التداعيات على الأمن القومي للولايات المتحدة

1398
عدد القراءات

2018-03-20

ديفيد كاتلر

"في 13 آذار/مارس، استضاف معهد واشنطن منتدى سياسي مع ديفيد كاتلر كجزء من سلسلة محاضرات برنامج "ستاين" لمكافحة الإرهاب التي يقدمها المعهد. ويشغل كاتلر منصب "مدير الاستخبارات القومية للشرق الأدنى في مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية". وفيما يلي ملاحظاته المعدة مسبقاً"

أود أن أقدم لمحة عامة عن أهم التطورات السياسية والأمنية والإنسانية في الشرق الأدنى.

دعونا نبدأ بما يسمى بتنظيم "الدولة الإسلامية". بفضل الجهود العظيمة والتضحيات التي قدمها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، خسر تنظيم "داعش" أكثر من 98 في المائة من الأراضي التي كان يسيطر عليها سابقاً في العراق وسوريا. كما خسر الآلاف من مقاتليه وتقلّص حجم قواته بشكل جذري، وانكشفت أسطورة "الخلافة" التي كان يدعي بها. إلا أنّ "المعركة لم تنته بعد"، كما أكد ذلك وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس. وتستمر القوات التي تدعمها الولايات المتحدة في تطهير الجيوب المتبقية التي يسيطر عليها تنظيم "الدولة الإسلامية". لكن فيما يتعلق بالعراق وسوريا على الأقل، يتجه مسار التنظيم نحو خط النهاية.

وبالنظر إلى ذلك، هل يمكننا أن نتوقع "فوائد من السلام"؟ وما هي تداعيات الهزيمة الاستراتيجية لتنظيم "داعش" كقوة شبه تقليدية؟

في حين أن هذا الخبر مرحب به، يجب علينا مقاومة تقييم النتائج في فراغ. وعلينا أن نأخذ دائماً التأثيرات من الدرجة الثانية والثالثة في عين الاعتبار.

فعلى سبيل المثال، بالرغم من القضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، ما زال صدى أيديولوجيته يتردد في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي له تداعيات خطيرة على الأمن القومي للولايات المتحدة. وفي حين أثبت السفر أنه أمراً صعباً، سيحاول عدد كبير من مقاتلي "داعش" على الأرجح العودة إلى بلدانهم الأصلية، التي تشمل أوروبا والولايات المتحدة لشن هجمات، أو التوجه إلى بلدان جديدة مثل الفلبين. وتواصل الجهات التابعة للتنظيم خارج دول المشرق التخطيط للهجمات وتنفيذها. ومن المرجح أن يضاعف تنظيم "الدولة الإسلامية" جهوده لإلهام مؤيديه بشنّ الهجمات أينما كانوا، حتى لو لم ينضموا أبداً إلى القتال في الخارج.

ويشكل التحول في الدعاية لتنظيم "داعش" عبر الإنترنت أحد الاتجاهات الملحوظة التي شهدناها [مؤخراً]، بعد أن خسر التنظيم الكثير من الأراضي. فسابقاً، شددت رواية تنظيم "الدولة الإسلامية" على بناء الخلافة، وتضمنت مواضيع حول الحوكمة والمغامرة والنصر. أمّا الفيديو الأخير للتنظيم الذي يحمل عنوان "لبّوا النداء" فيركّز على الانتقام والقتل العشوائي، وهو أمر مروّع بشكل خاص حتى بالنسبة لـ"داعش".

والمغزى؟ تنظيم "الدولة الإسلامية" يتطوّر ويتكيّف مع الوضع الجديد.

ففي العراق، بدأ تنظيم "داعش" يغير تكتيكاته ويعود إلى طبيعته القديمة، أي إلى تمرد سري - مثلما فعل سلفه تنظيم "القاعدة في العراق" سابقاً. وفي حين لم يتردد تنظيم "الدولة الإسلامية" قط في منع المدنيين غير المقاتلين من الفرار من مناطق القتال واستخدامهم كدروع بشرية، إلّا أنّ مقاربته الجديدة تشير إلى أنه سيسعى على الأرجح إلى التغلغل بين المدنيين إلى حد أكبر.

ومن المرجح أن يؤدي هذا بدوره إلى إجبار الجيش العراقي الكفوء بل المُتعَب في الوقت نفسه على تطوير نهج جديد تماماً لمكافحة التمرد. ورغم اختلاف الطبيعة والنطاق، سوف يستمر القتال بين الجيش العراقي والمتمردين.

وإلى جانب المسألة الأمنية، يواجه العراق أيضاً تحديات هائلة في مجالَي إعادة الإعمار والحوكمة. فمعظم العراقيين الذين تشرّدوا ونزحوا من ديارهم والبالغ عددهم 2.6 مليون نسمة هم في محافظة نينوى ومن الطائفة السنية. ومع اقتراب موعد الانتخابات القادمة المقرر إجراؤها في أيار/مايو، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هؤلاء الأشخاص المشردون داخلياً سيتمكنون من التصويت في مدنهم، وهي مسألةٌ شدد عليها القادة السنّة مراراً وتكراراً خشية تعرضهم إلى المزيد من التهميش السياسي. وفيما يخص إعادة الإعمار، مرت ثمانية أشهر على تحرير الموصل عاصمة نينوى، ولا تزال المدينة القديمة دون كهرباء أو مياه جارية، وستتطلب إعادة بنائها مليارات الدولارات.

ولا يزال الكثير من العراقيين السنّة يخشون من نوايا الميليشيات والحكومة الوطنية ذات الأكثرية الشيعية التي تزعم أنّ السنّة كانوا يدعمون "داعش". فلنتذكّر أنه في أول ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية"، استغلت هذه الجماعة مخاوف السنّة من الهيمنة الشيعية. وحتى لو كانت هذه المخاوف لا تؤدي إلى عودة ظهور تنظيم "داعش"، فإن المخاوف من الانتقام والمظالم السنية الناجمة عن التهميش السياسي والتمييز والتأخير في إعادة الإعمار قد تعرقل المصالحة اللازمة لتحقيق السلام المستدام، الذي هو أحد الأهداف الرئيسية للولايات المتحدة.

ولا أقصد التقليل من النجاح المثبت للحملة العسكرية. ولكن يجب أن يُسفر الانتصار النهائي على تنظيم "الدولة الإسلامية" عن فائدة إلى الولايات المتحدة وحلفائها.

إلا أنّ الحرب ضد "داعش" ليست نزاعاً تقليدياً ثنائياً. إذ يقوم كل من "حزب الله" والولايات المتحدة وإيران وروسيا بمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". فنحن نحارب العدو نفسه، مثلنا مثل خصومنا. وبالتالي، من المرجح أن يجنوا هم أيضاً "فوائد من السلام."

فلنأخذ على سبيل المثال المقاتلين الشيعة المدعومين من إيران، الذين كانوا حتى الآونة الأخيرة يصبون تركيزهم أولاً على تنظيم "الدولة الإسلامية". لقد أصبحت هذه الجماعات تتمتع حالياً بكامل الحرية لتوسيع نفوذها وتعزيز مكاسبها السياسية والمساحات التي تسيطر عليها، الأمر الذي يمكن أن يزيد من تأجيج التوترات مع المجتمعات السنية.

ومن المحتمل أن تكون إيران وعميلها اللبناني "حزب الله" من المستفيدين أيضاً، إذ سيتمكنان من توجيه الموارد والاهتمام نحو أماكن أخرى. وكما ورد في "تقييم التهديد العالمي" Worldwide Threat Assessment الذي أصدرناه الشهر الماضي، تبقى إيران أبرز الدول الراعية للإرهاب وتسعى لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء المنطقة.

ويتفق ذلك مع تصريحات الرئيس الأمريكي في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، عندما أعلن عن الاستراتيجية الإيرانية حيث قال: "يبقى النظام [الإيراني] الدولة الراعية للإرهاب الأولى في العالم، ويقدم المساعدة لتنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان" و"حزب الله" وحركة "حماس" وشبكات إرهابية أخرى. ويعمل على تطوير ونشر وانتشار الصواريخ التي تهدد القوات الأمريكية وحلفائنا. كما يضايق السفن الأمريكية ويهدد حرية الملاحة في الخليج العربي وفي البحر الأحمر. ويسجن الأمريكيين بتهم باطلة ويطلق هجمات إلكترونية ضد بنيتنا التحتية الحيوية والنظام المالي والجيش".

لقد أرسلت إيران المئات من المسؤولين في "حرس الثورة الإسلامية" إلى العراق للمساعدة في توجيه عشرات الآلاف من أعضاء الميليشيات الشيعية، وستسعى على الأرجح إلى التلاعب بالشؤون العراقية من خلال الاستفادة من هذا النفوذ. ومن خلال حملتهم في سوريا والعراق، اكتسب العسكريون الإيرانيون ومقاتلو "حزب الله" خبرةً في ميدان المعركة، وأتيحت لهم الفرصة لاختبار التكتيكات والإجراءات العسكرية الميدانية. ومع مشارفة المعركة ضد تنظيم "داعش" على نهايتها، تظهر أمامهم الآن فرصةً لإعادة توجيه جهودهم.

وبالنسبة إلى "حزب الله"، يعني ذلك إعادة التركيز على لبنان، وإنفاق المزيد من الموارد وتصويب التركيز ضد إسرائيل - بمساعدة إيران، إما بشكل مباشر وإما من خلال دعم الجماعات المسلحة في الأراضي الفلسطينية. والنتيجة؟ تفاقم حالة عدم الاستقرار في لبنان وحرب محتملة مع إسرائيل.

أما بالنسبة إلى إيران، فيعني ذلك تعزيز مكاسبها وإنشاء ما يسمى بـ "الهلال الشيعي" الذي سيربط شبكتها المؤلفة من الوكلاء والحلفاء في جميع أرجاء الشرق الأدنى، والذي يمكن أن يهدد مجموعةً من المصالح الأمريكية.

ولننظر إلى اليمن، حيث دعمت إيران قوات الحوثيين المتورطة في نزاع عسكري مع التحالف الذي تقوده السعودية، والذي تقوم القوات الأمريكية بمساعدته وتقديم المشورة له. فقد عرضت الحكومة الأمريكية مؤخراً أجزاءً من صواريخ بالستية إيرانية المصدر، مما يدل على دعم إيران للحوثيين في انتهاكٍ للعقوبات الدولية المفروضة عليها.

وحتى الآن، هدد الحوثيون مطاراً مدنياً في السعودية، وأطلقوا صواريخ على الناقلات الإماراتية في مضيق باب المندب، وهددوا بقطع الشحن البحري في البحر الأحمر، مما قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة في جميع أنحاء العالم.

ليس هناك حل عسكري للنزاع في اليمن. فأي دعم عسكري إيراني متزايد أو أي مساعدة تقدمها إيران للحوثيين لن يؤديا سوى إلى التقليل من احتمالات التوصل إلى حل سياسي تسعى إليه بنشاط الولايات المتحدة وشركائها في المجتمع الدولي.

وفي غضون ذلك، يستمر الشعب اليمني في معاناته. ووفقاً للتقديرات الأخيرة، يحتاج نحو 21 مليون شخص في اليمن إلى نوع من الدعم الإنساني أو الحماية، بينهم نحو 10 ملايين شخص بحاجة ماسة جداً للمساعدة. وقد تجاوز العدد التقديري لحالات الإصابة بالكوليرا المليون حالة، ومن المتوقع أن تشهد هذه الأعداد ارتفاعاً بسبب موسم الأمطار القادم. ويفتقر ما يقدر بنحو 17 مليون شخص - أي 60 في المائة من مجموع السكان - إلى الأمن الغذائي، في حين أن هناك سبعة ملايين شخص معرّضين لخطر المجاعة.

وبالطبع، ليست اليمن سوى واحدة من عدد من الأزمات الإنسانية التي تواجه الشرق الأدنى. وللأسف، هناك مستفيد محتمل آخر من "فوائد السلام" بعد فترة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وهو النظام السوري الذي قتل المدنيين من دون تمييز- بدعم من روسيا، مستخدماً الأسلحة الكيميائية أيضاً. وقد أدّت الحملة الحالية التي يقوم بها النظام في ضاحية الغوطة الشرقية في دمشق إلى محاصرة 400,000 شخص وتركهم مع قليل من الطعام أو الدواء، أو من دونهما، كما أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني.

وعلى نطاق أوسع، أدى الصراع السوري إلى أسوأ أزمة إنسانية ألمّت بعصرنا. فقد لقي أكثر من 11 مليون شخص حتفهم أو اضطروا إلى مغادرة منازلهم. ووفقاً للأمم المتحدة، هناك حالياً 13.1 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة في سوريا، و6.1 مليون شخص مشرد داخلياً، و2.98 مليون شخص في مناطق محاصرة يصعب الوصول إليها.

واسمحوا لي أن أشدد على نقطة واحدة هنا. عندما يفكر الناس في مجتمع الاستخبارات، فإن الصورة التي تتبادر إلى الأذهن عادةً هي أنشطتنا الاستخبارية الحساسة أو الدعم الذي نقدمه للجهود السياسية أو العسكرية لبلادنا. وغالباً ما يغيب عن البال التركيز الذي نضعه على القضايا الإنسانية وقضايا حقوق الإنسان.

إن تسليط الضوء على هذه الوحشية لا يصب فقط في مصلحتنا الاستراتيجية ، بل هو أيضاً واجبنا الأخلاقي. وهناك ميل إلى أن يصبح الفرد فاقداً للحس، نظراً للعديد من المآسي التي تتجلّى في جميع أنحاء المنطقة. ومن المهم أن نتذكر أن كل واحد من هذه الإحصائيات يمثّل نفساً فارقت الحياة أو تعيش المعاناة. وببساطة، يستحق سكان هذه المنطقة، الذين شهدوا ويلات الحروب لفترة طويلة، مستقبلاً أفضل، وحاضراً أفضل.

وللأسف، يشمل ذلك ملايين اللاجئين السوريين، بمن فيهم أولئك الذين فروا إلى الأردن ولبنان وتركيا. وقد أظهرت هذه البلدان سخاءً هائلاً من خلال إيوائها السوريين، لكن ذلك أدى إلى تكبد ثمن اقتصادي باهظ وتزايد التوترات الاجتماعية، خاصة في الأماكن التي تندر فيها الموارد العامة والوظائف.

وفيما يتعلق بفوائد السلام، تشكّل هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا عاملاً أساسياً لحل معضلة الحرب الأهلية في تلك البلاد. وفي حين لا يُظهِر ذلك أية مؤشرات عن نهاية قريبة، إلّا أن وقف الأعمال العدائية وعودة اللاجئين من شأنهما أن يخففا من الضغط على البلدان الثلاثة.

لكن ذلك ليس التحدي الوحيد الذي تواجهه هذه البلدان. فبالإضافة إلى انعدام الاستقرار الاقتصادي، تواجه المملكة الهاشمية مستوىً غير مسبوق من الغضب العام والشكاوى حول الإصلاح السياسي والفساد والبطالة.

وفي مواجهة أمتداد العنف من قبل الإرهابيين المتمركزين في سوريا، يتخبّط لبنان أيضاً في صراع مع تزايد النفوذ الإيراني من خلال "حزب الله"، الأمر الذي زاد من تفاقم التوترات الطائفية.

وبالاستناد إلى الروابط التي تجمع الأكراد السوريين التابعين لـ"وحدات حماية الشعب" بـ "حزب العمال الكردستاني"، بدأت تركيا حملةً ضدهم في عفرين، وبدورهم قاموا بسحب عدد كبير من المقاتلين الذين يحاربون تنظيم "داعش" في وادي نهر الفرات الأوسط. وعلى خلاف الحملة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" التي نتشاركها مع خصومنا، يُعد هذا مثالاً على محاربة اثنين من حلفاء الولايات المتحدة بعضهما البعض.

سأترككم مع ثلاث أفكار أساسية. أولاً، قد تكون هذه المنطقة الأكثر ديناميكيةً في العالم. وفي هذا الصدد، يكرس مجتمع الاستخبارات الأمريكي قدراً هائلاً من الموارد والطاقة لتقييم النوايا والتداعيات المحتملة، ولكن طبيعة المنطقة بحد ذاتها تجعل هذه المهمة صعبةً للغاية. وكما سبق وذكرتُ، تتوافق المصالح الأمريكية في الشرق الأدنى مع خصومنا وحلفائنا على حد سواء.

ثانياً، لا تزال العوامل ذاتها التي أدت إلى بروز كل من الانتفاضات العربية وتنظيم "الدولة الإسلامية" قائمة. وتشمل هذه عدم الاستقرار السياسي والاقتصاديات الضعيفة والفساد والطائفية. وإلى أن تتم معالجة هذه العوامل الأساسية، سنواجه على الأرجح نفس المشكلات أو قضايا مماثلة في المستقبل.

وأخيراً، إنّ قضايا الشرق الأدنى مهمة وذات صلة مباشرة بمجموعة من أولويات الولايات المتحدة، من بينها (1) مكافحة الإرهاب وحماية الوطن و(2) الحفاظ على مصالحنا الاقتصادية والأمنية الأوسع ومصالح حلفائنا و(3) حماية حقوق الإنسان ومعالجة الأزمات الإنسانية. وفي حين أن تحديد كيفية معالجة هذه التحديات أو حلها هو من وظائف صنّاع السياسات في نهاية المطاف، فإن النجاح يتطلب إجراء تقييمات دقيقة في الوقت المناسب وتكون ذات صلة بالديناميات الاقتصادية والسياسية والأمنية في المنطقة.

عن "معهد واشنطن"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



خَصم الصحوة الأول!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تركي الدخيل

لم يتركِ الأديب السعودي، والوزير، والشاعر، والكاتب، والمثقف، الدكتور غازي القصيبي، الحروب التي واجهتها بلاده، من دون أن يسل سيفه في كل الاتجاهات، مشاركاً في كل الجبهات، دون أن يكون قسم من هذه الحروب، الهدف فيه القصيبي، لذاته، بل كان الهدف رأس الحكومة، القدح في اختيارات الحاكم، قدح فيه، وكثيراً ما يلجأ الخصوم لهذه الطريقة، فهي تجنبهم المواجهة المباشرة، مع الرجل القوي، ولا تحرمهم متعة نقده، بشكل غير مباشر.
في أول فبراير (شباط) 1979. عاد الخميني (ت: 1989)، على متن طائرة فرنسية، من باريس إلى إيران، ثائراً، مرشداً للثورة، التي انقلبت على الشاه، حينها علم القصيبي، بوعيه وقراءته للأحداث وحدسه، أن ما بعد الخميني، لن يكون كما قبله، فالحدث آذن بفتح أبواب التطرف الإسلامي الشيعي، ثم تبعه التطرف السني.
بعد الثورة الإيرانية، اقتحم جهيمان العتيبي (ت: يناير «كانون الثاني» 1980) وأتباعه، الحرم المكي الشريف، بمكة المكرمة، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في عمل إرهابي، هزَّ العالم.
كان القصيبي، شاهداً على تفاصيل الحرب العراقية الإيرانية، في الثمانينات، وله شهادات متلفزة حول الوقائع، وكتاب أيضاً وكان يعلم أن الحالة الخمينية، ستجر ويلاتها إلى بقية المجتمعات الإسلامية.
ومع غزو الرئيس العراقي، صدام حسين للكويت، (أغسطس 1990)، صعد صوت متطرف، ظاهره معاداة دخول القوات الأجنبية، وباطنه العداء للأنظمة السياسية الخليجية، التي تحاول التصدي لطغيان صدام، وجنون عظمته.
ظاهرة رفض الاستعانة بالقوات الأجنبية، والأميركية تحديداً حينها، كانت طور التشكل بالمعنى الآيديولوجي، ووصفها الدكتور رضوان السيد، بـ«الإحيائية»، نسبة لنظيراتها من الفورات المسيحية.
وكان القصيبي، من أوائل من وصف، تلك الظاهرة بـ«الصحوة»، وهذا وارد جداً، فله تسجيل تلفزيوني يعود للثمانينات، يستخدم المصطلح، وإن لم يكن في سياق النقد، بطبيعة الحال.
المدرسة الدينية التقليدية، الممثلة بهيئة كبار العلماء في السعودية، وقيادتي الشيخ عبد العزيز بن باز، (ت: 1999)، وكان المفتي العام للسعودية، ويقيم بالرياض، والشيخ محمد بن عثيمين، (ت: 2011)، وكان يقيم في عنيزة بالقصيم، رحمهما الله، شكَلت موقفاً شرعياً يجيز دفع المعتدي، عبر الاستعانة بالقوات الأجنبية.
في مقابل، مجموعة من الدعاة الشباب، الذين كانوا يقودون المنابر في تلك الفترة، وبدا لهم امتلاك وعي سياسي، يجعلهم يتفوقون على كبار العلماء، ويوجب عليهم التصدي لهذا الأمر. كان بعضهم يعرض تارة ويصرح تارة، بأن مما يعيب كبار العلماء، تبعيتهم للسياسي، ولا يتورع بعضهم في القول بأنهم لا يرفضون له طلباً.
يمكن اعتبار هذه الحادثة هي أول تباين ومفاصلة للتيارات الإسلامية، مع الدولة، أمام عامة الناس، بشكل جلي وواضح.
تيار الدعاة الشباب، كان أبرزه: سلمان العودة، المقيم في القصيم، وسفر الحوالي، المقيم بين مكة وجدة، وناصر العمر، المقيم في الرياض، وعايض القرني، المقيم في جنوب السعودية؛ ويرون أن الاستعانة بالقوات الأجنبية، محرم، وأنه باب الشرور، والممهد لغزو بلاد التوحيد، وإقامة القوات الأجنبية، مسنوداً برأي جماعة الإخوان المسلمين، التي صدمت القيادة السعودية، بموقفها، إذ لم تعارض غزو صدام حسين، بل أيدته، بعد أن فتحت المملكة أبوابها للجماعة منذ عقود، ومنحتهم البيوت، والجنسيات، والوظائف، واستوعبتهم، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، بعد خلافهم المصيري، مع الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر.
في الوقت ذاته، أصدر فريق المشايخ الكبار، بياناً من هيئة كبار العلماء، يجيز لولي الأمر الاستعانة بغير المسلم، لدفع ضرر الغزو.
المشايخ الشباب، يملكون سطوة المنبر، والتنقل محاضرين، في مساجد كبرى في السعودية كلها، في جوامع تستوعب آلاف الحضور، ثم تنسخ الأشرطة، فيما سمي بمعركة الكاسيت، مئات آلاف النسخ، توزع في السعودية، والخليج، والعالم العربي كله، في تأثير ربما يفوق تأثير الإعلام التقليدي.
هذه الأشرطة تحمل سحر الحديث الديني من جهة، ومعارضة الدولة من جهة ثانية، بالإضافة إلى كونها تستبطن موقفاً سلبياً من قطب العالم الأوحد، الولايات المتحدة، والمهزوم حضارياً، عادة ما يكون ميالاً لتبني المواقف ضد الأقوياء، ولو لم يشكلوا له ضرراً حقيقياً!
خطاب الدعاة الشباب، لم يكن يقتصر في رفضه لموقف الحكومة السعودية من الاستعانة بالقوات الأجنبية، بل كان استمراراً لمواقف رافضة، لما اعتبره هذا التيار، تياراً للمنكرات، تشمل في تصنيفهم آنذاك: الاختلاط، مشاركة المرأة في الحياة العامة، وأي مظهر من مظاهر عدم ارتداء المرأة عباءة سوداء، تغطي وجهها وجسدها من الرأس للقدم، وهو ما يطلق عليه تبرجاً، وأي مظاهر للموسيقى والفنون... وغيرها الكثير الكثير.
أحس غازي القصيبي، بأن الحالة ليست طبيعية، وأن نوع الخطاب المستخدم في حرب الكاسيت، يحمل في طياته نقضاً للدولة، أكثر من كونه مجرد تحفظ على ارتكاب معاصٍ دينية، بالمعنى الفقهي، أو تجاوزات شرعية عامة.
انبرى القصيبي، بقلمه يدافع عن مصالح بلاده، بوجه فتوى أيَّدها كبار علماء البلاد، فقام التيار الآخر بالتشغيب عليه وكيل التهم له ولكل تيار لا يتوافق معهم.
ألف حينها غازي، كتابه الشهير: «حتى لا تكون فتنة»، وتضمن خمسة فصول، جعلها رسائل موجهة لرموز التيار الذي أشرنا إليه.
ردَّ القصيبي في الكتاب، على التهم الموجهة له بالعلمنة، والتكفير، وإغلاق باب الاجتهاد، ومسؤولية علماء المسلمين في ترسيخ التعددية، فالاجتهاد هو التجديد.
لم يدّعِ القصيبي يوماً أنه من الفقهاء، وإنما لظرف قلة المحاججين، لذلك التيار ذي الصوت العالي، وجد القصيبي أن البحث الفقهي بات ضرورة لمواجهة خطاب الجمود، واهتم بذلك في عدد من كتبه، ومقالاته، وسجالاته، فصنف: «ثورة في السنة النبوية»، و«الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام».
في حوارٍ له مع الأستاذ محمد رضا نصر الله، بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وقبيل غزو إسقاط صدام 2003. كان القصيبي يعتصر ألماً من مستوى انفلات الخطاب المعادي والمتطرف، وركز في الحوار على ضرورة محاربة التطرف من المنابع، مما دفعه، ضمن فهمه العميق للموضوع، ليترجم كتاب: «المؤمن الصادق»، لإريك هوفر، وهو يبحث في الدوافع السيكولوجية للإنسان المتطرف. يقول غازي في حوار نصر الله: «إن ثمة فهماً مغلوطاً نحو الغرب، إذ ننسب أي جريمة تحدث لهم، من دون الفصل بين الآيديولوجيات العنصرية التي لديهم وبين الغرب، بمعناه الحضاري العام المفيد، الذي يجب أن نفهمه ونحاوره ونعاصر منجزه».
رحم الله غازي القصيبي، إذ كان سبَّاقاً في نقد ظاهرة، كانت جماهيريتها، واستخدامها سلاح التكفير، والتفسيق، والتبديع، ضد مخالفيها، يجعل الخصومة معها باهظة الثمن، اجتماعياً، وعملياً، وإدارياً.
عندما يستعديك ذلك التيار، ستجد فجأة جموعاً من الناس، جمهوراً لا يفكر فيما يُقال له، يناصبك العداوة والخصومة، ويتقرب إلى الله بالدعاء عليك، وكيل الضرر لك.
أي عدل في الخصومة هذا؟!
أخذت، هذه التيارات، على عاتقها وعد الانتقام من القصيبي، فصارعته طوال حياته، ولما أصر القصيبي، وكان وزير العمل حينها، على تأنيث بائعات محلات الملابس النسائية الخاصة، غضب الخصوم، دون مبرر منطقي، من قرار يحافظ على خصوصية المرأة، حتى اجتمع معه مجموعة ممن يسمون المحتسبين، ودعا عليه أحدهم الله، أن يصيبه بالأمراض الخبيثة، علناً أمام العشرات، في تسجيل منتشر!
لم تهدأ المعركة ضد غازي، مذ شبابه حتى شاخ، لكنه، رحمه الله، استطاع أن يسير بثباتٍ على رأيه، لم يجامل أبداً، حين يتعلق الأمر بمصير المجتمع، ومصلحة البلد.
بدأ القصيبي حياته، بكتيب صغير بعنوان: «معركة بلا راية»، ومضى كل حياته بمعركة، راياتها: حب الوطن، ونشر التنوير، ومحاربة التخلف.
كان الشاعر غازي، يصف خصومات الإنسان غازي، حين قال:
أما تعبتَ من الأعداء ما برحوا
يحاورونَك بالكبريت والنارِ؟!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اغتيال محمود درويش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

يوسف أبو لوز

مرّت الذكرى الحادية عشرة على رحيل محمود درويش الأسبوع الماضي في أقل من الاستعادة العادية، لا بل، إن بعض الصحف العربية لم تأت على ذكر المناسبة برمّتها، وسيكون القارئ حسن النّية إذا اعتبر أن من تقاليد بعض الصحف توقفّها عن الصدور في إجازات الأعياد، وصادف 9/8/2019 اليوم الذي رحل فيه درويش قبل العيد بيومين، لكن كل هذا الكلام هو نوع من تغطية الشمس بغربال، ولنعترف أن صاحب «أوراق الزيتون» و«مديح الظل العالي» و«لماذا تركت الحصان وحيداً» يجري اغتياله حتى وهو غائب، وكلمة «اغتياله» هذه ثقيلة، ولكن كان لا بدّ منها على رغم ثقلها ونحن نرى واحداً من كبار الشعراء العرب على مرّ كل تاريخ الشعر يتم تجاهله على هذا النحو غير البريء.
في قصيدة لمحمود درويش بعنوان «يحبونني ميّتاً» يقول:- «.. يحبونني ميّتاً ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا»، وفي القصيدة ذاتها يقول: «.. متى تطلقون الرصاص عليَّ؟ سألتُ. أجابوا تمّهل وصفّوا الكؤوس وراحوا يغنّون للشعب، قلت: متى تبدأون اغتيالي؟، فقالوا ابتدأنا».. إلى أن يقول أخيراً في هذه القصيدة الصغيرة ولكن النبوئية.. «.. سأسألكم أن تكونوا بطيئين، أن تقتلوني رويداً رويداً لأكتب شعراً أخيراً لزوجة قلبي..».
ليس لدي تاريخ نشر أو تاريخ كتابة لهذه القصيدة، ولكن، لماذا هي قصيدة نبوئية أو توقعية؟؟.. لنبحث عن الإجابة في القصيدة نفسها..
يقول درويش «يحبونني ميّتاً».. وبالفعل، كان الكثير من الشعراء الفلسطينيين والعرب يعتبرون درويش الشجرة التي تخفي الغابة، وأن نجومّيته أطفأت تلك الأنوار البعيدة المبثوثة من بعض الشعراء، وأن قصيدة واحدة من درويش تعادل مجموعات ومجموعات لمثل هؤلاء الشعراء النكرات، أما عندما كان درويش يقرأ شعره في عمان وتونس والقاهرة وبيروت والرباط والجزائر، فيقيم في الأمسية ما يشبه دولة درويش أو شعب درويش بسبب الآلاف من الجمهور الذي يصغي من رأسه إلى قدميه أمام الكاريزما المذهلة لهذا الشاعر وهو يلقي بأناقة وكبرياء.. أقول عندما كان يجري كل ذلك على مرأى ممّن يحبّونه ميّتاً كان هؤلاء يصابون بالإحباط، ويعودون إلى بيوتهم وزوجاتهم مكسوري الخاطر «بإحرام».
يقول درويش: ..«متى تطلقون الرصاص عليّ؟»، وفي حقيقة الرصاص المادّي لا أحد أطلق الرصاص على درويش، وهو أيضاً لم يطلق الرصاص على أحد، وعندما أعطاه ياسر عرفات مسدساً في أثناء حصار بيروت ليدافع عن نفسه ألقى بالمسدس ولم يستعمله.
.. ثم أخيراً يقول درويش.. «..متى تبدأون اغتيالي»،.. وكما جاء في رأس هذه المقالة، فالاغتيال لدرويش جرى في حياته، ويجري في موته، وعندما صدرت مجموعته «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» بعد موته.. ظهر طابور طويل ممّن اغتالوا درويش.. وكان هو يسألهم أن يكونوا بطيئين في القتل.. رويداً، رويداً.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

فاينانشال تايمز: حكومة أردوغان تعاقب السوريين على فشلها الاقتصادي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

حكومة حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، لم تجد ما تواجه به السخط الشعبي ضدها بسبب الفشل الاقتصادي، سوى إطلاق حملة أمنية ضد اللاجئين السوريين في بلادها.

صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية قالت إن الحكومة التركية تتخذ ضد المهاجرين السوريين غير المسجلين "تدابير قاسية"، بنص تعبيرها، وتزيد من القيود المفروضة عليهم.

التقرير قال إن "النهج الحساس تجاه السوريين في تركيا قد تغير، نتيجة تدهور الاقتصاد العام الماضي. الأتراك ينزعجون من حقيقة أن السوريين يتلقون بالفعل وظائف محدودة ويضعون ضغوطاً على التمويل العام. وتقول الحكومة التركية إنه تم إنفاق 37 مليار دولار من أجل السوريين منذ عام 2011".

الاقتصاد التركي يعاني بشدة منذ أغسطس العام الماضي، وفقدت الليرة التركية الكثير من قيمتها أمام العملات الأجنبية، كما ارتفع مستوى التضخم بشكل كبير، وتجاوز عدد العاطلين عن العمل 4 ملايين شخص بزيادة مليون شخص خلال عام واحد فقط.

ترحيل قسريّ
في يوليو، أعلنت محافظة إسطنبول أن ألفين و630 سوريًا غير مسجلين في أية محافظة، تم نقلهم إلى مراكز الإيواء المؤقتة في المحافظات التي حددتها وزارة الداخلية.

منظمة هيومن رايتس ووتش، قالت إن تركيا "تعيد اللاجئين السوريين قسرا إلى الخطر"، فيما تحذر الأمم المتحدة من كارثة إنسانية في إدلب، المحافظة الوحيدة الخارجة عن سيطرة حكومة دمشق، والتي يسكنها أكثر من 3 ملايين شخص، وتنتشر بها الجماعات الإرهابية.

"رايتس ووتش" قالت في 30 يوليو الماضي إن الشرطة التركية تحتجز لاجئين سوريين "وتُجبرهم على توقيع استمارات تُفيد برغبتهم في العودة إلى سورية، ثم ترحّلهم قسرا إلى هناك".

الخطورة تكمن في أن الترحيل سيتم إلى منطقة حرب، قالت فاينانشال تايمز، إنه بموجب القانون الدولي، لا يمكن ترحيل اللاجئين إذا واجهوا العنف أو الاضطهاد في بلدانهم الأصلية.

إدلب تشهد تصعيدا عسكريا من قبل قوات النظام السوري، منذ أواخر أبريل نيسان الماضي، ولم تعد الهدنة المتفق عليها بين الروس والأتراك والإيرانيين بخصوص مناطق خفض التصعيد سارية.

الصحيفة لفتت إلى أن مسؤولي إدارة الهجرة في تركيا رفضوا الاتهامات الموجهة إليهم، مبررين ذلك بأن السوريين الموقعين على وثيقة العودة انتقلوا إلى منطقة آمنة تقع تحت سيطرة الجيش التركي في المنطقة الحدودية.

اللاجئون يدفعون الثمن
الصحيفة أضافت أن "الدفاع القوي للرئيس رجب إردوغان عن السوريين، كان عاملًا مهمًا في عدم إظهار الناس ردة فعل ضدهم، ومع ذلك، أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت قبل الانتخابات المحلية هذا العام أن الناخبين يعتقدون أن التباطؤ في الاقتصاد واللاجئين السوريين هما أبرز المشاكل الرئيسة في البلاد".

عدد السوريين الذين كانوا يعيشون في إسطنبول وخرجوا منها بلغ 500 ألف سوري، بحسب الصحيفة البريطانية، فيما يعيش في تركيا حوالي نصف اللاجئين الهاربين من الحرب التي تستمر منذ 8 سنوات وتسببت في مقتل 400 ألف شخص على الأقل.

معلومات تقول إن نظام إردوغان قام بترحيل آلاف اللاجئين إلى الشمال السوري، رغم اشتعال الحرب الأهلية في تلك المناطق، فيما أعلنت الحكومة التركية تمديد مهلة مغادرة إسطنبول، والتي كان  انتهاؤها مقررا اليوم.

ترحيل 10 آلاف
المرصد السوري لحقوق الإنسان، وثّق ترحيل نحو 10 آلاف سوري خلال الأسابيع الماضية، نحو الشمال السوري، حيث سيطرة الفصائل الموالية لتركيا ومجموعات جهادية في إدلب ومناطق "درع الفرات"، وعفرين، التي شهدت تغييراً ديموغرافياً خطيراً، رغم أنّ الكثير ممن جرى ترحيلهم يملكون بطاقة حماية مؤقتة، وكانوا يقيمون في تركيا بشكل قانوني.

وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، أعلن في تصريحات تليفزيونية، أمس الثلاثاء، تمديد بلاده مهلة مغادرة اللاجئين السوريين غير المسجلين في إسطنبول، حتى 30 أكتوبر القادم.

عن "عثمانلي"

للمشاركة:



دمشق تفتح ممراً إنسانياً.. تطورات معارك إدلب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

أعلنت وزارة الخارجية السورية، اليوم، عن فتح "معبر إنساني" لإتاحة المجال أمام المدنيين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة المسلحين، في محافظة إدلب، في وقت أحكم جيش النظام السوري قبضته على مدينة خان شيخون الإستراتيجية.

وقال مصدر رسمي في الخارجية السورية لوكالة "سانا": إنّ المعبر سيكون في منطقة "صوران" في ريف حماه الشمالي؛ "لتمكين المواطنين الراغبين في الخروج من مناطق سيطرة الإرهابيين في ريفي حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي".

الخارجية السورية تعلن فتح "معبر إنساني" لخروج المدنيين من مناطق سيطرة المسلحين في محافظة إدلب

وأضاف المصدر؛ "هذه الخطوة تأتي في إطار الاهتمام بأوضاع المواطنين والتخفيف من معاناتهم جراء ممارسات المجموعات الإرهابية".

وكانت القوات السورية، ضمن معركة إدلب المندلعة منذ أواخر نيسان (أبريل) الماضي، ضد الفصائل المسلحة، قد أعلنت سيطرتها بالكامل، أمس، على مدينة خان شيخون الإستراتيجية في إدلب.

واستعادت هذه القوات أيضاً مناطق في محيط المدينة، مما يعني إغلاق كافة المنافذ أمام إحدى نقاط المراقبة التابعة للقوات التركية.

وكانت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) انسحبت من المدينة قبل يومين، وقالت إنّ الأمر "إعادة انتشار" بسبب "القصف العنيف" الذي يشنّه الجيش السوري وحليفته روسيا.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على غالبية محافظة إدلب والمناطق المحاذية لها؛ حيث تنتشر أيضاً فصائل معارضة أقل نفوذاً.

وأعلنت أنقرة، الإثنين، تعرّض رتل عسكري تابع لها لضربة جوية، بعد وصوله إلى ريف إدلب الجنوبي، وحذرت دمشق لاحقا من "اللعب بالنار"، مستبعدة نقل نقطة المراقبة في مورك.

القوات السورية تسيطر بالكامل على خان شيخون الإستراتيجية في إدلب وهيئة تحرير الشام تعيد الانتشار

وما يزال الرتل التركي، الذي يضم حوالي 50 آلية عسكرية، متوقفاً قرب الطريق الدولي شمال خان شيخون.

وإدلب مشمولة باتفاق روسي تركي، تمّ توقيعه في سوتشي، في أيلول (سبتمبر) الماضي، نصّ على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات الحكومة والفصائل على أن ينسحب مقاتلو الفصائل منها.

وأرسى الاتفاق بعد توقيعه هدوءاً نسبياً، قبل أن يصعد الجيش السوري قصفه، في نهاية نيسان (أبريل) الماضي، وانضمّت إليه الطائرات الروسية لاحقاً، وفي الثامن من الشهر الجاري، بدأ يتقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

 

للمشاركة:

تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تظاهر عدد كبير من الأتراك، أول من أمس، في مدينة سكاريا، غرب تركيا، بدعوى من قيادات حزب الشعب الجمهوري المعارض وبرلمانيين عن الحزب، احتجاجاً على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع.

وصرّح رئيس كتلة النواب التابعين لحزب الشعب الجمهوري المعارض بالبرلمان ونائب الحزب عن سكاريا، أنغين أوزكوتش، في تصريحات صحفية على هامش الاعتصام: إنّ "القضية ليست قضية خصخصة مصنع، وإنما قضية وطن بأكمله"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

عدد كبير من الأتراك يحتجون على خصخصة مصنع صفائح الدبابات التابعة لوزارة الدفاع لصالح قطر

وتابع قائلاً: "مصنع صفائح الدبابات كان قد أسند لشركة تشغيل المصانع العسكرية والترسانات التركية (أسفات) بالقرار الجمهوري رقم 1105، لكن في حقيقة الأمر كان هذا الإسناد بمثابة حيلة تم اللجوء إليها لنقل المصنع العسكري إلى قطر".

وأضاف المعارض التركي: "نظراً لأنّه لم يتبقَّ في تركيا شيء للبيع، لجأ النظام إلى بيع المصانع العسكرية، وهذا المصنع ملك للدولة والشعب وليس للبيع بأي حال من الأحوال".

وكانت شبكة "نورديك مونيتور" السويدية، المختصة في الشؤون العسكرية والأمنية، قد كشفت في تقرير حديث مدعوم بالوثائق، في كانون الثاني (يناير) الماضي، عن وجود اتفاقية مالية بين الحكومة التركية وقطر، يقضي بتسليم مصنع دبابات تركي إلى قطر مقابل 20 مليار دولار أمريكي.

كما أوضح التقرير؛ أنّ شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي، يديرها رجل الأعمال، أدهم صانجاك، وهو عضو في الهيئة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، فضلاً عن أنه أحد أقارب أمينة، زوجة أردوغان.

شركة "بي إم سي" التي ستدير مصنع الدبابات التركي يديرها قيادي في حزب العدالة والتنمية أدهم صانجاك

ويمنح هذا الاتفاق حقوق تشغيل مصنع الدبابات الوطني التركي لمدة 25 عاماً، للشركة الجديدة، دون أيّة عطاءات تنافسية أو عملية شفافة، وتملك القوات المسلحة القطرية 49.9% من أسهم الشركة المشغلة.

وفي الشهر نفسه الذي صدر فيه التقرير، تظاهر المئات من العاملين في المؤسسات الحربية، اعتراضاً على وجود مستثمرين قطريين ضمن إدارة مصنع "صفائح الدبابات" الموجود في مدينة سقاريا لمدة 25 عاماً.

وكانت الجريدة الرسمية التركية قد نشرت، بعددها الصادر بتاريخ 20 كانون الأول (ديسمبر) 2018، قراراً لرئيس الجمهورية، أردوغان، ينصّ على ضمّ مديرية مصانع الصيانة الرئيسة الأولى، التابعة للمديرية العامة للمصانع العسكرية، التابعة لوزارة الدفاع، إلى برنامج الخصخصة.

للمشاركة:

ميليشيات الحوثي تواصل إرهابها داخلياً وخارجياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

اعترض تحالف دعم الشرعية في اليمن، اليوم، طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية من محافظة عمران باتجاه السعودية.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يعترض طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه السعودية

وصرّح المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي؛ بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم الخميس، من اعتراض وإسقاط طائرتين بدون طيار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، من محافظة عمران باتجاه خميس مشيط، بحسب ما جاء في وكالة الأنباء السعودية "واس".

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران بإطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل".

وشدّد على أنّ التحالف يتخذ "كافة الإجراءات العملياتية وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين".

وبيّن أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى هذه الميليشيا الإرهابية، وتؤكّد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة، ومن يقف وراءَها، كما أنّها تؤكد حجم الخسائر بعناصرها الإرهابية الذين تزجّ بهم كلّ يوم في معركة خاسرة، مما سبب لها حالة من السخط الاجتماعي والشعبي".

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ نفّذت الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، أمس، حملة مسلحة على قرية "خربة الصباري" في منطقة العود بمديرية النادرة (محافظة إب، وسط اليمن).

ميليشيات الحوثي تشنّ حملة في منطقة العود وتنهب تحت تهديد السلاح ممتلكات خاصة بالمواطنين

وأفادت مصادر محلية؛ بأنّ ميليشيات الحوثي أطبقت حصاراً على القرية، وتقوم تحت تهديد السلاح بنهب ممتلكات خاصة بالمواطنين، خصوصاً في المناطق المجاورة لمنطقة العود، في محافظتي إب والضالع.

يذكر أنّ العود تُعدّ من مناطق التماس، وهي على مقربة من المواجهات الدائرة بين القوات الحكومية الشرعية وميليشيا الحوثي في محافظتي إب والضالع.

وذكرت المصادر؛ أنّ الحملة المسلحة يقف وراءها مشرف الحوثيين في "عزلة حدة" في مديرية النادرة، عبد الله محمد حمود ضوس.

وطبقاً للشهادات والإفادات المحلية؛ يعمد ضوس في الآونة الأخيرة إلى انتهاك حرمات سكان المنطقة وابتزازهم مادياً.

وحمّل أهالي وسكان في القرية ضوس وميليشياته مسؤولية ما حدث، ويحدث، وما تتعرض له المنطقة والسكان من "جرائم وانتهاكات وحشية لا إنسانية".

 

للمشاركة:



عبد الله حمدوك "التنين الأبيض" رئيساً لوزراء السودان

2019-08-23

فيما عدا نخبة حصريّة قليلة العدد، ومقال مُحكم وحيد، بعنوان "الاستثمار العربي في القرن الأفريقي .. تحديات وفرص وآفاق"، نشر في كتاب بعنوان "العرب والقرن الأفريقي.. جدلية الجوار والانتماء"، صدر في كانون الثاني (يناير) 2013، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، لم يكن أحد من السودانيين يعرف عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الجديد، إلى أن رشحه رئيس وزراء الرئيس المخلوع، عمر البشير، معتز موسى، لمنصب وزير المالية، عام 2018، فاعتذر بهدوء شديد ودونما ضجيج.

يعتقد البعض أنّ حمدوك لا يمتلك خبرة سياسية، لكن العكس هو الصحيح، إذ عمل في الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي

على غير عادة السياسيين السودانيين، الذين يحتفون بطلاقة اللسان والخطابة والثرثرة، يبدو رئيس الوزراء السوداني الجديد، عبد الله حمدوك، صامتاً قليل الكلام، غير ميّال للظهور على أجهزة الإعلام، الأمر الذي منحه نوعاً من الغموض المحبب، وميزة إضافية إلى مؤهلاته وخبراته، خاصة أنّ الشارع السوداني لم يعد يصدق السياسي الثرثار اللاهث للجلوس أمام الكاميرا، أو خلف الميكرفون.
لكن هذا لا يعني أنّ سيرة الرجل ومسيرته غير مبذولتين، لكنّهما ليستا بالقدر الكافي المعتاد لدى السياسيين الآخرين، وربما يعود ذلك إلى أنّه لم يعمل في الفضاء السياسي متفرغاً، بل كان موظفاً أممياً مرموقاً وخبير اقتصادياً، ذا صيت وسمعة في أفريقيا من غربها إلى شرقها وجنوبها ووسطها بأكثر مما هو معروف في أوساط النخب السودانية.
غير ميّال للظهور على أجهزة الإعلام الأمر الذي منحه نوعاً من الغموض المحبب

شيوعي معتزل
على ارتفاع 1246 قدم من سطح البحر، وفي عام غير معروف، يرجَّح أنّه مطلع خمسينيات القرن الماضي، ولد عبد الله حمدوك ببلدة الدبيبات في جنوب إقليم كردفان، الذي ظلّ يشهد نزاعاً مسلحاً بين الحكومات السودانية المتعاقبة والحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال)، التي يقودها بعض أبناء المنطقة، وعلى رأسهم عبد العزيز الحلو.
نشأ يتيماً بعد الرحيل المبكر لوالده، لكن ذلك لم يحل دون أن تلحقه والدته بالمدرسة، فتدرج إلى أن التحق بثانوية "خور طقت" قرب مدينة الأُبيِّضْ، كبرى مدن إقليم كردفان، وهي مدرسة حكومية داخلية أسسها، وكانت حينها توفر السكن والطعام ونفقات المواصلات لطلابها، وظلّت تتبع هذا النهج إلى أن استولى الإخوان المسلمون على السلطة، فأوقفوا مجانية التعليم لأبناء الفقراء.

اقرأ أيضاً: حمدوك يؤدي اليمين الدستورية
عام 1975؛ التحق عبد الله حمدوك بكلية الزراعة جامعة الخرطوم، وانتمى سياسياً للجبهة الديمقراطية (الذراع الطلابي) للحزب الشيوعي، وكان مُهاب الجانب على المستوى الشخصي، يخشاه طلاب الاتجاه الإسلامي (الإخوان المسلمون)، لكن بعد تخرجه قرّر أن يصبح موظفاً وأكاديمياً مرموقاً، لكنّه ظلّ يمارس العمل السياسي المنظم بين الفينة والأخرى ضمن الحزب الشيوعي السوداني.  
يقول صديقه أحمد أبّكر محمد: "عقب تخرّجه في كلية الزراعة ١٩٨٠، عمل موظفاً زراعياً بمشروع كادوقلي، ثمّ انتقل للعمل بهيئة التخطيط الاقتصادي التابعة لوزارة المالية بمدينة الأُبيِّض، إلى أن ابتُعث إلى جامعة مانشستر لنيل الماجستير (عام ١٩٨٧)، وقبل إكماله الدراسة فصلته حكومة الإخوان المسلمين، لكنه تمكّن من الحصول على منحة من نفس الجامعة، فحاز على الماجستير في الاقتصاد وتنافس في مسابقة عالمية على منحة للحصول على الدكتوراه. 

اقرأ أيضاً: حمدوك.. اقتصادي يقود سفينة السودان في بحر الأزمات
وبينما هو كذلك، وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي، احتدم الجدل بين الشيوعيين السودانيين حول مستقبل حزبهم، فغادره كثيرون، كان عبد الله حمدوك ضمنهم، فلم تعد له صلة تنظيمية بالحزب الشيوعي السوداني، منذ 1991. 

أكثر من خبير
عمل حمدوك في وزارة المالية بالسودان بمنصب كبير المسؤولين، في الفترة من 1981 حتى 1987، تاريخ ابتعاثه إلى مانشستر للدراسات العليا، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه؛ عمل في شركة استشارية خاصة في زيمبابوي، ثم عُيّن مستشاراً لمنظمة العمل الدولية في البلد نفسه، حتى عام 1997، وتدرّج في المناصب إلى أن غادر هراري ليلتحق ببنك التنمية الأفريقي في ساحل العاج، ثم اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة في العاصمة الأثيوبية، أديس أبابا، التي أصبح نائب أمينها التنفيذي.

يصفه البعض بـ "التنين الأبيض"، تلك الشخصية الأسطورية؛ إذ تتسلل بشكل خفي وصمت دونما ضوضاء

يعتقد البعض أنّ حمدوك لا يمتلك خبرة سياسية، لكنّ العكس هو الصحيح، فعلاوة على عمله في الجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي؛ فإنّ الرجل يتمتع بخبرة واسعة؛ إذ تسنّم ما بين 2003 – 2008 منصب المدير الإقليمي لأفريقيا والشرق الأوسط للمعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية (IDEA)، كما سُمي من قبل الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، كبيراً للاقتصاديين أميناً تنفيذياً للجنة الاقتصادية لأفريقيا، بين 2011 و2016، ومنذ عام 2018 وحتى تقاعده، في شباط (فبراير) الماضي، والتحاقه بمجموعة "شاتام هاوس"، كخبير اقتصادي، شغل حمدوك منصب كبير المستشارين في بنك التجارة والتنمية، الذي يتخذ من أديس أبابا مقراً له.

التنين الأبيض
برز اسم عبد الله حمدوك مرشحاً قويّاً لقيادة حكومة التكنوقراط الانتقالية منذ اندلاع الثورة الشعبية في السودان، 19 كانون الأول (ديسمبر) 2018، ومنذ ذلك التاريخ وحتى تسميته رسميّاً رئيساً للوزراء؛ دار جدل كبير حول شخصيته، بعيداً عن قدراته وخبراته وكفاءته الاقتصادية المتفق عليها، فالبعض يصفه بـ "التنين الأبيض" تلك الشخصية الأسطورية؛ إذ تتسلل بشكل خفي وصمت، دونما ضوضاء، حتى إنّ إيقاع خطواتها، رغم سرعتها الكبيرة، يكاد لا يُسمع؛ حيث يترك (التنين) الجميع يتقدمون فيما يسلك هو أقصر الطرق، وأقلّها وعورة، ليصل إلى هدفه بخفة ورشاقة، لكنّه رغم صورته التي تبدو كشبح ظلّ قابلاً للتلاشي لحظة تسليط الضوء عليه، إلّا أنّه يمتلك طاقة قتالية خافتة ومتموجة، تكمن وتومض بين تضاعيف صورته غير الواضحة، فكأنّ مَن يريد أن يراه بشكل أكثر عمقاً عليه أن يُحرك ذهنه أكثر من عينيه، وإلّا فلن يرى شيئاً غير الظلّ الذي يتلبس عبد الله حمدوك، فيخفي صورته وتلهث الكاميرا والقلم لرسمها، بمزيد من الخيال وكثير من الأمل.

للمشاركة:

ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل

2019-08-22

في الثاني والعشرين من آب (أغسطس) يحتفي العالم بذكرى ميلاد الفيلسوف والطبيب والعالم الإسلامي الموسوعي ابن سينا، الذي يعد واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية، ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في ميدان الفلسفة الإسلامية التي كان له فيها إسهامات لا يمكن تجاوزها، وإن جرّت عليه اتهامات التكفير التي ما تزال تلاحقه حتى اليوم.
نبوغ مبكر
وُلد  أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الشهير بابن سينا عام 980م في قرية أفنشة قرب مدينة بخارى التي تقع حالياً في أوزباكستان، والده أحد دعاة الطائفة الإسماعيلية من أصول فارسيّة من مدينة بلخ بأفغانستان.
ظهرت علامات النبوغ عليه منذ صغره؛ إذ حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لم يجاوز العاشرة من عمره، وتمكّن  من التفوُّق على أقرانه وحتى مُعلّميه وهو لم يجاوز الرابعة عشرة، فخلال سنوات قليلة تمكّن من استيعاب الفقه الإسلامي والفلسفة والعلوم الطبيعية والمنطق، وعلوم إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. أفكار كبيرة رغم التكفير والإقصاء!
لم يطل مقامه في مسقط رأسه طويلاً، فما لبث أن ارتحل إلى مدينة بخارى؛ حيث تلقى العلم في مدرستها، فدرس أشهر العلوم في زمانه، أما علاقته بالفلسفة فبدأت على يد العالم البخاري أبو عبد الله الناتلي الذي تفرّغ لتدريسه كتاب (المدخل إلى علم المنطق)، المعروف باسم إيساغوجي الذي وضعه فرفوريوس الصوري ليكون مدخلاً للمقولات أو المنطق، وكان التحق ببلاط السلطان نوح بن منصور أحد أمراء سلالة بني سامان ،التي كانت تحكم ما وراء النهر، وأسند إليه متابعة أعماله المالية، وبعدها بدأ برحلته العلمية.

وصفه ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة بأنّه "الملحد  بل رأس ملاحدة الملّة"
ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب، حتى أتقنه، فبعدما أنهى جميع العلوم التي درسها على يد شيخه الناتلي طلب من أبيه أنْ يُرسله لِدراسةِ الطب عند بعض الأطباءِ المعروفين مثل؛ الحسين بن نوح القمريْ وأبي سهل المسيب طبيبي السلطان نوح بن منصور، فأرسله إليهما وأمضى 3 أعوام بصحبتهما، ليضع كُلَّ معرفته لمعالجة الفقراء دونَ أن يأخذ أجراً منهم، وعندما أصبح في السادسة عشرة توصل إلى كثير من العلاجات الجديدة لأمراض كانت مستعصية قبله؛ إذ تمكن هذا الطبيب الشاب من علاج سُلطان بخارى، من مرض فقد فيه الأمل جميع الأطباء المشهورين آنذاك، ولم يطلب ابن سينا مكافأة إلا موافقة السلطان على السماح له باستخدام مكتبته، فكان له ذلك.
مع الفلسفة والطب
عُرف ابن سينا بولعه بأعمال أرسطو خاصة في مجال الميتافيزيقيا، التي عانى في البداية من فهمها حتى اطلع على شرح الفارابي لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، الذي تأثر به بنظرية الفيض وصدور الموجودات عن الخالق؛ حيث قسّم الموجودات إلى ممكن وواجب؛ فالإله واجب بذاته أما الموجودات ممكنة بذاتها وواجبة بالإله، ومن مبادئه قوله إنّه لا يصدر عن الواحد إلا الواحد وهو القائل في كتابه النجاة "إن الواحد من حيث هو واحد، إنما يوجد عنه واحد" وقال أيضاً في كتاب الإشارات "الأول ليس فيه حيثيات الواحد لواحدانيته، فيلزم كما علمت أن لا يكون مبدأ إلا لواحد بسيط".‏‏‏ والمبدأ الثالث الذي أخذ به ابن سينا هو مبدأ الإبداع أو التعقل، وقال إن تعقل الإله هو "علة للوجود على ما يعقله"..‏‏‏

يعد ابن سينا واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في الفلسفة

غادر ابن سينا بخارى عندما بلغ 22 عاماً إثر وفاة والده، وانتقل إلى مدينة جرجان بالقرب من بحر قزوين، وأخذ يلقي مُحاضرات في المنطق وعلم الفلك، وهناك التقى أبا ريحان البيروني الذي ربطته به علاقة علمية مميزة، وكان بينهما مساجلات علمية لطيفة يمكن الاطلاع عليها في كتاب "رسائل ابن سينا".
وبعد ذلك سافر إلى مدينة الري ثم إلى همدان، التي ألفّ فيها كتابه الأشهر القانون في الطب، وهناك اشتهر صيته أيضاً بعدما قام بعلاج شمس الدولة، ملك همدان، من المغص الشديد الذي أصابه.
تُرجم كتابه القانون في الطب إلى اللاتينية في منتصف القرن الثاني عشر تحت اسم Canon medicinae ثم إلى العبرية العام 1279، وظل هذا الكتاب المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر؛ حيث كان مقرّراً تدريسياً في كثير من جامعاتها، ويكفي لمعرفة، أهمية هذا المرجع العلمي الذي يحتوي أكثر من مليون كلمة، أنّ يوهان جوتنبرج مخترع الطباعة طبع ثلاث أجزاء منه العام 1472 بواسطة مطبعته التي اخترعها قبل سنوات قليلة من هذا التاريخ، ليعود ويطبع الترجمة اللاتينية كاملة في العام 1473.
ظل كتابه "القانون" المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر

إسهامات جديدة
بعد همدان، انتقل إلى مدينة أصفهان؛ حيث أتم العديد من كتاباته في شتى المجالات، فكانت له مساهماته في الرياضيات والموسيقى والجيولوجيا وحتى علم الأصوات والفلك إذ قدَّم العديد من الملاحظات الفلكية؛ حيث ابتكر وسيلة لتحسين دقة القراءات الفلكية، وفي الفيزياء درس الأشكال المختلفة للطاقة والحرارة والضوء والميكانيكا، ومفاهيم القوة، والفراغ، واللانهاية. ويعد كتابه "الشفاء" موسوعة كبرى في العلوم الطبيعية وما بعد الطبيعة،  ولا يقل أهمية عن نظيره القانون، وتطرّق فيه إلى نظريات الفلسفة وعلوم المنطق والطبيعة ونقد فيه كثيراً من مقالات للفلسفة اليونانية.

اقرأ أيضاً: 10 محطات في حياة ابن سينا الذي كفّره الغزالي
كان ابن سينا يرى أنّه حسبنا ما كُتِب من شروح لمذاهب القدماء، وأنه آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا؛ لكن هذا لا يعني أنّه ابتكر مذهبا فلسفياً جديداً بقدر ما أضفى على الفلسفة القديمة حلة جديدة، لا سيما في مؤلفاته "الاشارات والتنبيهات" و"الحكمة المشرقية"، وكان يقول "إن العلوم كثيرة و الشهوات لها مختلفة، ولكنها تنقسم – أول ما تنقسم – إلى قسمين: علوم لا يصلح أن تجري أحكامها الدهر كله، بل في طائفة من الزمان ثم تسقط بعدها، وعلوم متساوية النسب الى جميع أجزاء الدهر، وهذه العلوم أولى العلوم بأن تسمى حكمة".
تابع سفره في آخر حياته برفقة أبي جعفر الخازن كطبيب ومستشار أدبي وعلمي، إلى أن توفي في شهر حزيران (يونيو) من عام 1037 ميلادياً ودُفن في همدان بإيران، وقيل إن أحد مساعديه هو من سمّمه.

رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً وصلنا منها نحو 240 فقط
وكحال كثيرين ممن اشتغلوا بالفلسفة اتهمه كثيرون بأنّه من القرامطة الباطنية، فوصفه ابن القيم في كتابه "الصواعق المرسلة" بأنّه: "الملحد، بل رأس ملاحدة الملة"، وممن كفّره أبو حامد الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، ونسب إليه مقولاته الثلاث بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وأنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كلّي، وكان رد عليه في " تهافت الفلاسفة " في عشرين مسألة، وكفّره في هذه المسائل.

ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب حتى أتقنه قبل أن ينتقل إلى مختلف العلوم

أما ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فذكر أنّه في آخر أيامه أعلن توبته من هذه الأقوال، حيث قال: "وقد ضعف جداً وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال: المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدّق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات".
كان يقول "الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء"، فلم يكن يقتصر العلاج عنده على عقاقير صماء، بل كان يؤمن أن بداية الشفاء أمر نفسي بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق تروى عنه قصص عجيبة عن استخدامه قوة العقل الباطن، كما فعل في علاج شاب مريض بالعِشق وآخر كان يتوهم أنه بقرة!
رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً، وصلنا منها نحو 240 فقط، ولُقب بالمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، كما عُرف بأمير الأطباء وأرسطو الإسلام، فلم يكن مستغرباً أن يثير حسد بعض معاصريه وغيرتهم منه، وهو القائل "بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم".
يقول عنه المستشرق الألماني ت. ج. دي بور: "كان تأثير ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن، واعتبر في المقام كأرسطو"، أما مؤرخ العلم الشهير جورج ساتون فيصفه بأنّه "ظاهرة فكرية عظيمة ربما لا نجد من يساويه في ذكائه أو نشاطه الإنتاجي.. إن فكر ابن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى"، فليس مستغرباً أن تزيّن صورة ابن سينا كبرى قاعات كلية الطب بجامعة "باريس" حتى الآن.

للمشاركة:

خَصم الصحوة الأول!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تركي الدخيل

لم يتركِ الأديب السعودي، والوزير، والشاعر، والكاتب، والمثقف، الدكتور غازي القصيبي، الحروب التي واجهتها بلاده، من دون أن يسل سيفه في كل الاتجاهات، مشاركاً في كل الجبهات، دون أن يكون قسم من هذه الحروب، الهدف فيه القصيبي، لذاته، بل كان الهدف رأس الحكومة، القدح في اختيارات الحاكم، قدح فيه، وكثيراً ما يلجأ الخصوم لهذه الطريقة، فهي تجنبهم المواجهة المباشرة، مع الرجل القوي، ولا تحرمهم متعة نقده، بشكل غير مباشر.
في أول فبراير (شباط) 1979. عاد الخميني (ت: 1989)، على متن طائرة فرنسية، من باريس إلى إيران، ثائراً، مرشداً للثورة، التي انقلبت على الشاه، حينها علم القصيبي، بوعيه وقراءته للأحداث وحدسه، أن ما بعد الخميني، لن يكون كما قبله، فالحدث آذن بفتح أبواب التطرف الإسلامي الشيعي، ثم تبعه التطرف السني.
بعد الثورة الإيرانية، اقتحم جهيمان العتيبي (ت: يناير «كانون الثاني» 1980) وأتباعه، الحرم المكي الشريف، بمكة المكرمة، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في عمل إرهابي، هزَّ العالم.
كان القصيبي، شاهداً على تفاصيل الحرب العراقية الإيرانية، في الثمانينات، وله شهادات متلفزة حول الوقائع، وكتاب أيضاً وكان يعلم أن الحالة الخمينية، ستجر ويلاتها إلى بقية المجتمعات الإسلامية.
ومع غزو الرئيس العراقي، صدام حسين للكويت، (أغسطس 1990)، صعد صوت متطرف، ظاهره معاداة دخول القوات الأجنبية، وباطنه العداء للأنظمة السياسية الخليجية، التي تحاول التصدي لطغيان صدام، وجنون عظمته.
ظاهرة رفض الاستعانة بالقوات الأجنبية، والأميركية تحديداً حينها، كانت طور التشكل بالمعنى الآيديولوجي، ووصفها الدكتور رضوان السيد، بـ«الإحيائية»، نسبة لنظيراتها من الفورات المسيحية.
وكان القصيبي، من أوائل من وصف، تلك الظاهرة بـ«الصحوة»، وهذا وارد جداً، فله تسجيل تلفزيوني يعود للثمانينات، يستخدم المصطلح، وإن لم يكن في سياق النقد، بطبيعة الحال.
المدرسة الدينية التقليدية، الممثلة بهيئة كبار العلماء في السعودية، وقيادتي الشيخ عبد العزيز بن باز، (ت: 1999)، وكان المفتي العام للسعودية، ويقيم بالرياض، والشيخ محمد بن عثيمين، (ت: 2011)، وكان يقيم في عنيزة بالقصيم، رحمهما الله، شكَلت موقفاً شرعياً يجيز دفع المعتدي، عبر الاستعانة بالقوات الأجنبية.
في مقابل، مجموعة من الدعاة الشباب، الذين كانوا يقودون المنابر في تلك الفترة، وبدا لهم امتلاك وعي سياسي، يجعلهم يتفوقون على كبار العلماء، ويوجب عليهم التصدي لهذا الأمر. كان بعضهم يعرض تارة ويصرح تارة، بأن مما يعيب كبار العلماء، تبعيتهم للسياسي، ولا يتورع بعضهم في القول بأنهم لا يرفضون له طلباً.
يمكن اعتبار هذه الحادثة هي أول تباين ومفاصلة للتيارات الإسلامية، مع الدولة، أمام عامة الناس، بشكل جلي وواضح.
تيار الدعاة الشباب، كان أبرزه: سلمان العودة، المقيم في القصيم، وسفر الحوالي، المقيم بين مكة وجدة، وناصر العمر، المقيم في الرياض، وعايض القرني، المقيم في جنوب السعودية؛ ويرون أن الاستعانة بالقوات الأجنبية، محرم، وأنه باب الشرور، والممهد لغزو بلاد التوحيد، وإقامة القوات الأجنبية، مسنوداً برأي جماعة الإخوان المسلمين، التي صدمت القيادة السعودية، بموقفها، إذ لم تعارض غزو صدام حسين، بل أيدته، بعد أن فتحت المملكة أبوابها للجماعة منذ عقود، ومنحتهم البيوت، والجنسيات، والوظائف، واستوعبتهم، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، بعد خلافهم المصيري، مع الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر.
في الوقت ذاته، أصدر فريق المشايخ الكبار، بياناً من هيئة كبار العلماء، يجيز لولي الأمر الاستعانة بغير المسلم، لدفع ضرر الغزو.
المشايخ الشباب، يملكون سطوة المنبر، والتنقل محاضرين، في مساجد كبرى في السعودية كلها، في جوامع تستوعب آلاف الحضور، ثم تنسخ الأشرطة، فيما سمي بمعركة الكاسيت، مئات آلاف النسخ، توزع في السعودية، والخليج، والعالم العربي كله، في تأثير ربما يفوق تأثير الإعلام التقليدي.
هذه الأشرطة تحمل سحر الحديث الديني من جهة، ومعارضة الدولة من جهة ثانية، بالإضافة إلى كونها تستبطن موقفاً سلبياً من قطب العالم الأوحد، الولايات المتحدة، والمهزوم حضارياً، عادة ما يكون ميالاً لتبني المواقف ضد الأقوياء، ولو لم يشكلوا له ضرراً حقيقياً!
خطاب الدعاة الشباب، لم يكن يقتصر في رفضه لموقف الحكومة السعودية من الاستعانة بالقوات الأجنبية، بل كان استمراراً لمواقف رافضة، لما اعتبره هذا التيار، تياراً للمنكرات، تشمل في تصنيفهم آنذاك: الاختلاط، مشاركة المرأة في الحياة العامة، وأي مظهر من مظاهر عدم ارتداء المرأة عباءة سوداء، تغطي وجهها وجسدها من الرأس للقدم، وهو ما يطلق عليه تبرجاً، وأي مظاهر للموسيقى والفنون... وغيرها الكثير الكثير.
أحس غازي القصيبي، بأن الحالة ليست طبيعية، وأن نوع الخطاب المستخدم في حرب الكاسيت، يحمل في طياته نقضاً للدولة، أكثر من كونه مجرد تحفظ على ارتكاب معاصٍ دينية، بالمعنى الفقهي، أو تجاوزات شرعية عامة.
انبرى القصيبي، بقلمه يدافع عن مصالح بلاده، بوجه فتوى أيَّدها كبار علماء البلاد، فقام التيار الآخر بالتشغيب عليه وكيل التهم له ولكل تيار لا يتوافق معهم.
ألف حينها غازي، كتابه الشهير: «حتى لا تكون فتنة»، وتضمن خمسة فصول، جعلها رسائل موجهة لرموز التيار الذي أشرنا إليه.
ردَّ القصيبي في الكتاب، على التهم الموجهة له بالعلمنة، والتكفير، وإغلاق باب الاجتهاد، ومسؤولية علماء المسلمين في ترسيخ التعددية، فالاجتهاد هو التجديد.
لم يدّعِ القصيبي يوماً أنه من الفقهاء، وإنما لظرف قلة المحاججين، لذلك التيار ذي الصوت العالي، وجد القصيبي أن البحث الفقهي بات ضرورة لمواجهة خطاب الجمود، واهتم بذلك في عدد من كتبه، ومقالاته، وسجالاته، فصنف: «ثورة في السنة النبوية»، و«الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام».
في حوارٍ له مع الأستاذ محمد رضا نصر الله، بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وقبيل غزو إسقاط صدام 2003. كان القصيبي يعتصر ألماً من مستوى انفلات الخطاب المعادي والمتطرف، وركز في الحوار على ضرورة محاربة التطرف من المنابع، مما دفعه، ضمن فهمه العميق للموضوع، ليترجم كتاب: «المؤمن الصادق»، لإريك هوفر، وهو يبحث في الدوافع السيكولوجية للإنسان المتطرف. يقول غازي في حوار نصر الله: «إن ثمة فهماً مغلوطاً نحو الغرب، إذ ننسب أي جريمة تحدث لهم، من دون الفصل بين الآيديولوجيات العنصرية التي لديهم وبين الغرب، بمعناه الحضاري العام المفيد، الذي يجب أن نفهمه ونحاوره ونعاصر منجزه».
رحم الله غازي القصيبي، إذ كان سبَّاقاً في نقد ظاهرة، كانت جماهيريتها، واستخدامها سلاح التكفير، والتفسيق، والتبديع، ضد مخالفيها، يجعل الخصومة معها باهظة الثمن، اجتماعياً، وعملياً، وإدارياً.
عندما يستعديك ذلك التيار، ستجد فجأة جموعاً من الناس، جمهوراً لا يفكر فيما يُقال له، يناصبك العداوة والخصومة، ويتقرب إلى الله بالدعاء عليك، وكيل الضرر لك.
أي عدل في الخصومة هذا؟!
أخذت، هذه التيارات، على عاتقها وعد الانتقام من القصيبي، فصارعته طوال حياته، ولما أصر القصيبي، وكان وزير العمل حينها، على تأنيث بائعات محلات الملابس النسائية الخاصة، غضب الخصوم، دون مبرر منطقي، من قرار يحافظ على خصوصية المرأة، حتى اجتمع معه مجموعة ممن يسمون المحتسبين، ودعا عليه أحدهم الله، أن يصيبه بالأمراض الخبيثة، علناً أمام العشرات، في تسجيل منتشر!
لم تهدأ المعركة ضد غازي، مذ شبابه حتى شاخ، لكنه، رحمه الله، استطاع أن يسير بثباتٍ على رأيه، لم يجامل أبداً، حين يتعلق الأمر بمصير المجتمع، ومصلحة البلد.
بدأ القصيبي حياته، بكتيب صغير بعنوان: «معركة بلا راية»، ومضى كل حياته بمعركة، راياتها: حب الوطن، ونشر التنوير، ومحاربة التخلف.
كان الشاعر غازي، يصف خصومات الإنسان غازي، حين قال:
أما تعبتَ من الأعداء ما برحوا
يحاورونَك بالكبريت والنارِ؟!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية