مخرج مصري شاب يجابه التيارات التكفيرية بسلاح المسرح

2282
عدد القراءات

2017-11-20

انتقل مع مجموعةٍ من الفنانين الشباب، إلى مدن يحتلها، فكرياً، المتطرفون، ربّما أطلق عليه مسرح المواجهة، زاحمهم في أماكن نفوذهم؛ لأنّه أدرك أنّ الدول حين غابت عن دورها في تنوير العقول، أخذت التيارات الراديكالية حيزاً كبيراً من المجتمع، فكان لا بدّ من مزاحمة هذه التيارات في أماكن نفوذها، وحمل شموع التنوير في هذه البؤر، وأيضاً لتأكيد أنّ طوائف المجتمع كافة في الخندق نفسه، والكل يواجه الظلام بالنّور، وأنّ الصالات المكيفة لا تصنع مجتمعاً تنويرياً، ولا بدّ من الخروج إلى المواطنين في كلّ الربوع، ممّن حرموا العدالة الثقافية، هكذا تحدّث محمد الشرقاوي، مخرج مسرحية "ولاد البلد"، التي حقّقت نجاحاً كبيراً.
"حفريات"، التقت الشرقاوي وأجرتْ معه الحوار التالي:

* الفنّ والمسرح لمقاومة الإرهاب. كيف بدأت الفكرة؟
- بدأت فكرة "ولاد البلد" أثناء تجوالي في ربوع مصر ومحافظاتها، بمسرحية "عاشقين ترابك"، ثمّ اتفقتُ مع الدكتور مصطفى سليم، لصياغة مسرحية لوجع مصر، وتشجيع الأستاذ إسماعيل مختار رئيس البيت الفني، والأستاذ خالد جلال على تفعيل فكرة المواجهة ومخاطبة الآخر، وبعدها بدأتْ ورشة العمل، التي استغرقت خمسة أشهر، لتظهر بعدها المسرحية.

* أعتقد أنّ "ولاد البلد" ليست العمل الأول في المواجهة مع المتطرفين؟
- نعم ليست العمل الأول؛ إنّما هي استكمالٌ لعملين سابقين حملا عنوان "عاشقين ترابك"، وكانا أول صدامٍ مع جماعة الإخوان، لكنّنا قدّمنا ورقة عملٍ مفادها البحث عن الدولة المدنية، دولة المواطنة والعدالة.

الأعمال الفنية هي الأَولى بتجديد الخطاب الديني، نظراً إلى قاعدتها الجماهيرية، واتساعها وقدرتها على الوصول لجهات أكبر

مسرح اللحظة الراهنة

* لماذا أطلقتم على ما تقدّمونه مسرح المواجهة، وهل الفكرة تروق للدولة؟
- مسرح المواجهة: هو مسرح اللحظة الراهنة، مسرح مخاطبة الآخر، مسرح مزاحمة الظلام في مكانه، معتمداً على طاقات الشباب، والخروج من المسارح إلى الشوارع والحارات والميادين، حيث يتحدّث عن المواطن وأزماته. باختصار؛ هو مسرح الأزمات، أمّا بالنسبة إلى الدولة، فعلى الرغم من إيمان الأستاذ إسماعيل مختار، رئيس البيت الفني، وكذلك دعم الأستاذ خالد جلال، وأيضاً وزير الثقافة المصري، الكاتب حلمي النمنم، إلّا أّنّ هذا المشروع اصطدم مع المستشار القانوني للسيد الوزير، بسبب البيروقراطية الشديدة، وعدم تفهّمه لطبيعة المشروع، وكذلك حداثة سنّي ودرجتي الوظيفية، فالكفاءة ليست المعيار الوحيد؛ بل التدرّج الوظيفي، وما زال إسماعيل مختار يقاتل ليرى هذا المشروع النور.

* هل تصرّ "ولاد البلد" على حرب البيروقراطية المتجذرة؟
- أوافقك تماماً، البيروقراطية متجذّرة في الجهاز الإداري للدولة، ونحن نحاربها في "ولاد البلد"، التي تحدثت عن قانون الخدمة المندية في اللوحة الثانية منها.

* إنّني أتفهّم تلك البيروقراطية، رغم أنّ الجهاز الأمني يحرص على انتشار مثل هذه الأعمال.
- وزارة الداخلية، خاصّة قطاع العلاقات والإعلام، داعمة لورقة العمل، وحينما تعرضنا لمضايقات في مدينة مرسي مطروح؛ حيث يسيطر التيار السلفي هناك، وقف الأمن معنا، ثمّ صار هناك تعاون، وهم يدعموننا إيماناً منهم بأنّ دورنا سابق للحلول الأمنية، فالثقافة ستغلق أبواباً كثيرة هم يواجهونها.

تجربة أولى في مواجهة التطرف

* هل "ولاد البلد" هي التجربة الأولى التي واجهتم فيها التطرف في كلّ ربوع مصر؟
- لا، فتجربة "عاشقين ترابك" كانت الأولى، ولأول مرّة في تاريخ الثقافة المصرية، يتم عرض عمل مسرحي في جميع محافظات مصر، لا في العواصم فقط؛ بل في القرى، والنجوع، والتجربة المتفردة في الصعيد والدلتا وسيناء، بالتعاون مع خمس محافظات، وأيضاً بجميع معسكرات الأمن المركزي، وقوات الأمن، وتظلّ عروض سيناء عالقةً بذهني في 2016، وقت ذروة الإرهاب؛ حيث استُقبلنا هناك أفضل استقبال، وكانت أفضل ليالي العروض، وهناك رأيت الحقيقة. رأيت الحرب بمعنى الكلمة؛ حربٌ بين من يريدون الحياة، ومن يبحثون عن الموت، ولا تتصوّر مدى فرحة المجنَّدين والضباط، ولن أنسى مقولة السيد مدير أمن سيناء اللواء سيد الحبال، حين قال لنا: "لقد تجاوزتم دورنا".

* هل سيناء كانت محطتكم الرئيسة أم هناك محطات أخرى؟

- ذهبنا إلى كلّ ربوع مصر، وفي أماكن انتشار الإرهاب، مثل أسيوط، وتعمّدت الذهاب إلى قرية حسن البنّا، والمكان الذي قتل فيه الجنود عام 1981، وذهبنا إلى حلايب وشلاتين، في ضيافة محافظ البحر الأحمر، ورأس غارب، والقصير، والنوبة في غرب سهيل، واتحاد النوبة العام، وعرضنا على ضفاف النيل.

* لماذا لا نشاهد مسرح المواجهة تلفزيونياً؟
- عروض البيت الفني هي ملكية له هو ووزارة الثقافة، التي هي الجهة الوحيدة المعنيّة ببيعها تلفزيونياً، وهناك معوقات كثيرة للتسويق، نظراً إلى البيروقراطية والقوانين المجحفة التي لا تصلح لهذا الزمن، أذكر أنّني، في بداية عملي بالبيت الفني، بحثت عن راعٍ للعرض الأول "عاشقين ترابك"، وبعد أنْ وجدناه وعرض علينا مبلغاً خرافياً، اصطدم بالقوانين واللجان، فذهب ولم يعد!، وللعلم؛ الدولة تنفق على المسرح والثقافة مئة مليون جنيه سنوياً، منها تسعين مليونا أجوراً للموظفين، والباقي للإنتاج والصيانة، في الوقت الذي لا يجد فيه جيلي من ينفق عليه، وورث هذا العبء، لكنّنا نحاول بأقلّ الإمكانيات.

* حين شاهدتُ المسرحية فوجئت بأنّها خليطٌ من الفكاهة والسياسة، بين الجدّ والهزل، هل هذا مقصود؟
- من الهزل تنفجر الدموع، والشعب المصري ابن نكتةٍ، وهذا مدخله، والكباريه السياسي منهج أزمات، والمواطن يرى نفسه فيه، وهو منهج ظهر في ألمانيا في الحرب العالمية، بمعنى المنتدى الثقافي الذي تناقش فيه هموم الأمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ويعتمد على الصدمات المتتالية، واللوحات القصيرة ذات الإيقاع السريع.

* لاحظتُ أنّ كلّ ممثّليك شباب، أليس كذلك؟
- الشباب المصري هو عماد هذا المجتمع، وأنا شاب أؤمن بأنّ الشباب هو الحلّ، وبأنّ المسألة صراع أجيال، أجيال رضيت بالواقع، وأخرى تحاول تغيير هذا الواقع، بحثاً عن مستقبل أفضل. وعندما أنظر إلى طفلي ياسين، البالغ أربعة أعوام، أقول له: إنّني أحاول أن أصنع لك ولجيلك مستقبلاً أفضلَ، فالثقافة هي السّلاح الأول للقضاء على التطرف، وبالثقافة تصنع أجيالاً قادرة على الصنع والإبداع، وعلى الدول تدعيم الثقافة؛ فهي حقّ وليست منحة.

* هل دوركم مكمِّل لدور السينما؟
- المسرح فنّ حيّ منضبط، عكس السينما، المسرح تأثيره أقوى وأعمق، فالمسرح مفعمٌ بالحياة والقدرة على التأثير، وهو أبو الفنون.

* هل فكرتم في عرض هذه المسرحية عربياً؟
- نفكر جدياً بعرضها في العالم العربي، فالحالة المصرية لا تنفصل عن محيطها العربي، ونحن نواجه نفس الأزمات السياسية والاقتصادية والطائفية.

من الهزل تنفجر الدموع والشعب المصري ابن نكتةٍ وهذا مدخله، والكباريه السياسي منهج أزمات، والمواطن يرى نفسه فيه

مع الوطن يختفي الحياد

* للعلم، أنا خشيت ألّا تكون حيادياً، فقد رأيت بعض لوحات المسرحية تنتقد نقداً لاذعاً؟
- بالعكس، فنحن عرضنا في المسرحية الرأي والرأي الآخر، وكنت حيادياً إلى أبعد حدّ، اللهم إلّا في موضوع الوطن؛ ففي الوطن يختفي الحياد، وعلى سبيل المثال: لوحة تعويم الجنيه، أنا من أكثر المشجّعين لقرار التعويم، لكن ليس تشجيعاً على بياض، فهناك تقصير في مراعاة الفئات الأكثر تضرراً، وهنا نسلّط الضوء عليهم، ونشجّع الدولة على اتخاذ خطوات أكثر لحمايتهم، وقانون الخدمة المدنية، من وجهة نظري، هو قانون النجاة لهذا الجهاز الإداري المترهّل.

* هل ترون في أنفسكم رقماً في مسألة تجديد الخطاب الديني؟
- نحن الأولى بتجديد الخطاب الديني، والتجديد لا يكون بالآليات نفسها، ونحن نبحث عن فهمٍ حقيقي للدين، وغاية الدين الحثّ على الحقّ والخير والجمال، كما هي الأخلاق، وفتح باب الاجتهاد، والفهم المعاصر للدين، وتعامله مع اللحظة الراهنة، هنا والآن، بعيداً عن الأفكار الجامدة، والنظرات الدونية للعادات والتقاليد الموروثة، وليس الدين والأعمال الفنية هي الأولى بتجديد الخطاب الديني، نظراً إلى قاعدتها الجماهيرية، واتساعها وقدرتها على الوصول لجهات أكبر، وتجديد الخطاب الديني يبدأ من هنا؛ من ثقافة جديدة ومغايرة، تصاحبها نظرةٌ، وفهمٌ أعمق للدين، وصحيحه، وغايته.

اقرأ المزيد...

الوسوم: