هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟

ليس واضحاً تماماً إلى أي حدّ تركتْ الاحتجاجات الشعبية في العراق مفاعيلها على الجارة إيران، والأرجح أنّه يصعب على أي مراقب في هذه المنطقة المأزومة أن يغفل تأثير "العدوى" في فضاء جيوسياسي، تكاد تتشابه أزماته وعلله: الفساد والسلطوية وسوء الحوكمة وضعف التنمية، وخلاصته: تراجع الأوضاع المعيشية وانكماش الأفق والخيارات أمام المواطن العادي.

طهران ستعمل جاهدة كي لا تكون الاحتجاجات الحالية نسخة من تلك التي اجتاحت البلاد في الأعوام 2009، و2017 و2018

لكن ما هو واضح أنّ إيران تعاني اقتصادياً، وإلا لما رفعت أسعار البنزين في هذا الوقت الحرِج. وما هو واضح أيضاً أنّ طهران ستعمل جاهدة كي لا تكون الاحتجاجات المطلبية الحالية في العديد من المدن الإيرانية نسخة من الاحتجاجات التي اجتاحت الجمهورية الإسلامية في الأعوام 2009، و2017 و2018. ولعلّ وصف الزعيم الأعلى في إيران، السيد علي خامنئي، المحتجين في المدن الإيرانية على رفع أسعار البنزين بـ "مثيري الشغب" و"الأشرار" و"المخربين"، ولومه "أعداء إيران الأجانب"، هو ضوء أخضر لقوى الأمن بقمع الاحتجاجات، واستخدام القبضة الأمنية لوأدها من جهة، وهو تأكيد، من جهة أخرى، لدعمه رفع أسعار الوقود، وعدم التراجع عن ذلك.
وبالفعل، حذرت وزارتا الأمن والداخلية في إيران، أمس، من أنّ قوات الأمن ستتصدى بحزم "من الآن فصاعداً" للمتظاهرين الذين يتجمعون في الشوارع؛ احتجاجاً على القرار المفاجئ للحكومة برفع أسعار البنزين وتقنين توزيعه.
وقد خرج عشرات آلاف الإيرانيين في مختلف المدن للتنديد بارتفاع أسعار البنزين، ووقعت مواجهات بينهم وبين قوات الأمن في عدد من المواقع، فيما تحدثت وسائل إعلام محلية عن اعتقال أكثر من ألفي شخص. ولا تتوافر أرقام موثوقة من مصادر مستقلة.

اقرأ أيضاً: هل تهدّئ مبررات روحاني غضب الشعب الإيراني؟
وقالت وزارة الأمن الإيرانية، في بيان لها، إنّها "في ضوء توجيهات قائد الثورة الإسلامية... تعتبر من مسؤوليتها التصدي للأشرار، وستتصدى بحزم لأي عناصر مخلة بالأمن والنظام واستقرار وراحة الشعب الإيراني"، وفقاً لما جاء في البيان.
من الواضح أنّ إيران تعاني اقتصادياً وإلا لما رفعت أسعار البنزين في هذا الوقت الحرِج

"انتفاضة العراق"
لقد انتفض الشعبان؛ العراقي واللبناني، فاعتبرت طهران-كما يقول الكاتب مصطفى فحص في مقال نشرته قناة "الحرة"- أنّ "النيران وصلت حدائقها الخلفية؛ وأنّ هذا الأمر سيؤثر في موقع واقعها الجيوسياسي، ضمن ما باتت تُسميه بفضائها الإستراتيجي الممتد من طهران إلى جنوب لبنان براً، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب بحراً، والذي غلّفته بغطاء جيو-عقائدي برر لها مشروع نفوذها الجيواستراتيجي خارج حدودها الوطنية؛ باعتباره جزءاً من عقيدة النظام الثورية".
وانتشر على نطاق واسع في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" بإيران هاشتاغ  #قیام_عراق" ويعني باللغة الفارسية "انتفاضة العراق".
وفي ملامسته لهذه الجوانب، قال حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، السبت، إنّ "إيران ليست العراق ولا لبنان، والسفارة الأمريكية مغلقة منذ سنوات"، حسبما أفادت وكالة "إرنا" الإيرانية للأنباء. وتابع آشنا، عبر حسابه بموقع "تويتر": "المتربصون بإيران ارتكبوا أخطاء إستراتيجية، ونحن الإيرانيين لن نسمح لوسائل الإعلام العميلة بأن تقرر لنا المصير"، على حدّ قوله.

اقرأ أيضاً: ماذا بقي لإيران في العراق؟
في هذه الظروف السياسية تأتي الاحتجاجات الإيرانية الحالية، أما الظروف الاقتصادية فتقول إنّ الاقتصاد الإيراني تضرر منذ أيار (مايو) 2018 بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع مع طهران في تموز (يوليو) 2015، وفرض عقوبات شديدة عليها. وعلى إثر ذلك، انخفضت قيمة الريال الإيراني بشدة، وبلغ معدل التضخم أكثر من 40 في المئة، فيما نسبة البطالة 15 في المئة، ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة تسعة في المئة في 2019 ويعقبه ركود في 2020.
 المتظاهرون الإيرانيون رددوا شعارات مناهضة للحكومة

ضغوط قبيل الانتخابات البرلمانية
وتشير وكالة "رويترز" للأنباء إلى أنّ المتظاهرين الإيرانيين رددوا شعارات مناهضة للحكومة في أنحاء مختلفة من البلاد، مع تحول بعض الاحتجاجات إلى العنف، وذلك عقب زيادة الحكومة سعر البنزين العادي إلى 15 ألف ريال (0.13 دولار) للتر من عشرة آلاف ريال وتحديد حصص لصرفه. وستبلغ تكلفة المشتريات الإضافية 30 ألف ريال للتر.

حذرت وزارتا الأمن والداخلية في إيران من أنّ قوات الأمن ستتصدى بحزم من الآن فصاعداً للمتظاهرين الذين يتجمعون بالشوارع

وذكر تحليل نشرته صحيفة "الإندبندنت" أنّ هذه المظاهرات "تضيف المزيد من الضغوط على النظام الإيراني، الذي يعاني بالفعل تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية. كما أنّ هذه المظاهرات قد تتحول إلى خطر شديد على النظام الإيراني ككل إن استمرت لفترة طويلة، وعلى الرئيس حسن روحاني بشكل خاص؛ وذلك قبيل الانتخابات البرلمانية المنتظرة في شهر شباط (فبراير) المقبل؛ لأنها توضح أثر انخفاض معدل الدخل وارتفاع معدلات البطالة وانهيار قيمة العملة المحلية الريال".
وتلفت "الإندبندنت" إلى أنّه بالرغم من هذه المظاهرات "تبقى إيران وبعد الزيادة الأخيرة من بين الدول التي تقدم الوقود لمواطنيها بأرخص الأسعار عالمياً؛ حيث يبلغ سعر اللتر نحو 15 ألف ريال بما يعادل 35 بنسا"، موضحة أنّه "أمر يتوقعه المواطنون ببساطة لأن البلاد تضم احتياطيات ضخمة من النفط، وتعد رابع أكبر دولة في العالم بهذا الصدد".
في المحصلة، لا شك في أنّ تكرار الاحتجاجات في إيران، وفي غالبها مطلبي، إنما يؤشر إلى خلل هيكلي في النظام والإدارة الحكومية، لكنّ تجارب 2009، و2017 و2018 لا تسعف كثيراً بتوقّع أن تُفضي هذه الاحتجاجات إلى نتيجة مؤثرة؛ في ظل غياب أطراف وازنة من داخل النظام تكون مؤيدة للاحتجاجات أو متفهمة لها، وفي ظل غياب معارضة سياسية في إيران، قد تُمثّل حاملاً سياسياً لمطالب المحتجين الشرعية، وفرزها عن بعض أعمال العنف الملتبسة من بعض المتحتجين.

الأقسام: