منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب

النظر إلى أهم الأدوات الإعلامية لتنظيم داعش؛ وفي مقدمتها: شبكة شموخ الإسلام، ومنبر الإعلام الجهادي، وشبكة ناشر، وبالتدقيق فيما ينشر؛ يجد المراقب بكلّ تأكيد عدداً كبيراً يعمل معهم؛ إنّه عالم مليء بالموظفين التقنيين، والمجندين الافتراضيين، وهو ما جعلهم قادرين على تحريك المشاعر، واستقطاب المئات من الشبان والمراهقين.
الموظّف الأساسي
يعتمد داعش على محاور يعمل من خلالها، هي: خلايا الدعوة والإعلام، والتمويل، والتربية، والتنفيذ العسكري، وكلّ منها مكمل للآخر، وهي تنقسم فيما بعد إلى ولايات ووزارات ومجلس شورى وهيئة مفوضة، لكنّ المهم هنا في المحور الإعلامي؛ أنّ سيلاً كبيراً من الذين يعملون في الخلفية السرية دون إعلان هم بالمئات، وهم الذين يفتحون باب المشاركة حول الهدف والاسم المشترك والعقيدة الداعشية.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
يدير شبكة "شموخ الإسلام" شخص يدعى "أبو العيناء الخراساني"، وتخضع، في الأساس، لإدارة آدم ليبرمان، وهو حفيد من يسمَّى بـ "كارل اليهودي"، القيادي برابطة ذات صلة بإسرائيل تناهض ما تسمّى "معاداة السامية"، وآدم هو عزام الأمريكي الذي اعتنق الإسلام بعد اليهودية، وقيل إنّه قُتل في غارة داخل باكستان، عام 2015، وفق تصريح خاص لخبير الحروب الإلكترونية، كمال فؤاد.

يدير شبكة "شموخ الإسلام" شخص يدعى أبو العيناء الخراساني
وأخطر الأقسام الموجودة داخل الشبكة يطلق عليها "معسكر الشموخ"، وتضمّن كلّ الأمور العسكرية والقتالية التي يحتاج إليها الإرهابي، إضافة إلى فيديوهات لتدريبات عالية الجودة للتنظيمات الإرهابية، كما يتيح المعسكر دورات في الإعداد البدني والدفاع عن النفس، وبه كتب ومراجع خطيرة في كيفية استخدام وصناعة المتفجرات، ومنها القنابل الخفيفة التي لا يمكن كشفها وطرق صناعة الصواريخ الحرارية والقنابل العنقودية، وإجراء تجارب خاصة في قسم الأسلحة الكيميائية، منها تجارب حول غاز الفوسفين السام، وإنتاج كميات كبيرة من نترات الأمونيوم، والبروكسيد أسيتون، المستخدمة في صناعة المتفجرات.

المنتديات الجهادية تنطوي على أسرار ومعلومات كبيرة وخبراء وضعوا لها أنظمة في أعلى درجات من الاحترافية

كما توجد دورات حول تفخيخ السيارات، وطرق سرقتها بدون مفتاح، وهناك أساليب وتكتيكات لتضليل الطائرات بدون طيار، وطرق اقتحام الأماكن، سواء باستخدام السلاح الناري أو التفجير.
الموظف الأول الأساسي في هذه الشبكة؛ هو المخطط الافتراضي الذي يقوم بوضع الخطة الإعلامية بالكامل، وهو المسؤول فيما بعد، والمشرف على هذه المنتديات والشبكات، التي تخضع إلى ما يسمى "سرايا الدعوة والتجنيد"، المسؤولة عن ضمّ عناصر جديدة للتنظيم، ولا علاقة لها بأيّة عمليات عسكرية، ورأت مجلة تنظيم القاعدة "inspire"؛ أنّها الخلايا البانية التي تكون غير مكشوفة، وقادرة على الحركة في أوساط الناس، وتعيش بأمن وحرية، ويكون أفرادها متفهّمين لمنهج الجهاد المسلّح، ولديهم الأهلية الفكرية لشرحه والدعوة له، وعلى قدر لا بأس به من الفهم الشرعي والسياسي والحركي، ومستوى مناسب في القدرة على التدريب السري على الأسلحة الخفيفة والمتفجرات وأسلحة العصابات الخفيفة الأخرى، احتياطاً لأيّ عارض أو ظرف.

اقرأ أيضاً: "سلفنة" الفضاء الرقمي.. لهذه الأسباب يولي السلفيون مواقع التواصل أهمية كبيرة
يقول أسامة شحادة، في تحقيق حول منتديات التنظيمات الإرهابية، إنّ "إدارة المنتديات التي تشرف عليها الحركات والتنظيمات "الإسلامية"، التي تعمل سرياً أو علنياً، صعبة ودقيقة، وتحتاج إلى خبرة فنية وإدارية عالية المستوى، وخبرة تقنية متقدمة في علم الشبكات واستخدام الأجهزة وأمن المعلومات.
ويقول كمال فؤاد، خبير تكنولوجيا المعلومات والحروب الإلكترونية، في حديث خاص: "شبكة "شموخ الإسلام"، و"منبر الإعلام الجهادي"؛ هما أضخم موقعَيْن سريَّين تابعَين لتنظيم داعش الإرهابي؛ فالأول لا يدعم المتصفحات المعروفة، مثل "جوجل كروم"، أو "فايرفوكس"، أو "أوبرا"، ويعتمد على نظام تشفير عالٍ، والحالة الوحيدة لإمكانية الدخول هي استخدام برنامج "TOR"، الذي يغيّر موقع الجهاز الخاص بك (iP)، كلّ عشر دقائق، ولا أحد يستطيع معرفة مكانك الحقيقي، لكنّ هذه الطريقة مرهونة بالاشتراك أولاً بالموقع، وهذا الأمر لا يحدث إلا بتزكية مباشرة من زعيم التنظيم، أو أحد كبار مساعديه.
توجد دورات حول تفخيخ السيارات، وطرق سرقتها بدون مفتاح

داخل مؤسسة عسكرية
يضيف: "المشتركون بالشبكة يشعرون بأنّهم داخل مؤسسة عسكرية كبيرة؛ فلكلّ عضو رتبة ويتم ترقيته بناءً على تقييمه من الإدارة، فالعضو الجديد يطلق عليه "شامخ جديد"، وبعد الترقية يصبح "شامخ محرِّض"، ثم "شامخ ناشط"، وحين يصل إلى "شامخ مراقب"، يمكنه تحصيل أموال من الشبكة ويصبح وجوده داخل الشبكة وظيفة له في التنظيم".
ولا تحوّل الشبكة الأموال للأعضاء داخل الموقع بطريقة مباشرة، حتى لا تتعقبهم الأجهزة الأمنية؛ لذلك يتم منحهم الأموال من خلال بطاقات تسمَّى "الكاش يو"، وهذه البطاقات منتشرة بكل الدول، وأسعارها تبدأ من 10 دولارات حتى 300 دولار، وهي مخصصة لعمليات الشراء عن طريق الإنترنت، وتتميز بأنها وسيلة توفر خدمات الدفع بأمان وسهولة دون الكشف عن هوية المستخدمين.

اقرأ أيضاً: الخطاب الديني الرقمي والترويج للتطرف
ويمكن لرواد "شموخ الإسلام" تحصيل المبالغ المالية عن طريق موقع "باي بال"، وهو الموقع التجاري العالمي الذي يسمح بتحويل الأموال عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني للحسابات البنكية المختلفة، وقد سبق أن أعلنت الشبكة عن الحاجة إلى عمل فتيات شامخات معهنّ، مقابل أجر مالي؛ لذلك عليهنّ ملء استمارة البيانات الموجودة داخل الإعلان بالشبكة، والتي تتضمن بعض الأسئلة، ويتطلب فيها وضع معلومات شخصية عن الحسابات الإلكترونية، ثم إرسالها داخل برنامج "تلغرام"، لفتاة تدعى "آية"، وهي مسؤولة توظيف الفتيات الشامخات.
مشرفون وإداريون برواتب
في فترة من الفترات؛ كان القيادي أحمد أبو سمرة، وهو فرنسي من أصل عربي، هو المشرف على النواحي الإعلامية، وكانت تخضع له مجموعة من الأقسام، هي: إدارة المواقع العامة، والأمور التقنية، والتخطيط العام والتطوير، يليه نائب المشرف العام الذي يرتبط مباشرة بالمشرف العام، ويقوم مقامه في حال غيابه، ويتبعه مراقب عام الإشراف، الذي يقوم بتنفيذ التعليمات وكتابة التقارير والتغذية العكسية، ويلي ذلك قسم المراقبة، الذي يشمل: مراقب النواحي الشرعية والمراجع؛ حيث يقوم بمراجعة المواضيع والقضايا والآيات والأحاديث، ثم مراقب التوثيق والمصادر، ويقوم بالتأكد من الأفلام الوثائقية، وما يصدر عن "الجماعات الجهادية"، وبيان المزوَّر منها والملفَّق، وحذفه من الشبكة والمنتدى في حال ثبات عدم صحة المواد المنشورة، ثم مراقب المكرّر والحذف والنقل، ويقوم بحذف الموضوعات المسيئة للتنظيم.

اقرأ أيضاً: مقتل البغدادي .. هل هو حقاً ضربة قاتلة لداعش؟
يذكر الكاتب أسامة شحادة، حسبما نشرت "الحياة" اللندنية؛ وظائف أخرى: منسّق المشرفين، ومنسقة المشرفات، والمشرفون ونوابهم، فهم يتولون عملية التنسيق والإشراف على الموضوعات المطروحة في المنتديات، وتتابع الموضوعات التي تطرحها النساء، منسقة المشرفات، وما يتبعها من مشرفات، كما هناك مجموعة من اللجان؛ اللجنة الثقافية، التي تقوم بجمع الموضوعات الأدبية والبحوث والتحقيقات والصور التي تخصّ الأعضاء، والتدقيق فيها، وثاني هذه اللجان، اللجنة الفنية، وتقوم بالإخراج الفني لما يتفق على نشره، وآخر اللجان اللجنة التقنية، ومهمتها توفير الدعم الفني من برامج تشغيلية وأدوات مساعدة، مع شرح طريقة عملها.
 هناك موظفون داخل داعش يتقاضون أجراً نظير عملهم في المنتديات

إعلان عن طلب إعلاميين
كما يذكر الكاتب المختص في الإسلام السياسي، محمد الفقي، في حديث خاص؛ أنّ هناك موظفين داخل داعش، وهم يتقاضون أجراً نظير عملهم في المنتديات، وأنّ بعض منتدياتهم كتبت إعلاناً عن طلب إعلاميين، وهي "ناشر نيوز".
وأضاف: "هم يقسمون موظفيهم بين المنتديات والمواقع، ومواقع التواصل الاجتماعي، والإعلام المرئي (يوتيوب)، والإعلام الصوتي، وقسم الهاكرز"، مشيراً إلى أنّ "المنتديات تعتمد على التفاعل بين إدارة المنتدى والقرّاء، ولا قيمة للمنتدى من دون مشاركات القرّاء، فبعض المختصين منهم في التعامل مع الجمهور هم من يشرف على هذا القسم".

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
يوضح الكاتب المختص في الإسلام السياسي، أحمد الجدي، في تصريح خاص؛ أنّ غرف "البالتوك" هي أهم قسم داخل منتديات داعش، وهي عبارة عن غرف دردشة، والمشرفون عليها هم أعلى درجة ومرتبة داخل التنظيم؛ إذ إنّهم هم الذين يجرون المحادثات والحوارات ويردون على الشبهات المتعلقة بالأفكار.
وفيما يخص قسم الإعلام الصوتي؛ فقد أوضح الجدي أنّه يتمثل في الخطب والدروس الصوتية الجهادية، والكتب المسموعة الجهادية، وأخيراً ابتدعوا "الإذاعة"، وهي "إذاعة البيان"، وهي برامج مجدولة يتم نشرها على الصفحة الرئيسية لمنتدى شموخ الإسلام، أو منبر الإعلام الجهادي، وكذا شبكة ناشر.
برامج المحادثة
وقال: تركّز مواقع داعش الرئيسية على برامج المحادثة، بهدف تحريض الناس وتذكيرهم بفضل الجهاد، وإرسال آخر أخبار "الجهاد" و"المجاهدين"، وفيما يتعلق بالهاكرز، تركز على إستراتيجيات تدمير بعض المواقع المعادية.
من المهمّ الإشارة إلى أنّه قبل الحصول على أية وظيفة داخل المنتديات الداعشية، فلا بدّ من الحصول على تزكية قيادي بالتنظيم؛ لذا سنجد أعداد العاملين فيها ليست ضخمة؛ نظراً إلى الشروط الصعبة جداً التي وضعها القائمون عليها للسماح لأيّ شخص برؤية المحتوى الذي يقدمونه، ومن ضمن هذه الشروط أن يحصل الشخص الراغب بالعضوية في تلك المنتديات على توصية.

خبير: تركّز مواقع داعش على برامج المحادثة بهدف تحريض الناس وتذكيرهم بفضل الجهاد وإرسال آخر أخبار "الجهاد" و"المجاهدين"

يقول الكاتب أحمد الجدي: "هذه المنتديات تستهدف المؤيدين، وبقوة، للتنظيم، ولا تستهدف المؤيدين العاديين، الذين لم يصلوا لدرجة القناعة الكاملة بفكر داعش، أو الأعضاء الفعليين في التنظيم، الذين يعيشون بالفعل في أماكن سيطرته، وذلك رغبة من داعش في استغلال هؤلاء إما لجعلهم ذئاباً منفردة تنفذ عمليات إرهابية، أو لجعلهم إعلاميين مؤهلين للترويج.
المنتديات الجهادية تنطوي على أسرار ومعلومات كبيرة وخبراء وضعوا لها أنظمة في أعلى درجات من الاحترافية، وهناك منتديات، مثل شبكة شموخ الإسلام، بمثابة أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب؛ بداية من الأفكار المتطرفة، وصولاً إلى عمليات القتل والإجرام وتصنيع الأسلحة التي تصل إلى "الصواريخ". وموظفو هذه المنتديات مهمتهم الأساسية ضخّ الفكر المتطرف من خلال النبش في الكتب والفتاوى، وإظهار التفسيرات الأكثر تشدداً للنصوص، وإنزالها على وقائع العصر، ومن ثم إصدار الأحكام. وفي هذه المرحلة؛ يكون الشاب في مرحلة التأمل والاختيار، والمساعدة في الاختيار، وهي مرحلة يتم من خلالها استخدام المؤثرات لدفع الشخص الحائر لتكوين موقف.

الأقسام: