الإسلام السياسي.. غياب للعدالة وفجوات اقتصادية واجتماعية

3150
عدد القراءات

2018-02-19

إضافة إلى نشوء تحديات جديدة في العلاقة بين الدين والدولة، والمجتمعات، ومتواليات التطرف والعنف والكراهية التي ارتبطت بالدين، واقتضت بالضرورة إعادة النظر في الإسلام السياسي، وموقعه في الحياة السياسية والاجتماعية؛ هناك أيضاً تحديات اجتماعية واقتصادية، جديدة وناشئة، تقتضي حشد المكونات الاجتماعية في مواجهتها، وألا تشغل الدول والمجتمعات في صراعات، تستنزفها وتهدر مواردها، وتعطّلها عن أداء واجباتها، وتحسين معيشة الأفراد، وتحقيق الرفاه والازدهار.

إنّ الأمثلة الصحيحة التي تقدم في الصراعات الدائرة اليوم بين كثير من الحكومات، إن لم تكن جميعها، وبين جماعات الإسلام السياسي، تغطي على قضايا أخرى أساسية مسكوت عنها إعلامياً وسياسياً، فالتفاعلات الحقيقية التي تجري في المجتمعات والدول، تبدو بعيدة عن الاهتمام الإعلامي والسياسي، وتنشغل عنها القوى المجتمعية بقضايا ومعارك جانبية، ويجري التغطية عليها بقدر كبير من التجاهل الذي ربما يكون ذكياً ومدروساً.

يجب أن يتخلّى الإسلام السياسي عن الصراعات السياسية والاحتفالات الدينية ويترك الدعوة والإرشاد فثمة من يشتغل بها بنجاح 

ثمة أزمة كبيرة وعميقة تتشكّل بين المجتمعات والشركات الاقتصادية والاستثمارات الجديدة، ومن البديهي عندما تطبّق سياسات الخصخصة للموارد والخدمات، أن تكون المجتمعات في الوقت نفسه، قادرة على تنظيم نفسها وحمايتها، لتستطيع الحصول على الخدمات والاحتياجات التي تحوّلت إلى سلع تجارية واستثمارية بالجودة والسعر المناسبين، وأن ينشئ المجتمع مؤسساته وموارده المستقلة، ليكون قادراً على تقديم ما كانت تقدّمه له السلطات التنفيذية، وأن يكون لها أدوات سياسية قادرة على حمايتها وتحقيق توازن مع القطاع الخاص، الذي قد يتحوّل، في معظمه أو في جزء كبير منه، إلى استثمارات أجنبية.

لكن ما يجري بالفعل؛ هو إعادة صياغة للتشريعات والتحالفات السياسية والاجتماعية، التي تضعف المجتمعات والمواطنين، وتحمّلهم أعباء كبيرة، وتعفي، في الوقت نفسه، رؤوس الأموال والشركات من التزامات مفترضة، وبالنظر إلى ما يجري من تشريعات وتطبيقات في الضرائب والعمل والأجور والعلاقة بين العمال وأصحاب العمل والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، والعلاقة بالشركات الموردة للخدمات الأساسية، أو التي تدير الموارد العامة، وما يمكن أن تؤول إليه الحالة عندما تختفي مؤسسات التقاعد، والمؤسسات التعليمية والصحية الحكومية، والحالة التي ستكون عليها المجتمعات العربية بعد عشرين عاماً، على الأكثر، عندما تكون نسبة كبار السنّ تتجاوز 10% من السكان، وتكون الدخول والرواتب التقاعدية، وفرص الرعاية الصحية والاجتماعية، قد تآكلت، فإنّنا في مواجهة حالة لا يمكن تلافيها إلّا بدور فاعل للقيادات المجتمعية والمهنية، وتشكيلات الطبقة الوسطى في المجتمع.

لماذا لا يستنفر كل أعضاء جماعة الإخوان ومؤيدوها ليكونوا شركاء حقيقيين في التنمية والرعاية الصحية والإسكان وغيرها؟

والمرشَّح الطبيعي لقيادة المجتمع باتجاه مصالحه، ومساعدته على التوازن في المواجهة مع الاحتكار والإقطاع والإفقار، وغياب العدالة الاجتماعية والفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين فئات المجتمع؛ هي النقابات المهنية والعمالية، والحركات والجماعات السياسية والاجتماعية، فالمطلوب اليوم من المجتمعات والمنظمات التي تمثلها وتعبّر عنها؛ أن تجعل من المؤسسات العامة والمجتمعية منافسة قوية وكفؤة، أو على الأقل، بديلاً معقولاً للأغلبية، والأقل حظاً من المواطنين، وفي ذلك يجب أن تتخلّى جماعات الإسلام السياسي عن المعارك والصراعات السياسية، والاحتفالات الدينية، وتترك، إلى الأبد، الدعوة والإرشاد، ورحلات العمرة، والنشيد الإسلامي، فثمة من يشتغل بها، بنجاح لا يقلّ عنهم، وقد أصبح الناس في حالة من التدين والإقبال على الدين، بما لم يدع مجالاً لبرامجهم الدعوية؛ فقد تحقّقت أهدافهم في هذا المجال كاملة، لدرجة أنّه لم يعد ثمة حاجة إلى عملهم وبقائهم فيه.

يستطيع الإسلاميون، لو أعادوا تعريف أنفسهم كمتدينين منخرطين في مؤسسات المجتمع، ضمن الشراكة مع السلطة السياسية، والتنافس والعمل السلمي، أن يجعلوا التحديات الملحّة هي الشراكة والتعاون بين الشركات والمجتمع، والتأثير الإيجابي في الأسواق، ودفع السلطات التنفيذية لتكون راعية ومنسقة محايدة، على الأقل، إن لم تكن شريكاً منحازاً للمجتمعات؛ لو أنّهم فقط يشتغلون، ويشغلون النقابات والشخصيات، والفعاليات الاجتماعية والسياسية والتشريعية، بقضايا مثل: التعليم، والإسكان، والبيئة، والمهن، والعمل، والأجور، والتوظيف، والمشاركة، والرعاية الصحية والاجتماعية، والتقاعد، فهل سيفعلون؟

لماذا لم يكن للإخوان المسلمين مجلة بمرتبة "فورن أفيرز"، تكون مصدراً للرؤية والتخطيط للعمل العام الرسمي والمجتمعي، وتقدّم الرؤية والبرامج البديلة، وتكون بيتاً للنشر والخبرة في السياسة والاقتصاد والثقافة، وصوتاً للطبقات الوسطى، وأصحاب المهن والمشروعات، وساحة للتعليم المستمرّ والتعبير؟ ولماذا لم يستنفر كل أعضاء الجماعة ومؤيدوها، وشبابها، وأطباؤها، ومهندسوها، ليكونوا شركاء حقيقيين في التنمية، في الرعاية الصحية والإسكان، للفقراء والطبقات الوسطى، وفي تطوير الغابات والمراعي والمصادر المائية، وفي تنظيم المجتمعات والأحياء والبلدات، وفق احتياجاتها، وإنشاء مدارس، ومراكز ثقافية ورياضية، وجمعيات تعاونية وإسكانية، يشارك فيها الناس جميعاً، وتكون موجَّهة للمجتمعات والأرياف والبوادي، وليست استثمارات أنيقة معزولة؟

لماذا لم تستثمر الجماعة في ترسيخ قواعد ثقافية وأخلاقية للسلوك الاجتماعي تنظّم حياة الناس باتجاه الرقي والتسامح والتمدن؟

ولماذا لم تستثمر الجماعة في ترسيخ قواعد ثقافية وأخلاقية للسلوك الاجتماعي، تنظم حياة الناس باتجاه الرقي والتسامح والتمدن؟ ولماذا لا تكون الجماعة محوراً لحراك ثقافي وإبداعي عام، في الشعر والمسرح والقصة والسينما والرواية والموسيقى (نعم الموسيقى)؟ ولماذا تبقى الجماعة تنظيماً سرياً وكأنّها تشتغل بالممنوعات؟

المكان هو سرّ الإجابة والعمل، والتفاعلات الاقتصادية والاجتماعية حول المكان هي أساس الرؤية المكافئة للعمل المطلوب، والإجابة المفترضة عن سؤال: ما العمل؟ وبغير ذلك، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين تتحوّل إلى مجاميع غير مرتبطة بالمكان وقضيته، وفي النهاية، ستكون النتيجة كارثية؛ لأنّ الإخوان المسلمين سيتحوّلون إلى تجمعات وظيفية أو معزولة.

التحدّي الحقيقي للمجتمعات والدول، اليوم، هو الرفاه والازدهار، ولأجل ذلك يجب أن تعيد المجتمعات والجماعات والنقابات تشكيل أنفسها، باتجاه منع تسخير المجتمعات وموارد الدولة لصالح أقلية من المستثمرين والمتنفّذين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: