"اللاعبون الكبار" في سوريا.. بين سيناريوهات التعاون والاصطدام

تتساءل مراكز أبحاث أمريكية عما إذا كان تراجع إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للمرة الثالثة، عن انسحابها من سوريا، قد يؤدي إلى احتمالات مواجهة عسكرية "بين لاعبين كبار في منطقة الشرق الأوسط"، خصوصاً وأنّ المعلومات الاستخباراتية الواردة من شمال شرق سوريا تشير إلى عدم انسحاب قوات "وحدات حماية الشعب الكردي" الـ YPG من عديد مواقعها، وفقاً للصفقة بين روسيا وتركيا، والتي قضت بتراجعهم إلى عمق ثلاثين كيلومتراً من الحدود السورية – التركية؟

المشهد الأمني على الأرض يشبه حقل ألغام، وخطر الاصطدام بين أمريكا وسوريا وروسيا وتركيا وإيران يزداد يوماً بعد يوم

يأتي هذا التساؤل وسط توقعات بمستقبل أفضل لقطاع الطاقة في سوريا، عمّا كان عليه قبل 2011، وفي ظل التحركات الدولية لإعادة توزيع القوى في المنطقة.
حركة "اللاعبين الكبار" في سوريا بين سيناريوهات التعاون أو الاصطدام العسكري ناقشه "معهد دراسات الحرب" الأمريكي، (The Institute for the Study of War)، في واشنطن، وأفاد المعهد، الذي يُعتبر من أبرز مراكز الأبحاث خبرة في واشنطن كونه يضم عدداً من الجنرالات الأمريكيين والبريطانيين المتقاعدين، بأنّ الفترة القصيرة المقبلة ستحمل منافسة "شبه أمنية" بين روسيا وتركيا والولايات المتحدة ودمشق وطهران لبسط نفوذهم الميداني - العسكري في شمال شرق سوريا.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق الانتهاكات التركية في سوريا: اعتقالات عشوائية وتحويل المدارس إلى سجون
وكشف معهد الـ "آي أس دبليو"، الذي غالباً ما يُقدم استشاراته إلى قادة البنتاغون، أنّ الـ YPG والفصائل المسلحة التابعة لها، تواصل تنسيقها على خطيّن متوازنين أو أكثر مع كل من الولايات المتحدة وروسيا ونظام دمشق، وفقاً لما نقلت قناة "الحرة" عن المعهد.
وقد استطاع حلفاء واشنطن ومستشارو الرئيس ترامب "تطويع" محاولته الثالثة لـ "الانسحاب العسكري الكامل" من شمال شرقي سوريا، عبر تقديم مبرر جديد، هو منع سقوط حقول النفط والغاز في أيدي "داعش"، لكن هذا المبرر، كما تقول صحيفة "الشرق الأوسط" أدخل المشاورات داخل المؤسسات الأمريكية والاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن والحلفاء ضمن إشكالية "عدم توفر الشرعية القانونية" للمساهمة العسكرية في التحالف الدولي، شرق سوريا، في وقت أعطى فيه ذخيرة مريحة لخصوم واشنطن، الذين سعوا للدخول إلى الرقة "عاصمة" تنظيم "داعش".
وحدات حماية الشعب الكردي

ليس لأي طرف ادّعاء الانتصار الكامل
وفي خضم عدم وضوح الاستراتيجية الأمريكية لناحية العمليات المستقبلية خارج إطار ما أُعلن من مهمة جديدة لحماية حقول النفط، ذكر تقرير "معهد دراسات الحرب" الأمريكي أنّ البنتاغون أعاد قواته الى الداخل السوري مرة جديدة، بعدما كان أخرج جزءاً منها في اتجاه العراق، وأنّ القوات الأمريكية ستستأنف نشاطها العسكري مع "قوات سوريا الديموقراطية - قسد" في محافظة الحسكة وخارجها، في وقت تطمح روسيا بتوسيع رقعة انتشارها في الشمال باتجاه الشرق إلى جانب مواصلتها تنفيذ دوريات منفصلة ومتعددة في أقصى الغرب، بعيداً عن أي تنسيق مع تركيا أوالأكراد السوريين.

اقرأ أيضاً: بعد تصنيف "حراس الدين" تنظيماً إرهابياً: سقوط آخر جناح للقاعدة بسوريا
وتوقع المعهد أنّه من غير المرجح أن تقبل تركيا بهذه المقاربة الأمريكية والروسية، والتي تظهَر كأنها تقاسمٌ للمنطقة الشمالية والشمالية - الشرقية في المدى الطويل. ونقلت "رويترز" عن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قوله في تصريحات نشرت يوم الجمعة إنّ بلاده لن تخرج من سوريا قبل انسحاب الدول الأخرى منها.
وفي ظل تصاعد خطط اللاعبين؛ تركيا وروسيا والولايات المتحدة، اعتبر المعهد إنّه حتى الآن لم يستطع أي فريق تحقيق أي انتصار ولو في شكل رمزي، وخصوصاً وأنّ النظام السوري الخاضع للرئيس بشار الأسد يستعد أيضاً بدوره، ومدعوماً من إيران ومجموعاتها، إلى تكثيف دورياته في شمال شرق القامشلي وعلى مقربة من القوات الأمريكية المنتشرة هناك.

اقرأ أيضاً: ما هي عواقب العدوان التركي على سوريا؟
وختم المعهد تقريره، كما نقلت "الحرة"، واصفاً المشهد الأمني على الأرض وفي هذه المنطقة بالتحديد، بأنّه يشبه حقل ألغام، وأنّ خطر الاصطدام المقصود وغير المقصود بين الولايات المتحدة وسوريا وروسيا وتركيا وإيران يزداد يوماً بعد يوم.

هل يستحق النفط السوري هذا الاهتمام؟
ومع أنّ حجم احتياطي النفط السوري ونوعيته متدنية بمقاييس النفط العربي، فإنّ عائدات النفط قبل الأحداث في سوريا كانت مهمة لميزان المدفوعات السوري. ويوضح تحليل نشره "معهد دول الخليج العربية في واشنطن" هذه المسألة بالقول إنّه في 2010 أسهم قطاع الطاقة بنحو 35 بالمئة من عائدات تصدير النفط ونحو 20 بالمئة من مدخول الدولة السورية. وتبين إحصائيات 2015 أنّ لدى سوريا 2.5  مليار برميل نفط في شرق وشمال شرق سوريا. أما احتياط الغاز الطبيعي فإنّه يقدر بـ 241 مليار متر مكعب معظمها في وسط سوريا. وقبل الانتفاضة كانت سوريا تنتج نحو 350,000 برميل في اليوم، تستهلك منه 100 ألف برميل، وتصّدر الباقي. ولكن الانتفاضة الشعبية، والمواجهات المسلحة التي أعقبتها ألحقت بمنشآت النفط التي كانت تفتقر إلى الصيانة أصلاً، أضراراً كبيرة، حيث انحدر إنتاج النفط في سوريا هذه السنة إلى24,000  برميل في اليوم.

قطاع الطاقة السوري محدود ونوعية النفط متدنية، ولكن احتياط الغاز مهم، وخاصة حين تبدأ عمليات التنقيب بالمياه الإقليمية السورية

ويضيف "معهد دول الخليج العربية في واشنطن": صحيح أنّ قطاع الطاقة في سوريا هو الآن في حالة مزرية، ولكن ذلك لم يمنع روسيا من التوصل إلى اتفاق مع نظام الأسد في بداية السنة الحالية لإعادة بناء القطاع بكامله وبشكل حصري. وهذا يشمل ليس فقط إعادة بناء البنية التحتية لإنتاج النفط والغاز في الأراضي السورية ولكن أيضاً التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية. وهناك اهتمام إيراني بقطاع الطاقة السوري، خاصة وأنّ إيران هي التي عوضت على سوريا خسارتها لحقول النفط في شمال شرق البلاد. وفي شباط (فبراير) 2019 حصلت إيران على حق إدارة مرفأ اللاذقية السوري، الأمر الذي سيعزز نفوذ إيران في سوريا ولبنان؛ حيث سترسل إيران إمدادات النفط إلى سوريا عبر اللاذقية. وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل وقبرص واليونان وتركيا بأعمال التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، والبدء بتصديره إلى الأسواق الأوروبية، وذلك في غياب لبناني وسوري محرج.

اقرأ أيضاً: العدوان التركي والمقاتلون الأجانب.. تعرف إلى أخطر مخيمات داعش بسوريا
ويوضّح "معهد دول الخليج" بأنّ قطاع الطاقة السوري محدود ونوعية النفط السوري متدنية، ولكن احتياط الغاز في سوريا مهم، وخاصة حين تبدأ عمليات التنقيب في المياه الإقليمية السورية، ولكن خضوع سوريا للنفوذ الروسي والإيراني، واهتمام تركيا بنفط شمال شرق سوريا؛ حيث كان يتم تهريب النفط إلى تركيا خلال سيطرة "داعش" على تلك المنطقة، إضافة إلى حقيقة أنّ أحد حقول الغاز السورية يقع في هضبة الجولان، التي بارك الرئيس ترامب هذه السنة "سيادة" إسرائيل عليها، كلها تبين أنّ هناك صراعاً وتقاسماً إقليمياً ودولياً لقطاع الطاقة السوري، حتى في وضعه المتردي الراهن؛ لأن مستقبل هذا القطاع، وخاصة إنتاج الغاز، إذا تم تطويره بجدية، هو أفضل بكثير من ماضيه، وفق المعهد.

الأقسام: