في كهف "أمير جيش" تنظيم الجهاد: الرؤى والكوابيس تجتمعان في الخرافة

3039
عدد القراءات

2018-02-15

ما زال في بيته ولم يتم إلقاء القبض عليه. هكذا أخبرني جيرانه في حي شبرا، شمال القاهرة. ربما لأنه جاوز السبعين من عمره، ولم يعد لنشاطه القديم في التنظيم الجهادي مع إيمانه المطلق بأفكاره.
قضى عبدالرؤوف، أمير الجيش، عمره في التنظيمات المسلحة منذ نعومة أظافره، فقد انخرط صبياً في تنظيم 1965 متأثراً بإعدام سيد قطب ورفاقه، في سجون الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ثم ما لبث أن التحق بتنظيم الفنية العسكرية، ثم تنظيم الجهاد، إلى أن وصل إلى زعامته، ثم طلائع الفتح، ثم تشكيل خلايا فرعية. وكل مرة يفرج عنه فيها يعيد الكرّة مرة أخرى، حتى بات نموذجاً يدرس لضباط الأمن، في شرح العناصر التي لا تترك التنظيمات المسلحة مهما تعرضت من سجون وتعذيب وضغوط.
بيت الأشباح
بلحية غزاها المشيب، وبعيون تملأها الريبة والحذر، استقبلنا، ومضى في مدخل بناية تبدو عليها آثار السنين، ثم دلف يساراً ونزل بنا نحو باب خشبي قديم. أشار بيديه إلى القفل الحديدي قائلاً : انظر إلى هذا القفل. هنا آثار تحطيم قوات الأمن له عشرات المرات. قالها وهو يبدو مفتخراً.

نزل بنا إلى بيت يشبه الكهف. وللكهوف مع أمير الجيش حكايات مثيرة . روى لنا أنه كان يختبئ وعناصر التنظيم في أحد الكهوف في جبل المقطم، يقرب مسافة 300 متر من مسجد كان يخطب فيها أحد من شيوخ السلفية المشاهير، هو الشيخ أسامة عبدالعظيم، لم يكن يتوقعه أحد ولم يكن لأحد أن ينزله إلا بصحبة عبدالرؤوف. كان كهفاً خطراً للغاية.
ذات يوم من أيام العام 1993، خبأ "عبدالرؤوف"، صناديق ذخائر وقنابل هناك، ثم ألقي القبض عليه بعدها، وبعد دخول الجماعات في مبادرة مع الدولة المصرية، علم أن المكان ستتم إزالته، فذهب أحد عناصر التنظيم التابعين له، بالإبلاغ عنه، فقامت الدنيا عليه في السجن ولم تقعد، وتعرض حينها للضرب المبرح.
الوكر
يقبع في هذه الحجرات رجل قاد تنظيم الجهاد في مصر  سنين طوالاً. بيت تحت الأرض. مضى عليه عشرات السنين. هنا كان يجتمع قادة التنظيم الأوائل: صالح سرية، سالم الرحال، محمد عبدالسلام فرج، عصام القمري، وغيرهم كثير.
من هنا خططوا لأحداث الفنية العسكرية، ولاغتيال أنور السادات، ثم إطاحة نظام حسني مبارك، بعدد العمليات. هناك تشكلات تنظيمات، طلائع الفتح الأولى والثانية وتنظيمات فرعية -وئدت في مهدها- لا حصر لها.

صلاح الدين حسن (يمين) وعبدالرؤوف (حفريات)

يقول عبدالرؤوف: هذا البيت زاره المئات من التنظيم، ليس التنظيم فحسب؛ بل زارني هنا وجلس على تلك الوسائد البالية، ضباط كبار في الداخلية. كان للضباط القدماء على أيامنا خبرات كبيرة، ويعرفون أنّ قيمة المعلومة أهم بكثير من سجن الأشخاص واعتقالهم، فتنظيم كامل هو تنظيم "سالم الرحال" تفكك بسبب معلومة ألقاها ضابط لأحدنا، عرفنا بذلك أنّ التنظيم مخترق، فقمنا بتفكيكه وحدنا، وقمنا بترحيل، سالم الرحال.

على هذه الكنبة كان يجلس، صالح سرية، زعيم تنظيم الفنية العسكرية، ومحمد عبدالسلام فرج، صاحب كتاب الفريضة الغائبة، والذي أعدم بعد اغتيال السادات. ذهبوا وبقيت الأماكن والذكريات.
لكن أمير الجيش، ألف حياة المسكن، الذي يشبه حياة السجن. لقد أمضى معظم حياته فيه.

تعود بدايات إيمان عبدالرؤوف بالفكر الجهادي إلى 1965 حينما رأى شباب الحي يعتقلون شخصاً ملتحياً في المسجد

لم يكن متعلماً لكنه وصل لقيادة زعيم تنظيم الجهاد، فخطط ودبّر وأفتى له، كان تحت قيادته متعلمون كثر منهم أطباء ومهندسون. سألناه: كيف ذلك؟ فقال بالعلم والقراءة!
لاحظت في الغرفة عدداً من الألعاب الرياضية المتواضعة، حديد لرفع الأثقال، "سوست" مضغوطة لتقوية عضلات الصدر  واليدين، كما يوجد في إحدى الزوايا عصا غليظة تقترب من الشومة ( النابوت).
يستيقظ "أمير الجيش" فجراً لممارسة عمله وجمع رزقه. يعمل كسائق تاكسي على سيارته الخاصة. يفتخر بذلك طالما أنه عمل حلال.

يروي عبدالرؤوف بدايات إيمانه بالفكر الجهادي، فيرجع بنا إلى العام 1965، حينما رأى عدداً من شباب الحي يعتقلون، فسأل شخصاً ملتحياً في المسجد: لماذا يقبضون عليهم، فأجابه : لأنهم يعملون للإسلام.
كانت تلك المنطقة ذات التكدس المسيحي، تعج أيضاً بقادة وأعضاء ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، ففكر بعدها أمير الجيش، بأن يشكل مجموعة تنشط في مجال الدعوة إلى تطبيق الشريعة، ولا تتعرض لما تعرضت له جماعة الإخوان، فحملوا السلاح في البداية استعداداً لمجابهة الشرطة بالقوة حينما يحدث ذلك. وفي العام 1974 تطور التنظيم ليصبح تنظيم الفنية العسكرية، الذي حاول قلب نظام الحكم.

الرؤية والنبوءة
للرؤى مع عبدالرؤوف قصص كثيرة، تتعلق كلها برؤساء مصر، فعندما طلبت معه إجراء حوار مطول رفض ذلك بحجة أنه لم يحن أوانه بعد، لكنه وعدنا بأن الحوار سيكون في القريب العاجل.
سرد لنا رؤاه في المنامات وكيف أن جميعها قد تحقق. قال إنه رأى رئيس مصر الراحل، أنور السادات، وهو يضربه أمام كوبري السادس من أكتوبر، فسّره هو بأن الضارب مضروب في الرؤية، فهم؛ أي تنظيم الجهاد، سيضربونه، أما دلالة الكوبري فهو يوم السادس من أكتوبر، وهو ما حدث!

رأى عبد الرؤوف في منامه أن مبارك قد سقط من طائرته وخرج منها وهو بزيه العسكري

ورأى في منامه أن مبارك قد سقط من طائرته وخرج منها وهو بزيه العسكري، وأن من حوله لم يفعلوا له شيئاً. توقف هنا عبدالرؤوف، وراح ينظر في إحدى جدران غرفه، وهو يقول:
عندما استيقظت في الزنزانة، خرجت صارخاً في الضباط: "مبارك سيسقط"، فإذا بهم يضربونني ضرباً مبرحاً حتى سقطت وانطرحت بعض أسناني أرضاً، ولكنّ النبوءة صدقت!

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: