إسلاميو تركيا يروجون للحاكمية بدل العلمانية

تثير أطروحات الإسلام السياسي إشكالية افتعلها النظام التركي بعد تسلّم حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، مقاليد الحكم منذ صعود الحزب في انتخابات العام 2002.

فلم يجد هذا النظام وسيلة يشوّش بها على جمهوره واستقطاب المزيد من الأتباع سوى اختلاق فكرة الصراع داخل المجتمع التركي ما بين علمانية الدولة والتديّن الشخصي.

ولهذا وجدت أرضية خصبة للمتمردين على مبادئ فصل السلطات والحريات الشخصية وصولا للناقمين على علمانية الدولة وشعاراتها التي تم تحريفها عن مسارها حتى صار معنى العلمانية في نظر العوام هي مجموعة من الانحرافات على المستوى الشخصي.

لهذا لم يكن مستغربا السخرية والهجوم على المعارضة التركية من طرف المتشددين في حزب العدالة والتنمية بوصفهم من شاربي الخمور. تم تهميش جميع التحديات والإشكاليات المجتمعية، وصار البديل هو الزج بالناس في أتون صراعات مجتمعية ضيقة، وخلافات تتعلق بالسلوكيات الفردية في نسق يقترب من الخرافة منه إلى الواقع الحقيقي.

مبدأ الحاكمية المزيفة قادت إلى خلق بيئة للتطرف ذات دوافع إجرامية مجتمعية بحتة مغطاة بتفويض ديني زائف وشعارات حماسية قصيرة الأجل. ما يلفت النظر أنه عادة ما يصوّر المحللون الصراع السياسي في تركيا باعتباره معركة بين معسكرين مختلفين جذريا: علماني وديني.

صحيحٌ أن هذا الرأي يحمل بعض الصواب، إلا أن معظم التحليلات غاب عنها فهم أن العلمانية التركية مختلفة جدًا عن العلمانية الغربية. هذا الفهم المشوّه هو الذي دفع الدعاية الرسمية لحكومة العدالة والتنمية إلى نعي العلمانية التي بموجبها تأسست الدولة التركية وحققت نجاحاتها المشهودة.

بل إن الكاتب التركي محمد زاهد جول يقول إن “العلمانية الأتاتوركية المستنسخة للتطبيق الفرنسي زُرعت في بيئة غير صالحة لها، وهذا أدّى إلى فشلها في عقودها الأولى، والبحث عن علمانية تتوافق مع البيئة التركية أولا، وتتوافق مع معتقدات الشعب التركي المسلم ثانيا”.

وامتدادا للعزف على مقولة المتناقضات التي لا تبني دولة حديثة يتم نعي العلمانية بطرق شتى تتلقفها الدعاية التركية بشكل متواصل. ينشر موقع “ترك برس” مقالا يشكك فيه بأصل مفهوم العلمانية في الدولة التركية إذ يقول فيه:

لطالما كانت تركيا قبلة المؤمنين بالعلمانية ومفاهيمها. إلا أنّ تطوراتها السياسية والاجتماعية الأخيرة تؤشّر إلى قُرب اضمحلال هذا النمط من التفكير والنظام الذي حكمها خلال العقود الماضية. فبعد تطبيق العلمانية في الدولة وعلى المجتمع منذ العام 1923، عاد الإسلاميون إلى الحكم عام 2002، ومعهم مجد سلطنة عثمانية غابرة وأحلام خلافة إسلامية. كما تحوّلتْ فترة حكم العلمانيين لتركيا إلى مجرد مرحلة من الماضي قد لا تعود يوماً.

هنالك من أتباع حزب العدالة والتنمية من يروّج انه بصعود نجم أردوغان وحزبه بدأ أفول العلمانية التركية باتجاه الاستبداد الذي يتغطى بمقولات الإسلام السياسي واستهداف حرية الأفراد

بل إن المقال يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير في دفن ونعي العلمانية إذ يقول “لقد طوى الأتراك مرحلة العلمانية منذ سنوات قليلة، فبات للإسلاميين مرتبة الصدارة في الانتخابات والسلطة وأجهزة الدولة والمجتمع. ما عادوا أعداء الدولة كما كانت تصفهم الحكومات العلمانية السابقة، ولا أعداء الأمّة التركية كما كانت المؤسّسة العسكريّة العلمانية تصنّفهم، بل باتوا أسياد الحكم والجيش والبلاد. فيما تحوّل العلمانيون إلى ما يشبه الفئة المهمّشة وضعيفة التأثير في اللعبة السياسية الداخلية، والتي تجهد للحفاظ على ما تبقّى من إرث تركيّا العلماني”.

العلمانية المهمّشة صارت فجأة شعارا سياسيا يدغدغ أتباع موجات الإسلام السياسي، بما يتيحه من أحلام طوباوية وأمجاد غابرة يتغنى بها أفراد يريدون الهروب من الحاضر المتأزم إلى الماضي الذي لا تعرف بداياته ولا نهاياته. الحاكمية صارت افتراضا وجد في تهميش العلمانية تم إنعاشه من خلال استقطاب الجماعات الإخوانية وزجّها في المجتمع التركي.

حاكمية سيد قطب وآخرون ممن يؤمنون بالفكرة ذاتها، تتشظى في كل يوم وتثبت كونها امتدادا طوباويا ينعش أحلام مأزومين غير قادرين على قيادة عصرية لمجتمعات تعاني ما تعانيه من فوضى وبطالة وفقر وأمية.

حاكمية سيد قطب تم ترويجها بشكلها الهجين والمطلق بصرف النظر عن كونها مقولات كانت بمثابة ردّ فعل عنيف على ظرف سياسي واجتماعي انتهى وانقضى. إنهم المراهنون على وهم تلك الحاكمية في نسقها التركي الذي لا وجود له أصلا، فالدولة التركية ومؤسساتها الراسخة لم تنشآ حاكمية أردوغانية ما انفك يسوّقها تيار إخواني متصدّع وبلا رؤية كل الذي حققه هو مزيد من المؤتمرات الكلامية التي تمجد أردوغان، بوصفه المطبق الأمين للحاكمية والخليفة الجديد للعثمانية.

في الوقت نفسه كانت تلك المقولة قد اثبتت فشلها ولا جدواها وباتت أقرب إلى الإشاعة التي تبنّاها الكثير من أتباع التيار الاخواني من دون أن يتبينوا حيثياتها، حيث خطّها سيد قطب وهو في عز أزمته الشخصية.

يضع الشيخ الغزالي الأمور في نصابها في تفنيد تلك الأطروحة المتعلقة بالحاكمية التي بثّها سيد قطب قائلا “لعل الظلم الذي وقع على سيد قطب من قبل نظام ثورة يوليو، هو الذي جعله ينفرد برأي أملته عليه ظروف المحنة التي وقع فيها”.

لقد كان لسيد قطب، ابن أخت سُجن ظلمًا، ثم إنه رأى في السجن بلاءً كثيرًا وذاق مرارة التعذيب، والواقع أن محاكمته كانت مهزلة، فالرجل كتب كتابة فيها حدة وعنف ضد الحكام وتأول آيات القرآن على أنه لا بد من اشتباك صريح مع هؤلاء، وهذا ليس من الممكن”.

استخدام القبضة الحديدية في مواجهة الرأي العام التركي المعارض للنهج الأردوغاني في تشويه وقتل علمانية الدولة التركية، هو وجه آخر من وجوه الاستبداد الذي تطرحه مقولات الإسلام السياسي.

هذا غيض من فيض ما يمكن الخروج به من محصلات يجري التعتيم والسكوت عليها في ظل هوجة تيارات الإسلام السياسي تلك التي نشأت وترعرعت في كنف ظروف تدفع دوما إلى الإحباط واللاجدوى، وتاليا إلى التمرّد غير المنضبط مما جار على أجيال بأكملها وأضاع السبيل أمامها.

ولعل الأساس هو إصلاح شامل لبنى الدولة الحديثة ذلك الذي تحتاجه العديد من البلدان العربية والإسلامية، وبما فيها تركيا التي تفاقمت فيها الأزمات والصراعات والانقلابات، وفتحت فيها السجون بشكل لم يسبق له مثيل في ظل حكم العدالة والتنمية.

فعن أيّ حاكمية وأيّ إسلام سياسي يروّج المروّجون فيما تركيا تستنزف اقتصاديا وبشريا ولا تعرف الى أي سبيل تسير، وأيّ نهاية لصراعاتها الدامية واستنزاف اقتصادها ومواردها البشرية؟

عن"العرب" اللندنية

الأقسام: