العنف في بنية الحركات الإسلامية (2).. الاستعلاء الإيماني

صورة جهاد حسين
كاتب وباحث سوداني
3240
عدد القراءات

2018-02-27

إنّ العنف الديني فعل مادي، تسبقه مشاعر دينية مركّبة، يتفاعل فيها ما هو متعالٍ داخل الإنسان، مع ما هو أرضي، فيحرّك أحدهما الآخر، ليتشكّل منظار محدّد بما هو أعلى داخل الإنسان، ويحكم التصورات والأفعال، وهو ما توقفنا عنده في المقال السابق، ونحن نتتبع بينات العنف داخل تصورات الحركات الإسلامية. 

إنّ الاستعلاء الإيماني، هو تلك الدرجة التي يصلها الإيمان، فيصعب عليه أن يتعايش مع الكفر، في إطار واحد، دون أن يكون هناك تمايز حقوقي أو ثقافي أو معرفي، ويأخذ هذا الاستعلاء شكلاً سجالياً، فيغدو متصارعاً مع وجوده الأرضي الذي لا يخضع إلى سلطة ما يحمل من إيمان وتصورات منبثقة عنه، كما يرى سيد قطب؛ إذ يقول: "الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان، وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرّعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان".

الاستعلاء الإيماني في العهد الأول، هو وليد هذا العهد حيث يبحث المؤمن دوماً عن مشروعية تاريخية لحالته الإيمانية

فهذا النص القطبي يؤجّج مشاعر الاستعلاء لدى المسلم، الموجودة بشكل تراكمي عنده؛ إذ يحتسي "الاستعلاء الإيماني" دونما وعي، فيتربّى على تصورات اختزالية وإقصائية، لا يرى العالم إلّا من خلالها، فكلّما توسّع في وجوده الأرضي ومشكلاته المتجددة، نجده يمتلك الحلّ مسبقاً ملخصاً في مقولات كلية: "الخلافة، الجهاد، حتمية العودة إلى السماء، الوصايا الموروثة من البنا"، وإن لم يوجد هذا الحلّ، أو أصبح غير ممكن التطبيق واقعياً، يجب الالتزام به كحلٍّ، مع الدفاع عنه؛ لأنّه ينبثق من "الإيمان" في حالة من النرجسية الدينية، التي تصل أوجها في حالة الانتحاريين، تكون هناك حالة من "الرادكالية " في التعامل مع الواقع؛ إذ يغدو ضمير المسلم "عدمياً" تجاه الأرض، يقول سيد قطب:
"إنّ الطريق شاقة، إنّ الطريق ليست مفروشة بالورود، إنّ الطريق مليئة بالأشواك، لا بل إنّها مفروشة بالأشلاء، مزينة بالدماء، غير مزينة بالورودِ والرياحين"، وهكذا لا يمكن بناء الأرض إلا من خلال هدمها، بتعدّد ما هو إنساني فيها، ووضعها على رؤية واحدة، هي أغلى من الدماء التي يمكن أن تسفك، ويكون الإيمان فيها جداراً عازلاً عن كلّ ما يشغله عن هدفه. 

الاستعلاء الإيماني في العهد الأول

إنّ الاستعلاء الإيماني في العهد الأول، هو وليد هذا العهد، وهذا العصر؛ حيث يبحث المؤمن دوماً عن مشروعية "تاريخية " لحالته الإيمانية.

لا شك أنّ الإيمان، في بدايته الأولى، بدأ متسامحاً، لكن لم يخلُ هذا التسامح من وعود بالتمكين لفئة المؤمنين، فيكون دافعاً للمزيد من الإيمان، والمزيد من الجهد والصبر عليه، فيتوحّد الموت والحياة في سبيل واحد.

الصدر دون العالمين أو القبر

إنّ هذه الثنائية التي ترفعها أغلب الحركات الإسلامية، لا تخلو أيضاً من العدمية بشكلها الديني؛ إذ يغدو الوجود الأرضي صراعاً دائماً بين مسميات لا تتصور هذه الحركات أنّ هناك مشتركاً بينها، يجعلها متساوية في وجودها الأرضي، هنا يعمل الاستعلاء الإيماني عمل "المحفّز" للشعور بالأفضلية، في الوجود الذي يترتب عليه علو أرضي، وهذا العلو الأرضي ليس بالضرورة أن تكون له أسباب أرضية، أو "حضارية"؛ إنّما هو أمر إلهي مقضي في الأزل "وأنتم الأعلون"، في كلّ الأحوال؛ الضعف والقوة، بل إنّ التعالي بالإيمان في لحظات الانحسار الحضاري والتراجع والتخلّف، هو أسمى في الأدبيات الإسلامية من التعالي الإيماني في لحظات القوة والفاعلية، الأمر الذي يجعل حاسّة النقد مفقودة كون تصوراتها عن واقع الدين ناجزة وجاهزة، تحميها القداسة، وهذا ما يفعله المتخيّل بأصحابه فيوردهم المهالك.

الإيمان في بدايته الأولى بدأ متسامحاً لكن لم يخلُ هذا التسامح من وعود بالتمكين لفئة المؤمنين

تحكم هذه الثنائية العقل الإسلامي، إلى درجة يصبح فيها وجوده خارج الأرض أفضل من وجوده فيها، وهي تدور حول نفسها بغير الطريقة التي يريد ويتصور، انطلاقاً من إيمانه، لكن لا قيمة لأيّ نشاط حضاري وأرضي، إلّا بتجمّع حيوات وتصورات كثيرة وعديدة، دون أن تعتلي بعضها، إلّا بذلك الخير الذي تقدمه للبشرية ويراه الإنسان ماثلاً أمامه، ذلك الخير الذي يجعل البشر سعداء، ويزيل عنهم المعاناة، دون أن يمنّ عليهم، أو ينظر إليهم كأصحاب خطيئة ودناسة.

إنّ الحركات الإسلامية تنطلق دوماً، في بنية تفكيرها، من الثنائيات القاتلة، فتضع تصوراتها مقابل كلّ التصورات السائدة، وتضع حولها السياج الديني لحمايتها، وهي في جوهرها تصورات بشرية زمنية، لا يمكن أن تكون بدرجة الديني، ذاتها، في المقام، مهما احتمت به والتصقت، فثمة مسافة لا يمكن أن ينكرها أحد بين المقدس في ذاته، والمقدس في تجليه الدنيوي وقراءته الزمنية، فلا يمكن لفئة من المسلمين أن تحتمي بالمقدَّس، وتتماهى معه، وتتمايز به، وتستعلي من خلاله على الآخرين، وتزدري به تصوراتهم، دون امتحان واختبار لتصوراتها ورؤاها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: