادة الانخراط مع المانحين. ويصف صندوق النقد الدولي نفسه الآن؛ بأنّه "مشارك فعّال في تقديم المشورة السياسية للصومال، لكن تبقى هناك أسباب واسعة تدعو المؤسسات الدولية الحذر من التعامل مع الصومال، فالبلد الذي يوصف بـ "دولة فاشلة" منذ ثلاثين عاماً، ويغرق بشتى أنواع الفساد، يحتاج إلى وقتٍ لبناء الثقة مع المؤسسات الدولية".
وتأتي عمليات إلغاء الديون دائماً بمفاوضات فنية معقدة وطويلة، لكنّ الصوماليين يعوّلون على أنّ إلغاء الديون من شأنه أن يتيح للصومال الوصول إلى تمويل إنمائي طويل الأجل، يحتاج إليه في هذا الوقت، ومن شأنه كذلك، أن يهيئ الظروف للاستثمار الخاص، كما يفتح الباب أمام التدفق الحيوي من التمويل الخارجي.

الأقسام: