مجازر تركية في عفرين على وقع اتفاقات لشل الأكراد واحتوائهم

7880
عدد القراءات

2018-02-22

واصلت حملة "من أجل عفرين" رصدها بالوثائق والصور والفيديوهات، ما اعتبرته "مجازر" الجيش التركي بحق المدنيين في قرى عفرين، في وقت شهد أنباء متضاربة بشأن توافقات غامضة حول عفرين تتعلق بدخول قوات موالية للنظام السوري للمنطقة التي تتعرض لهجوم عسكري تركي منذ حوالي شهر.

وتتناقل أطراف الأزمة أنباء عن عقد اتفاق مع "روسيا"، الدولة التي بدخولها للأزمة السورية منعت النظام السوري من السقوط.

وقال التقرير الصادر أمس، عن حملة "من أجل عفرين" والذي وصل "حفريات" نسخة منه، إنّ الجيش التركي ارتكب خلال عمليات القصف الجوي والأرضي منذ بدء العملية العسكرية مجازر عدة بحق المدنيين معظمهم من الأطفال والنساء في قرى محيطة بعفرين شمال غرب سوريا.

وبحسب التقرير، فإنّ عمليات القصف أودت بحياة عشرات الأشخاص في وقت قضت عوائل كاملة جراء ذلك.

 

 

قصف قرية باسوطة

وطال القصف أول من أمس الثلاثاء قرية باسوطة التي تقع على بعد نحو عشر كيلومترات إلى الجنوب من مدينة عفرين أصيب على إثره نحو ثمانية أطفال وفقدت طفلة حياتها، بحسب نشطاء ميدانيين.

الطبيب جوان محمد من إدارة مشفى أفرين تحدث للحملة قائلاً إنّ "الشهداء والجرحى الذين يصلون إلى مشفى أفرين أغلبهم من النساء والأطفال، ونستغرب من أقوال بعض السياسيين الأتراك في عدم قتل المدنيين، فهناك يومياً مجازر ترتكب بحق النساء والأطفال، وكمثال هناك 11 شخصاً من عائلة واحدة أغلبهم نساء وأطفال، هذا فقط من باسوطة التي تم قصفها الاثنين، عدا المناطق الأخرى التي يأتي منها جرحى أو شهداء".

المسؤول الكردي جيا كرد: يمكن أن نتعاون مع أي جهة تمد يد العون لكون الرأي العالمي صامتاً

وأضاف الطبيب أنه "قد تم توثيق أسماء الجرحى والشهداء الذين وقعوا في قرية باسوطة، ولا يزال الجرحى في المشفى. كما أنّ جثة أحد الشهداء لا تزال في براد المشفى"، منوهاً إلى أنّ "غالبية المجازر التي تحدث تكون بحق الأطفال من عوائل كاملة، حيث يقتل الأب والأم وأطفالهم، كما حدث في مجزرة قرية غوبله بريف عفرين، فكان الضحايا 6 والباقي كانوا صغار السن".

بحسب التقرير، فإنّ عمليات القصف أودت بحياة عشرات الأشخاص في وقت قضت عوائل كاملة جراء ذلك

ويقول خليل كلاحو، وهو جريح ووالد لطفلين جريحين: "استُهدفنا براجمات الصواريخ بقصف عشوائي في قرية باسوطة، ونتيجة لهذا القصف وقع 9 ضحايا، ما بين جروح خفيفة وجروح عميقة، استشهدت خلال هذه الواقعة فتاة في الـ13 من عمرها، هي ابنة عمي واسمها هيفا كلاحو". وأكد: "باسوطة معروفة بسلامها والتعايش السلمي بين سكانها، بين كردها وعربها، وهي بعيدة عن خطوط الجبهة عدة كيلومترات، وليست على تماس مع المعارك المباشرة".

أما الطفلة آفا كلاحو (8 سنوات من باسوطة) فتروي ما جرى معها وتقول: "كنت ألعب أنا وأولاد عمي وسقطت بالقرب منا قذيفة، وقد أصبت في يدي بينما استشهدت ابنة عمي، من ثم جاء بنا أبي إلى المستشفى".

ويقول مصطفى عبدو (من أقارب الجرحى من باسوطة): "سقطت قذائف على باسوطة حيث سقطت 10 قذائف ما بين الساعة الثانية والثانية والنصف. نحن بعيدون عن الجبهة، ورغم ذلك تسقط القذائف بشكل عشوائي". وتساءل: "هؤلاء الصغار ما ذنبهم، وهناك 9 جرحى وشهيد أيضاً، أين هي حقوق الإنسان التي يتكلمون عنها، هناك دمار كبير حدث في القرية حيث تضررت أكثر من 10 منازل فيها".

أكراد سوريا هم حلفاء أمريكا وموطئ قدمها، ومن الطبيعي أنها لا تريد قوة لحلفاء غريمتها في سوريا

وتشرح حنيفة خليل، وهي من أهالي قرية باسوطة: "كنا جالسين في بيتنا، أثناء الغداء سمعنا صوتاً في الجهة المقابلة للبيت، فهربنا إلى أحد الأقبية، من ثم وبعد أن عدنا في فترة العصر رأينا بيتنا مهدماً، مع بيت ابني وبيتين اثنين لجيراننا، وكانت القذائف قبل ذلك قد أدت إلى جرح أطفال في القرية كما استشهد أحدهم".

لقاءات لجرحى وبعض أهالي باسوطة (فيديو) : انقر هنا

وكانت قوات الجيش التركي وموالوه قصفت من قبل مركز مدينة عفرين بالقرب من مدينة الملاهي بالمدفعية، ما أسفر عن إصابة ستة أشخاص من عائلة واحدة بينهم أطفال.

وقال سيبان جان وهو صحفي وناشط إنّ "الجيش التركي قام خلال يومين متتاليين بقصف مركز مدينة عفرين، ما أدى إلى إصابة مدنيين بجروح خفيفة في وقت احترقت نحو سبع سيارات عائدة لمدنيين في مركز عفرين".

واستهدف القصف الأسبوع الماضي ناحية جنديرس و ناحية شرا، في حين  وردت أنباء عن قصف قرية تل سلورة في جنديرس بالأسلحة الكيماوية. ونتيجة لذلك جرح عدد من المدنيين، ومن المقرر إسعافهم إلى المشفى لمراقبة وضعهم الصحي، لأنّ الفرق الطبية لا تستطيع الوصول إليهم نتيجة القصف المستمر، كما يذكر سيبان جان، الذي أضاف أنّ مدرسة ثانوية دمرت بشكل شبه كامل في جنديرس.

بدران جيا كُرد: قوات جيش النظام السوري ستنتشر في بعض المواقع الحدودية وقد تدخل منطقة عفرين

قوات سورية إلى عفرين بين التأكيد والنفي

وفي سياق التطورات الميدانية، السياسية والعسكرية، أعلن بدران جيا كُرد، المستشار بالإدارة التي تدير مناطق الحكم الذاتي بشمال سوريا، أن قوات جيش النظام السوري ستنتشر في بعض المواقع الحدودية وقد تدخل منطقة عفرين.

وقال جيا كرد "يمكن أن نتعاون مع أي جهة تمد يد العون لكون الرأي العالمي صامتاً، وما يرتكب من جرائم وحشية أمام مرأى ومسمع العالم"، في إشارة إلى الهجوم التركي على عفرين.

الحديث عن هذا الاتفاق أكده، كما أفاد موقع "العربية" إعلام النظام السوري، وتلاه موقف تركي مرحّب على لسان وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو حيث قال: "لا مشكلة إذا دخلت قوات النظام السوري عفرين للقضاء على وحدات حماية الشعب الكردية"، ولكنه حذّر أيضاً وأضاف: "إذا دخلت قوات سورية لعفرين لحماية المقاتلين الأكراد فلا يمكن لأحد وقف القوات التركية".

ولم تمض ساعات على إعلان الاتفاق والترحيب التركي حتى جاءت أنقرة بموقف جديد جاء هذه المرة على لسان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالِن الذي أعلن موقفه بتغريدة على موقع تويتر قائلاً: "إن الأنباء الواردة حول اتفاق النظام السوري مع التنظيم الإرهابي (وحدات حماية الشعب الكردية)، بخصوص عفرين، تهدف لتحقيق أغراض دعائية، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود مساومات سرية وقذرة بينهما"، كما قال.

الموقف التركي رافقه موقف كردي نافٍ للاتفاق المعلن عنه. وقال نوري محمود، المتحدث باسم الوحدات لرويترز بالهاتف "ليس هناك أي اتفاق. فقط يوجد دعوة من قبلنا بأن يأتي جيش (النظام) السوري ويحمي الحدود".

أردوغان أجرى محادثات الإثنين الماضي مع كل من بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني عن سوريا

أردوغان: تركيا أحبطت المخطط

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أول من أمس الثلاثاء، إن تركيا أحبطت نشراً محتملاً لقوات سورية في منطقة عفرين بشمال غرب سوريا بعد محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأضاف أنّ قوات تركية وحلفاءها السوريين سيبدأون حصار عفرين في الأيام المقبلة في إطار العملية التركية.

وقال متحدث باسم الحكومة التركية إنّ أردوغان أجرى محادثات الإثنين الماضي مع كل من بوتين والرئيس الإيراني حسن روحاني عن سوريا.

الأكراد: روسيا تضع العقبات

بدوره، اتهم سليمان جعفر، العضو بالمجلس المحلي لعفرين أول من أمس، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، روسيا بوضع العقبات أمام الاتفاق الذي ترددت الكثير من الأنباء مؤخراً بشأن التوصل إليه بين النظام السوري ومسلحين أكراد للسماح لقوات شعبية موالية للأسد بدخول عفرين لدعم المسلحين الأكراد في مواجهة العمليات التي تقودها تركيا ضدهم.

وقال جعفر، إنّ "المفاوضات مستمرة منذ أسبوع، إلا أن الروس يضعون العراقيل حتى لا يسمحوا بتنفيذ مثل هذا الاتفاق"، مضيفاً: "لدينا معلومات مؤكدة بأن روسيا أعطت لتركيا الضوء الأخضر لتدمير كل شيء في عفرين".

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تنسق هي الأخرى مع الروس. وأضاف: "يبدو أن القوتين العظميين (الولايات المتحدة وروسيا) أعطتا تركيا اليد العليا لمهاجمة عفرين".

قوات موالية للأسد تدخل عفرين

ولكن مساء أول من أمس حدث تطور جديد وهو دخول ميليشيات موالية لرئيس النظام السوري بشار الأسد منطقة عفرين، وهو ما أربك الإعلام والمحللين السياسيين.

وأعلنت القوات الشعبية السورية (ميليشيات تابعة لنظام الأسد)، مساء الثلاثاء، تسلمها مواقعها بالتنسيق مع وحدات حماية الشعب الكردية.

القائد الكردي سليمان جعفر: لدينا معلومات مؤكدة بأنّ روسيا أعطت لتركيا الضوء الأخضر لتدمير كل شيء في عفرين

ونقلت وكالات إعلام عالمية عن مصادر كردية: "دخلت مجموعتان من القوات الشعبية إلى منطقة عفرين وانتشرت في المواقع المحددة لها، وأن مجموعة ثالثة لم تدخل إلى المنطقة بعد تعرض معبر الزيارة لقصف من القوات التركية". وأكدت المصادر أنّ عمليات وصول القوات وانتشارها سوف تتواصل خلال اليومين القادمين.

وحسب التقارير دخلت عشرات الآليات العسكرية والعربات المزودة بأسلحة متوسطة ومضادات طائرات، وتحمل مئات من المقاتلين، إلى منطقة عفرين.

وقال نوري محمود، الناطق الرسمي لوحدات حماية الشعب في بيان، إنّ قوات النظام السوري "لبت الدعوة واستجابت لنداء الواجب، وأرسلت وحدات عسكرية اليوم للتمركز على الحدود والمشاركة في الدفاع عن وحدة الأراضي السورية وحدودها".

أردوغان: قافلة مقاتلين موالين للنظام السوري كانت بصدد دخول منطقة عفرين عادت أدراجها بعد قصف مدفعي تركي

أردوغان مجدداً: اتفقنا مع روسيا

بعد هذا الإعلان قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن قافلة مقاتلين موالين للنظام السوري كانت بصدد دخول منطقة عفرين بشمال غرب سوريا عادت أدراجها بعد قصف مدفعي تركي، مضيفاً أن القافلة كانت مؤلفة من "إرهابيين" تصرفوا بشكل مستقل.

وأضاف أردوغان أنه توصل في وقت سابق إلى اتفاق بشأن القضية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني حسن روحاني، وقال إن الجماعة، التي ذكر أنها مؤلفة من مسلحين شيعة، ستدفع ثمناً باهظاً.

الأكراد: اتفاقنا مع الأسد كان بوساطة روسية

وأكد رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي السابق أن قوات سوريا الديمقراطية عقدت اتفاقاً عسكرياً "فقط" مع النظام السوري وبوساطة روسية، مبيناً أنّ النداءات للنظام بدأت من الإدارة الذاتية في عفرين منذ نحو 23 يوماً (منذ بداية عملية غصن الزيتون التركية)، وأنّ الهدف من النداءات كان أن تتحمل الحكومة السورية مسؤولياتها وتدافع عن سيادتها في المنطقة الشمالية.

 هل سوف يأخذون سلطة المنطقة من الأكراد، أم سوف يدعمونهم في مواجهة تركيا؟

موقع الروس من الأزمة

دخلت ميليشيات موالية للأسد إلى عفرين واستمرت تركيا بمدفعياتها وطائراتها بقصف المنطقة لردعها. وتوعدت تركيا أمس الأربعاء بعواقب وخيمة، وذلك بعدما دخلت قوات موالية للحكومة السورية منطقة عفرين لمساعدة مقاتلين أكراد على صد هجوم تركي.

ويفتح هذا الباب أمام المزيد من التصعيد في الجبهة الشمالية في الصراع، حيث يتواجد كل من تركيا ومقاتلي المعارضة وجيش النظام السوري ومقاتلين مدعومين من إيران ومقاتلين أكراد وروسيا والولايات المتحدة.

حلفاء روسيا يدخلون عفرين وليس معلوماً الدور الذي سيلعبونه وما التوافق الذي جرى بينهم وبين الأكراد

يأتي هذا الوضع في حين أنّ الأطراف المتنازعة تتحدث عن اتفاق مع روسيا. وتساءلت "العربية": مع أي جهة اتفقت روسيا فعلاً؟ وبالأحرى، ما هي اللعبة التي تريد أن تلعبها موسكو في هذه الأزمة.

وكانت روسيا تلقت قبل أيام ضربة كبيرة من الولايات المتحدة وحلفائها الأكراد في دير الزور، حيث قتل ما لا يقل عن 200 من مرتزقتها.

ويرى مراقبون أن أكراد سوريا هم حلفاء أمريكا وموطئ قدمها في هذا البلد. ومن الطبيعي أنها لا تريد قوة لحلفاء غريمتها في سوريا.

في المقابل، حلفاء روسيا يدخلون عفرين وليس معلوماً ما هو الدور الذي سوف يلعبونه، وما هو التوافق الذي جرى بينهم وبين الأكراد الذين تعتبرهم تركيا أكبر أعدائها. هل سوف يأخذون سلطة المنطقة من الأكراد، أم سوف يدعمونهم في مواجهة تركيا؟

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"جثة البغدادي" وراء تفكيك خلية إرهابية بين المغرب وإسبانيا

2019-12-05

بعد هدوء قصير على ضفتي المتوسط، خلال الأشهر الماضية، عادت أخبار الخلايا الإرهابية لتتصدر من جديد أغلفة الصحافة الإسبانية ومعها الإشادة بالتعاون المغربي النموذجي في تعقب الجماعات المتطرفة. فقد أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية أمس عن تفكيك خلية مرتبطة بتنظيم داعش تتكون من أربعة أفراد، ثلاثة منهم جرى اعتقالهم فوق التراب المغربي بمبادرة من الأجهزة الأمنية، والرابع اعتقل في ضواحي مدريد من لدن الأجهزة الإسبانية.

وبحسب بلاغ الداخلية الإسبانية، فإنّ أعمار ثلاثة أفراد من هذه الخلية تتراوح ما بين 24 و29 عاماً، بينما يبلغ عمر الشخص الرابع الذي اعتقل فوق التراب الإسباني 31 عاماً، وتصفه الأجهزة الأمنية الإسبانية بأنّه الزعيم المفترض للخلية. ووفقاً للبلاغ نفسه فإنّ أفراد الخلية كانوا يعقدون بين الحين والآخر لقاءات سرية في مدينة مليلية المحتلة القريبة من الناظور شمال المغرب.

اقرأ أيضاً: ملامح مستقبل "داعش" في الصومال بعد مقتل البغدادي

بيد أنّ ما يثير في هذه الخلية، التي ليست الأولى التي يتم تفكيكها بتعاون بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، هو أنّ عناصرها كانوا يخططون للانتقام لمقتل أبي بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش الذي انتحر في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أثناء تعقب القوات الأمريكية له. فبعد أزيد من شهر على نهاية البغدادي يبدو أنّ التنظيم المتوحش قد انتهى من وضع مخطط إرهابي جديد لاستهداف عدد من البلدان، خصوصاً الأوروبية منها، انتقاماً لزعيمه المنتحر.

بعد نهاية البغدادي واستحالة تعويضه داخل التنظيم لا يبقى لدى هذا الأخير سوى توظيف جثة الزعيم المنتحر

ولعل هذا يشير إلى نقطة مركزية لا بد من التوقف عندها. فطوال العامين الماضيين، منذ أن تم القضاء على التنظيم في العراق وسوريا من لدن التحالف الدولي، حاول البغدادي مرات عدة إعادة إحياء مشروع ما يسمّى "دولة الخلافة" لدى بقايا مقاتلي التنظيم، الذين قضى الكثير منهم في المواجهات مع القوات العراقية وقوات التحالف الدولي، لكن من دون جدوى، والسبب أنّه بعد تفكك الدولة المزعومة وفقدانها المناطق التي كانت تسيطر عليها صار من الصعب خلق فكرة جديدة يتم تجييش المقاتلين القدامى حولها، أو استقطاب مقاتلين جدد للدفاع عنها، كما فعل التنظيم في أوج انتشاره بين عامي 2014 و2016. غير أنّه بعد مقتل البغدادي يظهر أنّ التنظيم وجد أخيراً ورقة يلوح بها في أوساط المقاتلين القدامى ويجند بها متطوعين جدداً للقتال، بدعوى الانتقام لمقتل "الخليفة". فبعد نهاية البغدادي واستحالة تعويضه داخل التنظيم بشخص آخر له نفس الكاريزما، لا يبقى لدى هذا الأخير سوى توظيف جثة الزعيم المنتحر.

وتقدم السرعة التي تم بها تفكيك هذه الخلية الجديدة بين كل من المغرب وإسبانيا صورة عن التعاون النموذجي الحاصل بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة. فقد انطلق هذا التعاون بوجه خاص منذ تفجيرات مدريد في آذار (مارس) من عام 2004، التي تم خلالها اعتقال عدد من المغاربة المهاجرين في إسبانيا لتورطهم فيها، ومنذ ذلك التاريخ تطور التنسيق بين البلدين بحيث صار نموذجاً للتعاون الأمني بين بلد في الاتحاد الأوروبي وبلد متوسطي من خارج الاتحاد. وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 2017، في أعقاب العملية الإرهابية في مدينة برشلونة، قال وزير الداخلية الإسباني، خوان إغناسيو زويدو، خلال زيارته للرباط، إنّ التعاون الأمني مع الرباط يعد مثالاً نموذجياً في الاتحاد الأوروبي لأشكال التعاون الأخرى التي يمكن للاتحاد أن ينخرط فيها مع بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط، وأشار إلى أنّ التنسيق الأمني بين مدريد والرباط تمكن خلال عام 2017 فقط من إطلاق 12 حملة أمنية داخل إسبانيا أدت إلى اعتقال 175 متشدداً.

تقدم السرعة التي تم بها تفكيك الخلية الجديدة صورة عن التعاون النموذجي بين المغرب وإسبانيا في مجال مكافحة الإرهاب

ويعود التركيز الإسباني على المغرب، كشريك أساسي في الحرب ضد الإرهاب، إلى الموقع الإستراتيجي الذي يحتله، ووجود سبتة ومليلية المحتلتين على أراضيه، وهما مدينتان محتلتان من طرف إسبانيا منذ قرون لكنهما اليوم تندرجان ضمن نطاق الأمن الأوروبي كجزء من الاتحاد. ونظراً لوجود عدد كبير من المغاربة في المدينتين فإنّ إسبانيا تجعل منهما محوراً رئيسياً في التنسيق الأمني مع المغرب، خصوصاً وأنّ عدداً من المغاربة في المدينتين سبق أن اعتقلوا في شبكات متطرفة خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وكان المعهد الملكي للدراسات (إلكانو) قد أشار في دراسة له العام الماضي إلى أنّ ثلاثة أرباع المتطرفين الذين قتلوا أو اعتقلوا بين 2013 و2017 في إسبانيا ينحدرون من هاتين المدينتين؛ حيث كشفت الدراسة أنّ 44 في المئة من هؤلاء ينحدرون من سبتة، و28 في المئة من مليلية، مشيرة إلى أنّ 40 في المئة من المغاربة الذين التحقوا بتنظيم داعش في نهاية 2013 كانوا ينحدرون من مدن الشمال المغربي القريبة من المدينتين المحتلتين.

كما يعود هذا التركيز أيضاً إلى الأعداد الكبيرة للجالية المغربية المقيمة في إسبانيا، خصوصاً في إقليم كاطالونيا، ذلك أنّ المغاربة في إسبانيا يشكلون تقريباً ثلثي المهاجرين، بنسبة تصل إلى 67 في المئة، ما يجعلهم الجنسية الأولى في إسبانيا بين المهاجرين. وبعد حصول عمليات إرهابية في عدد من المدن الأوروبية، مثل؛ باريس وبرشلونة وبرلين، تورط فيها مهاجرون مغاربة، باتت مدريد أكثر حرصاً على مد يدها إلى المغرب لتعزيز التعاون الأمني، قصد مراقبة تحركات بعض المهاجرين الذين يمكن أن يكونوا عناصر في شبكات إرهابية.

للمشاركة:

تونس: هل قطع راشد الغنّوشي الأغصان التي كان يقف عليها؟

2019-12-05

دخلت حركة النّهضة الإسلامية التونسية، للمرة الأولى، منذ خريف العام الحالي في دوامةٍ من الخلافات والانشقاقات، التي أدّت إلى تتالي الاستقالات من هياكلها، وخروج العديد من القيادات الحالية على واجب التحفظ الذي كان يميّزها، فتحوّل استقرارها الذي عاشته على مرّ الأعوام الماضية، إلى تصدّعٍ أدخلها في مناخٍ حزبي متحرّكٍ سمتُه التفكك والانقسام.

اقرأ أيضاً: تونس: رئيس الحكومة الجديد مستقل فعلاً أم واجهة لحركة النهضة الإخوانية؟‎
قدّم مؤخّراً الأمين العام للحركة زياد العذاري، الذي يوصف بـ "الابن المدلّل" لراشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، استقالته من أمانتها العامة، ومن كلّ الهياكل القيادية فيها، لتُسجّل بذلك أوّل حالة انشقاقٍ منذ انتهاء الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس، وبرّر العذاري استقالته في رسالة نشرها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، بكونه "غير مرتاح للمسار الذي أخذته البلاد منذ مدة، خاصّة عدداً من القرارات الكبرى للحزب في الفترة الأخيرة".

وأرجع قراره بالاستقالة، بحسب ما نشره للعموم، إلى "الفشل في إقناع مؤسسات الحزب في قضايا أراها مصيرية، وفي لحظة مفصلية بتفادي خيارات لا أراها (باجتهادي البسيط) جيدة للبلاد، كما لم أقتنع من جهتي بخيارات أخذتها مؤسسات الحزب (آخرها كان ملف تشكيل الحكومة القادمة)، أرى أنّها لا ترتقي إلى انتظارات التونسيين، ولا إلى مستوى الرسالة، التي عبروا عنها في الانتخابات الأخيرة، بل إنّني أحسّ وكأنّنا بصدد استعادة أخطاء الماضي نفسها"، وأضاف أنّه ما يزال يعتقد بأنّ الحكومة القادمة ربما تكون الفرصة الأخيرة للبلاد، وأنّه لم يعد لدى الحركة هامش للخطأ.
استقالات متتالية سببها الغنوشي
وتعدّ استقالة العذاري الثانية من الأمانة العامة لحركة النهضة بعد الثورة، بعد استقالة رئيس الحكومة الأسبق، حمادي الجبالي، ومن الحركة برمّتها أواخر العام 2013، وقد جاءت ضمن موجةٍ من الاحتجاجات والاستقالات، وتجميد العضوية في المكاتب الجهوية بالحركة، بما في ذلك استقالة القيادي التاريخي بالحركة، لطفي زيتون، من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة، الشيخ راشد الغنوشي، وهو الذي أدار مكتبه لأعوام في لندن، وكان كاتم سرّه إلى وقتٍ قريبٍ.

حركة النهضة الإسلامية دخلت للمرة الأولى منذ خريف العام الحالي في دوامة من الخلافات والاستقالات والانشقاقات

ويُعدّ زيتون الصوت التقدمي الأكثر بروزاً داخل الحركة، حتى إنّ مواقفه كانت جليّةً من بعض المسائل التي كانت تعدّ محرماتٍ في تلك الفترة في التيار السياسي الذي ينتمي إليه، كما عُرف بنقده الحاد لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، الحليف السابق للنّهضة، وهو ما أحرج قيادتها، خاصةً راشد الغنوشي، وقد أرجع مقربون منه آنذاك، استقالته، إلى هذه الأسباب فضلاً عن تخلّي الغنّوشي عنه وتعويضه بنجله معاذ وصهره رفيق عبد السلام، وبعض القيادات الأخرى.
وأعلن زبير الشهودي، المدير السابق لمكتب راشد الغنوشي، في وقت سابق، إنهاء كلّ مهامه القيادية، عقب نتائج الانتخابات الرئاسية، التي فشل فيها مرشح النهضة، عبد الفتاح مورو، وخرج من السباق الرئاسي من دوره الأوّل، ووجّه الشهودي، في تدوينةٍ نشرها على حسابه على فيسبوك، رسالة اعتذار عن "تقصيره في المساهمة في تحقيق أهداف الثورة في التنمية، والرفاه، والعدالة الاجتماعية"، وأخرى للصفح والعفو من والديه بعد معاناتهما من خياره السياسي طيلة 33 عاماً، قضى نصفها في سجون بن علي.

ودعا الشهودي راشد الغنّوشي إلى "اعتزال السياسة، وإبعاد صهره، رفيق عبد السلام، وكلّ القياديين الذين دلّسوا إرادة كبار الناخبين في إقصاءٍ مباشرٍ لكلّ المخالفين في الرأي من نساءٍ وشبابٍ وقياداتٍ تاريخيةٍ"، وهو ما عدَّ خروجاً عن واجب التحفّظ الذي تربّت عليه الحركة.

جمعي القاسمي: حركة النهضة محكومةٌ بشقين أحدهما متشدّد يُطلق عليه جناح الصقور، وآخر يدعو للتغيير يُطلق عليه جناح الحمام

هذا وقد خرجت بعض القيادات الحالية عن هذا المبدأ، وكشفت عن جوانب مهمّة من الخلافات التي تحكم أروقة الحركة، منهم: القيادي عبد اللطيف المكي، ومحمد بن سالم، بعدما كشفا رفضهما إلى جانب عدّة قياداتٍ أخرى، لبعض قرارات الغنّوشي، المتعلقة بتشكيل القائمات الانتخابية، والترشّح لرئاسة البلاد، فضلاً عن ترشيح شخصيةٍ نهضويةٍ لرئاسة الحكومة.
وتعليقاً على ذلك؛ لفت المحلّل السياسي، جمعي القاسمي، في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ زعيم الحركة، راشد الغنّوشي، الذي تولى زعامة النهضة خلال المؤتمرين الماضيَين، ما يزال يحاول السيطرة على الوضع الداخلي، وأنّ تمسّكه بالمشاركة في الحكومة بهذه الطريقة، خاصّةً بعد أن حاول سابقاً الترشّح للانتخابات الرئاسية، ثم ترشّح لمنصب رئيس البرلمان، يؤكّد محاولاته اليائسة في تأجيل الانقسام داخل النهضة، وتقديم مزايا للغاضبين، من أجل البقاء داخل الحركة.
لأول مرة  تتالى الاستقالات داخل حركة النهضة

صراع أجنحة
ويرى مراقبون أنّ استقالة العذاري ستفتح الباب أمام استقالاتٍ أخرى داخل النهضة؛ لأنّ الصراع بداخلها يتوزع بين صراعٍ على خلافة الغنوشي، الذي سيغادر رئاسة الحركة في مؤتمرها القادم، المقرر في أيار (مايو) المقبل، وصراعٍ آخر قديمٍ طفا حديثاً على سطح الأحداث والمتمثّل في صراع الأجنحة التي تحكم الحركة.

إبراهيم العمري: استقالة عناصر متنفّذة داخل حركة النهضة يؤشّر إلى خلافات حادّة وتباين في وجهات النظر

ويوضح المحلل السياسي، جمعي القاسمي؛ أنّ هذه الحركة الإسلامية تتكوّن من شقّين؛ شقّ داخلي يطلق عليه جناح الصقور، ويتكوّن من قيادات الحركة الذين رابطوا في سجون البلاد، لدى معارضتهم نظام بن علي السابق، وهو الشقّ المتشدّد، وشقّ خارجي يُطلق عليه جناح الحمام، ويتكوّن من القيادات التي مارست معارضتها لبن علي من خارج البلاد في مقدّمتهم، راشد الغنّوشي، وهو الشقّ الذي يدعم إحداث تغيير في توجّه الحركة، ويدعم الفصل بين الدعوي والسياسي.

ويقول القاسمي لـ "حفريات" إنّ شقّ القيادات التي عانت ويلات السجن وجدت نفسها بعيدةً عن مواقع القرار، لفائدة شقّ القيادات التي عاشت خراج البلاد، وهو "ما فجّر الخلاف، وتسبّب في تتالي الاستقالات صلب الحركة"، مرجّحاً أن يتفاقم هذا الخلاف، خلال مؤتمر الحركة القادم، وفق توازنات الحركة، وحسابات السياسة.
خلافة الغنّوشي تهدد وحدة جماعته

لعنة الحكم
في سياقٍ متّصل؛ يرى مراقبون للشأن التونسي أنّ منهجية حركة النهضة لا تبدو واضحة المعالم في تعاملها مع المشاورات الحكومية، وأنّ مواقفها باتت متخبطةً بين الاقتراب من حزب "قلب تونس" العلماني أحياناً، وأحياناً أخرى مغازلة الأطراف المتشدّدة دينياً على غرار ائتلاف الكرامة، وبين مغازلة الأطراف الوسطية على غرار حزب التيار الديمقراطي، وحركة الشعب، وهو ما يفسّر ولادة صراعاتٍ جديدةٍ داخلها، مرتبطة بإيجاد التوازنات وتشكيل تحالفات تضمن بقاءها في مواقع القرار، ومواصلة التموقع في الحكم، في وقتٍ ترى قيادات من داخل الحركة توجهاً آخر للحركة تبقى من خلاله في الحكم، دون تقديم تنازلات، حسبما أكّده الأستاذ في العلوم السياسية، إبراهيم العمري، الذي شدّد على أنّ الاستقالات المتواترة من النّهضة مرتبطة بالوضع السياسي المتحرّك في البلاد بصفةٍ عامّةٍ، وبسياسات الحركة المرتبكة بشكلٍ خاصٍ.

اقرأ أيضاً: انقسام في "النهضة" بين قيادة الحكومة أو الحكم من وراء ستار
ويقول العمري، في حديثه لـ "حفريات" إنّ استقالة عناصر متنفّذة داخل الحركة، يؤشّر إلى وجود تباين في وجهات النظر، وخلافاتٍ حادّةٍ، يرى خلالها المستقيلون أنّه على حركتهم ألّا تقدم تنازلاتٍ كبيرة لباقي الأحزاب، وأنّها لا يجب أن تنبطح لتياراتٍ سياسيةٍ أخرى لا تتماشى مع خطّها الحزبي، وربّما يريدونها أن تتجّه إلى توجّهٍ راديكالي.
ويرى العمري أنّ حركة النّهضة تمارس سياسة الارتهان للتوازنات السياسية، التي تفرضها المصالح الحزبية، والوضع الراهن للبلاد، التي تتطلّب نوعاً من الحكمة، والحنكة السياسية، لإيجاد أرضية تلتقي عليها، أكثر من تيارٍ، وتقبل تباين وجهات النظر.

للمشاركة:

سيناريوهان وحزمة هواجس تشعل انتخابات الرئاسة الجزائرية

2019-12-05

يطرح محللون جزائريون سيناريوهَين وحزمة هواجس على أهبة سادس انتخابات رئاسية تعددية في تاريخ البلاد، والمقررة يوم الخميس 12 كانون الأول (ديسمبر) الجاري.

وفي تصريحات خاصة بـ "حفريات"؛ برز تباين بشأن مؤدَّى الاقتراع المرتقب، وسط إقرار بأنّ الموعد يستهوي أقلية محدودة، في ظل رفض غالبية عظمى متمسكة بتعاطٍ مغاير مع الأزمة الناشبة منذ بدء الحراك الشعبي قبل عشرة أشهر.

اقرأ أيضاً: عبدالقادر بن قرينة مرشح إسلامي لرئاسة الجزائر بسيرة ذاتية غامضة

في نظر الخبير الإستراتيجي، محمد بغداد؛ فإنّ التداعيات التي صاحبت التحوّلات العميقة التي حلّت بالعالم العربي منذ 2011، لا نرى منها سوى المرحلة الاولى، وإنّ التداعيات الأكثر دراماتيكية لم يأتِ وقتها بعد، وستكون تكلفتها باهظة إلى درجة لا يمكن لبعض العقول أن تتصورها، ومع ذلك فإنّ الحالة التي تمر بها المنطقة العربية لا تظهر الجوانب الكارثية فقط؛ بل هناك إيجابيات يمكن رصدها والانتباه إلى أهميتها والبناء عليها والجزائر جزء من المنطقة العربية.

ويقول بغداد لـ "حفريات": "المشهد الجزائري اليوم يعيش لحظة متميزة في تاريخ البلاد، ويشهد تحولاً عميقاً لا تظهر تداعياته في الوقت القريب، لكن ستكون هذه التداعيات مساعدة على الانتقال نحو مرحلة قادمة، وستكون النخب السياسية والفكرية الأكثر من يدفع التكلفة الباهظة من خلال التغيرات الجذرية التي ستحصل على البنية الهيكلية لهذه الفضاءات، مما يجعلنا في هذه اللحظة في موقع المنتظر للمشهد الجزائري القادم، الذي بالضرورة سيكون في موقع المتقدم من تحقيق مستويات أعلى من الديمقراطية وممارسة مغايرة عن سابقتها للسياسة وإدارة الشأن العام".

الجيش الجزائري لن يخرج عن الدور الذي يلعبه حالياً وهو ضمان تمرير انتخابات الرئاسة مهما كان الأمر

ويلاحظ د. بغداد؛ أنّ المشهد الجزائري اليوم بقدر ما هو مشحون بمؤشرات يصعب على البعض فهم جوهرها وطبيعة تمظهرها، إلا أنّ المعطيات المتوفرة اليوم تؤكد أنّ الغالبية الواسعة من الشعب الجزائري، متفقة على حتمية الذهاب إلى الانتخابات، وأنّ الظروف العامة مساعدة على إجراء الانتخابات الرئاسية.

ويذهب الخبير الإستراتيجي إلى أنّ الموجود في الساحة هو كمّ معتبر من النقاش حول جزئيات وتفاصيل لا تؤثر على المجرى العام لإمكانية تنظيم الانتخابات، كون الإرادة السياسية لقيادة البلاد والحرص الكبير الذي توليه القيادة العليا للجيش، وما تعبّر عنه الفئات الاجتماعية الواسعة والنخب ذات التأثير الفاعل، يجعل من إجراء الانتخابات الرئاسية، يوم 12 كانون الأول (ديسمبر)، حتمية زمنية وواقعاً قائماً بذاته.

وفي نظر بغداد؛ فإنّ أهم عامل يؤكد حتمية إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها، يوم 12 كانون الأول (ديسمبر)، هو ذلك الإحساس المرّ والتجربة المؤلمة التي خاضها الشعب الجزائري في تسعينيات القرن الماضي، ويستدلّ: "كلنا نتذكر كيف خرج الشعب الجزائري في عز العشرية الدموية، عام 1995، وتمت الانتخابات الرئاسية والتي تمكّن من خلالها من مواجهة أقوى وأشرس موجة إرهابية في العصر الحديث".

هناك إيجابيات يمكن رصدها والانتباه إلى أهميتها والبناء عليها

حتمية الموعد
يسجّل بغداد أنّ التقييم الموضوعي للمشهد الجزائر، بكلّ مكوناته، ومنذ شباط (فبراير) الماضي، يجعل المتتبع الحريص على الحقيقة، وباستخدام كلّ الوسائل العلمية والتقصّي الميداني، توصل إلى نتيجة واحدة، وهي حتمية إجراء الانتخابات، وفي موعدها المعلن.

اقرأ أيضاً: وزير الطاقة الجزائري لـ"حفريات: لا نبيع نفطنا بالمجان

وعن دور الجيش، يردّ بغداد: "التاريخ السياسي للجزائر منذ الاستقلال، عام 1962، يؤكد بكل معطيات مراحله أنّ مؤسسة الجيش تقوم عقيدتها على الوفاء للوطن والالتزام بحماية البلاد والاستجابة لتطلعات الشعب، ومنذ بدء الحراك، في 22 شباط (فبراير) الماضي، التزمت المؤسسة العسكرية بمرافقة الشعب في مطالبه، وتعهدت بحماية (الحراك الشعبي)، والتزمت بتحقيق كلّ تطلعاته، وأعلنت في كلّ المناسبات أنّه لا طموح سياسيا لها، وأنها تعمل على مساعدة الشعب في تقرير مصيره".

اقرأ أيضاً: الأمن الجزائري يقمع إضراب القضاة المفتوح

وبحسب المعطيات المتوفرة من خلال ما تمّ إنجازه منذ أول  نيسان؛ "حماية البلاد، وتسيير الشأن العام، وتعديل القوانين، وتوفير الأدوات والهياكل"، والإعلان الرسمي في كثير من المناسبات، فإنّ عهد صناعة الرؤساء قد انتهى في منظور بغداد الذي يشدّد على أنّ مؤسسة الجيش لن تساند أيّ مرشح، وليس للنظام مرشح.

الأكاديمي عبد الكريم غريبي: الانتخابات أصبحت تفرض سياسة الأمر الواقع وستكون عسيرة التنفيذ، ولكن أرى أنّها ستقوي الحراك الشعبي

ويضيف: "الشعب وحده من يختار رئيس الجمهورية القادم، والنظرة الموضوعية والمسؤولة، تؤكد أنّ الجيش كان وسيبقى مكتفياً وملتزماً بدوره الدستوري في حماية البلاد والدفاع عن السيادة الوطنية.

ويذهب محمد بغداد إلى أنّ التحدي الأكبر أمام النخب السياسية والفكرية الجزائرية، سيكمن في بلورة أنموذج جديد للحكم، ومنظومة سياسية تكون قادرة على تحمّل تكاليف هذا الموقف، كونه يجعل الجزائر الأنموذج الذي سيكون محلّ اهتمام ودراسة المهتمين بالنظم السياسية وإدارة الأزمات، كون الجيش الجزائري الوحيد (على الأقل في العالم الثالث) الذي التزم بالدستور والقوانين ومبادئ الديمقراطية في هذه الأزمة.

اقرأ أيضاً: انقسامات جبهة الإنقاذ تنهي أسطورة الأحزاب الإسلامية في الجزائر
  
من جانبه، ينفي المحلل السياسي، هيثم رباني، أية ضبابية في المشهد السياسي؛ "لأنّ أطراف الوضع الحالي واضحة، وهي: الجيش الوطني الشعبي، الإدارة، سلطة مراقبة الانتخابات، قضاء، مترشحون، حراك مناصرون للانتخابات ومعارضون لها، رغم اعتقاده أنّ الانتخابات الرئاسية هذه المرة هي انتخابات أقلية محدودة في مقابل غالبية عظمى لا تريد التصويت أو تعارضه أو لا تبالي به".

ويبدي رباني ثقة بأنّ المشهد السياسي المنظور، في تقديره، "سيتميز بالهدوء؛ لأنّ لا أحد من الأطراف التي ذكرها، ترغب في التصعيد لكن هذا الاحتمال سيتغير وقد يتعقد الوضع بدخول أطراف غير جزائرية في الموضوع، خاصة العربية منها؛ لأنّها تحمل أجندات جيوسياسية غاية في الخطورة، ولا تتناسب مع حجمها السياسي والإستراتيجي؛ فهي مغرورة بمالها وتريد الحلول مكان مصر والجزائر، بعد أن ساهمت في تدمير سوريا والعراق".

الظلّ الأجنبي
يضيف رباني: "هذه ليست ديماغوجية؛ بل سأمضي معك إلى أبعد حدّ، فلو فرضنا أننا نريد أن نصل إلى مجلس تأسيسي ونلغي انتخابات الرئاسة، فإنّ تأثر هذا المجلس بتدخل أجنبي، مهما كانت بساطته، قد يدمّر المعبد ومن فيه".

لكن رباني يعود ليؤكد لـ "حفريات": "الانتخابات ستجرى في موعدها؛ لأنّه، ورغم الرفض الكبير لها، إلّا أنّها ستتمّ بسبب رفض كلّ الأطراف التصعيد، كما أنّ قانون الانتخابات الجزائري يفتقد إلى مادة تحدّد النسبة الأقل من المصوّتين التي بسببها تلغى الانتخابات، وبالتالي فإنّه ومهما كانت نسبة الأقلية المصوتة، ستجرى الرئاسيات ويخرج منها رئيس جزائري".

الانتفاضة الشعبية الجزائرية، التي تدخل شهرها العاشر، كان لها الدور الحاسم في إسقاط المنظومة السلطوية والسياسية والأجهزة المؤسّسة لها

وعن مدى تمتع الرئيس المقبل بـ "الشرعية"، يردّ رباني: "إذا كانت الشرعية السياسية تكتسب من الغالبية، فإنّ الأقلية لا تعدّ شرعية بمعنى الدعم الشعبي، وليست شرعية قانونية؛ لأنّ القانون المحلي لا يحدّد الأقلية المصوتة ولا دخل له في الشرعية البعدية".

ويتفق الناشط طاهر دزيري مع هيثم رباني في استبعاد إلغاء الاقتراع الرئاسي؛ لأنّ "مسبّبات الإلغاء ضعيفة، والسبب المباشر هو ضعف زخم الحراك الشعبي وليس توقفه، فهو وإن ما يزال مستمراً، إلاّ أنّ عدد المشاركين ليس كما كان في الأسابيع الأولى، عندما ألغي موعدان انتخابيان، وكان هذا منتظراً بسبب غياب وجوه شعبية قوية متفق عليها شعبياً، تواجه الوجوه التقليدية.

ويتصور دزيري ورباني أنّ الجيش يريد الوصول إلى برّ الأمان من خلال الرئاسيات مهما كانت الظروف، وأنّ "الجيوش في العالم تتحرك بمنطق قوة الواقع فتتأقلم معه أو تحاول ترويضه، وبما أنّ الوضع السياسي الجزائري غير مستقر، بسبب عدم الاتفاق الحراكي ومن ثم الاجتماعي، أطلب من الجيش مواصلة نهجه الحالي، الذي يتميز بحرية الانتخاب، وألا يتدخل، كما وعد، للتأثير في نتائج انتخابات الرئاسة".

اقرأ أيضاً: هاجس الأزمة وضغط الشعب يشعلان الصراع على الرئاسة في الجزائر

ولا يؤيد رباني سياسة الاعتقالات التي طالت الحراكيين الوطنيين، وهم الغالبية، لكنّه يفتح قوساً: "من قبل أموالاً خارجية، أو تعاون مع جهات غير جزائرية، من خلال تقديم المعونة وسؤال المشورة، فهذا من واجب القضاء سؤاله؛ لأنّ التعامل مع الأجنبي بهذه الطريقة يرفضه الجزائريون جملة وتفصيلاً".

في المقابل؛ يرى الأكاديمي عبد الكريم غريبي، أنّ الانتفاضة الشعبية الجزائرية التي تدخل شهرها العاشر، كان لها الدور الحاسم في "إسقاط كلّ المنظومة السلطوية والسياسية والأجهزة المؤسّسة لها ووضعها في حجمها الحقيقي وحدودها ومداها".

ويقدّر الباحث والمتابع لراهنية الحراك أنّ تسارع الأحداث السياسية والاجتماعية قد يؤثر على الحراك ويقلّص فاعلية الشعب، لذا يرى غريبي أنّ "الانتخابات أصبحت تفرض سياسة الأمر الواقع وستكون عسيرة التنفيذ، ولكن أرى أنّها ستقوي الحراك الشعبي". ويلاحظ، كما أبلغ "حفريات" أنّ الجيش الجزائري أصبح يسيّر جبهتين؛ "إحداهما داخلية منقسمة، والأخرى خارجية جيوسياسية، وليس له غير المضي في الإستراتيجية المرسومة منذ قضية تيقنتورين، وسيلعب دوراً حاسماً في الأعوام الخمسة القادمة، كمرحلة انتقالية تحت إشرافه، أمنياً وسياسياً واقتصادياً".

اقرأ أيضاً: إسلاميو الجزائر يناورون في التعاطي مع الانتخابات الرئاسية

ويستطرد غريبي: "الإشكال الخطير يتمثل في التسيير الأمني والانتخابي فقط، والتعتيم الإعلامي، وعدم مشاركة النخبة السياسية والمثقفين في نشر الوعي والحوار على كلّ الأصعدة، وعليه تبقى الانتخابات وسيلة مرحلية وليست غاية في حدّ ذاتها" .

وفي السياق ذاته، يلفت الكاتب الصحفي، صديق يحياوي؛ إلى أنّه في مقابل تسخير السلطة لكلّ الوسائل، تتوجه الانتخابات لأن تكون دون ناخبين، ويتكئ على فشل الحملة الدعائية للانتخابات بعد مرور أكثر من أسبوعين على انطلاقها، ويعدّ ذلك "المؤشر الأحسن".

ويحيل يحياوي إلى أنّ المرشحين الخمسة مطاردون في كلّ المحافظات، بينما المسيرات الداعمة للانتخابات لا تحظى بالشعبية، رغم كلّ ما سُخّر لها من إعلام ودعاية في مقابل دعوات إسقاطها التي تتبناها المسيرات الجماهيرية ورغم التعتيم الإعلامي الممارس.

اقرأ أيضاً: حملة انتخابية مبكرة لإخوان الجزائر بحثاً عن تموقع في مشهد متأزم

ويخلص يحياوي: "كلّها مؤشرات لا تبعث على الارتياح، بجانب دعوات الإضراب العام، بداية من الثامن من كانون الأول (ديسمبر) الجاري، إلى غاية يوم الاقتراع، ودعوات الاعتصام والتظاهر أثناء العملية الانتخابية".

وينتهي يحياوي، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ دور الجيش لن يخرج عن الدور الذي يلعبه حالياً، "وهو ضمان تمرير انتخابات الرئاسة، مهما كان الأمر، إلّا إذا تفطنت قيادته إلى الخطر على الوحدة الوطنية والاستقرار، إن تمت الانتخابات من دون ناخبين، واتساع المقاطعة سيفرض على الجيش إلغاءها".

للمشاركة:



الاحتجاجات العراقية مستمرة.. آخر تطوراتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

توافد آلاف المتظاهرين إلى ساحة التحرير وسط بغداد، الخميس، وشارك في التظاهرات عدد من مناصري الحشد الشعبي، رافعين شعارات مؤيدة للمرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني.

وذكرت مصادر من ساحة التحرير نقلت عنهم "العربية"؛ أنّ التظاهرة خرجت بحجة دعمها للاحتجاجات السلمية المطالبة بالحقوق المشروعة للعراقيين، وقطع الطريق على "المخربين"، مبدية تخوفها من إمكانية حصول أيّة احتكاكات أو صدامات، ما قد يشكل خطراً على المتظاهرين الذين ما يزالون منذ أكثر من شهر في ساحات بغداد.

التظاهرات في بغداد تستمر، بمشاركة عدد من مناصري الحشد الشعبي الذين رفعوا شعارات مؤيدة للسيستاني

هذا واستمرت أيضاً التظاهرات في المحافظة الجنوبية، وسط دعوات لعدم وقفها حتى تحقيق المطالب.

ونقلت وكالات أنباء محلية؛ أنّه تمّ فتح جميع الجسور في الناصرية (مركز المحافظة) باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً، حداداً على أرواح القتلى الذين سقطوا خلال الاحتجاجات.

من جهته، أكّد قائد عمليات الرافدين، اللواء جبار الطائي، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء العراقية؛ أنّ الوضع الأمني في ذي قار مستتب والدوائر الرسمية والمؤسسات ستشهد عودة الدوام الرسمي.

فتح جميع الجسور في الناصرية باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً حداداً على أرواح قتلى الاحتجاجات

كما شدّد على أنّ جميع الدوائر الرسمية تحت حماية قوات الأمن في الوقت الحالي، مضيفاً أنّ "هناك تعاوناً كبيراً مع المتظاهرين في ساحة الحبوبي".

وكانت مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار، قد شهدت، الأسبوع الماضي، احتجاجات دامية أدّت إلى مقتل العشرات، ما أثار غضب الأهالي والمحتجين؛ حيث عمد بعضهم خلال الأيام الماضية إلى مهاجمة مركز الشرطة، قبل أن تتدخل بعض الوساطات العشائرية والمدنية بهدف تهدئة الأوضاع.

وأعلنت نقابة المحامين في المحافظة بوقت سابق رفع 200 دعوى قضائية ضد رئيس خلية الأزمة في محافظة ذي قار، الفريق جميل الشمري، من قبل ذوي الضحايا في المحافظة.

 وفي وقت سابق؛ أصدر القضاء مذكرة قبض بحق الفريق جميل الشمري، رئيس خلية الأزمة في ذي قار، المبتعث من قبل رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي.

يذكر أنّه في 27 و28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، شهدت الناصرية أحداثاً دامية أدّت إلى مقتل 32 محتجاً.

مفوضية حقوق الإنسان تعلن ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح

وعقب ذلك؛ أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، تشكيل لجنة للتحقيق في تلك الأحداث، وقال المتحدث باسم المجلس، عبد الستار بيرقدار، في بيان مقتضب في حينه: إنّ "مجلس القضاء الأعلى شكّل هيئة تحقيق مكونة من ثلاثة من نواب رئيس محكمة استئناف ذي قار، للتحقيق العاجل في عمليات قتل المتظاهرين خلال اليومين الماضيين".

ويشار إلى أنّ مفوضية حقوق الإنسان في العراق أعلنت، أمس، ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات خلال الشهرين الماضيين إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح.

ويشهد العراق، منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات حاشدة ومتواصلة في بغداد، والمحافظات الجنوبية، مطالبة برحيل النخبة السياسية المتهمة بالفساد وهدر أموال الدولة، والتي تحكم البلاد منذ إسقاط نظام صدام حسين، عام 2003.

 

للمشاركة:

إجراءات قطرية جديدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

اتخذت دولة قطر مؤخراً حزمة من الإجراءات، في محاولة لتجاوز الأزمة التي تخيم على اقتصادها، بسبب مقاطعة الدول الرباعية.

وقال مصدر مطلع، اليوم: إنّ قطر حددت بأثر رجعي سعر البيع الرسمي لخامها البحري، لشهر تشرين الثاني (نوفمبر)، عند 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق، وفق "رويترز".

 

 

وكانت قد ارتفعت أسعار التأمين البحري على البضائع وأجسام السفن بنسب تتراوح بين 50 و500%، خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعد عمليات الاستهداف التي طالت أكثر من ناقلة في المنطقة خلال الفترة الماضية، واستمرار التهديدات الإيرانية باستهداف ناقلات النفط ومنع تصديره عبر الخليج العربي ومضيق هرمز.

هذا وتشهد قطر، هبوطاً ملموساً في مختلف القطاعات المؤلفة للاقتصاد المحلي، وسط شحّ في وفرة السيولة، خصوصاً في النقد الأجنبي في السوق والقطاع المصرفي.

قطر تحدّد سعر البيع الرسمي لخامها البحري بــ 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق

وتواجه دولة قطر أزمة اقتصادية خانقة جراء المقاطعة الرباعية؛ إذ تأثرت جميع القطاعات الحيوية في البلاد، وأدّت إلى هبوط كبير في أحجام أنشطة القطاعات التي تدر دخلاً بالعملات الأجنبية، مثل: الطيران المدني، والسياحة، والتصدير، إلى جانب تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر الوافد إلى قطر، نظراً إلى تخوف المستثمرين من ظروف عدم الاستقرار التي قد تتعرض لها في ظلّ الأزمة، الأمر الذي فاقم الدين العام ليقفز إلى 91.7 مليار دولار، بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ورفع الدين الخارجي لقطر خلال عام 2018، بنسبة 37% على أساس سنوي؛ إذ سجّل ما يعادل 43.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 31.6 مليار دولار في 2017، بحسب بيان صادر عن مصرف قطر المركزي.

ورغم شحّ السيولة؛ فإنّ قطر واصلت استنزاف الأموال من السوق المحلية، وضخّها في سوق السندات الأمريكية، في محاولة لشراء المواقف الدولية.

 

 

للمشاركة:

القوات اليمنية تصدّ هجمات حوثية وتكبّدهم خسائر كبيرة..تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

قتل عشرات، وجرح آخرون، من ميليشيات الحوثي الإرهابية، أمس، خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته الميليشيات على مدينة حيس، وآخر في الجبلية بالتحيتا جنوب محافظة الحديدة.

وذكرت المصادر الميدانية في مدينة حيس، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ مليشيات الحوثي تركت جثث عشرات القتلى من مسلحيها الذين هاجموا مواقع القوات المشتركة شرق وشمال مدينة حيس.

وهرب مشرفو الميليشيات تاركين جثث قتلاهم المهاجمين بالقرب من مواقع القوات المشتركة.

مقتل وإصابة العشرات من ميليشيات الحوثي خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته على مدينة حيس والحديدة

وتصدّت القوات المشتركة لهجمات ميليشيات الحوثي على مواقعها شرق وشمال مدينة حيس، بالتزامن مع تصدّيها لهجوم آخر شنته المليشيات على مواقع القوات في منطقة الجبلية جنوب مديرية التحيتا.

وأضافت المصادر العسكرية؛ أنّ القوات المشتركة كبّدت ميليشيات الحوثي خسائر فادحة في العتاد والأرواح، خلال عملية التصدي للهجمات التي شنّتها المليشيات على تواصل مع التصعيد العسكري المستمر.

هذا وتحاصر القوات اليمنية الموالية للشرعية في محافظة الحديدة مليشيات الحوثي الانقلابية، بدعم من التحالف العربي بقيادة الممكلة العربية السعودية، منذ أواخر حزيران (يونيو).

ومن اليمن أيضاً؛ قالت مصادر محلية في صنعاء إنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية قامت بتوجيه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة، تسمى (مرشدات)، حيث تخضع المستهدفات بعد تعبئة استمارة لبرنامج تدريبي بدني وعسكري قاسِ .

ميليشيات الحوثي الانقلابية توجّه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة

وأكدت المصادر أنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية لجأت مؤخراً إلى تجنيد الطالبات في بعض مدارس أمانة العاصمة، وذلك من خلال توجيه تلقته المعلمات في المدارس .

هذا وتخضع الطالبات لتدريب عسكري شاقّ، ولفتت المصادر أيضاً إلى أنّ التسجيل يجري علناً داخل الفصول الدراسية في مدرسة القديمي، الواقعة في حي الجراف، وذلك بإشراف معلمة من مليشيات الانقلاب، تدعى "أمة الإله عبد الملك شرف الدين"؛ حيث تقوم هذه المعلمة بتدريب الطالبات عسكرياً، وتشرف على عمليات التجنيد في المدرسة.

 

للمشاركة:



ما الفرق بين احتجاجات الإيرانيين الحالية وسابقاتها؟ وما النتائج المحتملة؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-05

ترجمة: مدني قصري


بعد أن حلّل الباحث المشارك بجامعة لييج، ميشيل ماكينسكي، في الجزء الأول من الحوار، الأسباب المباشرة والأكثر عمقاً لاحتجاجات إيران الجارية منذ 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وردود الفعل من جانب السلطة، يعود في هذا الجزء إلى المتظاهرين وعددهم وأصولهم الجغرافية.

اقرأ أيضاً: قراءة عميقة في أسباب احتجاجات الإيرانيين الحالية
ويستحضر ماكينسكي، وهو مسؤول قانوني سابق في مجموعة دولية، ورئيس تنفيذي لشركة Ageromys International، في هذا الحوار مع موقع Les clés du Moyen-Orient، أحداث عامي 1999 و2009 ويوضح مدى اختلاف الحركات الحالية تماماً، من حيث تأثيرها على فئات متواضعة يائسة تتدهور ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق.

هنا نص الحوار:

كم عدد المتظاهرين، حسب تقديرات السلطة؟ حسب المنظمات غير الحكومية؟ ما هي المدن التي تتأثر بهذا الشغب؟
ذكرت Iranhumanrights.org في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أنّ الاحتجاجات بدأت في 15 الشهر الماضي، في أكبر 50 مدينة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك قزوين وتبريز وأوروميا، وسافه. وذكرت وكالة فارس في 18 الشهر نفسه أنّ حوالي 87000 شخص، وفقاً لأجهزة الاستخبارات، شاركوا حتى ذلك الحين في المظاهرات. وهي تدعي أنّ عصابات من مثيري الشغب المدرّبين هي المسؤولة عن أعمال العنف. وذكرت فارس 1000 حالة اعتقال. وذكرت نفس المصادر مجموعات من 50 إلى 1500 شخص تجمّعوا في 100 مدينة. زُعم أنّ معظم الأضرار حدثت في محافظات خوزستان وطهران وفارس وكرمان. ووفقاً لوكالة فارس فإنّ مستوى العنف والتدهور، أعلى من مستوى عنف شتاء 2017/2018. وأبلغ مسؤولو حفظ النظام، من جانبهم، عن تجمّعات في مشهد وسيرجان وخوزستان (على الرغم من وجود النفط، فهي منطقة فقيرة)، بما في ذلك الأهواز. وتؤكد مصادر أخرى (حقوق الإنسان في إيران) أنّ اضطرابات كثيرة قد اندلعت بالفعل في مناطق كثيرة. وذكر شاهد علوي (إيران واير)، أصفهان، ودزفول، وعميدية.

في شيراز، يوم السبت، 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تسبّبت وفاة الشاب مهدي نيكوي في حدوث ردود فعل عنيفة. في خرمشهر، وفقاً لنفس المصادر، تصاعدت الاضطرابات وقتل شخصان، أحدهما شاب، على أيدي الشرطة. وكذلك الأمر في بهبهان التي شهدت 3 ضحايا.

اقرأ أيضاً: الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم
محافظة كردستان الإيرانية هي أيضاً مضطربة للغاية، خاصة في سنندج، عاصمتها، وكذلك جافانرود في محافظة كرمانشاه، وماريفان، وفقاً لهينغاو، المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان. كما تستشهد منظمة العفو الدولية، في تعدادها الذي بلغ 106 ضحايا، بالمواقع التالية: الأهواز، عبادان، بندر، مشهر وضواحيها  وهبهان، وبوكان، وبومهان، وأصفهان، وإسلامشر، وجافانرود، زكاراج، وكذلك كرمانشهر، وخورامشهر، وماريوان، وراهمورمز، ورباط كريم، وصدرة، وساننجاي، وشهريار، وشيراز، وسرجان، وطهران.

احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم حيّزاً مرئيًا في المسيرات

وقد ذكر راديو فاردا أيضاً الأحياء الفقيرة في مالارد، وشهر القدس Shahr Qods ، وشاردانجه قايل حسن خان وإسلام شهر في جنوب غرب طهران. يعكس هذا التوزيع التقسيم الكلاسيكي للحاضرة الكبرى. ومما لا يثير الدهشة، أنّ الأحياء "الميسورة" في الشمال لم تتحرك أو لم تتحرك كثيراً، كما في شتاء 2017/2018.
ليس من المستغرب، كما تلاحظ إيران واير  Iranwire، أنّ وكالات الأنباء الإيرانية لا تُنتج نفس أصداء أعمال الشغب التي وقعت في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الكاضي. يلاحظ شاهد علوي أنّ البعض قاموا بالإبلاغ ولكن ليس بنفس الطريقة التي أبلغ بها الأفراد على الشبكات الاجتماعية. وقد أمرت الوكالات الحكومية بعدم ذكرها. لقد ذكرت وكالة ايرنا IRNA الاضطرابات في سرجان دون ذكر الضحايا. لكن بعد أربعة أيام من المظاهرات، اعترفت وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام بوجود اعتقالات واسعة النطاق: في بعض المدن الكبرى، تم إجراء المئات من الاعتقالات، بما في ذلك أكثر من 60 في يزد. وقد أشار المتحدث باسم القضاء إلى أنّه قد تم اعتقال 100 من "قادة المظاهرات".

هل الحركة الحالية جزء من الحركة الطلابية لعام 1999 و"الموجة الخضراء" لعام 2009؟
من الواضح أنّ هذه الحلقة الجديدة لا علاقة لها بالحركة الطلابية لعام 1999، أو بأعمال الشغب والقمع الدموي الذي أعقب الاحتجاجات الهائلة للانتخابات الرئاسية لعام 2009، والتي سمح التلاعب فيها بالنصر الاحتيالي لفائدة أحمدي نجاد. لا تتشابه التركيبة الاجتماعية للمتظاهرين في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 لا مع مطالب الحركات الطلابية لعام 1999 ولا مع رفض المصادرة المدبرة من قبل المرشد وحراس الثورة لانتصار مرشح إصلاحي في 2009.

اقرأ أيضاً: ما سر دعم إيران لحركتي حماس والجهاد؟
نحن أمام وجود انفجار شعبي عبّأ فئات يائسة متواضعة تدهورت ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق. إن سكان المناطق الفقيرة في البلاد، والأحياء الفقيرة فيه، هم الذين خرجوا إلى الشوارع. لقد وصلوا إلى القشة التي قصمت ظهر البعير من خلال الإعلان عن زيادة في الوقود والغاز التي ستخنقهم بشكل لا يطاق، مما يهدد وسائط تنقلهم نحو عملهم دون حل بديل، ومع الزيادات الأخرى التي ستدمّرهم. لقد غضب هؤلاء الناس المتواضعون من هذه التدابير التكنوقراطية.

على النقيض من ذلك، من الواضح أنّه في مدينة ضخمة مثل طهران، لم تشارك الطبقة البرجوازية في هذه المظاهرات الاحتجاجية، حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بعواقب العقوبات، في المظاهرات الجارية. هؤلاء الأثرياء يخشون، مثل قادة البلاد، الاضطرابات والعنف التي قد تنجر عنها عواقب وخيمة. باختصار، هذه الطبقة الثرية لا تشعر بأنّها تتأثر بشكل حيوي بالشعارات والمطالب، حتى لو كانت فكرياً تفهم مضمون بعض هذه الشعارات. وصحيح  أيضاً أنّ الطلاب قد تحركوا قليلاً، خاصة في جامعة طهران وأصفهان وشيراز، لكنهم لا يمثلون الجزء الأكبر من المتظاهرين. يمكننا الاعتقاد أنّهم انضموا إلى المواكب المتظاهرة؛ لأنّهم لم يعودوا قادرين، مثل الآخرين، على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

اقرأ أيضاً: المصالحة السعودية الإيرانية.. هل هو سيناريو واقعي؟
لسنا إذن أمام مطلب ديمقراطي ذي أولوية كما كان الحال في عامي 1999 و 2009. إنّه ضرورة اقتصادية ملحّة من أجل العيش والبقاء. لا يطالب المتظاهرون أوّلاً بحرية التعبير، وبالإصلاحات للمجتمع المدني، وبمكانة أفضل للنساء. إنّهم يريدون أن يكونوا قادرين على دفع تكاليف النقل والغذاء والمأوى والأدوية. الإيرانيون غاضبون؛ لأنّهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم: التدخلات في سوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله ومجموعات أخرى ومساعدة حماس إلخ.

اعتمادات مالية لمساجد مهجورة
المتظاهرون يشعرون بالسخط بسبب الإعانات والاعتمادات المالية المقدمة للهياكل الدينية التي يرون وكأنها طفيليات (إيران بلد غالباً ما تكون مساجدها مهجورة خارج المهرجانات الكبرى) ولرجال الدين الذين لا يطيقون إملاءاتهم. إنهم لا يفهمون لماذا يتم تمويل العديد من الهياكل (المؤسسات، منظمات الحرس الثوري) بشكل غير متناسب والتي لا تدفع ضرائب، أو تدفع قليلاً. إنّهم لا يطيقون قضايا الفساد التي يظل مرتكبوها دون عقاب؛ لأنّهم محميون من شخصيات بارزة في النظام. أخيراً، هناك ظاهرة كلاسيكية، وهم السكان البسطاء، خاصة في المقاطعات، الذين يقوضهم الشعور بتخلي السلطة المركزية غير المبالية بأوضاعهم، عنهم، إلا عندما يتعلق الأمر بقمع تعبير سخط الساخطين.

لم تشارك الطبقة البرجوازية في مدينة ضخمة مثل طهران في هذه الاحتجاجات حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بالعقوبات

إذا كان هؤلاء الساخطون ينتقدون الأمريكيين، فسخطهم لا يكون إلا فيما يتعلق بالعقوبات التي يرونها غير عادلة، والتي هم أول ضحاياها، في حين محظوظو النظام لا يتأثرون بعواقب العقوبات؛ بل ويستفيدون منها. إنهم يأخذون على الدولة سياستها الخارجية المتمثلة في التحدي والتي تؤدي إلى خنق البلد، وبشكل خاص أكثرها فقراً: فهذا الاحتجاج يسير في خط موجة أحداث شتاء 2017/2018 التي ترتبط بها بالعديد من أوجه التشابه وبعض الاختلافات النادرة. وفقاً لمريم سيناي (راديو فاردا)، يمكننا أيضاً مقارنة التطورات الأخيرة بأعمال الشغب في الأحياء الفقيرة في مشهد عام 1992 وإسلامهار، وهي من ضواحي طهران، في عام 1995 عندما أدت إصلاحات الرئيس رفسنجاني إلى زيادة التضخم إلى 50 في المائة.
وفي أحداث 2017/2018؟
كما في كانون الأول (ديسمبر) 2017، فإنّ "الأخبار السيئة" هي التي أشعلت أحداث العنف (2017، ارتفاع أسعار البيض، 2019 زيادة في سعر الوقود والغاز). في كلتا الحالتين، ضخّم اللومُ والانتقادات التي ذكرناها للتو، حجمَ السخط. وبالمثل، فإنّ التعبئة موجودة بشكل أساسي عند المجموعات السكانية المتواضعة، حتى لو اعتبر بعضُ المحللين أنّ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 قد جمع فئات على نطاق أوسع قليلاً. إنّ إلقاء القبض على العديد من النشطاء النقابيين، بما في ذلك سبيده قليان Sepidehh Qolian، قد يوحي بذلك، لكن ليس لدينا ما يكفي من العناصر لتقدير حجم ذلك. لقد ازداد التدهور السريع للاقتصاد منذ فصل الشتاء السابق. إنّ شدة العقوبات (الحد الأقصى من الضغط) منذ الانسحاب الأمريكي، وانهيار الريال، والتضخم الذي يتصاعد بشكل كبير، كل هذا ينذر بالخطر (حوالي 40 ٪ ، ويصل إلى 70 ٪ مع بعض السلع)، أضرت أكثر بالمحرومين ( ارتفاع النسبة المئوية للأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر) ولكنها تُوسّع أيضاً عدد السكان المعنيين.

لذلك ليس من المستغرب أن ينعكس هذا في علم اجتماع المتظاهرين. فكما كان الحال في 2017/2018، فإنّ امتيازات المؤسسات وبعض الهياكل التي ذكرناها للتو أعلاه، تعتبر في نظر الشعب غير محتملة. ولا يُستثنَى المرشد من ذلك. وكما أشار علي فتح الله نجاد في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) في مذكرة من معهد بروكينجز، فإنّ الادعاءات والشكاوى التي رافقت احتجاجات الشتاء السابق لا تزال قائمة.

اقرأ أيضاً: عُمان والكويت والإمارات تتحدث عن "فرصة" دبلوماسية مع إيران.. ما سياقها؟
الأحداث الأخيرة لا تُظهِر أعراضاً عن وجود تنسيق واضح من أي جهة. باختصار، فكما في المشهد السابق، لا يوجد "قائد جوقة" لا في الداخل أو في الخارج، ولا حتى "مؤامرة أجنبية". لا تزال الطبيعة التلقائية للحركات نقطة مشتركة (يمكننا مع ذلك أن نتساءل عن الأعمال العنيفة النادرة من جانب المتظاهرين الذين لم يتضح أصلهم بعد: يائسون، ساخطون أو عملاء محرضون من المحافظين المتطرفين و / أو المصالح الموازية؟). ذكرت مريم سيناء أنّ المحتجين والمعارضين تحدوا الرواية الرسمية للمسؤولية عن أعمال العنف. إنّهم ينسبونها إلى عملاء الحرس الثوري وعملاء "مصالح" في زي مدني.

وفقاّ لها (أي مريم سيناء)، فهم يذكّرون أنّ حراس الثورة مثل الباسيج يمارسون بانتظام "مناورات حضرية" في المدن الكبيرة للتحضير لتحييد وإبطال مفعول المظاهرات. من جانبنا، لا يمكننا أن نحسم هذه القضية. لقد وجدنا أيضاً في الفترة الأخيرة امتناع الإصلاحيين و"المعتدلين" (أتباع روحاني) الذين لم يوافقوا على المطالب الاقتصادية وكانوا، هذه المرة، أكثر تردداً في الانضمام إلى الإجراءات التي تميزت بتجاوزات عنيفة.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني يواجه أخطر أزمة في تاريخه
كما في عام 2017، لم تقتصر الشعارات على المطالبة بظروف معيشية أفضل. لقد وسّع المتظاهرون موضوعات شعاراتهم لتشمل مؤسسات ورؤساء النظام. لم تنجح الثورة في القضاء على الفقر، ومرة أخرى بدأ الشعب هذه المرة يفضح رؤوس النظام دون تمييز، معتدلين كانوا أو "متشددين". إنّه ينتقد روحاني، ولكن خامنئي أيضاً، ولا يتردد في حرق صور الرئيس كمرشد، ويصفه أحياناً كطاغية. سمعنا مرة أخرى: "عار على الطغاة" و"عدُوّنا موجود هنا، وليس في الولايات المتحدة" و"مباركة روح الشاه". هذه الشعارات والأعمال، اليوم كما كان الأمر من قبل، تشكل تحدياً للنظام، وليست مجرد امتداد للسخط الاجتماعي.

تجدر الإشارة إلى أنّ استحضار الشاه لا يعكس حركة جماهيرية تدعو إلى عودة الملكية، على عكس بعض الأوهام على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ولكن حركة تطالب بنهايةٍ شيطانية مطلقة. في الواقع، هاجم غاضبون ساخطون ما يقرب من 9 مقرات دينية ومكاتب صلاة الجمعة في جميع أنحاء البلاد. لقد احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم ("يجب أن يذهب رجال الدين إلى الجحيم")، كما من قبل، حيّزاً مرئيًا في المسيرات. يعتقد بعض المحللين أنّ هذه الهجمات تستهدف بالدرجة الأولى رجال الدين وليس الدين. لا تزال الاستمرارية موجودة في تحدي الالتزامات الإقليمية لإيران: أريد أن أعيش من أجل بلدي وليس لغزة، والمال للبلاد ليس للحرب، إلخ. الأجنبي لا يهم الشعب الذي يريد أن يُهتمّ به.

الإيرانيون غاضبون لأنهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم كالتدخلات بسوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله

مقارنة بموجات 2017/2018، يمكننا أن نسجل بعض الاختلافات. لم تكن نقطة الانطلاق مكاناً رمزياً ثابتاً مثل مشهد؛ حيث بدا أنّ إحدى مبادرات المتشددين بدأت لكي تتحدى روحاني في البداية، قبل أن تفلت من مروجيها تماماً.
ثانياً، في عام 2019، استعادت السلطات سريعاً سيطرتها على الموقف؛ حيث أعاق إغلاق الإنترنت التعبئة بشكل كبير. لكن على العكس من ذلك، وفقاً لعلي فتح الله نجاد، فقد ارتفع عدد المتظاهرين الذين قدرتهم الدولة بـ 42000 (وفقاً لوزارة الداخلية) إلى 87000 (وفقاً لجهاز الاستخبارات). هذا المحلل يلاحظ زيادة هائلة للمتظاهرين في شوارع طهران.
لقد ظهر اختلاف آخر ملحوظ: القمع الذي صار أكثر عنفاً؛ فالسلطات تريد أن تخنق هذه الحركة مباشرة قبل أن تتنامى وتعظم. لكن بشكل متماثل، وفقاً لنفس الخبير، أظهر المتظاهرون تصميماً متساوياً؛ حيث واجهوا دون خوف ودون تراجع قوات الشرطة، معبّرين عن غضبهم بشكل أكبر وأعمق بكثير. كانت حملة القمع معقدة بسبب تشتت المتظاهرين. لم يترددوا كثيراً في حرق صور المرشد، لكنهم هاجموا تمثال الإمام الخميني الأيقوني. كما هاجموا بعزم مكاتب الشرطة والباسيجي، ومكاتب أئمة المساجد، والبنوك.

لم تمنع هذه الأعمال القمعية الأكثر عنفاً، حسب المصادر نفسها، أنّ المظاهرات في مجملها كانت سلمية، حتى عندما كانت قوات الأمن تُفرِّقها بقسوة غير عادية. يبقى أنّ هذه الحلقة تترك قلقاً واضحاً حتى في داخل صفوف الجيش، حيث يدرك الموظفون فيه الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها أقاربهم. أخيراً، يبدو أنّ جهات فاعلة جديدة قد ظهرت في هذا المشهد. إضراب البازار، الذي بدأ في ظروف لا تزال غير واضحة، حيث لوحظت اضطرابات كثيرة، وهي ظاهرة يجب رصدها.

ماذا يمكن أن تكون العواقب نتيجة لهذه الحركات؟
سيث جونز Seth Jones ودانيكا نيولي Danika Newlee، وهما مؤلفان (CSIS) لدراسة مقارنة حديثة للاحتجاجات في إيران، لا يؤمنان عموماً بسيناريو انهيار النظام؛ لأن هذه الحركات لا مركزية للغاية، ومصالح الأمن المسؤولة عن القمع قوية جداً. لكنهما يشيران إلى أنّ الإدامة الخطيرة للمظالم تفرض على السلطات العامة أن تأخذها في الاعتبار بسرعة.
يبقى في رأينا، أنّ عوامل داخلية وعوامل خارجية خاصة تضيف عدم يقين إلى أي سيناريو: تطور الأزمة العراقية حيث أصبح الحِملُ الإيراني المهيمن محل خلاف أكثر فأكثر، وبداية محتملة للحوار لتخفيف التوتر مع العربية السعودية.

اقرأ أيضاً: هل تقرر انتفاضة العراق مصير النفوذ الإيراني بالمنطقة؟

لا يمكن للمرء التكهن بإمكانيات التفاوض الناجح بين طهران وترامب في ظل ظروف غامضة لكلا الجانبين، لكن لا شيء مستبعد. إنّ الانسحاب التدريجي لإيران من الاتفاق النووي هو السؤال الذي يطرح نفسه داخلياً (يدفع المتطرفون والباسدران في هذا الاتجاه) وخارجياً على السواء. إنّ مخرجاً كاملاً قد يُعقّد بشكل خطير علاقات إيران مع بقية العالم. إنّ أيّ تحسن محتمل لأي حوار مالي مشروط باعتماد البرلمان الإيراني لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما في ذلك الانضمام إلى اتفاقية باليرمو، التي طلبتها فرقة العمل المالية لشهر شباط (فبراير) 2020 ، والتي يعارضها المتشددون وحراس الثورة. الباسدران، على وجه الخصوص، يرفضون التخلي عن دعم حزب الله.
الأمر متروك للمرشد لكي يتخذ القرار ويحسم الأمور. هناك حالة عدم يقين رئيسية أخرى: الانتخابات التشريعية القادمة المقرر إجراؤها في الربع الأول من عام 2020. فالأغلبية الحالية، كتلة المحافظين البراغماتيين التابعة لعلي لاريجاني، ومعتدلي روحاني، والإصلاحيون الضعفاء والمنقسمون، متصدعة للغاية لصالح المحافظين الأكثر تشدداً. لا نعرف ما إذا كان علي لاريجاني سيمثل نفسه، في حين يحاول المرشدون، والباسدران، ومتشدّدو النظام، تهميشَ وإقصاء جميع عائلة لاريجاني، بمن فيهم صادق لاريجاني، الرئيس السابق لهيئة القضاء، المتهم بالفساد. كل ذلك في سياق خلَفِ المرشد حيث يمثل الريسي، رئيس السلطة القضائية، الشخصَ المفضل عند خامنئي، دون أن يكون محصناً أمام المنافسين.

في هذه الفترة من عدم اليقين المتعدد، فمن المفارقات أنّه لا يمكن أن نوصي الشركات، مع الحذر الواجب واحترام العقوبات، بالحفاظ على العلاقات مع شركائهم في سياق معقد للغاية. إنّ ندرة اليورو في إيران تزن بثقلها الكامل. بالنسبة للمجموعات المصدرة التي تنتمي إلى القطاعات غير الخاضعة للعقوبات (المنتجات الزراعية، المواد الغذائية الزراعية، الأدوية)، من الضروري مراقبة التنفيذ التدريجي لأداة اينستكس Instex (1) الأوروبية. هذه الأداة لا تستبعد استخدام آليات أخرى غير مصرفية (مثل المقاصة أو إعادة شراء الذمم المدينة، إلخ) التي يعمل عليها مختلف الخبراء. بالنسبة للشركات التي تمتنع عن أي صفقة مع إيران، يُنصح بتطوير علاقات غير رسمية غير تعاقدية (في القطاعات المعفاة)، مثل زيارات الوفود والدورات التدريبية المجانية، إلخ.

اقرأ أيضاً: إيران، العراق، لبنان... المسألة الشيعية
الهدف من ذلك هو الحفاظ على علاقة مستمرة مع المحاورين الإيرانيين حتى يكونوا قادرين على استعادة التعاون والمعاملات في وقت لاحق في المستقبل، وإذا تم تطبيع الوضع على المدى المتوسط، وفي حالة رفع العقوبات. هذه مجرد فرضية، لكن من غير المرجح أن تختفي إيران كدولة صناعية حتى على الرغم من الهزات غير المريحة. لا يمكن قول الشيء نفسه عن جميع دول شبه الجزيرة العربية. ليس من العبث الرهان على مستقبل أمة تمتلك ثاني احتياطي الغاز العالمي.
 


الهوامش:
(1) اينستكس   INSTEXآلية دعم التبادل التجاري : Instrument in Support of Trade Exchanges، هي آلية مالية خاصة (SPV) أسستها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في 31 كانون الثامي (يناير) 2019 لتسهيل التبادل التجاري مع إيران بعملة غير الدولار. يقع مقر الشركة في باريس، فرنسا، ويرأسها المصرفي الألماني بير فيشر المدير السابق لكومرتس بنك، بين عامي 2003 و 2014. في أيار (مايو) 2019، اقتصر استخدام آلية دعم التبادل التجاري على السلع الإنسانية؛ مثل شراء الأغذية أو الأدوية المحظورة..
في 11 شباط (فبراير) 2019، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف أنّ بلاده ستسعى للمشاركة الكاملة في الآلية المشتركة لتسوية الحسابات المالية مع إيران، اينستكس.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

ما هي أفضل الدول في مجال التعليم على مستوى العالم؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

غالبا ما نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي الدولة صاحبة أفضل نظام تعليمي على مستوى العالم؟

لكن ربما تخلو أي إجابة محددة عن ذلك السؤال من الموضوعية، مما قد يجعل "برنامج التقييم الدولي للطلاب" (بي آي إس إيه) مؤشرا جيدا ربما يفيد في التوصل إلى الإجابة المطلوبة.

ويتكون هذا المؤشر من سلسلة من الاختبارات الدولية التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويخضع لتلك الاختبارات، منذ إطلاق البرنامج في عام 2000، طلاب في سن الخامسة عشرة، كل ثلاث سنوات.

وكشفت المنظمة نتائج الاختبارات الأحدث من هذا النوع، التي أُجريت في 2018، والتي أشارت إلى أن الطلاب الصينيين يظهرون أداء فائقا يتجاوز أداء جميع الطلاب من الدول الأخرى في القراءة، والرياضيات، والعلوم.

أرقام قياسية
شاركت 79 دولة وإقليم في هذه الاختبارات، مما يُعد رقما قياسيا. وبلغ عدد عينة الطلاب المشاركين 600 ألف طالب العام الماضي.

وتتكون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 37 دولة، أغلبها دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، واليابان، ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

لكن عدد الدول التي تريد التعرف على مدى ملائمة طلابها للمعايير الدولية في مجال التعليم يتزايد في الفترة الأخيرة.

وأصبحت هذه الاختبارات، التي تصنف الدول حسب متوسط درجات الطلاب في كل دولة، من أدوات القياس المؤثرة في معايير التعليم الدولي، إذ توفر منظورا مختلفا مقارنة بالاختبارات المحلية.

ويدخل الطلاب تحديات حقيقية أثناء هذه الاختبارات، والتي قد تكون في شكل أسئلة تتناول اتخاذ القرارات المالية السليمة، وتحقيق الاستفادة المثلى من المعلومات.

وعلى سبيل المثال، كان هناك سؤال في اختبارات 2018 يقيس مهارات القراءة، مبني على أساس حوار متخيل على أحد منتديات الإنترنت، وفيه يتساءل صاحب مزرعة دواجن عما إذا كان تناول دجاجه للأسبرين آمنا أم لا.

سيطرة أسيوية
كانت الصين هي صاحبة التصنيف الأعلى في ثلاث من الجولات الأربع الأخيرة في هذه الاختبارات الدولية، لكن كان هناك تحفظ بأن مشاركة الصين كانت مقتصرة على مناطق معينة في البلاد.

واستخدمت السلطات الصينية نتائج الاختبار الخاصة بطلاب منطقة شنغهاي فقط في عامي 2009 و2012. كما استخدمت الصين نتائج الاختبارات التي دخلها الطلاب في أربعة ولايات فقط في عامي 2015 و2018.

وقال أندريا شلايشر، مدير التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "في هذه المناطق، أظهر الطلاب الأكثر معاناة من الحرمان الاجتماعي أداء أفضل في القراءة مقارنة بالطلاب العاديين في المناطق التابعة للمنظمة".

وكانت فنلندا هي الدولة صاحبة الأداء الأفضل في النسخ الثلاث الأولى من اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب في أعوام 2000، و2003، و2006، بينما احتلت سنغافورة الصدارة في اختبارات 2015.

وتتصدر دول آسيوية المراكز الأولى في اختبارات هذا البرنامج، وفقا لحساب جميع الدرجات. ويشير التصنيف الحالي إلى أن دولا آسيوية تحتل المراكز الأربعة الأولى في نتائج تلك الاختبارات بينما تعتبر استونيا الدولة غير الآسيوية الوحيدة التي تصعد إلى المراكز المتقدمة.

وألقت النتائج التي توصلت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على مخاوف حيال "الجاهزية للعالم الرقمي".

ووفقا لشلايشر، أظهرت نتائج اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب الأخيرة أن عشرة في المئة فقط من الطلاب المشاركين في الاختبارات من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمكنوا من التمييز بين الحقائق والآراء الشخصية، أثناء قراءة موضوعات غير مألوفة.

رغم ذلك، أشارت النتائج إلى أن الفجوة التعليمية بين الدول المتقدمة والدول النامية ليست كبيرة كما يعتقد البعض.

وأضاف مدير التعليم في المنظمة: "عندما أجرينا مقارنة بين الدول التي حصلت على نفس الدرجات في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب، اكتشفنا أن هناك فجوة واسعة في مستويات الدخل في تلك الدول."

كما كشفت النتائج عن وجود فوارق كبيرة بين أداء النساء والرجال، إذ ثبت أن الفتيات يتفوقن في الأداء على الفتيان في القراءة، ويظهرن تقدما هامشيا عليهم في العلوم (بمقدار نقطتين في المتوسط)، بينما أثبت الفتيان تفوقا على الفتيات في اختبارات الرياضيات ( بنحو خمس نقاط).

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

هدى الحسيني

أهم ما تركته المظاهرات في إيران أنها أبلغت القيادة بأن حاجز الخوف قد تم كسره. بدأت المظاهرات المتقطعة أولاً في العراق، ثم امتدت إلى لبنان، وأدت إلى استقالة رئيسي وزراء البلدين، ثم وصلت إلى شوارع طهران بقوة كبيرة.
وكان قرار اتخذته 3 بلديات منذ نحو 3 أسابيع برفع سعر لتر البنزين بمقدار 5 آلاف ريال، وإدخال نظام الحصص الشهرية المخفضة للوقود، أخرج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، وتحولت المظاهرات العامة الأصيلة والعفوية والتي بدأت بوصفها احتجاجاً مالياً، على الفور إلى معارضة للنظام الذي يستثمر أموال الإيرانيين لترسيخ نفوذه الإقليمي على حساب مواطنيه. في الأسبوع الماضي تعمد «حزب الله» في لبنان نشر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وأعضاؤه يعدّون ملايين الدولارات التي وصلت إلى الحزب من إيران (تقدر بـ75 مليوناً)، كما نشر الحزب شريطاً لأحد أعضائه يقود سيارة وفي داخلها رزم ضخمة من الدولارات وعلى واجهة السيارة صورة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، ويستمع إلى أغنية عراقية تمجّد إيران. وكان الأمين العام للحزب قال في إحدى خطبه إن أزمة الدولار التي تعصف بلبنان لن تطال مقاتليه، فإيران هي البنك الذي لا ينضب، وبالتالي لن يعاني الحزب من أي ضائقة. وليس غريباً أن يكون الشعار الأكثر شيوعاً في المظاهرات الإيرانية: «الموت للديكتاتور»، وهذا زاد من قلق النظام إلى حد كبير.
بدأت المظاهرات في عشرات المدن على امتداد جميع أنحاء إيران، بما في ذلك المدن الرئيسية: طهران، وشيراز، وأصفهان. كان سلاح المتظاهرين الشعور بالإحباط من الاحتجاجات الفاشلة سابقاً، لذلك هاجموا قوات الأمن وأغلقوا الطرقات وأضرموا النار في مئات محطات الوقود والمصارف وقواعد «الباسيج» والكليات الدينية، وأحرقوا صوراً لكبار مسؤولي النظام. لقد أدى اليأس والإحباط والكراهية العميقة تجاه النظام التي عبر عنها الإيرانيون، إلى تغذية الاحتجاجات وزيادة حجمها. ووفقاً لوكالات أنباء عدة؛ شارك نحو 100 ألف شخص في المظاهرات، ومع هذا تجاوز مستوى العنف والمعدل الذي انتشرت به الاحتجاجات، ذلك الذي قوبلت به مظاهرات عام 2018، مما جعلها أكثر المظاهرات الاحتجاجية انتشاراً وأهمية منذ عام 2009. يبدو من هذا أنه كلما أصبح الشعب الإيراني أكثر استعداداً لتنفيذ انقلاب، زاد التطرف في التدابير التي يتخذها النظام لقمع الاحتجاجات والمظاهرات بأي ثمن. وكلما استعرت المظاهرات؛ كان قادة النظام يحاولون استرضاء الشعب. ومع ذلك؛ فإن الإجراءات تتحدث بصوت أعلى من الكلمات. وكعادة الأنظمة الديكتاتورية التي تدّعي أنها لا ترى ما يجري في الشارع، أعلن الرئيس حسن روحاني أن الأمة الإيرانية تمكنت من التغلب على تحدي الاحتجاج، وسارع متحدث باسم الحكومة إلى إبلاغ الإيرانيين بأنه لن تتم الموافقة على زيادة تسعيرة الوقود حتى شهر مارس (آذار) من عام 2020.
في الأيام التي تلت تغيرت النبرة وبدأ زعماء النظام الإدلاء بتصريحات علنية بشأن وحشية الأحداث والخطر التي تشكله على النظام. على أرض الواقع كانت هناك بالفعل تقارير عن ارتفاع أسعار الخبز والحليب في المستقبل القريب، فالوضع الاقتصادي المتدهور في إيران لا يبدو جيداً.
سواء تم فرض تدابير اقتصادية جديدة أم لا، وما إذا كانت المظاهرات تشكل تهديداً حقيقياً للنظام أم لا، فهناك شيء مؤكد تغير في المجتمع الإيراني؛ لقد تم «كسر حاجز الخوف» لدى الإيرانيين، فالجدار الذي كان بمثابة ضبط النفس من تطور الاحتجاجات المدنية حتى الآن، تم هدمه، واستعداد الجمهور الإيراني للاشتباك مع قوات الأمن يعني شيئاً واحداً: لم يعودوا يخافون من الخروج إلى الشوارع.
اتخذ النظام تدابير استثنائية عادة ما تكون مخصصة للأحداث الشديدة، مثل استخدام النيران الحية، وتم نشر كثير من قوات الأمن؛ بما في ذلك قوات «الحرس الثوري» التي تولت القيادة في العمليات إلى جانب القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي و«الباسيج» ووزارة الداخلية. احتجز النظام 7 آلاف مواطن في جزء من محاولاته لقمع الاحتجاجات، وتأثر كثير من جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك إلغاء الدراسة في المدارس والجامعات، وتأجيل المباريات الرياضية، وإغلاق خطوط المترو، وفرض حظر تجول عام.
كما تم حظر الإنترنت والشبكات الخليوية من أجل جعل تنظيم المتظاهرين بين بعضهم بعضاً أمراً صعباً. كانت هذه محاولة أخيرة من قبل النظام لإخماد نيران المظاهرات ولو على حساب تقويض صورته والتسبب في إضرار بالاقتصاد. حتى بعد ادعاء الدولة أنها أعادت الإنترنت، أبلغ كثير من الإيرانيين عن محدودية الوصول إليه، لا سيما المواقع الإلكترونية والشبكات الخليوية. ورغم أن هذا الإجراء المتطرف قد تعرض لانتقادات شديدة من قبل كثيرين، بما في ذلك احتجاج رسمي من قبل 11 عضواً من أعضاء مجلس الشورى، فإن قرار حظر الإنترنت كان له تأثير حاسم على قمع الاحتجاج في أسبوع واحد فقط، ومع ذلك بقي الجمهور الإيراني يطلق صرخة المعركة. فقد وجدت مقاطع فيديو وصور خاصة للمتظاهرين طريقها إلى العالم، حيث أبلغت العالم بالنطاق الهائل للاحتجاج على النظام والعنف الذي استخدمه النظام لتفريق المتظاهرين. وذكرت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان مقتل 143 متظاهراً خلال موجة الاحتجاجات، لكن المنظمة لم تكشف عن القتل الجماعي في ماهشهر حيث أحاط «الحرس الثوري» بالمنطقة وقتل ما بين 40 ومائة متظاهر مسالم أغلبهم من الشباب كانوا لجأوا إلى حقل من قصب السكر، وقيل إنهم أضرموا النيران بالجثث.
حاول النظام التخفيف من عدد القتلى، لكن مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى من وزارة الداخلية أكد مقتل 218 شخصاً «إن لم يكن أكثر». ورغم أن الاحتجاجات لم تخرج عن نطاق السيطرة، فإن العدد الكبير من القتلى قد يشير إلى أن قوات الأمن فوجئت بمدى شدة الأحداث وغضب الشارع.
ربما تراجعت موجة الاحتجاج، لكن ينبغي عدم التقليل من أهمية الانتفاضة العامة، من قبل النظام أو الشعب؛ إذ يشير الغضب الذي عبرت عنه الأحداث الأخيرة إلى شعور الجمهور الإيراني المتزايد بالاشمئزاز تجاه النظام، حتى لو حاول الأخير إيجاد حلول ملتوية لتخفيف الشقاء العام، فالحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حل حقيقي للمعضلة الاقتصادية، ولا توجد وسيلة لتحسين الرفاهية العامة، ما دامت إيران تحت قيادة «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني تواصل محاولة ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
رغم أن النظام ربما يكون استوعب الحساسيات الحالية للجمهور استناداً إلى سلوكه على مر السنين، فإنه من المحتمل أن يحاول الحفاظ على صورة قوته من أجل ردع المحتجين حتى عندما يكون وضعه أضعف مما يبدو عليه. هذا سيؤدي إلى خروج الجماهير مجدداً إلى الشوارع والانضمام إلى «حرب الاستنزاف» ضد النظام، وليس من الواضح من سيخرج منتصراً، مع أن الإيرانيين صاروا يدركون ويرددون أنه لن يكون سلام في إيران أو في الشرق الأوسط، إذا لم تتم إطاحة النظام الذي «يحتل بلادهم» بصورة غير شرعية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية