بيت حنينا من تجمّع فلسطيني إلى فسيفساء محاطة بالمستوطنات

في محاولة إسرائيلية مستمرة لتهويد الأحياء العربية بالقدس المحتلة، منذ احتلال الشطر الشرقي للمدينة، عام 1967، تتواصل الانتهاكات الصهيونية ومصادرة الأراضي في بلدة بيت حنينا، أكبر حي عربي بمدينة القدس من حيث المساحة، والتي يعود تاريخها إلى الفترة الكنعانية؛ حيث تستمر معاناة سكانها جراء سياسات الاحتلال التعسفية، الذي حوّلها الاستيطان والجدار العازل إلى بلدة شبه مهجورة بعد منع عائلاتها من التواصل مع بعضهم، لعزل البلدة، جغرافياً وسكنياً وديموغرافياً، عن مدينة القدس، وتنفيذ المخطط الإسرائيلي، الذي عرف بـ "القدس الكبرى"، والذي بدأ العمل عليه منذ عام 1968، ويهدف إلى السيطرة وضمّ مساحات جديدة من الأراضي العربية بالقدس المحتلة.

مخطط إسرائيلي جديد تمّ الإعداد له قبل 7 شهور لإقامة عدد من البؤر الاستيطانية داخل الأحياء العربية بالقدس المحتلة

وصادرت سلطات الاحتلال معظم أراضي بلدة بيت حنينا، وأقامت عليها مستوطنة "عطروت"، عام 1970، التي تحدّ البلدة من الجهة الشمالية، ومستوطنة "نفي يعقوب" من الناحية الشرقية، ومستوطنة "راموت" غرباً، التي تمّ تشييدهما خلال العام 1973، وقامت إسرائيل بتقسيم البلدة إلى قسمَين: قسم شرقي تابع لبلدية القدس الإسرائيلية، وسمّي بيت حنينا الجديدة، أما بيت حنينا التاريخية وقسمها الغربي فألحقت بمناطق الضفة الغربية، وعند بناء جدار إسرائيل العازل في الضفة الغربية، خلال العام 2002؛ بقي هذا القسم خارج الجدار.
وبحسب معهد الأبحاث التطبيقية في القدس، بناءً على اﺗﻔﺎﻗﻴﺔ "أوسلو" اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، اﻟﻤﻮﻗَّﻌﺔ ﻓﻲ 28 أﻳﻠﻮل (سبتمبر) 1995، بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل؛ تمّ تقسيم أراضي قرية بيت حنينا إلى منطقتَي (ب) و(ج)، وتمّ تصنيف 512 دونماً من مساحة البلدة (12.2%) كمنطقة (ب)، وهي المناطق التي تقع فيها المسؤولية الإدارية على السلطة الفلسطينية، وتكون لدى إسرائيل السيطرة الأمنية الكاملة على البلدة، وتشكّل معظم المناطق الفلسطينية المأهولة، وتمّ تصنيف ما مساحته 3675 دونماً (87.8%) من مساحة البلدة كمنطقة (ج)، وهي تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية، ويمنع البناء الفلسطيني منها والاستفادة من أراضيها.

صادرت سلطات الاحتلال معظم أراضي بلدة بيت حنينا

ويقطن بيت حنينا 7 عائلات من المستوطنين الذين استولوا على عقارات للفلسطينيين بزعم ملكية اليهود لهذه العقارات، وذلك عبر تزوير مستندات ووثائق تهدف إلى الاستيلاء على هذه العقارات وطرد ساكنيها الفلسطينيين.

وتفتقر البلدة إلى الخدمات الطبية، ولا يوجد فيها سوى مركز صحي يتبع وزارة الصحة الفلسطينية، ويعمل ليوم واحد في الأسبوع، كما تعاني بيت حنينا من عدم وجود مدارس كافية، ولا توجد فيها مدارس ثانوية، وهو ما يؤدي إلى تسرّب الذكور من المدارس إلى خارجها.

اقرأ أيضاً: أمريكا تكشف عن توجهات تتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية.. هل تعرفها؟

وﻳﻀﻊ ﺟﺪار الفصل اﻟﻌﻨﺼﺮي اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ اﻟﻌﻤﺮاﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺑﻴﺖ ﺣﻨﻴﻨﺎ اﻟﺒﻠﺪ واﻟﻤﻨﺎﻃﻖ اﻟﻌﻤﺮاﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﺪد ﻣﻦ اﻟﻘﺮى اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ اﻟﻤﺠﺎورة (ﺑﻴﺮﻧﺒﺎﻻ واﻟﺠﺪﻳﺮة واﻟﺠﻴﺐ) ﻓﻲ ﻣﻌﺰل ﻋﻦ اﻟﺘﺠﻤﻌﺎت اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ اﻟﺮﺋﻴﺴﺔ، وﻋﻦ ﻣﺪﻳﻨﺔ اﻟﻘﺪس ﺑﺸﻜﻞ ﺧﺎص، وذﻟﻚ ﺑﺘﻄﻮﻳﻘﻬﺎ واﻟﻘﺮى اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ اﻟﻤﺠﺎورة لها ﺑالجدار العازل.

وأقرّ الكنيست الإسرائيلي، في 10 تموز (يوليو) 1980، قانوناً جديداً ينصّ على أنّ القدس عاصمة "إسرائيل"، وهدف القانون منع أيّة حكومة إسرائيلية من التوصل لأيّ اتفاق يمسّ السيادة الإسرائيلية على القدس، ورافق ذلك أنْ أقدمت الحكومة على مصادرة مساحات من بلدتي بيت حنينا وشعفاط، تبلغ مساحتها 4400 دونم، لإقامة مستوطنات بسغات زئيف وبسغات عومر.
وبموجب الأمر رقم (11) من تعليمات وأنظمة الدخول إلى إسرائيل؛ فإنّ كلّ من يغير مكان الإقامة يفقد حقّ العودة إلى القدس، وتغيير مكان الإقامة ليس إلى خارج فلسطين فقط، إنما خارج حدود بلدية القدس الإسرائيلية، وبالتالي يتم سحب حقّ الإقامة من السكان العرب وتهجيرهم إلى خارج المدينة المقدسة، وذلك من أجل إعادة التوازن الديموغرافي لصالح الإسرائيليين، وجعل السكان العرب أقلية في المدينة.

جرى تقسيم البلدة إلى قسمَين

وتشير إحصائيات دائرة الخرائط في مؤسسة الدراسات العربية، إلى أنّ عدد المستوطنين بالقدس بلغ 220 ألفاً، بزيادة 13% تقريباً في عهد حكومة بنيامين نتنياهو، وخلال عام 2016؛ تمّت المصادقة على 2600 وحدة استيطانية، في حين تمّ إيداع 1400 وحدة للمناقشة، ويجري بناء 2400 وحدة استيطانية أخرى، بعد أن أحيلت مناقصاتها لشركات البناء والمقاولة.

اقرأ أيضاً: هل يغامر الفلسطينيون في إصدار عملة مشفرة؟

ووفق تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية، خلال العام 2015، فقد كشفت إحصائية إسرائيلية عن نسبة التراخيص المعطاة للعرب من أجل البناء بمدينة القدس، والتي لا تزيد عن 7% فقط من مجمل التراخيص، وذكر التقرير أنّ العدد الإجمالي للتراخيص التي أصدرتها بلدية القدس على مدى الأعوام الخمسة السابقة، بلغ 11 ألف و603 رخص بناء، في حين لم تتجاوز حصة العرب 878 رخصة من إجمالي هذه التراخيص.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، خلال عام 2014؛ أنّ وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، جون كيري، اقترح على رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس؛ أن تكون بيت حنينا، وليس شرق القدس، عاصمة للدولة الفلسطينية، التي لن تكون الأغوار جزءاً منها.
محاطة بالمستوطنات
يذكر مدير دائرة الخرائط بجمعية الدراسات العربية في القدس، خليل التفكجي، لـ "حفريات": أنّ مساحة بيت حنينا تقدر بـ 15 ألف و944 دونماً، وقام الاحتلال الإسرائيلي بمصادرة 4 آلاف و132 دونماً من مساحة البلدة، عام 1970، وبلغت مساحة البلدة داخل حدود البلدية 10 آلاف و223 دونماً، وتبلغ مساحتها خارج حدود البلدية في مناطق الضفة الغربية 5 آلاف و721 دونماً، "وتسعى إسرائيل إلى الاستيلاء والسيطرة على الأراضي الفارغة بشكل دائم، والتي تسمَّى "أملاك الغائبين"، التي يعيش أصحابها الأصليون خارج بلدة بيت حنينا، لتفريع السكان العرب منها".

تشير تقديرات إسرائيلية إلى أنّ أعداد المستوطنين تتراجع رغم عوامل الجذب والتحفيز، وتوقّعت أن تنخفض عام 2030 إلى 58%

ويضيف التفكجي أنّ "الجزء الشرقي من البلدة تمّ ضمّه إلى حدود بلدية القدس الإسرائيلية، وتسيطر السلطة الفلسطينية إدارياً على الجزء الغربي من البلدة، الذي يحيط بها الطرق الالتفافية وجدار الفصل العنصري الذي اقتطع مساحات كبيرة من أراضي البلدة، وجعلها محمية طبيعية مع قرية النبي صاموئيل، شمال غرب القدس المحتلة، عام 1996، ليعزل بيت حنينا عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، والتي تخضع إلى السيطرة الأمنية الإسرائيلية، بحسب اتفاقية أوسلو".
ولفت إلى أنّ "بيت حنينا تحوّلت من تجمّع فلسطيني إلى فسيفساء محاطة بالمستوطنات والطرق من جميع الاتجاهات"، مبيناً أنّه "جرى تقسيم البلدة إلى قسمَين الجزء الشرقي، وأقيمت مستوطنتان، هما: "راموت" في غرب البلدة، وتم تشييدها في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ومستوطنة "بسغات زئيف"، بينما ضمّ جزء كبير من بيت حنينا إلى مستوطنة "النبي يعقوب" شرقاً، وشمالاً إلى مستوطنة "عطروت"، التي تعدّ من المناطق الصناعية الإسرائيلية المعروفة".
يقطن بيت حنينا 7 عائلات من المستوطنين الذين استولوا على عقارات للفلسطينيين

مصادرة الأراضي وهدم المنازل
من جانبه، يقول رئيس بلدية بيت حنينا، نضال أبو حمدة إنّ "السلطات الإسرائيلية تنتهج أساليب مختلفة للسيطرة على بلدة بيت حنينا بالقدس، من خلال الاستيلاء على المزيد من أراضي المواطنين، وهدم العديد من المنازل لإنشاء الطرق الالتفافية وإقامة المستوطنات وتوسعة عدد منها، وإقامة المنطقة الأمنية التي تقع بمحاذاة الجدار العازل على عمق 50 كيلومتراً، إضافة إلى إقامة الاحتلال البوابات الإلكترونية، التي تمنع العائلات في البلدة من التواصل مع ذويهم في مدينة القدس، خاصة الأسر التي تسبّب الجدار في عزلها عن بعضها".

اقرأ أيضاً: المشهد السياسي الإسرائيلي يزداد تعقيداً: من يشكل الحكومة المقبلة؟

ويكمل أبو حمدة حديثه لـ "حفريات": "المغتربون من عائلات بلدة بيت حنينا، في حال مكوثهم خارج البلدة لما يزيد عن عامين إلى ثلاثة أعوام، تعمد السلطات الإسرائيلية إلى سحب هوياتهم المقدسية، بهدف خلق وقائع جديدة على الأرض، ديموغرافياً وجغرافياً، وطمس الهوية العربية للبلدة، وجعلها ذات أغلبية يهودية".

تتواصل الانتهاكات الصهيونية ومصادرة الأراضي في بلدة بيت حنينا

تهويد الأحياء العربية
وكشف عن مخطط إسرائيلي جديد تمّ الإعداد له قبل 7 شهور لبناء وإقامة عدد من البؤر الاستيطانية داخل الأحياء العربية بالقدس المحتلة، "بهدف تهويدها تحت مسمى التعايش السلمي بين العرب واليهود"، مبيناً أنّ "المناهج الإسرائيلية تفرض داخل المدارس العربية بالقدس، وتعمل إسرائيل على تغيير المناهج الفلسطينية فيها، واستبدالها بمناهج تطرح فيها الرواية الصهيونية الزائفة".

اقرأ أيضاً: ماذا يعني حذف اسم فلسطين من موقع وزارة الخارجية الأمريكية؟

ولفت أبو حمدة إلى أنّ بلدة بيت حنينا يحيط بها الجدار العازل من ثلاث جهات، ولا يوجد لها سوى منفذ وحيد باتجاه بلدة بيرنبالا، "وهو الأمر الذي دفع بالمواطنين بالبلدة، الذين يقطنون بالقسم الغربي إلى الهجرة منها، وهو ما أدّى إلى تقليص عدد سكانها من 3 آلاف نسمة، إلى ألف نسمة فقط، بفعل المضايقات الإسرائيلية المستمرة على سكان البلدة"، مشيراً إلى أنّ "هناك عدداً كبيراً من الأراضي الزراعية لا يستطع السكان الوصول إليها، لوقوعها بين الشارع رقم 443 وجدار الفصل العنصري، والذي تسيطر عليه السلطات الإسرائيلية".

وتشير تقديرات إسرائيلية؛ إلى أنّ أعداد المستوطنين تتراجع سنوياً، رغم عوامل الجذب والتحفيز، وتوقّعت أن تنخفض، عام 2030، إلى 58%، على أن يكون الفلسطينيون أغلبية بحلول عام 2050، بواقع 55%".

الأقسام: