الإسلام السياسي بوصفه تعبيراً عن أزمتين

الإسلام السياسي بوصفه تعبيراً عن أزمتين
4316
عدد القراءات

2018-03-13

في نقده لـ "الإسلاموية" يذهب عالم الاجتماع الإيراني-الأمريكي، آصف بيات، إلى أنّها ترتكز على الواجب الديني، بينما "ما بعد الإسلاموية" مرتكزة على الحقوق، وتمثّل قطيعة نقدية تستهدف إصلاح السياسات الإسلاموية.

لقد التحقت حركات إسلاموية بالعملية الانتخابية وبقيت كجزء من النظام الانتخابي؛ كي تنفذ إستراتيجية تدريجية لأسلمة الدولة والمجتمع، وكان من مقتضيات بقائهم في العملية السياسية أن يتجاوزوا بعضاً من رؤيتهم الإسلاموية.؛أي، كما يقول "بيات"، قد تكون الإسلاموية الانتخابية "معتدلة" غير أنّها ليست "مابعد إسلاموية" في حد ذاتها؛ فالأخيرة تتعدى فكرة المشاركة الانتخابية؛ أي إنّها قطيعة وليست "تكيّفاً"، كما أنها ليست "الاعتدال"، فهذا الأخير مفهوم نسبي، معه لا نتمكن من التحقق من آليات واتجاهات الانتقال نحو "الاعتدال"، بالإضافة إلى أنّ اعتدال شخص أو جماعة ما قد يكون تطرفاً بالنسبة لآخر، في حال غياب أو ارتباك المعايير وتناقضها. ومن المعايير الواجبة الحضور، لمقاربة الإسلاموية السنيّة والشيعية على حدّ سواء، أن تكون ركيزةُ الحريات والحقوق الإنسانية المتساوية ركيزةً أولية، وأن يتم تجاوز السياسات الإقصائية نحو سياسات استيعابية، ولا استيعاب تحت وطأة السلاح!

يجب أن تكون ركيزة الحريات والحقوق الإنسانية ركيزةً أولية ويتم تجاوز السياسات الإقصائية نحو سياسات استيعابية

وكما هو الحال لدى أوليفييه روا، يقارب "بيات" فكرة أنْ يكون الدِّين حاضراً في المجال العام، وأن يتمّ تعزيز "التقوى" داخل المجتمع في ظل دولة مدنية غير دينية. روا يوضّح أنّ مكافئ "الإسلاموية" Islamism المخفف هو "الإسلام السياسي"، وهو يرى أنّ ثمة اتجاهين في تفسيره، الأول يمكن أن يُطلق عليه اسم "وجهة النظر السياقية" The contextualist view، التي تعتقد بأنّ سياسات وممارسات تلك الأحزاب والجماعات لا تقودها الأيديولوجيا بقدر ما تقودها الأحداث والسياقات المحلية والإقليمية والدولية، وما يعنيه ذلك من براغماتية ومقدرة على التكيّف. أمّا الاتجاه الثاني فهو "وجهة النظر الجوهرية" The essentialist view، التي ترى أنّ الإسلامويين هم في الأساس أيديولوجيون، وأنّ أيّ تنازلات يقدمونها للمبادئ أو المؤسسات العلمانية هي تحركات تكتيكية بحتة؛ حيث لا تمنعهم مشاركتهم في السياسات الانتخابية من الدعوة إلى الجهاد العنيف أيضاً. ووفقاً لهذه النظرة، فإنّ المفهوم الإسلاموي الحقيقي للديمقراطية هو أنّ صندوق الاقتراع مجرد طريق للتحكم بالسلطة؛ وبمجرد أن يصبحوا هناك، فإنهم يستبدلون الديمقراطية بالثيوقراطية. هذان الاتجاهان يرسمان جانباً عريضاً من أحداث "الربيع العربي" وما بعدها. ويرى روا أنّ النتيجة الطبيعية لهذه الأطروحة هي الفكرة -التي يطرحها بحماسة منتقدو الإسلاموية- والقائلة إنّ اللاهوت الإسلامي (حين لا يتعرض للمراجعة والإصلاح والتأويل التنويري) لا يعترف بأي فصل بين الدين والسياسة، وبذلك لا يستطيع الإسلاموي الموثوق به والحقيقي أن يتخلى عن أجندته الأيديولوجية لصالح مقاربة أكثر براغماتية أو ديمقراطية.

المفهوم الإسلاموي الحقيقي للديمقراطية هو أنّ صندوق الاقتراع مجرد طريق للتحكم بالسلطة

بهذا المعنى، فإنّ الإسلاموية في الحقيقة تعبير عن أزمتين: أزمة الهوية وأزمة الدولة الوطنية في العالم العربي وتكريس لهما، وقد تكون "ما بعد الإسلاموية" أطروحة نقدية تستهدف مقاربة الأزمتين. ومثلما أنّ الأزمتين تظهران في الخطاب السنيّ في مفاهيم "الخلافة" و"الأسلمة" و"أستاذية العالم"، فإن "الإسلاموية" تظهر في الخطاب الشيعي في مفاهيم "دولة العدل الإلهي" و"ولاية الفقيه" و"تهيئة الظروف لظهور إمام الزمان". وفق هذه المفاهيم، فإنّ "الإسلاموية" من "وجهة النظر الجوهرية"، على الأقل، "طوبى مضادة للسياسي"، ووصفة للاحتراب الأهلي الدائم. وما نراه في زهو الأطراف المليشايوية الشيعية في العراق ولبنان واليمن بفائض القوة المنفلتة، وزهو "الانتصارات" التي لا  تنشأ إلا تحت وطأة السلاح المتكبّر على الدولة والمجتمعات والقاهر لهما، إنما يحتّم أولوية الاشتباك مع هذا الواقع، الذي يختزل في سلّةٍ واحدة أقبحَ ما عليه المستبدُ والفاسد والمتطرف من عنفٍ وهمجية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-02-24

انتخابات بطعم الهزيمة للثورة الإسلامية وللمشروع الإيراني برمّته، عكستها نسبة المشاركة الأقل في تاريخ الانتخابات الإيرانية منذ انطلاق الثورة قبل أربعين عاماً، والمشكوك أصلاً أنّها وصلت "42%"، حسب إعلان وزير الداخلية الإيراني، والذي بررها بأسباب مرتبطة بـ "الأحوال الجوية التي شهدتها إيران يوم الانتخابات، وانتشار فيروس كورونا، وتحطم الطائرة الأوكرانية"، فيما قال خامنئي، عبر حسابه الرسمي على تويتر: "مارست الوسائل الإعلامية الأجنبية ضخها الإعلامي السلبي منذ عدة أشهر وكثفته مع اقتراب موعد الانتخابات ولم يتوانوا خلال اليومين الأخيرين عن استغلال أدنى فرصة وتحججوا بمرض وفيروس من أجل ثني الناس عن المشاركة في الانتخابات".

يواجه مشروع الثورة الإسلامية في إيران مأزقاً حقيقياً إذ يطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية وتساؤلات حول مستقبله

ما سبق ذرائع لكنها تجانب الحقائق التي تقول مخرجاتها إنّ مشروع الثورة الإسلامية في إيران يواجه مأزقاً حقيقياً، وصل ذروته، ويطرح عمق أزمة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، ويطرح تساؤلات جادة وعميقه حول مستقبله.
لا يمكن اليوم للمحللين والمعنيين بالشأن الإيراني أن يتعاملوا مع رواية وزير الداخلية الإيراني ولا حتى تصريحات المرشد إلا بوصفها منفصلة عن الواقع؛ فانخفاض نسبة الاقتراع كانت تحدياً معروفاً يدركه المرشد الأعلى للثورة ومعه رئيس الجمهورية، اللذان نزلا بثقلهما لمخاطبة الشارع باستعطاف غير مسبوق، وبخطاب يخلط بين الديني والوطني لدفع الغالبية من الناخبين للإدلاء بأصواتهم، فيما كان تمديد الاقتراع لساعتين إضافيتين يؤكد أنّ التمديد جاء لتجاوز عتبة الـ "40%" للاقتراع، في الوقت الذي لم يكن قرار التمديد بسبب طوابير الناخبين الطويلة أمام مراكز الاقتراع.
تدرك القيادة الإيرانية بشقيها؛ الإصلاحي والمتشدد، أنّ العقوبات الاقتصادية وتداعياتها فعلت فعلها لدى الناخب الإيراني في ظل عجز عن مواجهة آثار العقوبات المعروفة، وخاصة الانتفاضة التي أعقبت قرار زيادة أسعار البنزين، وربما أخطأت في الاعتقاد بأنّ شعبية القيادة الايرانية ما زالت عالية بعد رد الفعل الشعبي "المبرمج" في أعقاب مقتل قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، تلك الشعبية التي ذهبت أدراج الرياح بعد يومين من دفن سليماني، إثر حادثة الطائرة الأوكرانية التي أعقبتها بمظاهرات عارمة نفّذها طلبة الجامعات الإيرانية، كما تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة، يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، وأنّ دلالات هذا الترنح ورسائله "غير المشفرة" ترد من بغداد، أقرب العواصم لطهران، رافضة مقولات المظلومية من قواعد محسوبة على المرشد الأعلى مذهبياً.

اقرأ أيضاً: المحافظون المتشددون يسيطرون على البرلمان الإيراني.. ما هو مستقبل روحاني؟

نسبة الاقتراع المتدنية تشكل ضربة موجعة للقيادة الإيرانية، التي أرادت أن ترسل رسالة للعالم بأنّ هناك ثقة وقبولاً شعبياً للنظام الإيراني بالداخل، وفوز المتشددين بأكثر من ثلثي مقاعد البرلمان "190 مقعداً من أصل 290" فيما فاز الإصلاحيون بـ "16" مقعداً، وهو ما  يعني أنّ الانتخابات كانت بدائرة مغلقة بين المتشددين، وهو ما يطرح تساؤلات حول حقيقة تمثيل النظام الإيراني للشعب الإيراني.

تدرك القيادة الإيرانية أنّ مشروعها الإقليمي القائم على مذهبية مرفوضة شعبياً في المنطقة يترنّح في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء

لقد طرحت الانتخابات الإيرانية وبصورة واضحة الإسلام السياسي بنسخته الشيعية، الذي لم يتعرض لامتحان حقيقي كما هو اليوم، في الوقت الذي تعرض فيه الإسلام السياسي بنسخته السنّية لامتحانات صعبة في؛ السودان ومصر والمغرب العربي، فيما امتحانه الأصعب تعيشه تركيا، تثبت اليوم أن لا فرق بين الإسلام السياسي بنسختيه؛ شيعية كانت أم سنّية، وأنّ الإسلام السياسي غير قادر على استيعاب المكونات السياسية الوطنية ومنحها فرصاً في إطار تعددية واسعة، وأنّه لا يستطيع أن يعمل إلا في إطار الاستحواذ الكامل على السلطة وإقصاء الآخر حتى لو كان قريباً منه، وهو ما تم مع التيار الإصلاحي، بقيادة رئيس الجمهورية حسن روحاني، فرغم خلافاته مع المرشد إلا أنّه الأقرب له، رغم المرونة المزعومة التي كان يبديها في محطات مفصلية، فقد قدم غطاءات للحرس الثوري الإيراني أمام العالم، وللتذكير فإنّ روحاني هو صاحب مقولة: "إن طهران تسيطر على أربع عواصم عربية وليس المرشد الأعلى للثورة".

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وإذا كانت إيران قادرة ولو بصورة محدودة أن تتواصل مع العالم الخارجي من خلال صيغة "حسن روحاني وجواد ظريف" وإرسال رسالة بأنّ هناك تياراً في إيران يمكن التفاهم معه، وتقدم من خلال وزراء إصلاحيين خطاب تهدئة للشارع الإيراني المنتفض، بوعود تخفف من حدة احتقانه، فكيف سيكون الحال اليوم بخطاب منفرد يقوده المرشد الأعلى وأعوانه، خطاب لطالما قدم الإيرانيون إجابات عليه منذ أواخر عام 2017، وكيف سيتعاطى العالم مع خطاب إيراني متشدد، مع مزيد من العقوبات الأمريكية والمزيد من العزلة الدولية لإيران؟ الإجابات واسعة ومتعددة على تلك التساؤلات وغيرها، إلا أنّ المؤكد أنّنا على أبواب إيران جديدة عنوانها التكيف مع التحولات الدولية العميقة، وليس مواجهتها والتصدي لها.

للمشاركة:

كيف نجعل من متلازمة داون متلازمة محبة؟

2020-02-24

متلازمة داون، التي تصيب نسبة قليلة من الأفراد وهم أجنة، وتسمى أيضاً "التثالث الصبغي"؛ وهي متلازمة صبغوية أو جينية المنشأ، تنتج عن تغيّر في الكروموسومات؛ حيث يتسبب وجود نسخة إضافية من كروموسوم 21 أو جزء منه في الخلايا، بتغيّر في المورثات، حسب ما جاء في الموسوعة الحرة؛ ويكيبيديا. وتتسم الحالة بوجود تغيّرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم، وكثيراً ما تترافق مع ضعف في القدرات الذهنية.

اقرأ أيضاً: "هدف".. مطعم مغربي يدعم ذوي الاحتياجات الخاصة
ولا يمتلك أفراد هذه الفئة المهمشة في بعض المجتمعات، كالمجتمع السوري، على سبيل المثال، إلاّ بعض الخصائص الفطرية، التي تظهر على سلوكهم مع الأفراد الأصحاء، ومع الأفراد المصابين مثلهم؛ مثل "الحب" والنقاء والصفاء.
وقبل أن أتجه إلى جمعية "أنا أستطيع"، التي تضم مجموعة متفاوتة الأعمار من أطفال وشبان مصابين بمتلازمة داون، في محافظة السويداء السورية؛ كنت أحسب أنّ "الحب" يحتاج إلى ذكاء ليصبح "فناً"، حسب رأي إريك فروم، لكنني أيقنت أنّه يحتاج إلى رعاية واهتمام، كما لاحظت في تلك الجمعية.

كنت أحسب أنّ الحب يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً لكنني أيقنت أنه يحتاج إلى رعاية واهتمام

تعدّدت أنواع الحب، وتعددت الأحاديث عنه واختلفت مقاربات الفلاسفة والمفكرين لـ "الحب اللاهوتي" و"الحب العذري" و"الحب الحسي"، الذي أصبح عيد الحب موسوماً به عند بعض المجتمعات، أما تلك الفئة فإنّ أفرادها لا ينشدون عيداً للحب؛ بل ينشدون عالماً يسوده الحب النقي، المجرد من كل ما يوصف به وكل ما ينسب إليه من أنواع وأنماط، إنهم ينشدون أن يقابلوا بابتسامة تشبه ابتسامتهم، ونظرة مهتمة، بريئة من أمراض التمييز والتباهي والتعالي والتعصب التي يتصف بها كثير من الأفراد العاديين.
لعلّ مبعث الحب الذي يغمر أرواحهم البريئة ويفيض عنها ابتسامات عذبة، أنّهم لا يعرفون الكذب، ولا يستطيع أحدنا أن يكذب عليهم؛ لأنهم يفهمون العالم والناس بحواسهم وفطرتهم، لذلك يمكن أن نتعلم منهم أنّ الحب لا يحتاج إلى ذكاء ليصبح فناً، بل يحتاج إلى صدق، ولا بأس بالذكاء.

اقرأ أيضاً: بمناسبة اليوم العالمي لمتلازمة داون.. شاهد كيف تحتفل أمهات بأطفالهن المصابين
تبعث السيدة "حياة"، التي أسست جمعية "أنا أستطيع"، في كل لحظة، الحياة والحب في قلوب أفراد يعتبرهم المجتمع مرضى "غير عاديين"، وينظر إليهم بازدراء وقسوة، علّمتهم الأعمال اليدوية؛ كصناعة الإكسسوارات النسائية بالخرز والإبرة والخيط، رغم أنّ جميع من في الجمعية ذكور تتراوح أعمارهم بين 10 و20 عاماً، وعلمتهم صناعة ذوات حرة ومستقلة عن التبعية الاقتصادية، كي لا يكونوا عالة على ذويهم وعلى المجتمع الذي يعتبرهم كذلك.
وتساعد الجمعية هذه الفئة، التي تعاني من أشد أنواع الإقصاء؛ ابتداءً من المجتمع وانتهاءً بالمؤسسات الحكومية؛ كمؤسسة التربية والتعليم، ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، والتأهيل الذهني والنفسي، في تحقيق الاندماج في الحياة الاجتماعية على أدنى تقدير؛ فالجمعية قائمة على التبرعات من المجتمع الأهلي والأقارب والأصدقاء.    
تلك الفئة، صاحبة الكروموسوم الزائد في جيناتها، الذي يبدو أنّه يمنحها الابتسامة الدائمة والحب الفطري، الذي لا يعرف التفريق بين إنسان أبيض وآخر أسود، ولا يعرف التفريق بين مسلم أو مسيحي، ولا يعرف التعصب السياسي أو الديني أو الاجتماعي، مع هذا كله فهي فئة تعاني من الإقصاء وأقصى درجات التهميش من قبل المجتمع والدولة.

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف والصراعات

ليس غريباً أن تكون متلازمة داون مهمشة ومقصيّة في مجتمعات تعاني من الجهل والمرض والتخلف، والصراعات السياسية والدينية والاجتماعية، وتعاني أيضاً من نزاعات مسلحة تتآكل خلالها البنى الاجتماعية والبنى التحتية للدولة. هذه العوامل تتسبب في تهميش الأفراد الفاعلين والفاعلات، والمتفاعلين والمتفاعلات، في المجتمع، وتقضي على كل أشكال الحب والتواصل الإنساني؛ ليحل محلها الدفاع البدائي عن النفس من أجل البقاء، فكيف لا تُهمش فئة ساكنة لا تجيد الفعل أو التفاعل في المجتمع.
لكنّ السيدة "حياة"، تجاوزت كل هذا التهميش وعملت على بناء القدرات الذهنية لتلك الفئة وإدماجها في المجتمع والمؤسسة التربوية والتعليمية، لتصبح فئة فاعلة، تجيد العمل والرقص والآداب العامة؛ كإلقاء التحية وآداب الطريق وآداب الطعام واللعب، وتجيد التواصل مع الآخرين، والأهم من ذلك أنّها أصبحت فئة مُنتِجة تستطيع أن تعتمد على ذاتها في الحياة العامة.

اقرأ أيضاً: الإعاقة الحركية لا تمنع ممارسة الكاراتيه في غزة
قبل 6 أعوام، صادقت اليابان على اتفاقية "حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة"، بعد أن أصدرت قانوناً يحمي هؤلاء الأشخاص، ويعاقب كل من ينظر إليهم نظرة ساخرة أو يعنّفهم جسدياً ونفسياً، كما جهزت لهم تسهيلات في الأماكن العامة، والطرقات ووسائل النقل، وأحدثت مراكز للتنمية الذهنية والتأهيل النفسي، ممّا جعلهم يندمجون في المجتمع بشكل طبيعي، ويشعرون بذواتهم وعدم اختلافهم عن بقية أفراد المجتمع، مع أنّ تلك الخطوة أتت متأخرة بالنسبة لبلدٍ مثل اليابان.

من أخطر الأمراض الاجتماعية؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد والتفاوت في الإنسانية والمواطنة غير المتساوية

إذن، الدولة هي المسؤول الأول عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فالدولة هي الحياة الأخلاقية للشعب، بحسب تعبير "ماركس"، من ثمّ المجتمع، الذي هو جسم الدولة وروحها الديناميكية، فإذا اعتنت الدولة بجسمها وروحها ستكون بعيدة عن الأمراض الاجتماعية، ومن أخطر هذه الأمراض؛ التمييز والتفاضل بين الأفراد، والتفاوت في الإنسانية، والمواطنة غير المتساوية، كما هي الحال في سوريا، التي تعاني من حرب أنتجت ضعفاً وترهلاً في الحياة الاجتماعية (الإنسانية) وأزمات اقتصادية تسببت في عدم القدرة على احتواء ذوي الاحتياجات الخاصة، وكبار السن وغيرهم من القوى غير الفاعلة في المجتمع، والعاجزة عن إدارة الحياة الطبيعية التي تعطيها الحق بالفعل والتفاعل.
فعندما تنعدم خيارات الأفراد، يزداد منسوب القهر والاغتراب والاستلاب، لينتج هدراً لكرامة الإنسان وحريته وحقه في العيش الكريم، وهذا ما يسميه مصطفى حجازي بالهدر الإنساني أو المعنوي؛ "هو التنكر لإنسانية الإنسان، أو تجاهلها، أو التلاعب بها، أو الحرب عليها"، فإذا كان الفرد هو المحور الأساسي في تنمية المجتمعات ونموها وازدهارها، وتقدمها نحو الحداثة، فكيف لمجتمع أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام ونسبة كبيرة من خلايا جسده مريضة؟ هل سترتقي إنسانيتنا يوماً فننظر إلى المصابين بمتلازمة داون وغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، نظرة إنسانية بعيدة عن التمييز العقلي؟

للمشاركة:

لماذا جعلوا منك وحشاً؟!

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2020-02-23

في المقال السابق "ضروريات أم كماليات" أشرتُ إلى أنّ المجتمعات التي تُنتِج أنظمتها الفقرَ والجوعَ أو الوفرة المزيّفة، تنغلقُ الكماليات فيها على مضامين مخادعة، تُشتت الانتباه عن معناها الحقيقي، فتبتعد عن كونها ما يجب أن يكمل الوجود الإنساني ويرتقي به، إلى صياغةٍ عارضة، تنحصر في جملة الأشياء الماديّة، والتي لا يشكّل غيابها نقصاً في الحياة، وإنما نقص في كينونة الفرد. إنّ تعميم الفهم الضيّق للكماليات، هو الطريق المختصر للكسب أمام أيّة سلطة، ومهما كان نوعها، فحيث يمكن تحويل الإنسان إلى مستهلكٍ ومستهلكٍ فقط، يصبح بالإمكان بيعه حتى الأوهام والشعارات والكلام الفارغ، وعندما تتمكن القيم الاستهلاكيّة منّا، لن يسفر الوجود سوى عن الوجه العدائي، وهناك سيرافقنا شعورٌ دائمٌ بالخوف والاغتراب.

وهم التملّك يضع الجميع بحلبة صراع داخل فضاء استهلاكيّ كتعويض مجوّف لفراغ وجودي خلقه استلاب المادّة للذات

كيف يصبح الوجود عدائياً عندما تطغى القيم الاستهلاكيّة على الفرد؟ قد تسعفنا اللغة في توضيح ذلك، فليس من قبيل المصادفة أنّ الاستهلاك الذي يسم وجودنا، يصبّ جذره الثلاثي (هلك) في الهلاك، وهنا تتضح الصورة؛ إذ إنّ هناك علاقة مع الوجود ولكنها تقوم على الموت، وهذا ما بيّنه "إريك فروم" في كتابه "الإنسان بين الجوهر والمظهر"، "ففي نمط الملكية لا توجد علاقة حيّة بيني وبين ما أملك، فأنا وما أملك أصبحنا جميعاً أشياء، أنا أملكها لأن لديّ القوّة على امتلاكها، ولكن ثمة علاقة عكسيّة أيضاً، فهي تملكني أيضاً لأن إحساسي بهويتي يتوقف على ملكيتي لها، إنّ نمط الملكيّة لا يقوم على صيرورة حيّة ومثمرة بين الذات والموضوع، وإنما هي علاقة تجعل من الذات والموضوع أشياء، والعلاقة بينهما علاقة موات وليست علاقة حياة".

اقرأ أيضاً: مستقبل مجتمعاتنا في يد "لورا".. هل الأسرار خطيرة حقاً؟
فنمط الملكيّة كما يذهب إليه "فروم" يتجه إلى تشجيع الجوانب الاستهلاكية والأنانية في الفرد، ويجعل من العلاقات التنافسيّة العلاقات الوحيدة التي تربط الأفراد ببعضهم، وهذا ما يتيح للجشع والغيرة والضغينة أن تطفو على وجه العلاقات كافةً، ليُفرد المجال كاملاً للعنف كي يصبح العملة الوحيدة المتداولة بين الجميع، لهذا لا يرى "فروم" فرقاً في تطور الشخصيّة التملكيّة من نمط الاكتناز في الماضي، إلى نمط الاستهلاك الواقع الذي يقوم على شراء الأشياء ليتخلّص منها بعد ذلك بوتيرة سريعة، فليس التناقض بين هذين النمطين، في رأي "فروم"، سوى تناقض سطحيّ، فإذا ما نظرنا إلى الأشياء في كلا النمطين، سنجدها تفتقر إلى الطابع الشخصي في علاقة المالك بما يمتلك، الطابع الذي يمنح الأشياء قابليّة الاستعمال ويحررها من الاستهلاك والنفاد، أو بعبارة أخرى: يعيد الوعي إلى العلاقة بين الذات والموضوع.

اقرأ أيضاً: ماذا ستطلب لو التقيت بجنيّة الأمنيات؟
إنّ وهم التملّك يضع الجميع في حلبة صراعٍ داخل فضاءٍ استهلاكيّ عام، لا يتعدّى كونه تعويضاً مجوّفاً لفراغٍ وجودي خلقه استلاب المادّة للذات، كما يمكن أن يكون مؤشراً على إفلاسٍ روحيٍّ حاد، عندما لا تتحقق ذات الفرد إلّا من خلاله وبه؛ وهنا قد ندرك "لماذا  يعمل الأفراد لساعاتٍ إضافية، ثم  يشترون أشياء ليسوا بحاجتها وقد لا يحتاجونها"، هذا اللهاث المسعور خلف المادة سيضفي على الوجود سمة (الإنهاك)، فالكل يلهث خلف الشيء طالما رغبة التملّك تهرشهم، وبالطبع كلّما ازداد منسوب التملّك، سيزداد منسوب الفقر الإنساني والتوحش، وبهذا تشرّع الملكيةُ الأبواب على العنف، وكل الحروب منذ اللحظة تصبح مبرّرة وشرعيّة طالما أنّ أوهام السيطرة والتملّك تدغدغها وتغلّفها بنكهة العدالة.

اقرأ أيضاً: بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟
فتَرافق نمط التملّك، مع بدايات التاريخ الذي دُوّن بأسماء ملوكه، أسس لتراتبيات اجتماعيّة، استندت إلى تقسيماتٍ طبقيّة، حدّدت هويّة الفرد بحجم ملكيته، وبهذا  أخذ التاريخ شكل صيغٍ نهائية قررت بحزمٍ شكل العالم، لقد أصبح العالم عالمين؛ عالم الأغنياء وعالم الفقراء، عالماً مسوّراً بكماليات مزيّفة، وعالماً يرزح تحت وقع الضرورة، وبينما تصبح الملكية مفتاحاً لكل الأبواب لدى الأغنياء، تفقد الكماليات طابعها الجوهري في إكمال الوجود، وتُمسَخ إلى مجرّد صيغة محددة تنحصر في تملّك الأشياء والاستحواذ عليها، وهذا قد يوضح لماذا تحاول أي سلطة على الإطلاق تشييء أفرادها، فليس أسهل من السيطرة على من نُزعت عنه حريته وكرامته الإنسانية، الفرد الذي يمكن وضعه في أي علبة. 

اقرأ أيضاً: صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا
في عالم الفقراء يأخذ الفرد صورة متسولٍ للحياة، وتصبح الضرورة  عالمه الوحيد، ففي هذا العالم لا يعني الفرد سوى البقاء على قيد الحياة؛ فالاحتياجات التي لا يميت غيابها وإنما تجعل الحياة أكثر مشقّة تتنحى جانباً، ولا ضير أن يتحمل الفقراء المشقات طالما مُنَّ عليهم بنعمة الحياة، بينما لا مشكلة بتاتاً في هكذا عالم، العيش من دون الكماليات التي تصبح من المنسيات، ويقتصر وجودها على حلمٍ يشطح به النوم. حقاً الحياة صعبةً هنا، ولكن هناك من يريدها كذلك، إنهم المستثمرون الكبار في عالم الخوف والجوع، الذين يعلمون أنّه لا يمكن ترويض الإنسان إلّا إذا أصبح وحشاً، وما الذي يمكن أن يحوّله إلى وحشٍ، أفضل  من صراعه على لقمة العيش؟

يوماً ما سيتفتح أطفالنا على ما قاله تشيخوف: في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، وهندامه وروحه وأفكاره

قد تأخذ هذه القصة منحىً عدمياً إذا سلّمنا بأنّ هذه التقسيمات تقسسيمات نهائية ومطلقة، ستصبح كذلك فقط إذا صدقنا واستسلمنا لذلك، وهو ما أراده التاريخ لنا دائماً، ولكن التجربة الإنسانية تحمل إمكانات مفتوحة على احتمالات شتى، وقد يدعم حدوث الاحتمالات الجيدة وعيٌ جديد ومختلف، وهذا ما بدأ يتشكّل في مساحات واسعة من مجتمعاتنا، فقد تمكّن هذا الوعي من كشفٍ واقعيّ للتناقض الذي مارسته العقائد بفخرٍ وتبجح وغباء، وأنّ القيم الكاذبة التي تحرسها، هي المسؤول الأول عن انحطاط الإنسان وكرامته، لذلك فإنّ الصرخات التي دوّت في معظم ساحات مجتمعاتنا، جاءت لتأكيد هذا الوعي الذي بدأ يدرك ما قصده "فروم"، فما كان يتبنّاه من إرادة، ليست إرادته، ومن رغبات ومشاعر، ليست رغباته ومشاعره، وإنما فرضتها الأنماط الاجتماعية التي جعلت من رغباته رغبات مصنوعة ومكيّفة.
ما دامت رحلة الألف ميل  تبدأ بخطوة ، يوماً ما ستختفي مفاهيم كالضرورة والحاجة والكمالية من معاجم اللغة، هذه التقسيمات التي ترهق كاهل الفقراء ستزول وسيزول معها صيغ التفضيل، ليصبح كل ما يحافظ على الوجود وما يدعمه وما يكمله بنفس ذات الأهمية، فلن يكون هناك ما هو مهم وما هو أهم، الجميع سيحظى بفرحه الإنساني، فقلم حمرة لامرأة وزجاجة عطر لرجل ولعبة بين يدي طفل، ليست بأقل أهمية من لوحة فنية أو قطعة موسيقية أو قصيدة، وجميعها ليست بأقل أهمية من رغيف الخبز، يوماً ما سيتفتح أطفالنا على أغصان ما قاله "تشيخوف" "في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، وهندامه، وروحه، وأفكاره"، وإلى ذلك الحين ستولد كل صرخاتنا من الجملة الشهيرة  "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان".

للمشاركة:



اعتراف جديد لأردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمقتل جنديين تركيين في ليبيا؛ حيث أرسلت أنقرة جنوداً لدعم ميليشيات السراج في حربها ضدّ الجيش الليبي.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي في أنقرة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز": "سقط قتيلان هناك في ليبيا"، ولم يحدّد الرئيس التركي متى قتل الجنديان ومن الجهة التي قتلتهما.

وكانت المعارضة التركية قد اتهمت أردوغان بإخفاء معلومات حول قتلى الجيش التركي في ليبيا.

أردوغان يعترف بمقتل جنديين تركيين في ليبيا دون الإفصاح عن معلومات إضافية حولهما

وتشير تقديرات الجيش الليبي، وتقارير إعلامية، إلى سقوط عدد أكبر من الجنود الأتراك يقدر بـ 16 عنصراً من الجيش التركي، وسط أنباء عن مقتل قائدهم الميداني.

وتنخرط تركيا في دعم حكومة السراج والمليشيات المسلحة التابعة له بالمال والسلاح، رغم قرار مجلس الأمن الدولي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، منذ 2011.

ومنذ بدء عملية "طوفان الكرامة"، التي أطلقها الجيش الليبي، في نيسان (أبريل) الماضي، لتحرير طرابلس من التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة، أسقطت القوات المسلحة أكثر من 30 طائرة تركية مسيرة تابعة للمليشيات.

وكان أردوغان قد اعترف قبل أيام بسقوط قتلى من جيشه في ليبيا؛ حيث يحارب إلى جانب ميليشيات السراج التي تبسط سيطرتها على طرابلس، وسط استنكار دولي ورفض إقليمي.

هذا ونقلت وسائل إعلام تركية، أمس؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

 

 

للمشاركة:

هل تشهد أستراليا عمليات إرهابية قريباً؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

توقّع مايك بورجيس، المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، اليوم، استمرار التهديدات الإرهابية في البلاد، قائلاً: "تهديد الإرهاب في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً بشكل غير مقبول في المستقبل القريب".

وأوضح مايك بورجيس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية؛ أنّ "الإرهاب المتطرف ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيس للأجهزة الأمنية في البلاد".

وأشار إلى أنّ هناك "تهديداً حقيقياً" من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل النازيين الجدد في البلاد، مؤكداً أنّ "التهديد اليميني المتطرف في أستراليا حقيقي ويتزايد".

وكشف أنّ اليمين المتطرف محط أنظار الأجهزة الأمنية منذ فترة، لكنّه وقع تحت تركيز مكثف بعد هجوم كرايستشيرش، الإرهابي الذي استهدف مصلين في مسجدين بنيوزيلندا العام الماضي.

الاستخبارات الأمنية الأسترالية: التهديد الإرهابي في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً في المستقبل القريب

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للصحفيين، الثلاثاء: "الإرهاب والتطرف يأتيان بالعديد من الأشكال والألوان المختلفة ومن المهم أن تحافظ جميع جهودنا على سلامة الأستراليين".

بدوره، أكد وزير الشؤون الداخلية، بيتر دوتون، أنّ الحكومة ستتعامل مع من يريدون "إلحاق الأذى بالأستراليين؛ سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار أو بينهما".

وأصدرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية مؤخراً مذكرات اعتقال بحق 42 رجلاً وامرأة، سبق أن سافروا إلى سوريا، لدعم تنظيم داعش الإرهابي أو خوض القتال إلى جانبه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فقد أكّد متحدث باسم الشرطة الأسترالية أنّ التحقيقات الجنائية جارية مع جميع الأستراليين المشتبه بسفرهم إلى منطقة النزاع في سوريا.

 

 

للمشاركة:

الكورونا ينتشر بشكل واسع.. دول الخليج تسجل حالات إصابة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

سجّلت البحرين والعراق والكويت وعُمان، أمس، أولى الإصابات بفيروس كورونا الجديد، معظمها من العائدين من إيران.

وأعلنت وزارة الصحة الكويتية، الثلاثاء، ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد إلى 8 أشخاص، بعد تأكد إصابة 3 مواطنين جدد، موضحة أنّ جميعهم عائدون للبلاد من إيران، وأحدهم من المملكة العربية السعودية.

ونقلت وكالة الأنباء الكويتية "كونا"، عن الوزارة قولها؛ إنّ الإصابات الجديدة لأشخاص قادمين من إيران كانوا في الحجر الصحي الإجباري هناك، موضحة أنّهم جميعاً بحالة جيدة.

وتابعت الوزارة الكويتية، في بيان: "تمّ عزل المصابين في إحدى المستشفيات المعدة للتعامل مع فيروس كورونا المستجد"، الذي يطلق عليه علمياً اسم "كوفيد-19".

البحرين والعراق والكويت وعمان تسجل أول إصابات بفيروس كورونا معظمها من العائدين من إيران

هذا وقرر مجلس الوزراء الكويتي، الإثنين، وقف الاحتفال بعيدها الوطني الـ 59، الذي يصادف 25 شباط (فبراير) من كل عام، بسبب فيروس كورونا المستجد حتى إشعار آخر.

 في سياق متصل؛ سجلت سلطنة عُمان، الأول من أمس، إصابتين بكورونا الجديد لمواطنتين عُمانيتين قدمتا من إيران، بينما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني تعليق كلّ الرحلات الجوية مع إيران.

ونقل تلفزيون عُمان، عن وزارة الصحة، أنّ المصابتين تخضعان حالياً للحجر الصحي في المنزل، مشيرة إلى أنّ حالتهما مستقرة.

كوريا الجنوبية تؤكد أنّ إجمالي عدد المصابين بفيروس الكورونا ارتفع إلى 763 شخصاً

وكتبت الهيئة العامة للطّيران المدني العمانية، في تغريدة على حسابها بتويتر: "الهيئة تُعلّق جميع رحلات الطيران المدني بين السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، اعتباراً من اليوم.. وإلى إشعار آخر".

وفي العراق، أعلنت السلطات في مدينة النجف، جنوب بغداد، أمس، ظهور أول إصابة بالفيروس، وقالت إنّ المصاب مواطن إيراني دخل البلاد قبل قرار منع دخول الإيرانيين بثلاثة أيام.

وأوضحت دائرة صحة النجف في بيان؛ أنّ "نتائج الفحوصات المخبرية التي أجريت اليوم أظهرت إصابة أحد طلبة العلوم الدينية من الجنسية الإيرانية، ممن كانوا قد دخلوا إلى العراق قبل قرار خلية الأزمة الوزارية منع دخول المواطنين الإيرانيين".

وسجلت الإمارات، حتى الآن، 13 حالة فيها، وقالت إنّ أحدث حالتين هما لسائح إيراني وزوجته.

إيران تعلن رسمياً وفاة أربعة أشخاص بالمرض ونائب عن قم يؤكد أنّ العدد تجاوز في قم فقط 50 حالة وفاة

هذا وقد أعلنت أفغانستان أيضاً تسجيل أول إصابة بالفيروس في ولاية هرات، غرب البلاد، في حين قالت السلطات في إيران؛ إنّ عدد الوفيات بسبب الفيروس ارتفع إلى 12 وتجاوز عدد الإصابات 60 حالة.

وفي كوريا الجنوبية، ارتفع إجمالي عدد المصابين بالفيروس إلى 763 شخصاً، وذلك بعد تسجيل 161 حالة جديدة، رغم رفع الحكومة مستوى التأهب للأمراض المعدية إلى أعلى درجاته.

وقالت المراكز الكورية لمكافحة الأمراض والوقاية منها؛ إنّ 115 من الحالات الجديدة لها صلة بكنيسة في مدينة دايغو جنوب شرق البلاد، بعد أن أثبتت الاختبارات إصابة امرأة بالفيروس عمرها 61 عاماً، كانت قد حضرت أكثر من قداس هناك الأسبوع الماضي.

وذكرت وزارة الدفاع في كوریا الجنوبیة، أمس؛ أنّ 13 جندیاً في الخدمة العسكریة أصیبوا بفیروس "كورونا"، مؤكدة عزل نحو 7500 عسكري.

وفي إيطاليا، تأكدت رابع وفاة بالفيروس، ما عمّق المخاوف بشأن تفشّي الفيروس في أنحاء أوروبا، وأصيب أكثر من 150 شخصاً في إيطاليا؛ حيث تمّ تأجيل عدة مباريات لكرة القدم ضمن دوري الدرجة الأولى الإيطالي.

وعُلّق كذلك مهرجان البندقية الشهير، فيما ألغيت عدة عروض أزياء ضمن أسبوع الموضة في ميلانو، وصدرت أوامر لأكثر من خمسين ألف شخص في نحو عشر بلدات شمال إيطاليا بالتزام منازلهم، بينما أقامت الشرطة نقاط تفتيش لتطبيق الحظر.

هذا وقد ارتفعت حصيلة ضحايا فيروس كورونا في إيران إلى 12، وفق ما أعلن، أمس، متحدث باسم البرلمان.

وسجلت إيران أربع وفيات جديدة بفيروس كورونا الجديد في إيران، ما يرفع حصيلة ضحايا وباء "كوفيد-19" إلى 12.

وكان النائب الإيراني عن مدينة قم، أحمد أمير آبادي فراهاني، قد اتّهم الحكومة بـ "عدم قول الحقيقة" بشأن حجم انتشار الفيروس في البلاد، وفق ما أوردت وكالة أنباء "إسنا" شبه الرسمية، متحدثاً عن "50 حالة وفاة" فقط في مدينة قم.

في غضون ذلك، قررت السلطات الصينية تأجيل الاجتماعات السنوية للبرلمان، المقررة في آذار (مارس) المقبل، بسبب تفشي فيروس كورونا، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

ورغم ذلك، بدأت الصين تخفيف بعض القيود المفروضة في ووهان، وقالت إنّها ستسمح للمقيمين غير المحليين بمغادرة ووهان، مركز تفشي الوباء، حتى مع ارتفاع عدد الإصابات بالفيروس إلى أكثر من 77 ألف شخص.

وأعلنت لجنة الصحة الوطنية، أمس، تسجيل 409 حالات إصابة جديدة مؤكدة بفيروس كورونا، الأحد، انخفاضاً من 648 حالة يوم السبت، لكنها قالت في بيان إنّ معدل حالات الوفاة الجديدة ارتفع إلى 150 حالة مقابل 97 حالة.

وقالت إنّ إجمالي عدد الإصابات المؤكدة في الصين وصل الآن إلى 77,150 حالة، في حين بلغ عدد الوفيات 2592.

هذا وقد حذّرت منظمة الصحة العالمية من أنّ فرصة احتواء فيروس كورونا في العالم تتقلص، مشددة على ضرورة تحرك دولي للعالم سريعا للسيطرة على انتشاره.

 

للمشاركة:



أردوغان والبحث الدائم عن "الأمان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

محمد حسن الحربي

في التاريخ البشري المعاصر، توجد فئة محدودة من السياسيين، أينما ذهبوا أخفقوا في مساعيهم، وخلّفوا لشعوبهم خيبات صادمة تدوم لأجيال، ويعدُّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحدهم بامتياز. فبعيداً عن الهوى، واعتماداً لوقائع على الأرض، وفي ضوء تحليلات متخصصين في الشأن، يصل المراقب بموضوعية إلى نتيجة بأن الرجل مصرٌّ على المضي في سياسته الخارجية المتخبّطة. فما أن يعلن عن إبرام اتفاق، سواء كان لتصدير الأجبان والأقمشة، أو تصدير المقاتلين المرتزقة لرسم خرائط البحار، أو لإنجاح هروبه من حلفاء الأمس، إلى آخرين جدد أقل ذكاءً منهم، بحثاً عن تنوّع في مصادر الطاقة.. ما أن يُعلن عن أيٍ من تلك الاتفاقات، طبعاً عبر خطاب جماهيري، تحريضي وحربي اللهجة، إلا وطلّت الأزمات برأسها تباعاً لتتدحرج ككرة الثلج وتسد منافس شعب مخنوق في الأساس بتهمة (فتح الله غولن) الأزليّة التي لا تنقضي.
آخر الأزمات، التوتر التركي مع المغرب، إذ هددت الرباط بالانسحاب من اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المغربي، قدّرها مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد، بملياري دولار. من بين الأسباب المباشرة لها، التفاف تركيا على الاتفاقية وإغراق الأسواق المحلية بمنتجاتها، وتعثير إجراءات دخول المنتجات المغربية إلى الأسواق التركية. وكان دائماً هدف تركيا من الاتفاقية هو (التجارة الآمنة). والجزائر، البلد الجار، لم تنج هي الأخرى من أردوغان الذي غادرها بعد زيارة، ليخلّف فيها استياءً عاماً، إذ أطلق وابلاً من التصريحات النارية تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وظّف فيها معلومات مغلوطة (= إحصائيات) استنبطها خطأً في الجزائر، مما دفع الأخيرة إلى استنكار محتوى التصريحات والمعلومات المغلوطة الواردة فيها، والزج باسمها بطريقة خارجة على الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياسة كما الاقتصاد، هدف أردوغان إلى تحقيق (الحدود الآمنة) فما كان يدفعه في الملف السوري هو عاملان معلنان، الأول (الحدود الآمنة) التي يرى أنها شريط حدودي خالٍ من الكرد السوريين. والثاني اللاجئون السوريون المقدّرين بـ(3.6) مليون لاجئ يبتز بهم أوروبا. إن شعار (الحدود الآمنة) الذي رفعه أردوغان، هدفه المضمّر كان احتلالاً لموقع جيوسياسي في أرض سورية، إضافة إلى توافره على سلة خيرات زراعية، وأيدٍ عاملة فنية، وورقة ضغط سياسي في أية مفاوضات مقبلة. المقياس ذاته حينما يريد المرء تطبيقه على إدلب، يكتشف كان شعار (الحدود الآمنة) كاذباً، فإدلب لا كُرد فيها بل هي خزان يعج بالمتطرفين من كل الدنيا. وأدلب كانت فخاً رتّبه بحنكة الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان في أستانة ثم سوتشي، وما الصرخات التي تُسمع اليوم لأردوغان ووزرائه كنتيجة لأدلب، سوى انعكاس لحقيقة المأزق في الحفرة التي دفعَ إليها جيشه. أما في ليبيا التي ذهب إليها بشعار مختلف (رسم خرائط البحار) بين ضفتي المتوسط، وكان يحمل مضمّراً هو (الطاقة الآمنة). فاللجوء إلى تعويم «حكومة الوفاق»، غايته كانت استثماراً استباقياً في اقتصاد ما بعد الحرب، فعين الرئيس أردوغان على النفط الليبي الذي سيخلصه من الأسر الأبدي للحليفين الروسي والإيراني في مجال الطاقة.
من يريد معرفة سبب تخبط أردوغان في السياسة الخارجية، ودخوله في مناظرات مقلقة فيما يخص العالم، عليه معرفة معاناته الداخلية ومشكلاته، فالمعارضة النشطة يمثلها اليوم حزبان، الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والثاني يقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان بدعم مباشر من عبد الله غُول، رئيس الوزراء الأسبق. والاقتصاد التركي يعاني من ضعف الأداء، فنسبة النمو تراجعت إلى 2% في السنوات الأخيرة، في مقابل 9% في السنوات السابقة، وبالتالي فالمطلوب العاجل تحقيق نسبة 4% لضمان مستوى معيشة المواطنين، في مواجهة ضغوط الزيادة السكانية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

ما الذي يجمع الإخوان وكتائب حزب الله في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عبدالجليل معالي

استقبل الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، رشيد العزاوي، الأحد، وفدا من المكتب السياسي لكتائب حزب الله في العراق. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية، وتطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية، وملف تشكيل الحكومة المؤقتة، والاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين، والتعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة. وأكد الطرفان على ضرورة تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وأهمية تحشيد كافة الجهود لتوفير الظروف المناسبة لإنجاحها.

يذكرُ أن رشيد العزاوي هو صديق مقرب للإيرانيين وعاش في إيران جزءا كبيرا من حياته. قدمت له كتائب حزب الله تهنئة متأخرة على تسلمه مسؤولية قيادة الحزب الذي سبق له أن توفي سياسيا. وقد يبدو لقاء الحزبين، متصلا في الظاهر ببحث صعوبات ومعوقات تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، (وهذا أمر موجود في اللقاء) إلا أنه في العمق يخفي إشارات سياسية وأيديولوجية أكثر خطورة من معلن الاجتماع.

اجتماع قيادات الحزب الإسلامي السني، سليل  الإخوان المسلمين، مع وفد من كتائب حزب الله،  أحد أكبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق والذي يتبع أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه في إيران، يمكن أن يقرأ  بوصفه حالة “تجاوز” للطائفية السياسية في العراق، وهي مظهر سياسي استشرى منذ مفصل أبريل 2003، إلا أن ربط اللقاء بالتوقيت السياسي الذي جرى فيه، يسمح باستخراج جملة مضامين سياسية وأيديولوجية لا تمتّ بصلة لما يمكن أن يُعدّ تجاوزا للطائفية.

وقد وصفت مصادر سياسية عراقية اللقاء بأنه استعراضي ولا أهمية له. فلا الحزب الإسلامي ولا الكتائب قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة، والطرفان لا أهمية سياسية لهما. لكن ذلك لا يحول دون القول إن الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق استشعرت خطرا مدنيا قادما يمكن أن يهدد مصالحها وهيمنتها على السلطة، ويمكن أن يهدد تبعا لذلك إيران. على ذلك سارعت هذه القوى إلى إعلان وحدتها في وجه التعبيرات المدنية التي تعالت أصواتها في ساحات الاحتجاج.

ففي مواجهة الخطاب المدني، تلجأ الأحزاب الدينية إلى الاتحاد، ولا ترى ضيرا في تجاوز اختلافاتها المذهبية والأيديولوجية، والهدف المشترك هو تأبيد البقاء في السلطة ومنع النقيض السياسي من فرض مقولاته السياسية.

دأبت أحزاب الإسلام السياسي، في أكثر من قطر عربي إسلامي، وخاصة في العراق على تجاوز ما يفرقها فكريا ومذهبيا، من أجل التصدي لـ“خطر مشترك”، والخطر الماثل اليوم كامن في إصرار الاحتجاجات ومرابطتها على شعاراتها المدنية، الرافضة لحكم الأحزاب الدينية، والمعبرة عن وكالة سياسية لإيران، وهنا بالتحديد كان توجس الأحزاب الدينية مزدوجا، إذ قرأت الاحتجاجات على أنها تهديد مزدوج على بقائها في السلطة بما تعنيه من منافع سياسية ومادية، وأيضا على ارتباطها بإيران التي تمثل القاعدة السياسية والأيديولوجية لوجودها السياسي.

وفي لقاء الحزب الإسلامي مع كتائب حزب الله، بعد آخر متصل بالراهن العراقي، وله أيضا دلالات تضفي على الاجتماع المزيد من الأهمية. إذ لا يمكن إغفال ما صدر إعلاميا عن اللقاء من كونه بحث “تطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية وملف تشكيل الحكومة المؤقتة”، ولو أنه ادعى “الاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين” و“التعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة” والمحور الأخير يرادُ له أن يشير إلى أنه من بنات أفكار الحزب الإسلامي الذي يزعمُ الذود عن مطالب المكون السني، والذي كان في صدارة المتضررين من الحملة على تنظيم داعش الإرهابي وما صاحبها من تنكيل بالعرب السنة في العراق.

وفي التاريخ العراقي القريب صفحات كثيرة دالة على “براغماتية” الحزب الإسلامي، الذي كان من أول الأحزاب العراقية التي رحبت بالاحتلال الأميركي وشارك في العملية السياسية المترتبة عن ما بعد مفصل أبريل 2003، حيث تم اختيار محسن عبدالحميد، الأمين العام للحزب وقتذاك، عضوا لمجلس الحكم العراقي الذي أسسه بول بريمر، ثم تقلد منصب رئيس المجلس ابتداء من شهر مارس 2004.

ففي حاضر الحزب الإسلامي وماضيه ما يعبر عن ذلك النزوع نحو إدارة الظهر للانتماء الوطني، والاستعاضة عنه بالانتصار للانتماء المذهبي والديني، سواء كان انتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو الانتماء لمنظومة الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا ما يبرر التقاءه مع كتائب حزب الله، وهو تجمع يضم كتائب لواء أبي الفضل العباس وكتائب كربلاء وكتائب السجاد وكتائب زيد بن علي، أعلنت توحدها تحت اسم “حزب الله العراقي” في العام 2006.

على أن الالتقاء التكتيكي الذي حصل الأحد، حول مفردات سياسية راهنة عنوانها الأساسي أزمة الحكومة، لا يخفي التقاء أيديولويجا عنوانه الأبرز المزيد من تكريس مقولات “الإسلام هو الحل” والإيغال في الذهاب بالعراق نحو الدولة الدينية أو على الأقل تجنب كل تهديد لهذا الملـمح الديني الذي تبتغيه هذه الأحزاب الإسلامية للعراق.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الفنان محمد نصر الله: المخيم علّم ألواني الحب والحرية

2020-02-25

أجرت الحوار: رشا سلامة


قلّما تكون فلسطين حاضرة في نتاج مبدع ما، بشكل كامل غير منقوص البتة، كما يحدث لدى الفنان التشكيلي، محمد نصر الله؛ إذ لا تكاد الذاكرة تحصر له عملاً واحداً لا يستحضر فيه فلسطين، بدءاً من الألوان التي تحاكي الجغرافيا الفلسطينية، مروراً بمحطات القضية الفلسطينية تاريخياً، وليس انتهاءً بأسماء معارضه وحديثه هو نفسه عن نتاجه.

اقرأ أيضاً: التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

حياة نصر الله، المولود عام 1963، في مخيم الوحدات في الأردن، لأبوين هُجّرا من قريتهما المقدسية "البريج"، مرتبطة كذلك، بتفاصيلها كلّها بالقضية الفلسطينية؛ إذ لا تكاد عبارة واحدة لنصر الله، أو لفتة، أو موقف تواصل اجتماعي يخلو من ذِكر فلسطين.

كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين

يقول محمد نصر الله إنّه تمرّد على قيود الوظيفة ولم يحتمل محدّداتها، كما أطلق لنفسه العنان، طوال الأعوام الماضية، للخروج عن دوائر المألوف والمتوقَع، فأقام معرضه الثاني "أناشيد التراب 2" بينما كانت حرب الخليج تقرع طبولها، رغم تحذيرات كثيرين له من أنّ الوقت غير مواتٍ لهذا، كذلك هو محمد نصر الله، الذي لم يدرس الفنّ التشكيلي ضمن قوالب معلّبة، ولا تتلمذ على يد أستاذ بعينه، ولم يُحسب على مدرسة محدّدة، تماماً كما أراد طوال حياته.

كان لـ "حفريات" هذا الحوار مع الفنان التشكيلي، محمد نصر الله، الذي درسَ الفنون في معهد الفنون الجميلة، كما حصل على دبلوم فيها من المركز الثقافي الإسباني في عمّان، والذي يعكف على مشروع جديد، عنوانه الأبرز فلسطين، كما هو دأبه دوماً.

- بعد مرور هذه الأعوام، التي أمضاها محمد نصر الله بين المخيم والفنّ الذي ما برح المخيم؛ هل ثمة شعور باليأس من طول المسافة؟ تبدو الدرب طويلة جداً نحو التحرير، وتحديداً على ضوء المعطيات الأخيرة، هل تعِب نصر الله؟

أدين بكلّ شيء للألوان والمخيم؛ ذلك أنّه علّمني الحب والحرية، رغم عتمة هذا الكون المليء بالهموم والأحزان، ولم أتعب يوماً؛ بل بقيت طفل المخيم الصغير الذي لم يبلغ سنّ الرشد بعد؛ أحبو على عتبات بيوت المخيم وأتعلّم كلّ يوم.
مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، وأكبر من رواية، لقد حمّلني المخيم بتجارب كثيرة منذ طفولتي، وهي التجارب التي ما أزال أتتلمذ على يدها حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لطالما كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي، وهي الجوقة التي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين.
لم أتعب، ولم يتراجع أملي يوماً ما في أنّ الحرية قريبة جداً، هكذا تبشّر اللوحة.

-  تبدو الحرية منظومة متكاملة لدى محمد نصر الله؛ إذ لم تقف عند حدود فلسطين، بل لطالما كان أحد المبدعين الذين لم يرضوا بتكبيل ذاتهم بقيود وظيفية؛ إلى أيّ مدى وجدت هذا قراراً مريحاً صائباً أو صعباً؟

لا أحتمل الحياة الوظيفية، بكلّ قيودها الزمنية؛ لأنّها مقتل للمبدع؛ لهذا تركتها مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأخذت قراراً بأن أتفرّغ للفنّ، وما يزال هذا القرار معمولاً به لديّ حتى اللحظة.
الفنّ متنفسي الوحيد في هذا العالم، ولست حزيناً؛ لأنني وجدته سبيلاً لنفسي، ووجدته ملاذاً من هموم الدنيا كلها، وميداناً واسعاً أترافع فيه عن فلسطين وأتحدث فيه عن حياة المخيم، لم أخسر شيئاً، على العكس، ربحت لوناً لأتنفس منه وأطلّ على العالم كيفما أريد.

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم

لطالما وضعت نصب عينيّ أني أريد حياة تشبهني، لا حياة على مقاسات الآخرين ورغباتهم وتوقعاتهم، وكان لي هذا.
وقد تمرّدت على القوانين والمتوقع منذ زمن طويل، لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة في الفنّ التشكيلي، بل أطلقت العنان لذاتي، وحتى حين قرعت حرب الخليج طبولها، وكنت بصدد إقامة معرضي الثاني "أناشيد التراب 2" نصحني من حولي بالتريّث؛ لأنّ الوقت غير مواتٍ، لكني لم أستمع لهم، بل اعتقدت أنّ الحرب لن تحول دون تذوّقنا للجمال والاحتفاء به.
ذات مرة، كنت قد حضّرت لمعرض جديد ثلاثين لوحة، لكني بمجرد أن اهتديت لما يعبّر عني أكثر في لون اللوحة وملمسها، نسيت الثلاثين لوحة وانطلقت لتجربة جديدة مع اللون والتشكيل، لطالما أردت أن أكون هكذا: حراً من أيّ قيد قد يكبّلني، إن كان لا بدّ من قيود، فليرسمها الفنّ، لا الإنسان؛ ذلك أنّ الفنّ لا يمنح العالم إلا جمالاً، أنت هكذا كمن يضع العهدة في اليد الأمينة.

-  يرى كثيرون أنّ الإفراط في الغموض والرمزية في اللوحة، كما في باقي ضروب الفنون، قد يفضي لقلة إقبال الجمهور على الفنّ التشكيلي والإبداع عموماً؛ ما رأيك؟

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً، على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم.
ولهذا السبب، ليست لديّ مشكلة مع الجمهور بكافة فئاته؛ فحضوره لم يقلّ منذ انطلاقة تجربتي؛ لأنني أرسم ما يحدث داخلي، وأنقل قضايا شعبي والناس، رغم الرمزية.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
لهذا، لا بدّ من الحرية، ولا بدّ من ترك هامش حرية كبير للفنان، فليترك الكلّ متسعاً للفنان حتى يعبر عما يجول بداخله بالطريقة التي يراها صائبة فنياً وإنسانياً وإبداعياً، لكلّ تجربة تفاصيلها السرية، بدءاً من اللون؛ لهذا حين أرسم يحملني اللون بعيداً، ومنه أبدأ كلّ مرة مشروعي الفني، وأدخل في تفاصيل العمل وأجوائه ولا أفكر البتة فيما يتوقعه الآخرون وما يريدونه.

- الفنان التشكيلي محمد نصر الله هو شقيق الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله؛ هل ثمّة تعاون قد نشهده بينكما، يتجاوز حدود أغلفة روايات إبراهيم الممهورة عادة باسمك؟ ويحيلنا هذا لسؤال حول جديدك الذي تعكف عليه.

ربما يحدث هذا يوماً، فالذي يجمعنا كثير؛ فلسطين ومخيم الوحدات والانحياز للحرية والجمال، لقد عبّر كلّ منا عن مفاصل كثيرة في القضية الفلسطينية، كلّ بأدواته؛ إبراهيم بالكلمة وأنا باللون، وأحسب أنّ كلّ واحد منا عبّر بما يراه مناسباً وقوياً وممثلاً له ولما يشعر به.

لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة فنية

أؤمن بأنّ للوحة خصوصيتها، وأنّها حتى حين تترجم ما قالته قصيدة، فإنّ عليها منح القصيدة مزيداً من الألوان والأطياف والتفسيرات والمعاني.
ما أعكف عليه هو مشروع فني جديد، يعدّ استمراراً لما بدأت به منذ تفتحت عيني على الفنون، ومنذ لامس المخيم وعيي؛ ما أزال أتعلم وأجرّب وأختبر كلّ شيء بمتعة ودهشة، كما لو أنّها المرة الأولى، وستكون القضية الفلسطينية وما رافقها وحفلت به من تجارب إنسانية غنية هي زادي في هذه الرحلة الطويلة والممتعة، بقدر ما تبعث على الحزن والأسى في مرات؛ ذلك أنّني أتمنى لو كانت فلسطين حرة وخلّدنا هذه الحرية في اللوحات، عوضاً عن كلّ هذا الإرث الذي ما وسمه شيء بقدر الألم؛ لذلك أسعى في مشروعي الجديد إلى إكمال ما بدأته منذ أعوام، تاركاً للون والإحساس العنان ليقوداني حيثما يريدان، وحتى الإطار الزمني الذي تفرغ فيه هذه اللوحات متروك للشعور.
حين أشعر بأنني عبّرت عن كلّ ما يعتمل في داخلي، في هذه الفترة، أكون قد فرغت.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية