الإخوان والجيش: أكذوبة دعم الجماعة لثورة يوليو

تشير أدبيات الإخوان، بشكل كبير، إلى دعم الجماعة المباشر لثورة الجيش المصري، عام 1952، في القاهرة، وكيف أنّهم كانوا يمثلون الظهير الشعبي للثورة، وأنّ شبابهم حملوا السلاح في مدخل القاهرة لمواجهة أيّة تحركات محتملة للجنود الإنجليز المتمركزين في القناة.

اقرأ أيضاً: أسرار اتصالات الإخوان بـ "CIA"
تلك الرؤية انتقلت من أدبيات الإخوان ليتبناها غير المنتمين للجماعة، فقدّمها وحيد حامد في الجزء الثاني من مسلسل "الجماعة"، وكيف أنّ الضباط الأحرار كانوا على اتصال بمرشد الإخوان وأيضاً سيد قطب، المسألة التي اضطر المخرج الراحل، يوسف شاهين، إلى نفيها في فيلم "إسكندرية ليه"، في أحد مشاهد الفيلم، والذي يتناول اتصال الضباط الأحرار بمرشد الجماعة لدعم الثورة، فلم يؤكد أو ينفي الدعم، فقط قال: "لو نجحت تحركات الضباط فسوف ندعمها، ولو فشلت فنحن لا نعرف عنكم شيئاً".

اقرأ أيضاً: هل كشف العدوان التركي وطنية الإخوان الزائفة؟
غير أنّ تلك الرؤى التي روّج لها مؤرّخو الإخوان وتبناها العديد من خارج الجماعة، فنّدها المؤرخ ووزير الثقافة المصري السابق، حلمي النمنم، في كتابه الصادر حديثاً عن مؤسسة "دار الهلال" في القاهرة، بعنوان "الإخوان والجيش"، نافياً تلك المزاعم جملةً وتفصيلاً.
المؤرخ ووزير الثقافة المصري السابق حلمي النمنم

الإخوان وليلة 23 يوليو
الكتاب جاء في 11 فصلاً، تناولت بالترتيب التاريخي جميع مزاعم الإخوان عن علاقتهم بالجيش المصري، ودعمهم للثورة التي اختطفها الضباط الأحرار، بحسب زعمهم، وأكبر تلك المزاعم؛ تمركز شباب الإخوان على مدخل القاهرة تحسباً لتحركات القوات الإنجليزية الموجودة في القناة؛ من أجل حماية الملك، ووأد الثورة في مهدها، غير أنّ النمنم، مستنداً إلى المراجع والوثائق التاريخية، نفى تلك المزاعم، مستنداً إلى أنّ الإشارة الوحيدة لفكرة الاستعانة بالإخوان كانت في مذكرات أحد الضباط الأحرار، عن احتمالية البحث عن دعم الجماعات المنخرطة في العمل السياسي في مصر، حال تحرك القوات الإنجليزية المتمركزة في القناة، غير أنّ ذلك لم يحدث؛ لأنّ قوات الإنجليز لم تتحرك من الأساس، والمسألة لم تتجاوز كونها فكرة معروضة حيال تحرك الإنجليز.

كتاب حلمي النمنم جاء في 11 فصلاً، تناولت بالترتيب التاريخي جميع مزاعم الإخوان عن علاقتهم بالجيش المصري

أشار النمنم أيضاً، في كتابه، إلى أنّ تحركات الضباط الأحرار في بدايتها عدّها الملك مجرد حركة غاضبة داخل الجيش المصري، حتى إنّ الملك فاروق لم يترك حفلاً تواجد فيه في الإسكندرية، عند علمه بخبر تحرك الضباط الأحرار، واكتفى بتكليف وزير الداخلية بأن يخاطب محمد نجيب، مطالباً إياه بإيقاف شغب الضباط، وكان الضباط الأحرار يملكون من الذكاء ما دفعهم لعدم إحداث أيّة بلبلة تشير إلى نيتهم التحرك، واكتفوا باحتلال قيادة الجيش في كوبري القبة، ولم يقربوا من الملك، ومقرّ الإذاعة، والصحافة، والوزارات الحكومية، كما يحدث عادة في الانقلابات العسكرية، إلى جانب أنّهم أبلغوا السفارة الأمريكية، التي أبلغت بدورها السفارة البريطانية؛ بأن ّحركتهم لا تستهدف الإضرار بالأجانب الموجودين في القاهرة، وأنّ المسألة مجرّد أمر داخلي بين الضباط والملك.

اقرأ أيضاً: قراءة في مراجعات "الإخوان"
حديث النمنم يشير بشكل واضح إلى أنّ تحرّك الإنجليز كان أمراً مستبعداً، وإن وضعوه في الاعتبار، بالتالي لم يكن هناك أيّ دور يذكر لجماعة الإخوان في حماية حدود القاهرة، وأنّ المسألة مجرد دعاية زائفة روّجت لها الجماعة بعد محاولتها اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر، في حادثة المنشية، عام 1954.
تناول النمنم أكذوبة أخرى عن إبلاغ الضباط الأحرار مرشد الجماعة، حسن الهضيبي، بموعد قيام الثورة، واستشارته في المسألة، وأنّ حركة الضباط الأحرار أفسدت ثورة شعبية محتملة كانت ستحدث في مصر؛ نتيجة الغليان الذي يمرّ به الشارع، غير أنّ النمنم ذكر في كتابه أنّ ذلك يندرج في إطار أكاذيب كثيرة روّجتها الجماعة، مشيراً إلى تعاونهم الصريح منذ تأسيسهم الأول مع الاستخبارات الإنجليزية ثم الألمانية، ودعمهم الدائم للملك ضدّ سطوة حزب الوفد، وأنّ المشهد العام كان قد تمّ تفريغه من الأسماء المهمّة، التي من الممكن أن تقود ثورة في الشارع المصري، فلم تكن هناك قيادات مهمة، كما حدث أيام أحمد عرابي أو سعد زغلول، إلى جانب أنّ الشارع المصري لم يتحرك عقب هزيمة 1948، ولم يتحرك عقب حريق القاهرة، علماً بأنّ الظروف كانت مواتية، وهو ما يشير إلى أكذوبة إفساد حركة الضباط لثورة شعبية، أيضاً أكذوبة معرفة مرشد الإخوان بأنّ هناك ثورة، علماً بأنّ علاقة الإخوان بالملك كانت قد تحسّنت قليلاً بعد فورة الغضب التي أعقبت اغتيال البنا، إلى جانب أنّ أنور السادات، وهو أحد الضباط الأحرار، لم يكن يعلم بموعد تحرّك الضباط الأحرار إلا في اللحظات الأخيرة.

سيد قطب.. من صنع الأسطورة
فنّد النمنم أيضاً، في كتابه، مسألة علاقة الضباط الأحرار والجيش المصري بسيد قطب، تلك العلاقة التي صوّرها وحيد حامد في مسلسل الجماعة، على أنّها علاقة قوية يستشير فيها الضباط قطب ويأخذون برأيه في تحركهم، وكيف أنّ ذلك يؤكد علاقة الإخوان بالثورة، ويلفت النمنم في كتابه إلى أنّ قطب لم ينضمّ إلى الإخوان، إلا في عام 1953؛ أي بعد قيام ثورة الضباط الأحرار، إلى جانب أنّه كان من الصعوبة تجميع الضباط في مكان واحد بسيد قطب، وهي مسألة سيتمّ رصدها بالتأكيد من البوليس السياسي المصري، هذا إن حدثت من الأساس، لصعوبة تواجد الضباط مجتمعين في اليوم نفسه والمكان نفسه، خصوصاً مع ارتباط كلّ واحد منهم بسلاح مختلف داخل الجيش تختلف مواعيده وأماكن تمركزه.

وجود جيوش وطنية مسألة تعيق حركة الإخوان ومحاولاتها المستميتة للسيطرة على أنظمة الحكم في المنطقة العربية

وينسب النمنم مسألة الترويج لدور قطب في ثورة يوليو إلى مقال كتبه الراحل، سليمان الفياض، في مجلة "الهلال"، أبرز فيه دور قطب كناقد، ثم أقامت جماعة الإخوان على ذلك المقال جبلاً من الأكاذيب التاريخية، حول علاقتهم بالجيش المصري ودعمهم لتحركاته ضدّ الملك، وأنّ الثورة ثورتهم لكنّ الجيش المصري اختطفها.
وعن الكره الشديد الذي يظهره الإخوان للجيش المصري؛ أعاد النمنم تلك المسألة إلى الدور الوطني الذي تلعبه الجيوش العربية في أوطانها، دفاعاً عن الأرض والوطن، وهي المسألة التي تجهلها جماعة الإخوان، التي لا تحترم مفاهيم مثل الأرض والوطن، وتقدّس فقط مفهوم السمع والطاعة للمرشد العام، وأنّ وجود جيوش وطنية مسألة تعيق حركة الإخوان ومحاولاتهم المستميتة للسيطرة على أنظمة الحكم في المنطقة العربية.

الأقسام: