ثلاثون عاماً على تأسيس تنظيم القاعدة.. استراتيجية الإرهاب لم تتغير

ثلاثون عاماً على تأسيس تنظيم القاعدة.. استراتيجية الإرهاب لم تتغير
2286
عدد القراءات

2018-01-04

مداخلات كثيرة قدمها باحثون متخصصون، وتضمنها مؤتمر أوسلو في النرويج سبتمبر 2017 حول تنظيم القاعدة، والذي نظمته مؤسسة البحث العسكري النرويجية بالتعاون مع وزارة الشؤون الخارجية، وجاء المؤتمر تزامنا مع مرور ثلاثة عقود على تأسيس هذا التنظيم الإرهابي.

من ضمن المقالات المتعلقة بهذه المداخلات ما نشرته آن ستنرسون، الباحثة والمحررة الضيفة في سلسلة مقالات “وجهات النظر حول الارهاب”، أكدت فيه أن ما نعرفه عن القاعدة اليوم كان النقاش حول وجهتي نظر متناقضتين غير قابلتين للتوافق: وجهة النظر الأولى ترى أن تنظيم القاعدة قوي ولا يمكن التقليل من شأنه، بينما ترى الثانية أن القاعدة في تراجع. أولئك الذين يقولون بأن تنظيم القاعدة قوي يميلون إلى التركيز على حجم وعدد التابعين لهذا التنظيم وخاصة في سوريا واليمن والصومال. كما يشيرون إلى ظهور قادة جدد، وبخاصة حمزة نجل بن لادن، وأولئك الذين يقولون بتراجع القاعدة يركزون على أن هذا التنظيم لم ينفذ هجوما إرهابيا ناجحا في الغرب منذ تفجيرات لندن في سنة 2005 ما عدا هجمة شارلي ابدو في باريس سنة 2015.

وكلا الجانبين في النقاش يقارنان القاعدة بمنافسه داعش من أجل قياس مدى نجاح الأول أو فشله. الذين يقولون بقوة القاعدة يشددون على أنه لم يخسر فروعه وتابعيه الأساسيين في اليمن والصومال وشمال أفريقيا أو أفغانستان لفائدة الدولة الإسلامية، والآن بأفول الدولة الإسلامية قد يمتص منخرطي هذا الأخير السابقين. أما أولائك الذين يقولون بضعف القاعدة يشددون على أن داعش منذ 2014 نفذ عددا كبيرا من الهجمات الإرهابية في الغرب وجند الكثير من المقاتلين الأجانب مقارنة بالقاعدة.

بيد أن هذا النقاش لا يفيد كثيرا، فهو بدلا من تقديم معلومات جديدة عن القاعدة يحوم حول مختلف المفاهيم عن “القوة” و“التهديد”. فهل يجب قياس قوة القاعدة بعدد المنخرطين وحجمهم أو شعبية وامتداد رسالته؟ أو هل يجب أن تتخذ القدرة على تنفيذ هجمات إرهابية دولية مؤشرا؟ وفي ما يتعلق بالتهديد، هل نتحدث عن التهديد المباشر من قدرات القاعدة في “العمليات الخارجية”، أو التهديد بعيد المدى من تطوير ملاذات صديقة للقاعدة في الخارج؟ النقاش يصور كيف أننا لم نتفق بعد على ماهية القاعدة وماذا يريد وكيف يعمل. وتعتبر هذه المسائل في غاية الجدية خصوصا وأن القاعدة مازال يعتبر تهديدا أمنيا كبيرا للغرب. إن كيفية تعريفنا للقاعدة ونظرتنا إليه يكتسب أهمية مركزية لكيفية تأويلنا وتقييمنا لأفعاله، وبالتوسع أكثر: أي موارد نستخدمها ضد القاعدة؟

المفهوم المهيمن لمصطلح “القاعدة” اليوم هو أنه تنظيم ذو طبقات متعددة تتكون من نواة وعدد من التنظيمات المتفرعة وحركة أيديولوجية أوسع. ويعتبر آخرون القاعدة حركة تمرد معولمة فيها “نواة” تقدم التوجيه الأيديولوجي والاستراتيجي، و“فروع إقليمية” تقاتل من أجل الأراضي لفائدة النواة.

ليس هناك أي مفهوم خاطئ من بين هذه المفاهيم، لكنها محدودة في ما يتعلق بتفسير نوع التهديد الذي يمثله تنظيم القاعدة للغرب. ولفهم هذه المسألة يجب أن نفهم كيفية استعمال هذا التنظيم للإرهاب الدولي كجزء من استراتيجيته.

يجب النظر إلى القاعدة كرائد ثوري يخوض صراعا دائما لدعم أيديولجيته السلفية الجهادية. استراتيجية القاعدة ليست ثابتة بل هي استراتيجية مرنة وانتهازية، وتنظيم القاعدة يستعمل طيفا من الأدوات المرتبطة بكل من الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين. حاليا الإرهاب الدولي ليس استراتيجية ذات أولوية لدى القاعدة لكن من المرجح أن يكون كذلك في المستقبل، لكون التنظيم ينجح في إعادة بناء قدرته العملياتية في الخارج.

نظرة تاريخية عامة

قبل مناقشة ما هو تنظيم القاعدة، يقتضي الأمر القيام بحوصلة صغيرة لتاريخه على مدى ثلاثين عاما. تأسس هذا التنظيم في أفغانستان حوالي سنة 1987. ويشير اسمه إلى قاعدة عسكرية للمقاتلين العرب في أفغانستان. بين سنتي 1987 و1989 شاركت المجموعة التابعة لبن لادن في معارك ضد القوات الشيوعية السوفييتية والأفغانية في أفغانستان. وفي بداية التسعينات من القرن الماضي انتقل بن لادن إلى السودان أين رحب به القائد الإسلامي حسن الترابي. وتحت الضغط الدولي على النظام السوداني طرد بن لادن في سنة 1996 ثم رجع لاحقا إلى أفغانستان.

بين 1996 و2001 عاش بن لادن في أفغانستان تحت حماية طالبان وتمكن تنظيم القاعدة من النمو والتوسع. وفي تلك الفترة أعلن بن لادن الحرب على الولايات المتحدة وشرع التنظيم في تنفيذ هجمات إرهابية دولية ضد أهداف أميركية (في شرق أفريقيا سنة 1988، وقبالة ساحل اليمن سنة 2000 وأخيرا على نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001).

وردا على هجمات الحادي عشر من سبتمبر أعلن الرئيس جورج بوش “الحرب على الإرهاب” سيئة السمعة حاليا التي قام خلالها ائتلاف بقيادة أميركية بغزو أفغانستان في أواخر سنة 2001 وأسقطت نظام طالبان، لكن بن لادن والعديد من أفراد القاعدة تمكنوا من الفرار. واستمر تنظيم القاعدة في الازدهار في المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان ودعم حرب العصابات الوليدة في أفغانستان ونشر نفوذها في كافة أنحاء العالم الإسلامي.

في سنة 2003 غزت الولايات المتحدة الأميركية العراق لإسقاط صدام حسين من الحكم فمنح ذلك القاعدة فرصة ذهبية لتعبئة العالم الإسلامي في دعوة للجهاد ضد القوات الأميركية في العراق. في هذه النقطة شرع تنظيم القاعدة في إقامة فروع محلية على امتداد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي ظاهرة أشير إليها لاحقا بعبارة “استراتيجية الامتياز” لدى القاعدة. وأقيم فرع القاعدة الأهم، والأنجح لبعض الوقت، في العراق سنة 2004 عندما أعلن قائد حرب العصابات الأردني أبومصعب الزرقاوي، ولاءه لبن لادن. انطلاقا من سنة 2007 عانى تنظيم القاعدة في العراق من نكسات خطيرة ويعود ذلك في جزء منه إلى زيادة عدد الجنود الأميركيين، وفي الجزء الآخر يعود إلى أن العشائر السنية المحلية تألبت على فرع القاعدة المحلي.

وبعد فشل القاعدة في العراق دفع بن لادن نحو تغيير التنظيم لاستراتيجيته في اتجاه مقاربة ذات توجه محلي أكثر تركيزا على السكان في البلدان الإسلامية، مع مواصلة استهداف الغرب عن طريق الإرهاب الدولي. في سنة 2011 واصل التنظيم مقاربته المركزة على السكان ودعمها للاستفادة من فرص أتى بها الربيع العربي. وبحلول سنة 2015 كانت قدرة القاعدة على شن هجمات إرهابية قد وهنت نتيجة لحرب الطائرات بدون طيار الأميركية التي استهدفت أهم زعماء القاعدة، وبسبب تحويل المجندين الغربيين ولاءَهم إلى ما يسمى بالدولة الإسلامية بعد أن كانوا يشكلون شبكات القاعدة في أوروبا. لكن الدولة الإسلامية الآن تكبدت نكسات شديدة، وحسب بعض الملاحظين آن الأوان لنوع من “عودة” القاعدة. ومثلما لاحظنا سابقا ليس هناك اتفاق حول مظهر هذه العودة، وبالخصوص هل ستضم الإرهاب الدولي؟ وإلى أي حد؟

إحدى الأفكار الخاطئة الشائعة عن استراتيجية تنظيم القاعدة هي أنه ثابت أو يتبع نوعا من الخطط الكبرى. ومثلما سيتبيّن فيما يلي، تتميز استراتيجية القاعدة بأنها ارتكاسية أكثر من كونها استباقية، وفي الكثير من الأحيان تدفعها الصدفة والأحداث أكثر مما يميل الكثير إلى اعتقاده.

المرونة والانتهازية

تاريخ القاعدة حافل بالأحداث العرضية التي كان لها وقع عميق على مسار التنظيم. في سبتمبر 1996 صادف أن كان بن لادن في أفغانستان عندما وصل طالبان إلى الحكم، ولم يكن ذلك مبرمجا من قبل. عندما وصل بن لادن إلى أفغانستان في مايو من ذلك العام لم يكن يعرف من هم طالبان أو كونهم على وشك الاستيلاء على السلطة في البلاد. ومع ذلك فإن علاقة القاعدة مع طالبان ستحدد السنوات الخمس الموالية من تاريخ القاعدة. وكان الجمع بين عاملين اثنين -وهما حدود دولية مفتوحة وتنظيم يدعي أنه أسس دولة إسلامية صرفة- قد مكّن تنظيم القاعدة من تلقي عددا غير مسبوق من المجندين في مخيماته التدريبية.

حدث آخر مؤثر بالنسبة إلى مصير القاعدة هو الغزو الأميركي للعراق سنة 2003. بالرغم من وجود توقعات بأن تنظيم القاعدة كان قبل 2001 يخطط لاستفزاز أميركا لكي تغزو العراق، لا توجد أدلة تاريخية ثابتة لدعم ذلك. لقد كان الغزو الأميركي للعراق بمثابة ضربة حظ بالنسبة إلى القاعدة وفرصة تم استغلالها بمهارة عندما أتيحت. في الفترة الممتدة بين 2003 و2007 كان التنظيم يركز بصفة أساسية على محاولة إنشاء قاعدة له على الأراضي العراقية من خلال فرعه المحلي، القاعدة في العراق.

وبعد تحقيق بعض النجاح في البداية فشل تنظيم القاعدة في العراق عندما تألب عليه السكان المحليون في محافظة الأنبار، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى السلوك الوحشي لهذا التنظيم على الأرض. إحدى نقاط القوة عند التنظيم هي قدرته على التعلم من أخطاء الماضي، ففي مراسلة بين بن لادن وفروع للقاعدة في اليمن في 2009-2010 أوضح بن لادن أن تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية يجب ألا يعيد أخطاء القاعدة في العراق عند التعامل مع القبائل المحلية. وتم نقل “دروس مستخلصة” مشابهة من القاعدة في الجزيرة العربية إلى القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي سنة 2012.

بعد غزو العراق كان الحدث الذي أثر على استراتيجية القاعدة هو الربيع العربي إذ وفرت الانتفاضات فرصا جديدة لتنظيم القاعدة لتركيز حضوره في العالم العربي. ولفهم الأولويات الاستراتيجية للقاعدة بعد 2011 من الضروري النظر الى الانتفاضات العربية من وجهة نظر القاعدة؛ فبينما علق الملاحظون سنة 2011 بأن الانتفاضات الشعبية همشت القاعدة لم ير زعماء هذا التنظيم المسألة بتلك الطريقة. على العكس من ذلك، هناك مؤشرات على أن بن لادن رأى الانتفاضات العربية كعلامة على نجاح القاعدة.

ننظر إلى السياق من وجهة نظر تنظيم القاعدة: كانت استراتيجيته إلى حدود 2011 تنفيذ هجمات تلحق الضرر الاقتصادي بالولايات المتحدة، ولاحقا سعى التنظيم إلى استنزاف الجيش الأميركي في أفغانستان والعراق انطلاقا من 2001 و2003 على التوالي. وفي 2008 ضربت الولايات المتحدة أزمة اقتصادية كبرى، وفي السنة نفسها أعلنت القوات الأميركية عن انسحابها من العراق. ثم انطلاقا من ديسمبر 2010 بدأت الولايات المتحدة على ما يبدو تفقد قبضتها على العالم العربي. ما إذا كان ذلك حقيقة من عدمه ليس أمرا مهما، بل المهم هو أن بن لادن ربما أوّل الربيع العربي على أنه إشارة أخرى إلى أن تنظيم القاعدة نجح في استراتيجيته المتمثلة في إضعاف الولايات المتحدة اقتصاديا وأن بإمكانه الانتقال إلى المرحلة الأخرى، وهي إثارة الثورات في الشرق الأوسط.

آخر حدث كان له وقع على السلوك الاستراتيجي لتنظيم القاعدة هو ظهور منافس قوي سنة 2014، وهو تنظيم داعش. ما من شك في أن زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، أخذ التحدي القادم من الدولة الإسلامية بجدية، ففي 2015 ألقى عددا من الخطب ينتقد فيها الدولة الإسلامية وأصبح خطابه بمرور الوقت أكثر عدوانية. أدى التنافس بين القاعدة والدولة الإسلامية إلى عملية “مزايدة” بين هذين التنظيمين الجهاديين وهو ما أثر على استراتيجيات التنظيمين لكن بطرق تختلف قليلا؛ ففي حين أطلق تنظيم الدولة الإسلامية سنة 2014 حملة من الإرهاب الدولي، واصل ودعم تنظيم القاعدة استراتيجيته المعدلة سابقا المتمثلة في كسب قلوب وعقول الناس في العالم الإسلامي. هناك اعتقاد بأن ظهور الدولة الإسلامية سهل على تنظيم القاعدة مواصلة استراتيجيته المركزة على السكان، فأمام وحشية تنظيم داعش وسلوكه الإقصائي تمكن تنظيم القاعدة فجأة من تقديم نفسه على أنه الأكثر “اعتدالا” بين الاثنين.

الإرهاب المتخفي

بيّنت هذه المراجعة التاريخية للقاعدة كيف أن تاريخ هذا التنظيم أخذ منعرجات غير منتظرة بناء على أحداث عالمية. مرة تلو الأخرى يتبع التنظيم استراتيجية ارتكاسية في ردود فعله على أحداث خارجة عن سيطرته وسعيا منه للاستفادة منها على أفضل وجه. ولمحاولة تنفيذ مختلف هذه الاستراتيجيات يمتلك تنظيم القاعدة طيفا من الأدوات.

ملخص القول هو أننا يجب أن نميز بين طبيعة هذا التنظيم والتكتيكات والأدوات التي بحوزته. فالإرهاب الدولي هو أداة، والعمليات السرية أداة مختلفة. وفي المستقبل قد نرى العديد من هذه التكتيكات تنصهر في أشكال جديدة من الإرهاب. لقد انتقل تنظيم القاعدة في نهاية التسعينات إلى ما هو أبعد من الإرهاب الدولي بشروعه في استخدام شكل من أشكال “الإرهاب المتخفي” كاستراتيجية. والخبر السار هو أن استراتيجية القاعدة هي استراتيجية ارتكاسية، بدلا من أن تكون استباقية، بيد أن توقّع خطوته الموالية ما زال يتطلب التفكير خارج الصندوق.

قد يقرر تنظيم القاعدة الاعتماد على خط واحد من استراتيجيته الإرهابية الدولية، المتمثلة في تشجيع “الإرهاب الفردي” بالتوازي مع تدعيم حركات التمرد في العالم الإسلامي. هذا لا يعني أنه سيتخلى عن التخطيط الفوقي لعملياته الخارجية، لكن في المستقبل لن يتموقع الفرع الخارجي للقاعدة بالضرورة في أراض تحت سيطرة فروع القاعدة، فتلك ستكون مخبأ واضحا جدا وهدفا سهلا للطائرات دون طيار.

يجب النظر إلى دعم القاعدة للمتمردين والتخطيط الإرهابي الدولي للقاعدة كمجموعتي مشاكل مختلفتين تتطلبان إجراءات مختلفة. قد يكون من الصعب بالنسبة إلى الحكومات الغربية التعامل مع المجموعتين من المشاكل في الوقت نفسه، ومن ثم قد يكون عليها انتقاء معاركها.

عن"العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

تركيا والأمن القومي العربي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

عبدالله السويجي
هل باتت تركيا بزعامة رجب طيب أردوغان تشكل خطراً على الأمن القومي العربي، أم أن ما تفعله عبارة عن تحقيق مصالح أمنية ذاتية وداخلية، وأن تدخلاتها فقط عبارة عن ملاحقة لأعدائها وللأحزاب المناوئة لها كما تزعم؟ وهل تستخدم تركيا تدخلاتها في الشأن العربي شرقاً وغرباً كورقة للضغط على أوروبا التي تتسم علاقتها معها بغير الود؟ أم أن تركيا بتحالفها مع «الإخوان المسلمين» باتت تشكل رأس حربة لمناوشة الدول التي لديها خصومات من هذا التنظيم؟
هناك أكثر من هذه الأسئلة يطرحها المحللون السياسيون بشأن التخبّط في السياسة الخارجية التركية، إلا إذا كان هذا الذي نصفه تخبّطاً يصب في سياسة «الفوضى الخلاقة» التي تتزعمها أمريكا في الدول التي تشهد اضطرابات سياسية وعسكرية، لاسيّما أن الولايات المتحدة أعلنت عن دعمها لتركيا إذا ما أرادت محاربة التنظيمات الإرهابية.
وهذا التخبط أو الفوضى المدروسة في حالاته جميعاً ينعكس سلباً على علاقاتها مع أكثر من طرف عربي، إن كان مع جارتها القريبة سوريا أو البلد البعيد عنها ليبيا أو مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية والبحرين.
لم يعد التدخل العسكري التركي في سوريا لملاحقة مقاتلي «حزب العمال الكردستاني»، فهذه الأرتال من العربات العسكرية التي توغلت في شمال سوريا بتشكيلاتها؛ تهدف إلى احتلال جزء من الأراضي السورية؛ بل إن تصريحات السياسيين والعسكريين الأتراك باستهداف الجيش السوري مباشرة إذا ما واصل استهداف الجنود الأتراك، يمهد فتح معركة شاملة بين سوريا وتركيا، ولولا الوجود الروسي هناك لكانت الحرب الشاملة قد استعرت منذ سنوات.
من الواضح أن تركيا تقوم بدور تخريبي للسلام في سوريا، فهي لا تريد لهذا البلد الاستقرار واستعادة أراضيه، والدليل أن تدخلها العسكري جاء بعد سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة كانت تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية المسلحة؛ ومن بينها طريق إدلب دمشق، وتدخلها يمنح تلك التنظيمات فرصة لتجميع أفرادها، واستعادة أنفاسها ما سيطيل من عمر الأزمة.
وما يثير المزيد من الأسئلة دخول «إسرائيل» على الخط، وقيامها بقصف تجمعات ومخازن أسلحة وغيرها، كل ذلك لإحداث المزيد من الارتباك في الجيش السوري النظامي. ولا شك أن الوجود العسكري لتركيا يهدد الأمن الوطني السوري، وهو جزء من الأمن القومي العربي، ونضيف إلى ذلك وجودها العسكري في ليبيا، ووقوفها إلى جانب طرف ضد طرف آخر، ما سيعقد النزاع، ويعمّق الأزمة الليبية ويبعدها عن الحل.
إن الخطر الأكبر يتمثل في تحالف تركيا مع تنظيم «الإخوان المسلمين»؛ الراعي للتنظيمات المتطرفة في سوريا وغير سوريا، ونعيد هنا إلى الأذهان دعم تركيا لتنظيم «داعش»؛ أي أن دعمها لم يتوقف عند الجانب السياسي؛ بل تجاوزه إلى الدعم العسكري واللوجستي بأنواعه، وتستخدم تركيا هذه التنظيمات؛ لنشر الفوضى في الدول العربية، ومن بينها مصر أيضاً، في سبيل تحقيق هيمنة عسكرية أو اقتصادية أو عقائدية، تتيح لها الحصول على موطئ قدم في البلدان العربية، واستعادة المجد العثماني الغابر.
إن وجود تركيا وأذرعها في سوريا وليبيا ومصر يشكل خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي. وهذا الواقع غير الطبيعي؛ يتطلب وقفة عربية جادة تتجاوز البيانات والرسائل الدبلوماسية والاحتجاجات نحو توجيه رسالة إليها بالكف عن التدخل في شؤون الدول العربية؛ لأن تحقيق الرخاء ونجاح المشاريع العقارية يجب ألا يكون على حساب الدول العربية. وقد يكون من واجب جامعة الدول العربية القيام بدور مهم؛ لوقف الانتهاكات التركية، والتوقف عن تهديد الأمن القومي العربي.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

وليد فكري

"إذا ضعف العقل استسلم للخرافة" هكذا تقول الحكمة المأثورة، وهو قول منطقي، فالعقل السوي يتجه تلقائيًا لمعالجة الأمور بالمنطق والعلم والمعرفة والتجارب والخبرات، وهي العناصر التي تعطيه القوة، أما إذا افتقدها فإنه لا يجد ما يتعامل به مع المشكلات والتحديات فيستسلم للخرافات والأباطيل".

أدرك المسلمون هذه الحقيقة، فعملوا على تقوية وتدعيم العقل أمام وحش الخرافة، فأنتج ذلك حركة علمية عظيمة امتدت من بغداد شرقًا إلى قرطبة غربًا مرورًا بدمشق والقاهرة والقيروان وغيرها من حواضر العرب والمسلمين.

لم تخلُ الحياة من تحديات فردية وجماعية، ولكن دائمًا ما كان الإنسان يهرع إلى العلم والفكر والمنطق لمعالجة تلك التحديات.. ولأن الحاجة هي أم الاختراع، فقد كان التحدي غالبًا ما ينقشع عن إنتاج علمي أو فكري أو ابتكار يضيف للحضارة العربية الإسلامية وللحضارة الإنسانية كلها.

لم تَخلُ حياة الناس-مع ذلك-من بعض من يؤمنون بالخرافات ويميلون إليها اعتناقًا وتطبيقًا، ولكنهم لم يمثلوا ظاهرة ولا "نمط حياة شائع".

بقي هذا هو حال الحضارة العربية والإسلامية، حتى داهمها العثمانيون!

أعداء الحضارة:

لم يُعَرف من المسلمين قوم يعادون العِلم كالعثمانيين، ومما يُدهِش أن أحد أبرز رموزهم "محمد الثاني" المعروف بـ"الفاتح" كان إضافة لكونه حاكمًا وقائدًا عسكريًا، رجل علم.. فقد كان مثقفًا مطلعًا شغوفًا بالعلوم المختلفة ومطالعتها والاشتغال بها.

وبرغم أي سلبيات للفاتح والعثمانيين فإنني أعتقد أن منهجه في تبني العلم لو كان قد وجد من يتبناه من بعده لاختلف الحال، ولكني أجدني ملتزمًا قاعدة صارمة في علم التاريخ هي أنه لا يوجد فيه "ماذا لو".

ما جرى أن ورثة محمد الثاني لم يكونوا بشغفه نفسه بالعلوم والثقافة، ربما لأنه-الفاتح-كان يمثل "نموذجًا غريبًا" بالنسبة للبيت العثماني القائم أصلًا على القتال والغزو وليس على فكرة "بناء الحضارة".

فالفكر العثماني قد ارتبط بعملية التوسع، فحتى العلوم التي برع فيها بعض العثمانيون كان منطلقها الحرب والقتال والغزو وتوسيع الإمبراطورية (ويمكننا هنا تشبيههم بدولة أشور العراقية القديمة التي قامت فنونها العلمية على المنطق نفسه فكانت أحط حضاريًا من قرينتها البابلية مثلًا).

كان لقب السلطان العثماني يتبعه لقب "الغازي"، فكانت طاقاتهم موجهة للغزو وليس للبناء، وانعكس ذلك على مظاهر حياتهم، ففنونهم ملفقة، وآدابهم ملفقة، وكل ما يتفاخرون به إنما هو تلفيق من هنا وهناك أشبه بنموذج رجل يجمع بين الثراء وانعدام الذوق فهو يشتري كل ثمين وغالي ويضعه في منزله بغض النظر عن تناسق ما يضع (مع فارق طبعًا أن العثمانيين لم يشتروا وإنما نهبوا!).

وثمة ظاهرة هنا باعثة على التأمل، فالمغول كانوا كأبناء عمومتهم العثمانيين شعبًا بدويًا مقاتلًا تقوم حياته على الغزو والتوسع.. اكتسحوا ما أمامهم فوجدوا أنفسهم يحكمون شعوبًا ذات حضارة ومعارف وعلوم، فسرعان ما تأثر المغول بتلك النماذج الحضارية-حتى أن من حكموا فيها بلادًا إسلامية قد اعتنقوا الإسلام بل وتعصبوا له-وتبنوها وطوروها إلى حد أننا نستطيع أن نصف دولهم في مناطق كالهند وفارس والعراقين وغرب آسيا بـ"حضارة المغول المسلمين".

هذا لأن "رعاية الحضارة مسؤولية".. فالمغول واجهوا أنفسهم بحقيقة أنهم "قوم أقوياء شجعان بلا حضارة" فقرروا تبني المظاهر الحضارية ورعايتها (في تناقض غريب مع قيامهم بتدمير مركز حضاري جليل مثل بغداد).

أما العثمانيون فقد كانوا أكثر صلفًا من أن يعترفوا بذلك، فقد كانوا ينظرون للشعوب بفوقية شديدة باعتبار أن "هؤلاء عبيدنا"، فبدلًا من أن يستمروا في رعاية الموروثات الحضارية لتلك الشعوب، كانوا يدمرونها بالإهمال المتعمد... كمن يسابقك في مضمار فلما لم يستطع أن يسبقك تعمد عرقلتك لتساويه بطئًا وخيبة!.

تطويع الرعية بالجهل والمرض:

في أغنية مقدمة المسلسل المصري "رفاعة الطهطاوي"-والتي للأسف لا أعرف اسم كاتبها-يدور حوار بين مصري وحاكم عثماني فيقول المصري: "ليه بس يا باش تُرك ليه تحرمنا نور المعرفة؟" فيرد العثماني "نحن نريدكم صُماً بُكماً بَجَماً.. لأن من يتعلم يفهم ويتكلم يخرج على تقاليد ونحن لا نريد تعليما نريد بَلَماً".

لم يكتفِ العثمانيون بكونهم "دولة تأخذ ولا تعطي" فحسب بل عملوا على إضعاف المحتوى الحضاري للشعوب التي حكموها بحيث يجعلون في كل منهم "شغل في نفسه" بمرض أو جهل.. فبينما كنت تسمع عن المدارس والجامعات في اسطنبول وما حولها كانت تلك المشروعات في الولايات الخاضعة لاحتلالهم تُترَك لـ"أهل الخير" أو لو تصادف أن حكم هذه الولاية أو تلك والٍ محب للعلم.. وأقصى ما يستطيع هؤلاء أن يفعلوه هو بناء مدرسة بدائية أو كُتّاب بائس لتحفيظ القرآن.. وبعد أن كانت مدن العراق والشام ومصر تتيه على العالم بجامعاتها صار الجهل يضرب بأطنابه في جنباتها.

والجهل لا يأتي وحده، فإنه دائمًا ما يصطحب رفيقه المرض فيضربان حلقة حول المجتمع: يبتلى بالمرض فيتداوى بالجهل فيزداد مرضًا فيطلب مزيدًا من الجهل وهكذا.

والعثماني راضٍ عن هذا، فما دامت الرعية منشغلة بأمراضها وأوبئتها ومنكفئة على نفسها بجهلها وعزلتها فهذا خير من رعية مستنيرة تدرك علو قامتها على قامة محتلها الغاشم.

ولنأخذ نموذج القاهرة التي كانت في العصر المملوكي ملتقى العلماء في المجالات المختلفة، فقد شاع فيها الجهل حتى أن زائرًا أجنبيًا شكا أنه لا يجد من يصلح ولو تروس ساعة بسيطة إلا لو كان أجنبيًا.. وتحول البيمارستان المنصوري إلى سجن للمرضى العقليين يعاملون فيه كالوحوش الضارية.. واندثرت علوم الفلك والفيزياء والكيمياء والطب.. وتدهور الأدب حتى صار جل ما فيه هو كتابة قصيدة تُقرأ من الاتجاهين أو بعض مدائح الأمراء والعلماء.

شيوع الخرافات:

بالتالي فقد شاعت بين الناس ظاهرتان: الأولى هي "فقدان الأمل في الحياة" وبالتالي الاتجاه للتصوف ليس بشكله المتحضر الراقي القائم على التأمل والتفكر والتقرب إلى الله ولكن بشكله الخزعبلي المليء بالضلالات والخرافات والممارسات الشاذة كالسير عاريًا أو حلق الحواجب وشعر الوجه أو لبس الطراطير ذات القرون أو إيذاء الجسد وما شابه.. نفسيًا يمكننا تفسير ذلك بأنه هروب من الواقع أشبه بمن يدمن مخدرًا ليفصله عن واقعه البائس.

الظاهرة الأخرى كانت اللجوء للشعوذة وتقديس المشعوذين.. فقد أصبحت الشعوذة تجارة رابحة سعى الكثيرون للانتفاع بها.. فهذا رجل يدعي الانجذاب وتكشف "الحضرة الإلهية" له حتى أنه يسير عاريًا ومن خلفه موكب من المريدين.. وهذه امرأة تدعي توزيع الكرامات وهي تجمع الناس وتصطنع الهذيان-باعتبارها تخاطب ما وراء الحجاب-وتهذي بألفاظ بذيئة تركية وعربية ثم تلقي النبوءات.. وهذا الشيخ "صادومة" الذي يكتب للنساء تعاويذ على مواضع العفة منهن لـ"زيادة تعلق السيد والزوج بهن" (وهي واقعة ألهمت صديقي الكاتب أحمد مراد روايته الفيل الأزرق).. بل إن الأمر بلغ حد تقديس البعض عنزة باعتبارها قد بوركت بوصية للسيدة نفيسة حيث زارت شيخًا في نومه وأوصته بها.

هذا التهافت على الخرافات تحول من حالات فردية إلى ظاهرة من ظاهرة إلى "نمط حياة".. والعثمانيون راضون ما دام من يدعي كرامة أو خوارق لا يجمع الأتباع طلبًا للوثوب على السلطة ولا يحرض على عصيان أو منع ضريبة (ومن كان يفعل ذلك فقط كان العثمانيون يتصدون له ويحاكمونه بتهمة الهرطقة في الدين!).

بل وقد بلغ إيمان الناس بالخرافات أنه قد شاع ذات مرة أن القيامة ستقوم يوم كذا .. فأخذ الناس في الانقسام بين مصلين ضارعين طالبين للرحمة بينهم راح بعضهم الآخر ينهمك في العربدة و"نأخذ حظًا".. ثم جاء اليوم الموعود ولم تقم القيامة فشاع أن الإمام الشافعي والسيد البدوي قد شفعا في المسلمين عند الله و"أقنعاه" ألا يقيم القيامة!.

لو أن القارئ يعتقد بما سبق مبالغة فإنني أحيله لما كتب المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ليدرك أن ما سبق هو "غيض من فيض".

وعلى أي حال فإنني أضع "أوراق القضية" بيد القارئ.. فما سبق هو الادعاء.. والأدلة في الكتاب المذكور، وفي كتب مؤرخي العصر المملوكي السابق للعثمانيين كالمقريزي وابن تغري بردي وابن إياس... فلينظر وليتأمل ليدرك بُعد الشقة بين ذلك العربي الذي كان إذا مرض يطلب الطب وإذا أراد لنفسه خيرًا اجتهد في أسبابه، وذلك الذي إذا مرض طلب مشعوذًا وإذا أراد لنفسه خيرًا طلب من يصنع له سحرًا أو يكتب له تعويذة وطلسمًا!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:



الكشف عن موعد توقيع اتفاق السلام بين طالبان والولايات المتحدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أعلنت حركة طالبان؛ أنّ اتفاق السلام مع الولايات المتحدة سيتمّ توقيعه بحلول نهاية الشهر الجاري.

وقال أحد قادة طالبان البارزين وعضو اللجنة السياسية، الملا عبد السلام حنفي، في الدوحة: "الآن، اختتمت المفاوضات، وبدأ الجانبان المسودة النهائية لاتفاقية السلام"، وفق ما نقلت "الحرة".

وأضاف حنفي: "اتفق الجانبان على توقيع الاتفاقية بحلول نهاية هذا الشهر، بعد تهيئة بيئة مواتية قبل توقيع الاتفاقية".

ولم يعطِ أيّة تفاصيل أخرى حول ما تعنيه بيئة مواتية، كما أنّ المسؤولين الأمريكيين والأفغان لم يفصحوا عن تفاصيل كثيرة عن الاتفاقية.

حركة طالبان تعلن أنّ اتفاق السلام مع الولايات المتحدة سيتم توقيعه بحلول نهاية الشهر الجاري

بدوره، قال المبعوث الأمريكي، زلماي خليل زاد، كبير المفاوضين مع طالبان: "أنا متفائل بحذر"، وأضاف: "لكنّني واقعي بما فيه الكفاية، وأعرف أنّ هناك الكثير من التحديات المقبلة".

وأشار زاد إلى أنّه حصل على ضمانات أمنية من كلّ من الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، بعد أشهر من المفاوضات.

وبمناسبة 40 عاماً من الصراع في أفغانستان، قال متحدثاً من إسلام أباد، أمس، في مؤتمر للأمم المتحدة حول اللاجئين: "أعتقد أن هذا الوقت ربما أفضل من أي وقت خلال العقدين الأخيرين، هناك فرصة للسلام".

وقال بعض المسؤولين الأفغان؛ إنّ "الحدّ من العنف سيكون في جميع أنحاء البلاد"، وإنّ جميع أطراف النزاع ستوقف عملياتها الهجومية، ورغم أنّهم لم يحددوا موعد وقف العنف، إلا أنّه من المتوقع أن يكون هذا الأسبوع، وفق صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

وبحسب وسائل إعلام أمريكية؛ فإنّه إذا استمر التراجع في العنف، فسيتبع ذلك توقيع اتفاقية أوسع نطاقاً بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، والتي بموجبها تنسحب الآلاف من القوات الأمريكية، وتبدأ طالبان في مفاوضات مباشرة مع القادة الأفغان.

زاد: "أنا متفائل، لكنني واقعي بما فيه الكفاية، وأعرف أنّ هناك الكثير من التحديات المقبلة

من جانبه، أشار حنفي إلى أنّ المفاوضات مع الحكومة الأفغانية لن تتم إلا بعد تبادل جماعي للأسرى، وأضاف: "سيتم تبادل 5000 أسير من طالبان مقابل 1000 من قوات الأمن الأفغانية".

لكنّ المسؤولين الأفغان قالوا في وقت سابق إنّ التبادل ستتمّ مناقشته خلال المحادثات الأفغانية وليس قبل ذلك.

وتتطابق اتفاقية السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان مع تلك التي تمّ التفاوض عليها في أيلول (سبتمبر) الماضي، وألغاها ترامب، قبل توقيعها، بعد هجوم لطالبان أسفر عن مقتل جندي أمريكي.

وتنصّ الاتفاقية على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مقابل تعهّد طالبان بعدم إيواء الجماعات الإرهابية بنية مهاجمة الغرب.

 

للمشاركة:

900 ألف لاجئ جديد في حاجة إلى المساعدة في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حذّرت الأمم المتحدة من أنّ جهود الإغاثة في شمال شرق سوريا "مستنزفة"؛ بسبب ارتفاع عدد النازحين مع استمرار هجوم القوات الحكومية في محافظة إدلب.

وأجبر 900 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، على الفرار من منازلهم بسبب القتال الدائر، بحسب ما نقلت شبكة "بي بي سي".

وجاء التحذير الأممي في الوقت الذي تعهد فيه رئيس النظام السوري، بشار الأسد، بمواصلة عمليات الجيش في شمالي البلاد.

وقال الأسد: "معركة تحرير ريف حلب وإدلب مستمرة"، بعد أن تقدمت قواته في مناطق جديدة في نهاية الأسبوع.

900 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، فروا من منازلهم في إدلب بسبب القتال الدائر

وأكّد، أمس؛ أنّ قواته عازمة على مواصلة القتال حتى "تحرير" كافة الأراضي الخارجة عن سيطرتها غداة استعادتها كامل محيط مدينة حلب في شمال البلاد وإبعاد الفصائل المعارضة عنها.

ويأتي إعلان الأسد بعيد أيام من تهديد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باستهداف القوات السورية إذا تعرض جندي تركي واحد للأذى في شمال سوريا حيث تنتشر القوات التركية وتقيم نقاط مراقبة وفق اتفاق سابق مع روسيا.

لكن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، حذّر في بيان، من أنّ "أكبر قصة رعب إنساني في القرن الحادي والعشرين" لا يمكن تجنبها إلا بوقف إطلاق النار.

وقال إن الرضع والأطفال يموتون بسبب البرد، إذ يضطر الناس للنوم في العراء في البرد الشديد مع اكتظاظ المخيمات بالنازحين.

ونبه لوكوك إلى أن العنف في المنطقة كان عشوائياً، مؤكداً أنّ "البنية التحتية الأساسية تعرضت لهجمات خلال المعارك".

وقال: "استُهدفت المرافق الصحية والمدارس والمناطق السكنية والمساجد والأسواق".

الأسد يؤكد أنّ قواته عازمة على مواصلة القتال حتى "تحرير" كافة الأراضي الخارجة عن سيطرتها

كما تحدث عن تقارير تفيد بوقوع هجمات على مناطق يقيم بها النازحون، وهو ما أدّى إلى سقوط قتلى ومصابين.

وأضاف: "عملية الإغاثة الرئيسة التي تتمّ إدارتها عبر الحدود في تركيا تتخطى القدرة الاستيعابية لجهود الإغاثة".

وتعدّ محافظة إدلب آخر معقل رئيس تسيطر عليه المعارضة في سوريا، إلا أنّ تقدم قوات الحكومة، المدعومة من روسيا وميليشيات موالية لإيران، رفع من مستوى الضغوط على النازحين.

وأغلقت تركيا، التي تدعم العديد من الجماعات المعارضة في المحافظة، حدودها مع سوريا لمنع دخول مزيد من اللاجئين.

 

للمشاركة:

ميليشيا الحوثي الإرهابية تحرم أبناء صنعاء من مساجدهم.. بهذه الممارسات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

استهدفت ميليشيا الحوثية الإرهابية المساجد في العاصمة صنعاء، لكن هذه المرة ليس بالقذائف والصواريخ، كما فعلت سابقاً، بل فكرياً وعقائدياً؛ حيث حوّلت بعض منها لـ "حُسينيات".

وأكّد سكان محليين نقلت عنهم وكالات أنباء محلية؛ أنّه شوهد العشرات من العناصر الحوثية مؤخراً، وهم يرتدون عمائم وملابس سوداء في عدد من أحياء صنعاء، خصوصاً منذ مقتل قاسم سليماني، قائد مليشيا فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني المصنف إرهابياً، بضربة أمريكية في العراق، مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي.

وأشارت وسائل إعلام محلية إلى أنّ أبرز المساجد التي حولها الحوثيون إلى "حُسينيات"، هي "بلال، والفردوس، والحشوش، وبدر"، وجميعها في منطقة "الجراف" التي تعدّ من أبرز معاقل الأسر الحوثية، شمال صنعاء.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تحوّل مساجد صنعاء لـ "حُسينيات" وثكنات وتقدّم فيها الدروس الطائفية

وتسبّبت الخطوة الحوثية في عزوف عدد من السكان عن مساجد صنعاء التي حولتها المليشيا الحوثية إلى "حوزات" طائفية هدفها طمس هوية المجتمع اليمني، ونسف التعايش في أوساط المجتمع.

وقال مصدر لـ "العين" الإخبارية: إن الميليشيا الحوثية بدأت خلال الأسابيع الماضية بإصدار تعميمات إلى وسائل الإعلام التابعة لها، أو التي ما تزال تعمل في صنعاء، ولا تتبعهم، بضرورة دعوة المجتمع إلى المشاركة في حضور الدروس الطائفية التي تشهدها مساجد صنعاء.

وأشار المصدر إلى أنّ قيادات حوثية تلقت دروساً في "قُم" بإيران، هي من تقوم حالياً بإدارة "الحُسينيات"، داخل صنعاء، فيما بدأت الميليشيا الحوثية بالمجاهرة برفع صور المرشد الإيراني، علي خامئني، وكذلك "حسن نصر الله" زعيم حزب الله اللبناني، وذلك إلى جانب صورة الإرهابي "عبد الملك الحوثي"، وشقيقه الذي قتل عام 2004، حسين الحوثي.

وأكد سكان أنّ مأمورَي المديريات الذين عينتهم الميليشيا الحوثية في صنعاء، يقومون بتنفيذ نزول ميداني في الأحياء السكنية لدعوة الناس إلى ضرورة حضور ما يطلقون عليها "الدورات الثقافية" في المساجد.

وتقوم الميليشيا بجلب الأطفال والشريحة الفقيرة بالمجتمع "إجبارياً" إلى حوزاتها الجديدة، وتلقينهم محاضرات تدعو الناس للانخراط بالقتال في صفوفهم ضد القوات الحكومية.

أبرز المساجد التي حوّلها الحوثيون إلى "حُسينيات": "بلال، والفردوس، والحشوش، وبدر"

وأكدت مصادر أنّ الخطوات الحوثية لم تتوقف عند المساجد؛ حيث قامت خلال الأيام الماضية بتدشين فعاليات طائفية متضامنة مع إيران وحزب الله في ساحة كلية التربية بجامعة صنعاء.

ونصبت الميليشيا الحوثية لافتات عملاقة للمرشد الإيراني وحسن نصر الله وعبد الملك الحوثي داخل الحرم الجامعي، كما أجبرت الطلاب على ترديد الصرخة الإيرانية، في تمزيق غير مسبوق للنسيج الاجتماعي اليمني.

يذكر أنّ ميليشيا الحوثي تسعى بكل الوسائل إلى طمس الهوية، وذلك بفرض ومحاولة ترسيخ مناسبات وأنشطة طائفية إيرانية دخيلة على المجتمع اليمني في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها.

 

 

 

للمشاركة:



لماذا يحتفل الأمريكيون بمولد مارتن لوثر كينغ؟

2020-02-18

قليلون هم من يتركون أثراً يمتدّ بعد موتهم، قليلون هم من ضحّوا بحياتهم من أجل ما يؤمنون به، مارتن لوثر كينغ واحد من الذين مكثوا عمراً قصيراً، لكنّهم عاشوا لقضية أكبر من أعمارهم، ووهبوها من دمائهم وأرواحهم، فامتدت بعدهم لعقود عديدة.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أتلانتا التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية

فارق كينغ الدنيا وعمره لم يتجاوز ٣٩ ربيعاً، قضى أكثرها في النضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، رافضاً العنف بكل أنواعه، مترفعاً عن التورط في صراع السود، من خلال صبره وحكمته؛ بل سعى كثيراً لإنهائه والدعوة لإحلال السلام، قدم حياته "شهيداً للتسامح" في عصر يقدّس العنصرية والتحزب والتعصب الأعمى والتنمر.
وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني (يناير) العام 1929، تحت اسم "مايكل كينغ" لأب يعمل قسّاً لكنيسة معمدانية، اعتمد الأب اسم "مارتن لوثر كينغ" نسبة لمؤسس البروتستانتية الألماني "مارتن لوثر"، ثم أتبعه بـ"مايكل"، واعتمد الاسم نفسه، ليصبح اسمه "مارتن لوثر كينغ الابن".

نشأ "مارتن لوثر كينغ" الابن في مدينة أتلانتا الأمريكية، التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وشاهد كيف نبذه أقرانه البيض، وتألم من منع أمهات زملائه البيض في المدرسة أبناءهنّ من اللعب معه، لكنّ كلمات أمه كانت تنير له الطريق وتشدّ من أزره، فكانت إذا رأته يتألم لابتعاد زملائه عنه، تقول له: "لا تدع هذا يؤثر عليك أو يجعلك تشعر بأنّك أقل من البيض فأنت لا تقلّ عن أي شخص آخر".

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ومضت الأعوام، ودخل كينغ المدارس العامة، العام 1935، والتحق بالجامعة في أواخر العام 1942؛ حيث درس بكلية "مورهاوس" التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
في العام 1947 تمّ تعيينه مساعداً في كنيسة أبيه، وصار قسّاً معمدانياً، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، العام 1948، ولم يكن عمره قد تجاوز 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة  تدعى "كوريتا سكوت"، وتزوجها العام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن، وفي العام 1951 حصل على بكالوريوس في اللاهوت، ثم انتقل مع زوجته إلى مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، عام 1954، وكُلّف بخدمة الكنيسة المعمدانية، ونجح وقتها في الحصول على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت العام 1955.
بداية النضال
حمل الأول من كانون الأول (ديسمبر) العام 1955، بذور حركة نضالية من أجل استعادة القيم الإنسانية للمواطن الأسود في الولايات المتحدة، عندما رفضت روزا باركس، وهي سيدة سوداء، أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعاً، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها، ومن ثم اعترض مارتن لوثر كنيغ على هذه التفرقة  العنصرية، ونادى بمقاطعة شركة الحافلات واستمرت المقاطعة عاماً كاملاً؛ ما أثر كثيراً في إيرادات الشركة، وأدت المقاطعة السلمية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

أدرك الأمريكيون أنّ كينغ غيّر وجه بلادهم للأبد وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً

فرح الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء بإنجازات مارتن، وصار زعيماً لهم، وعقدوا عليه الأمل في تحريرهم من العنصرية البغيضة، ليبدأ رحلة نضال ضدّ الكراهية والعنصرية، ومن أقواله: "الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك".
قام بزيارة للهند العام 1959، وعبّر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجيا السلام عند نِهرو وغاندي من قَبله، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وكافأته الحكومة الهندية، العام 1966، بمنحه جائزة نهرو للسلام الدولي، بعد وفاته.

خلال رحلته في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، نضجت شخصية كينغ كثيراً، وركز على الظلم بدلاً من كراهية شخص بعينه؛ إذ تعرّف إلى فكرة العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير، والمقاومة السلبية السليمة.
ضاعف كينغ، العام 1963، جهوده لمواجهة العنصرية في الولايات المتحدة، ونظم سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعبأ الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وأُلقي القبض عليه لمخالفته أمراً قضائياً بمنع كلّ أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، وبمجرد إطلاق سراحه قاد مظاهرات أخرى، أوقفها تدخل الرئيس الأمريكي آنذاك، جون كينيدي، وإعلانه حالة الطوارئ، ليتدخل مارتن ويهدئ من ثورة الشارع.

في 4 نيسان 1968 اغتاله متعصب أبيض أثناء الاستعداد لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"

وفي 28 آب (أغسطس) 1963، نظّم الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء مسيرة سلمية لم يسبق لها مثيل في قوتها، فقد اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينغ أروع خطاب له: "لدي حلم" (I have a dream)، التي قال فيها: "لدي حلم بأنّه يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينغ المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تفِ أمريكا بسداده "فبدلاً من أن تفي بشرف ما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بدون رصيد، شيكاً أعيد وقد كتب عليه: الرصيد لا يكفي لصرفه".
وفي ذروة الانتشاء بانتصارات الإنسانية ضدّ التعصب والعنصرية، قام المتعصبون العنصريون بإلقاء قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك ممتلئة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فعاد كينغ مرة أخرى إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف بين السود والبيض.

نادى بمقاطعة شركة الحافلات في ألاباما عاماً كاملاً ما أدى إلى كسر قانون العزل العنصري
مهّد نضال كينغ لصدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، العام 1964، وفي العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينغ لقب "رجل العام"، فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل، العام 1964، على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة بعمر ٣٥ عاماً، ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر والسود، وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل؛ إذ كانت البطالة قد انتشرت بين الأفارقة.
رصاصة التعصب
في 4 نيسان (أبريل) 1968؛ أثناء الاستعداد لأحد لقاءاته لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"، قام أحد المتعصبين البيض، ويدعى جيمس إرل راي، بإطلاق رصاصة من بندقية قناصة أصابت حنجرته، فاغتيل رجل السلام والتسامح والمحبة واغتيلت معه أحلامه في زرع المحبة بدلاً من الكراهية، اغتاله التعصب والكراهية والعنصرية، لتندلع أعمال العنف في ولايات عدة، منها واشنطن ونيويورك وشيكاغو وبوسطن، لكنّ المحبة التي زرعها كينغ لم تذهب سدى؛ إذ أصدرت زوجته المكلومة بياناً طالبت فيه المحتجين بوقف العنف وتحقيق أحلام الزعيم بالسلام والمطالبة بالمساواة والعدل، فخمدت الفتنة، وأدرك الأمريكيون أنّ مارتن لوثر كينغ غيّر وجه أمريكا للأبد، وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً.

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
عندها وقّع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحماية المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع الولايات الأمريكية؛ لتتحقق أحلام الزعيم الأسود بعد رحيله.
رأى كثيرون أنّ رسالة لوثر كينغ قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، في 20 كانون الثاني (يناير) 2009؛ حيث تفخر دول كثيرة في العالم بوصول رجل من أصول أفريقية إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة.
يوم مارتن لوثر كينغ
واعترافاً بفضل "شهيد التسامح" على أمريكا؛ وقّع الرئيس، رونالد ريغان، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1983، تشريعاً ينصّ على تحديد عطلة رسمية لتكريم ذكرى مارتن لوثر كينغ، ثم أعلن الكونغرس العام 1994، أنّ ١٥ كانون الثاني (يناير)، أحد الأعياد الفدرالية السنوية هو "يوم مارتن لوثر كينغ"، داعياً الأمريكيين من جميع الأطياف والشرائح لأن يتطوعوا بوقتهم ومجهودهم للمساعدة في تحقيق رؤية كينغ بقيام "مجتمع المحبين"، وبحلول العام 1999، أصبحت جميع الولايات الخمسين تحتفل بهذه العطلة، لتنتصر الإنسانية والمحبة على الكراهية والتعصب.

للمشاركة:

كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية