في فهم التنافس: عذراً ميكافيلي.. الغاية لا تبرّر الوسيلة

في فهم التنافس: عذراً ميكافيلي.. الغاية لا تبرّر الوسيلة
صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
11468
عدد القراءات

2018-04-16

من أشدّ الأوهام التي يمارسها العقل على نفسه، وهم تعيين أحكام قبليّة، غرضها الوحيد إخراج العقل من مأزق التناقض الذي سوّر نفسه به، وهذا الوهم استثمار مُسبقٌ لهدف عيّنه العقل كإستراتجية تبريرية، لا يمكن أن نقرأ من خلالها سوى حماقة التأكيد على المؤكَّد سلفاً، ما يجعل "الغاية تبرر الوسيلة" طريقاً معبّداً للوصول إلى النتائج. هذا ما دفعني لإعادة النظر في مفهوم التنافس، الذي يحمل ظاهره قيمتين متناقضتين، تتكشّفان في العمق عن القيمة نفسها، فيقال إنّ التنافس إيجابي إذا كان هدفه نبيل، ولكنّ النبالة هنا ما هي إلّا تبرير "ميكافيلي" يعمل كقيمة مضافة لفعل الإقصاء، الذي يستعير معقوليته من الذهنية العامة التي تشكل وعي الفرد، ويقال إنّ التنافس سلبي إذا كانت أهدافه وضيعة، ولكن من يحدد وضاعتها؟ إنّهم المتواطئون على القيمة التي يحملها الهدف، والنتيجة أنّ شطري التنافس وجهان لعملة واحدة. وبالتالي ألا يمكننا أن نجزم بسلبية التنافس أينما وجد ولأي غاية كانت؟ ما الذي يمكن أن يتنافس الإنسان عليه سوى الحماقة؟ أليس الحماقة هي الدافع الوحيد للخصام؟ أليس الخصام المنتِج الوحيد لصيغ النفي والإلغاء؟ من هنا كان لابد من إعادة قراءة التنافس خارج حظيرته الاصطلاحية التي تحدد دلالته وتمنحه قيمة كاذبة.

فروم: الإنسان يتخذ من الحرية صورتين اثنتين: الحرية الفردية التي تمارس بأنانية والحرية الإبداعية التي يتعارف بها على الآخرين

إريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية" يرى أنّ الإنسان يتخذ من الحرية صورتين اثنتين: الحرية الفردية، التي يمارس الإنسان من خلالها الحرية بفردية وأنانية، وينخرط في تنافس مع الآخرين، لتكون النتيجة أنواعاً منحطة من الشخصيات؛ كالانتهازي والأناني والاستحواذي..إلخ. والحرية الإبداعية التي يمارس الفرد من خلالها حريته بشكل إبداعي، يتعارف فيها على الآخرين بعقلانية ومحبة، ويؤسس لمجتمع صحي يقوم على القبول والتعاون. والسؤال: أي صورة من صورتي الحرية هي التي تتبدى في المجتمعات عامةً وفي مجتمعاتنا خاصةً؟

قد لا تخلو تربيةٌ في مجتمعاتنا من التنافس (من يسبق بإنهاء صحنه، بارتداء ثيابه، بجلب شيء ما، حتى الخصام بين الوالدين قد يأخذ شكل المنافسة على كسب ولاء الطفل). هذه النزعة التي تغذيها الأسرة لا تلبث لاحقاً أن تعززها المدرسة، لتغدو قيم التعلّم هامشية لصالح مركزية التفوق الذي يقرر مصير الطفل من خلال الدرجة، وتصبح الدرجات هي الغاية لا المعرفة التي تتوفر عليها المناهج. من هنا تبدأ رحلة برمجة العقل للتعامل مع العالم بمنطق حسابي يختصره إلى ربحٍ أو خسارةٍ، ومن خلال هذا المنطق تأخذ صورة الآخر، صورة العقبة التي يجب إزاحتها وبأي طريقة كانت. في هذا المناخ يصبح التنافس العلاقةَ الأقوى التي تربط الأفراد، وهذه العلاقة لن تفرز سوى العدائية التي بدورها ستولّد مشاعر الحسد والغيرة والأنانية الظاهرة والمضمرة، ليصبح الآخر هو الجحيم بتعبير سارتر، ويطفو على سطح العلاقات الاجتماعية الغش والخداع كوسيلتين مشروعتين طالما هما توصلان إلى الهدف، وهذا بالضبط ما يؤكد تواطؤنا مع "ميكافيلي". أو بالأحرى تواطؤنا على ذواتنا من خلال النفي والإلغاء، وعدم قبول الآخر وانعدام مقبوليته لنا، لتكون النتيجة "حرب الجميع ضد الجميع"؛ فالمجتمع الذي تسيطر عليه قيمة التنافس، سينتهي به المطاف إلى هدر أفراده وهدر طاقاتهم بحسب تعبير "مصطفى حجازي".

على نقيض التنافس لا يمكن للتعاون إلّا أن يكون اعترافاً متبادلاً بين الأفراد، وهذا الاعتراف ينظر إلى الفعل كقيمة مشتركة

من يهدر هذه الطاقات؟ ربما هي السلطة التي تنتج العالم في عالمنا، سلطة تجعل من المال والشهرة والنفوذ غايات الحياة الاجتماعية، لتحصر العلاقة بين الأفراد في قالب الربح والخسارة، فهناك دائماً شيء ما لتخسره أو لتكسبه، يتحدّد وتُحَدَّد قيمته بالتنافس، السلاح الخفي لهذه السلطة، والذي يجد مقبوليّته من خلال البنية الهرمية لمجتمعاتنا؛ حيث يدغدغ التنافس تعطش أفرادها للتسلق وبلوغ القمم، من دون الاكتراث أنّ القمم ضيقة ويتطلب الوصول إليها فعل إزاحة مستداماً، تقول "هيلاري أنغر إلفينباين" أستاذة السلوك التنظيمي بجامعة واشنطن:"متى وُجدت منافسة طويلة الأمد سيتوفر مجال للتناحر". وهذا المجال الذي يقوم على الإزاحة المتعمّدة سيُبعد الإنسان عن إنسانيته التي لا يمكن أن تتعين خارج التعاون والمحبة.

على نقيض التنافس لا يمكن للتعاون إلّا أن يكون اعترافاً متبادلاً بين الأفراد، وهذا الاعتراف ينظر إلى الفعل كقيمة مشتركة تتحقق بجميع الجهود المبذولة لإنجازه؛ حيث يصبح الهدف نتيجة طبيعية للأسباب التي صاغته، من دون ثقافة الاعتراف، سيحظى الفرد بجرعات متزايدة من القلق والخوف، وربما هذا ما نؤسس أطفالنا عليه، حيث يشير إدغار موران إلى أنّه "يمكن كبت القلق من خلال الولع باللعب، ولكن دون أن نتخلص منه أبداً"، تشير كلمة الولع السابقة إلى انحراف اللعب عن بعده الإنساني المنتَج، ليتحول من مساحة للمعرفة والاكتشاف والنمو، إلى بعد استهلاكي يتغذى الطفل على قلقه ومن ثم يعيد إنتاجه عندما يكبر، يتبدى هذا في سيطرة الألعاب الإلكترونية على عقول مستخدميها بواسطة البرمجة الهائلة التي تُمارَس عليهم، والتي تغذيها بشكل مستمر آليات التنافس، في واقع يقوم أساساً على هدم اللعب الذي أخذ يتعين بالنتيجة فقط، هذا النمط العام المهيمن ينسحب على أغلبية الألعاب، فالولع العالمي بكرة القدم يعود إلى حجم الاستثمارات الهائل لرؤوس الأموال في ملاعبها، الاستثمارات التي تهدف فقط إلى الربح، وهذا الربح الذي يغدو أكبر كلما تضاعف الولع العام باللعب، فتكون ثقافة التنافس التي تفرغ اللعب من معناه، الضامن الأكبر للقلق الذي يتم حكّ جلد البشرية فيه بشكل مستمر، بالمجانية التي تنتج ذاتها وتضاعف الربح. 

الرغبة بالفوز التي تجعل من اللعب ميداناً للمنافسة تنسحب على الحرب فهي الميدان الأقوى للربح عالمياً

الرغبة بالربح (الفوز) التي تجعل من اللعب ميداناً للمنافسة، تنسحب على الحرب، فهي الميدان الأقوى للربح عالمياً، فاليوم بتنا نلحظ بشكل مطّرد، تفشي الحروب في العالم سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم عسكرية أم دينية، هذا التفشي العالمي لظاهرة الحرب، مردّه انحطاط القيم الإنسانية التي تم استبدالها بقيم السوق المرتبطة بالربح، وبصيغ التفضيل التي تشعل جذوة التنافس (الأقوى، الأغنى، الأعتى، الأفضل)، والمخزي هنا أنّنا بعد آلاف السنين من الحضارة، لم يستطع الإنسان أن يُطوّر بما يكفي ثقافة التعاون والحوار، التي تعمق انتماء الإنسان إلى هويته الإنسانية، بدل الانغلاق على هويات حصرية أقل ما فيها أنها "هويات قاتلة"، على حدّ تعبير أمين معلوف.

على ما يبدو أنّ جذور التنافس تمتد عميقاً في التاريخ، لتعود للحظة تشكّله الأولى القائمة على الملكية، والتي لم يكسب الإنسان من خلالها سوى خوفه وقلقه الدائمين " فكل هذه الامتيازات ومظاهر الأبهة في الإنسان، ما أغلى ما دفعنا من أنفسنا من أجلها وكم من الدماء والرعب في أعماق هذه الأشياء الجميلة"، إنّ نيتشه محق في هذا، فحسّ الملكية والاستئثار يعيّنا الوجود داخل "أنا" لا ترى تعيّنها إلّا في انعدام الآخر، هذه "الأنا" التي تنسى في معرض تنافسها أنّ الآخر هو المادة التي تتشكل منه، فعندما تلغي "الأنا" الآخرَ فإنها تلغي نفسها، وبالتالي تلغي إمكانات تفتحها وانطلاقها، وتلغي إمكانات تشكّل وعي إنساني منفتح، يمتلك القدرة على منح الحياة معنى يتجاوز المحدودية التي يتم من خلالها قراءة العالم. "الحياة هي هدية الوجود، فتعلّم كيف تستمتع بها، تلذذ بها، ارقص مع الأشجار والنجوم، أحب بلا غيرة، وتعلّم بلا تنافس، كن نفسك فقط"  بتعبير أوشو.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما الجديد في الإعلان عن صفقة القرن؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-01-29

بعد تأجيل الإعلان عنها المرة تلو الأخرى، والعمل على تفاصيلها أزيد من عامين، عبر فريق أمريكي مقرّب من الرئيس دونالد ترامب، ينسجم وبشكل كامل مع انحيازاته لإسرائيل، أعلن الرئيس الأمريكي، من باحة البيت الأبيض أمس، وبجانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مشهد غير مسبوق في تاريخ الإدارات الأمريكية، عن الخطوط العريضة لما يسمى "صفقة القرن".

اقرأ أيضاً: صفقة القرن: يوم أسود في التاريخ الفلسطيني‎
لا أعتقد أنّ متابعاً على المستوى الرسمي أو على مستوى المحللين والمتابعين، فوجئ بما تم الإعلان عنه، إن على صعيد ما في جاء في كلمة ترامب أو التوضيحات التي قدّمها نتنياهو، فقد جاءت مضامين الخطة في إطار العنوان العريض للاستراتيجية الأمريكية، القائلة بسلام اقتصادي مع الفلسطينيين، في إطار دولة "هلامية" أعلى من حكم ذاتي وأقل من دولة، تبقى تحت التجربة لمدة أربعة أعوام؛ إذ إنّ كل ما تم الإعلان عنه جاء متوافقاً مع التسريبات على مدى العامين الماضيين، بعد إنهاء أهم الملفات واستبعادها عن أية مفاوضات وهما: ملف القدس بحسم الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وإلغاء قضية اللاجئين، بما في ذلك التعويض المنصوص عليه بالقرارات الدولية، والتأكيدات حول مشاريع اقتصادية كبرى وتخصيص 50 مليار دولار لتحسين الأوضاع الاقتصادية، ليس في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدها، بل في الدول المجاورة؛ الأردن ومصر ولبنان.

بيضة القبان في تمرير الصفقة وإفشالها تقع على عاتق الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة

ليس جديداً القول إنّ الإعلان عن الصفقة بهذا التوقيت جاء في سياق حسابات أمريكية وإسرائيلية مرتبطة بالأوضاع الانتخابية لترامب ونتنياهو، الواقعين تحت ضغوطات العزل بالنسبة لترامب، واحتمالات مغادرة الحياة السياسية بالنسبة لنتنياهو على خلفية قضايا فساد، وهو ما يفسر تعداد ترامب لإنجازاته بإنهاء خطر تنظيم داعش وزعيمه أبو بكر البغدادي، ومقتل قائد "فيلق القدس" الجنرال الإيراني قاسم سليماني، ووصف إعلانه لـ"صفقة القرن" بأنّها إنجاز جديد.
الخطة تؤشر لتصورات ومقاربات اليمين الإسرائيلي للحل النهائي، التي تستند بالتوافق مع الإدارة الأمريكية إلى مرجعية الواقع القائم على الأرض، لذا كان الحديث عن الاعتراف الأمريكي بضم الجولان السوري المحتل منذ عام 1967.

اقرأ أيضاً: المواجهة الفلسطينية المطلوبة لصفقة القرن
ورغم التحفظات الدولية والإقليمية على الخطة الأمريكية – الإسرائيلية، إلا أنّها جاءت في بعدها الدولي بحدود طلب التوضيحات والإجابة على تساؤلات تطرح على هامشها، فيما جاءت في الإطار الإقليمي من قبل تركيا وإيران، في إطار حسابات الدولتين لمستقبل علاقاتهما مع الولايات المتحدة، وتحسين شروط مفاوضاتهما ودورهما في الإقليم، على هامش التحولات والتغييرات الكبرى الجارية لإنتاج شرق أوسط جديد، وهو ما يعني أنّ تلك المواقف الدولية والإقليمية، لن تتعدى سيناريو تحسين شروط تحقق المصالح الفلسطينية، ولكن في الإطار العام للصفقة، وليس في اجتراح سيناريوهات جديدة، تضمن الحقوق الكاملة غير المنقوصة للشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: الفلسطينيون يلوحون بالتصعيد
بعيداً عن البكائيات، والاتهامات التي توجّه لترامب التي تجتاح أوساطاً من الإعلاميين والسياسيين العرب، في إطار قاموس الرعونة والتهكم والخيانة وقرع طبول الحرب والاستعداد للشهادة، ومفاهيم لا صوت يعلو فوق صوت البندقية، فإنّ بيضة القبان في تمرير الصفقة وإفشالها تقع على عاتق الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد أظهرت ردود الفعل الأولية على الصفقة على المستويين؛ الشعبي والرسمي العربي، مستوى تلك الردود، والتي تكاد تكون صورة مكررة عن تلك التي نشأت بعد إعلان ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل.

خطر الصفقة وتبعاتها وتداعيات ترجمتها على الأرض يفترض أن يكون مدعاة حقيقية لإنهاء الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس

خطر الصفقة وتبعاتها وتداعيات ترجمتها على الأرض، يفترض أن يكون مدعاة حقيقية لإنهاء الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس، فخطر الصفقة لا يوازيه أي خطر، خاصة بعدما قبلت كافة الأطراف العربية مبدأ دولتين تعيشان جنباً إلى جنب بسلام دائم وعلى أساس حدود عام 1967.
حل السلطة الفلسطينية، التي لم يتبقَّ منها إلا التنسيق الأمني مع إسرائيل وفقاً لاتفاق أوسلو، لتواجه إسرائيل حقيقة أنّها محتلة، وإنهاء الانقسام الفلسطيني، وإطلاق انتفاضة "حجر" فلسطينية ثالثة، تتراوح مع غيرها في كونها سيناريوهات محتملة وأماني مطروحة في الشارع الفلسطيني والعربي؛ فالعالم اليوم ينظر بعيون شاخصة إلى الشعب الفلسطيني وما يمكن أن يفعله في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعيداً عن "جعجعة" فضائيات وخطابات التحرير التي يبني ممولوها علاقات "سياسية واقتصادية" وثيقة مع إسرائيل، بالتزامن مع إعلان "داعش" التي أقرّت بأنّ قضية المسلمين والعرب هي القضية الفلسطينية، وقررت العمل على تحرير فلسطين، بعد إعلان "صفقة القرن".

للمشاركة:

صفقة القرن.. خاب المقامرون ولو صدقوا

2020-01-29

"تسعون بالمئة من أوراق اللعبة في يد أمريكا".. تموضعت هذه المقولة التي أطلقها الرئيس المصري الراحل أنور السادات، في المشهد السياسي العربي، فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وباتت راسخة ضمن جملة من المبادئ والمفاهيم المغلوطة، لتضع حصاد النضال العربي طيلة أكثر من نصف قرن في سلّة واحدة تملؤها الثقوب الواسعة.

اقرأ أيضاً: صفقة القرن: يوم أسود في التاريخ الفلسطيني‎
لم تكن الولايات المتحدة، ومنذ مؤتمر بالتيمور في العام 1942، طرفاً محايداً على الإطلاق، وقد حرصت الحركة الصهيونيّة على تحويل مركز ثقلها من لندن إلى واشنطن، في ظل رفضها القاطع للسياسة التي انتهجتها إنجلترا لمنع الهجرة اليهودية غير الشرعية، عقب إصدار الكتاب الأبيض في العام 1939.

لم تكن الولايات المتحدة منذ مؤتمر بالتيمور في العام 1942 طرفاً محايداً على الإطلاق

ومنذ أصبح الحفاظ على الوطن القومي اليهودي، الذي قام عدواناً واغتصاباً، أحد أهم الأوراق الانتخابية، باتت المزايدة بين الساسة الأمريكيين على الحقوق العربية أمراً مألوفاً، ولم يكن الضغط الذي مارسته إدارة أيزنهاور على تل أبيب في أعقاب حرب السويس العام 1956، سوى نوع من التعبير المكتوم عن الغضب من قيام إسرائيل منفردة بالتخطيط مع إنجلترا وفرنسا، لشن الحرب دون استشارة واشنطن، خاصة مع النتائج الكارثية التي ترتبت على العدوان، والتي مكّنت الاتحاد السوفييتي من التهام المجر، وصعود نجم جمال عبد الناصر، مع دخول موسكو كفاعل مركزي ومباشر في قضايا المنطقة.
مبدأ أيزنهاور ومحاولات تمرير الاحتلال
سرعان ما سيطرت الإدارة الأمريكية على غضبها، ليعلن أيزنهاور مبدأه الشهير لملء الفراغ في الشرق الأوسط، وبمقتضاه، أصبحت المساعدات الأمريكية لدول المنطقة مشروطة بالسلام الكامل مع إسرائيل، دون أن تقدم الأخيرة أيّ بادرة لحسن النوايا.

خاب من ظن أنّ الحل العادل بيد واشنطن وخاب من ظن أنّ أيّ حل غير عادل قد يمكن تمريره

وعلى الرغم من رؤية كينيدى الأكثر موضوعية لمفردات الصراع وعناصر الحل، إلا أنّه لم يستطع منع المؤسسات العسكرية في بلاده من مدّ يد العون العسكري لإسرائيل؛ لضمان تفوقها على كل دول الجوار العربي، ففي اليوم نفسه الذي قام فيه بتوبيخ بن غوريون بسبب النشاط النووي الإسرائيلي، كان الأخير يعقد اتفاقاً سريّاً مع البنتاغون لتزويد بلاده بقدرات نووية جديدة، قبل أن يأتي جونسون بوجهه المكشوف؛ لينتهج سياسات أكثر فجاجة في تأييد النهج العدواني لإسرائيل، والانخراط المباشر في مشاريعها التوسعية إبان حرب حزيران (يونيو) العام 1967.
ومع تراجع الدور الخارجي للاتحاد السوفييتي، تحت وطأة جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية، لعل أبرزها الترهل الجغرافي، أخذ أنور السادات، ربما مدفوعاً بقناعات شخصية، خطوات حادة ومتسارعة تجاه الولايات المتحدة، وكان لزاماً عليه أن يقدم مجموعة من التنازلات السياسية السخيّة، مع القطيعة الكاملة مع سياسات سلفه عبد الناصر، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام الرياح العاتية الآتية من الغرب.

اقرأ أيضاً: المواجهة الفلسطينية المطلوبة لصفقة القرن
كانت زيارة القدس قفزة نوعية فوق الحاضر والتاريخ، افتقر صاحبها لأبسط مقومات المناورة السياسية، فالاعتراف الذي يسبق نيل الحقوق دشن لحظة انهزامية، ربما ارتكزت عليها فيما بعد كل مآلات الراهن وانكساراته المؤلمة.
الممانعة الشعبية كحائط صد
في العام 1981، وبأمر من السادات شاركت إسرائيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهو ما حوّل أرض المعارض إلى ثكنة عسكرية عقب احتجاجات وتظاهرات كبيرة، ما جعل الجناح الإسرائيلي معزولاً، وما تسبب في وفاة الشاعر صلاح عبد الصبور أثناء محاكمة أخلاقيّة من زملائه، وكان وقتها رئيساً لهيئة الكتاب، وبغض النظر عن مسؤوليته من عدمها عن وجود إسرائيل في المعرض، فإنّ الأمر كرّس لهذا الرفض الواسع للتطبيع بشتى أشكاله، لتُمنع إسرائيل من المشاركة بشكل رسمي منذ العام 1987.

اقرأ أيضاً: الفلسطينيون يلوحون بالتصعيد
ومع الرفض الكامل لسلام "كامب ديفيد" المنقوص، وفي ظل رايات المقاومة المرفوعة هنا وهناك، لم تؤت صفقة القرن الماضي ثمارها، ولم تحقق الحد الأدنى المطلوب من التهدئة، وهو ما تطلّب قلب مفردات الممانعة رأساً على عقب، وتفكيك كل المعطيات القائمة، لصالح صفقة جديدة، ربما لم تكن معالمها قد اتضحت بعد.
حركة حماس كالخنجر في ظهر القضية
خسرت المقاومة علاقتها العضوية بالأرض، وقد تورطت في صراعات عبثية في دول الجوار، قبل أن تقصيها مذبحة صابرا وشاتيلا من مجالها الجغرافي المُقاوم، لتظهر حركة حماس في الأفق، والتي حاولت بدورها السطو على القضية باسم الدين، وتفريغ حركة النضال من بعدها الوطني، بردها إلى السماء، انتظاراً لوعد الآخرة، لتخلق نفسها مبرراً للوجود في السلطة، وممارسة كافة صنوف الانتهازية السياسية .

بدون الحقوق التاريخية المشروعة، وأولها القدس وحق العودة، تصبح صفقة القرن خاسرة وعلى كل مقامر أن يدرك تبعات مقامرته

وفي أعقاب "الربيع العربي"، وتفكيك الدول المركزية، بات الهامش يلعب أكثر الأدوار الرخيصة فجاجة، وبين يد إيران الطولى، وجناحها العدواني المتمثل في حزب الله، والتدخلات التركية المشبوهة، والتي اتخذت من جماعة الإخوان المسلمين جسراً للمرور إلى العمق العربي المترهل، خرجت صفقة القرن الجديدة إلى النور، في محاولة لإطلاق رصاصة الرحمة على وطن يلفظ أنفاسه منذ عقود.
يمكن القول إنّه منذ أوسلو لم يقدم الراعي الحصري الأمريكي خطوات موضوعية جادة، للضغط على إسرائيل، ومنع عدوانها المتكرر على الفلسطينيين، أو وقف حركة الاستيطان، مع انخراط جناحي السلطة في الضفة وغزة في صراع عبثي لا طائل منه، قبل أن يكشف اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل عن النوايا الحقيقية للإدارة الجمهورية.

اقرأ أيضاً: لماذا صار زمن إشهار الثورة الفلسطينية أقسى الشهور؟
خاب من ظن أنّ الحل العادل بيد واشنطن، وخاب من ظن أنّ أيّ حل غير عادل يمكن تمريره، فبدون الحقوق التاريخية المشروعة، وأولها القدس وحق العودة، تصبح صفقة القرن وكل قرن خاسرة، وعلى كل مقامر أن يدرك تبعات مقامرته.

للمشاركة:

الصراع مع الإسلام السياسي.. مسألة دين أم سلطة؟

2020-01-28

"الحروب والصراعات تنشأ دائماً لأسباب نبيلة"

هل الخلاف بين الإسلام السياسي والحكومات العربية والإسلامية حول تطبيق الشريعة الإسلامية؟ بمعنى هل هو خلاف بين جماعات تدعو إلى تطبيق أحكام شرعية ترفض الحكومات تطبيقها؟ إذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا يبدو الصراع وكأنّ الإسلام السياسي يدافع عن الدين والحكومات تحاربه؟

اقرأ أيضاً: عبدالله بن بيه: علّامة أربكت آراؤه تيارات الإسلام السياسي
الحال أنّه لا يوجد فرق في التعامل مع الدين بين الحكومات وجماعات الإسلام السياسي؛ فالجماعات لم ولن تضيف أو تنقص شيئاً جوهرياً أو مهماً؛ لأن جميع الدول العربية والإسلامية تسلك طريق الانسجام مع الشريعة الإسلامية، وإن تفاوتت أو اختلفت في ذلك، إلّا أنّها جميعها تحرص على جعل الشريعة الإٍسلامية المشروعية العليا، وكل ما تفعله مما يبدو أو يُظن أنّه مخالف للشريعة، يتضمن تأويلاً أو تفسيراً لا تنكره جماعات الإسلام السياسي، ولن تغيّر كثيراً في حال أدارت الدول أو شاركت في إدارتها، ولم تكن تجارب الإسلام السياسي في الحُكم مختلفة أو خارجة عن سياق الاستيعاب المعاصر للشريعة والذي تقوم به الدول العربية والإسلامية الحديثة منذ عقود طويلة.

لم تكن تجارب الإسلام السياسي بالحكم مختلفة أو خارجة عن سياق استيعاب الدول العربية والإسلامية المعاصر للشريعة

وقد شاركت وتشارك تيارات الإسلام السياسي في هذا الاستيعاب، بصفتها هذه، أو من خلال المشاركة الواسعة للمنتمين إليها في الجامعات والمؤسسات التعليمية والتشريعية والسياسية، وأما الإشارة إلى الإضافات التي قدمتها بعض التجارب والجماعات الإسلامية في ممارساتها الحكم والسياسة، كما حدث على سبيل المثال في إيران والسودان والعراق، فلم تكن تطبيقات جوهرية تدعو إليها الشريعة أو تكليفاً دينياً كان معطلاً قبلها.
لكن السؤال الأساسي يظل ملحّاً ومعلقاً؛ ما الخلاف إذن مع جماعات الإسلام السياسي؟ تخطئ أطراف الصراع سواء كانت حكومات أو اتجاهات سياسية ودينية حين تحوّل الخلاف السياسي إلى ديني، أو حين تفسره تفسيراً دينياً، وتسوق الصراع أو الخلاف إلى النصوص والتطبيقات والخطابات الدينية السائدة والمتداولة.

اقرأ أيضاً: أوهام الإسلام السياسي في ليبيا
وتخطئ الجماعات والمجتمعات حين تقيّم الخلاف أو ترده إلى اعتبارات دينية في غير موضعها، فشرعية الحكم والعمل العام لا يتقدم إليها أو ينالها أحد بناء على خصوصية أو أفضلية دينية، ولم يحدث على مدى التاريخ والحاضر الإسلامي أن يَعتبر طرف سياسي نفسه خارجاً عن الدين أو مقصراً به، هذا مع الاعتراف بالطبع أنّ الدين ظل جزءاً من الصراع بين الأطراف المختلفة على مدى التاريخ والجغرافيا.
لكنّ الدولة الحديثة استقرت على بناء شرعيتها وفق اعتبارات ومؤشرات واضحة وقابلة للقياس والتقييم، بمقدور كل مواطن أن يلاحظها؛ الحريات، والعدالة في توزيع الفرص، والكفاءة والعدالة في تحصيل الضرائب والموارد العامة، وإنفاقها بكفاءة وعدالة أيضاً، وبوجود تعليم يشمل جميع الأطفال، وتأمين صحي وضمان اجتماعي لجميع المواطنين، ورعاية اجتماعية تستفيد منها بوضوح جميع الفئات المستهدفة، مثل ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن.

استقرت الدولة الحديثة على بناء شرعيتها وفق اعتبارات ومؤشرات واضحة وقابلة للقياس والتقييم

ونرى اليوم بوضوح، في السلوك السياسي والاجتماعي للناس بمن فيهم المسلمون، أنّ الثقة والمشاركة السياسية تقوم على كفاءة الحكم وعدالته، حتى عندما يكون ثمة خلاف أو حتى عداء ديني أو سياسي كبير، فالمسلمون في الدول غير الإسلامية يُقبلون على المشاركة والثقة بمؤسسات هذه الدول، بل ويفضلونها في الهجرة والعمل والتعليم، ويبحثون دائماً عن فرص الحياة الأفضل بغض النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم مع الاتجاهات الدينية أو السياسية للحكومات.
هكذا وببساطة يمكن لأي مواطن أن يقارن ويُحدّد اتجاهاته وعلاقاته في السياسة والمعارضة والتأييد، بناء على الإنجاز الواقعي للدول والحكومات وليس ما يقوله القادة والناشطون أو ما يدعون إليه، ولا أهمية أو اعتبار لأن تكون الشعارات إسلامية أو دعوة لتطبيق الشريعة إذا كان الإنجاز المتحصل في التعليم والعمل والبطالة والرعاية الصحية والاجتماعية والازدهار والاستقرار والأمن متدنياً أو ضئيلاً.

اقرأ أيضاً: إيران وفلسطين: كيف تاجر الإسلام السياسي بالقضية؟
وفي مقدور أي إنسان اليوم أن يعود للمواقع الحكومية والإحصائية والدراسات والتقارير الوطنية والدولية ويعرف ما أنجزته كل دولة في العالم بمجالات التنمية والتعليم والصحة والإنتاج والعمل والأمن والتقدم والرفاه، فلم يعد ذلك سرّاً ولا عملاً معقداً يقتصر على فئة من المتخصصين، وفي ذلك، يمكن النظر إلى الإصلاح وقياسه على أنه حريات المواطنين وقدرتهم على التنافس العادل على الفرص، وعدالة ضريبية وعدالة في الإنفاق يمكن ملاحظة أثرها وشمولها لجميع المواطنين، في التعليم والصحة والرعاية والعدالة الاجتماعية.

يبحث المسلمون دائماً عن فرص الحياة الأفضل بغض النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم مع الاتجاهات الدينية أو السياسية للحكومات

وعلى نحو عملي واضح، يمكن النظر والقياس ببساطة إذا كان المواطنون لا يحتاجون أن ينفقوا غير ما يدفعونه من الضرائب للدولة على التعليم والصحة ورعاية كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، ويمكن ملاحظة التقدم في التعليم عندما تنخفض نسبة الطلبة في المدارس الخاصة إلى 5 % من إجمالي الطلبة، وعندما يتوقف تسرّب التلاميذ وتنتهي عمالة الأطفال، وتقاس الرعاية الصحية بتأمين صحي شامل لجميع المواطنين، وأن يكون لكل 100 ألف مواطن مستشفى يعمل بكفاءة ومستوى. ويمكن قياس الرعاية الاجتماعية بأن يكون لكل مواطن رقم ضمان اجتماعي، وخدمة صحية وتعليمية واجتماعية لجميع المحتاجين من الفقراء والمرضى وكبار السن، وعبر تكامل اجتماعي يُستدل عليه بالمساواة وبأرقام الجريمة والانتحار والشعور بالرضا، وأخيراً بملاحظة مصادر واتجاهات العبء والإعفاء ومستوى كفاءة التحصيل والتهرب الضريبي.
ويمكن، بعد ذلك، الجدال في أوقات الفراغ وفي المقاهي والندوات حول النظريات والأفكار السياسية والدينية للإصلاح والتنمية، لكن بالنسبة للأمم فإن الصواب هو النجاح.

للمشاركة:



"هيومن رايتس ووتش" تنتقد السلطات الجزائرية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أمس؛ إنّ السلطات الجزائرية تواصل اعتقال ومحاكمة نشطاء من الحراك الشعبي تعسفياً، رغم وعود الحوار التي أطلقها الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون.

وقال المدير التنفيذي بالنيابة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، إريك غولدشتاين: "بدلاً من إطلاق سراح كلّ من اعتقل بسبب تظاهره سلمياً، واصلت السلطات اعتقال واحتجاز أشخاص بسبب نشاطهم السلمي"، كما جاء في بيان المنظمة، وفق ما أوردت "يورو نيوز".

ومنذ الانتخابات الرئاسية، في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2019، التي فاز بها عبد المجيد تبون، المقرَّب من الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، الذي أجبره الحراك على الاستقالة، في 2 نيسان (أبريل) الماضي، اعتقلت السلطات عشرات المحتجين، وفق المنظمة.

وأضاف غولدشتاين: "عروض الحوار تفقد مصداقيتها عندما تحبس الناس لمجرد خروجهم إلى الشوارع لاختلافهم معك"، في إشارة إلى "الحوار" الذي اقترحه تبون على الحراك عقب فوزه في الانتخابات.

ووفق "اللجنة الوطنية للافراج عن المعتقلين" التي تشكّلت لمساعدة الموقوفين أثناء الاحتجاجات، ما يزال 120 شخصاً، على الأقل، محتجزين، في انتظار المحاكمة أو تمّت إدانتهم، على خلفية مشاركتهم في الحراك.

الحكومة الجزائرية تواصل قمع الحراك في الجزائر رغم وعود الحوار التي أطلقها الرئيس تبون

وفي 2 كانون الثاني (يناير)؛ أفرجت عدة محاكم عن 76 ناشطاً، على الأقل، في إجراء عُدَّ محاولة من الرئيس للتهدئة، لكنّ الملاحقات القضائية ما تزال مستمرة ضدّ من لم يحاكم من المفرَج عنهم.

وبحسب لجنة الإفراج عن المعتقلين؛ فإنّ مجموع الذي خرجوا من السجون بلغ 94؛ إما لانتهاء فترة عقوبتهم أو بالإفراج المؤقت، في انتظار محاكمتهم أو البراءة، بينما ما يزال 124 معارضاً في السجن.

والإثنين؛ طلبت النيابة السجن ثلاثة أعوام للناشط سمير بلعربي، أحد وجوه الحراك، القابع في الحبس المؤقت، منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، بتهمتَي "المساس بسلامة وحدة الوطن"، و"عرض منشورات تضرّ بالمصلحة الوطنية" وهي جنحة يعاقب عليها القانون بخمسة أعوام سجناً".

وفي 21 كانون الثاني (يناير)؛ حكم على عبد الكريم زغيلاش، الذي يملك إذاعة "سربكان" بالسجن ستة أشهر، بتهمة البثّ دون ترخيص، وكذلك "الإساءة إلى رئيس الدولة"، أي بوتفليقة قبل أن يستقيل.

وسيقف مرة أخرى أمام القاضي، مع زميلته ليندا ناصر، بتهمة "التجمهر غير المسلح" بحسب لجنة الإفراج عن المعتقلين.

وما يزال الكثير منهم قيد الاحتجاز، ويواجهون تهمة "التجمهر غير المسلح"، التي تصل عقوبتها إلى السجن لعام واحد، أو "المساس بسلامة وحدة الوطن" التي تصل مدة عقوبتها إلى عشرة أعوام سجناً.

 

للمشاركة:

تركيا تضرب اتفاق برلين بعرض الحائط..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

وصلت بارجتان حربيتان تركيتان، فجر اليوم، إلى ميناء طرابلس الليبية، على متنهما عدد من الجنود الأتراك لدعم قوات حكومة "الوفاق" في معارك طرابلس، رغم تعهّد أردوغان في "مؤتمر برلين" بعدم التدخل في ليبيا أو إرسال قوات أو مرتزقة.

ورافقت البارجتين سفينة شحن قامت بإنزال دبابات وشاحنات عسكرية، وعتاد وذخائر تمّ نقلها إلى قاعدة معيتيقة الجوية، وسط العاصمة طرابلس، لتهيئتها للمشاركة في المعارك إلى جانب حكومة الوفاق، وفق ما أوردت "العربية".

وتحمل البارجتان اسمَي "غازي عنتاب" و"قيديز"، وقد تكفّلت كلّ من ميليشيا الردع والنواصي بتأمين وصولهما إلى ميناء طرابس.

بارجتان حربيتان تركيتان تصلان إلى طرابلس على متنهما جنود الأتراك ودبابات وشاحنات عسكرية

يذكر أنّ انتقال المقاتلين السوريين للقتال في ليبيا مستمر، وقد تخطى عدد المجندين الذين وصلوا إلى العاصمة الليبية طرابلس الـ ١٧٥٠ سورياً.

وتحاول حكومة الوفاق التستر على عدد قتلى المرتزقة في المعارك الدائرة في محيط العاصمة طرابلس، وترسل جثامينهم بشكل مستعجل إلى سوريا، كي تقوم عائلاتهم بدفنهم وتدفع لعائلة كلّ مقاتل المبلغ المتفق على دفعه في حال قتل العنصر في معارك ليبيا. 

في سياق متصل؛ خصص فائز السراج مبلغ مليار دينار ليبي (800 مليون دولار) من ميزانية الدولة الليبية لعام 2020؛ للصرف على "وزارة الدفاع والمجهود الحربي في طرابلس"، في إشارة لاستمرار صرف الأموال على الميليشيات، وجلب الأسلحة والذخائر من تركيا بهذه المبالغ الضخمة.

 

للمشاركة:

الحكومة السودانية تواصل تطهير الإعلام

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

أصدر الحكومة السودانية قراراً بطرد 16 عنصراً من تنظيم الإخوان المسلمين من مناصب قيادية بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ضمن مجموعة من الإجراءات تقضي بتطهير وسائل الإعلام من نفوذ النظام السابق، الذي يسيطر عليها منذ 30 عاماً.

وأعلن الوكيل الأول لوزارة الإعلام السودانية ومدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون المكلّف، رشيد سعيد يعقوب، الأحد الماضي، قراراً يتضمن إعفاء هذه العناصر من مناصبهم كمدراء لإدارات مختلفة بهيئة الإذاعة والتلفزيون، وتكليف آخرين بديلاً عنهم، وفق ما نقلت وكالات أنباء سودانية.

وبدوره، أشار رشيد إلى أنّ القرار يأتي في إطار ترتيبات العمل بهيئة الإذاعة والتلفزيون، ويعمل به من تاريخ التوقيع عليه.

وفي مطلع الشهر الجاري؛ كان رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، قد أصدر قراراً قضى بإعفاء الإخواني، إبراهيم البذعي، من منصب مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون، وتكليف وكيل أول وزارة الإعلام، رشيد سعيد يعقوب، بتسيير مهام الهيئة.

طرد 16 عنصراً من تنظيم الإخوان المسلمين من مناصب قيادية بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون

ويواجه الإعلام السوداني مشكلة تتعلق بأيديولوجيات ومواقف العاملين في المجال الإعلامي؛ لأنّ الولاء لتنظيم الإخوان كان بوابة العبور للعمل في الصحف والقنوات الحكومية والخاصة، لذلك شكّلت وزارة الإعلام لجنة لحفظ ملفات العاملين بالوحدات والأقسام الإدارية بالتلفزيون وحصرها وترتيبها وتصنيفها وإخضاعها للمراجعة.

وتهدف خطوة حكومة عبدالله حمدوك تفكيك المؤسسات التابعة للإخوان في السودان، وهي مؤسسات إعلامية وتربوية واقتصادية كانت متحالفة مع المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً في البلاد، الذي كان يرأسه الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير.

وأصدرت "لجنة تفكيك نظام الإنقاذ وإزالة التمكين ومحاربة الفساد"، منتصف الشهر الجاري، قرارات بوضع يدها على مجموعة قنوات: "طيبة" (12 قناة)، وقناة الشروق، وصحيفتي الرأي العام والسوداني، وإذاعة القرآن، وحجز ممتلكاتها ومقراتها، إضافة إلى مراجعة حسابات جامعة أفريقيا العالمية.

وفي عهد البشير؛ أنشأ جهاز الأمن الوطني والمخابرات العديد من المؤسسات الإعلامية، وجرى توظيف المئات من الموالين والمحسوبين على الحركة الإسلامية بالسودان في القنوات والصحف، ما حوّلها إلى منصات ترويجية للبشير.

ولم تتوقف مطالبات قطاع كبير من الإعلاميين بسرعة تفكيك سيطرة عناصر الإخوان على المؤسسات الإعلامية، كواحد من أهم بنود واستحقاقات الوثيقة الدستورية، عقب عمل تلك المؤسسات على تأليب المواطنين ضدّ الحكومة.

 

 

 

للمشاركة:



ليبيا وإغلاق القبائل لحقول النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

جبريل العبيدي

إغلاقُ حقولِ النفط الليبية كانَ الخيار الأصعبَ أمام القبائل الليبية، لوقف إهدار الأموال الليبية، وهي ترى ثروتَها السياديةَ تُنْهبُ من دون رادعٍ، بل ويتمُّ استخدامُها لجلب المرتزقة لقتل أبناء الشعب الليبي من قبل حفنة من العملاء الذين تشبثوا في كراسي السلطة التي جاءوها في غفلة من الزمن ورفضوا مغادرتها.
ليبيا تمتلكُ ثروةً نفطيةً ضخمة، وهي تطفو على بحيرة من النفط، إذ يُعدُّ الاحتياطي العالمي الخامس في العالم، كما تعتبر ذات الاحتياط النفطي الأكبر على المستوى الأفريقي، لكنها ثروة تستنزف وتنهب صباح مساء، وبطرق متعددة، خصوصاً في ظل هذه الفوضى العارمة التي استأصلت كل شيء، ولا أحد يرغب في إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الليبي بالتنمية المستدامة، والتخلص من سياسة الاقتصاد الريعي، والتحول إلى الاقتصاد الإنتاجي، مما جعلها تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة متراكمة حتى أصبحت ثروة النفط فيها «لعنة»، وهي التي وراء التدخل العسكري، الذي أسقط الدولة والنظام معاً، وتسبب في حالة فوضى لا تزال تنشط في ليبيا منذ عام 2011، حيث كان التدخل بحجة حماية المدنيين عبر قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، التي نراها لا تنفذ في كثير من دول العالم.
حقول وموانئ النفط تعرضت في محاولات سابقة للسيطرة والاستحواذ عليها، فنشبت معارك ومحاولات الاستيلاء على الهلال النفطي، باستخدام ميليشيات جماعات الإسلام السياسي، مثل «سرايا الدفاع عن بنغازي»، وهي تحالف من المقاتلين لهم صلات مع تنظيم «أنصار الشريعة»، المبايع لـ«داعش»، وقد حاولت أكثر من مرة السيطرة على الحقول، قبل أن يحررها الجيش الوطني الليبي، ولكن بقيت المشكلة في المؤسسة الوطنية للنفط الموكل إليها بيع النفط وتصديره والتي تودع الأموال في البنك المركزي في طرابلس الذي تسيطر عليها الميليشيات وتستخدم عائدات النفط في تمويل إرهابها وسرقة المال العام، مما تسبب في غضب القبائل في حوض النفط، فاجتمعت وقررت إغلاق حقول وموانئ النفط إلى حين إيجاد قيادة رشيدة تحسن التصرف في عائدات النفط، وقد قال أحد مشايخ القبائل التي أغلقت حقول وموانئ النفط شيخ مشايخ قبيلة أزوية، السنوسي الحليق، معلقاً عن أسباب الإغلاق: «إن القبائل الليبية خلال اجتماعها في الزويتينة، أعلنت عدة مطالب من أجل إعادة فتح الحقول النفطية، على رأسها إسقاط الاعتراف بحكومة الوفاق، التي تستغل موارد النفط وإيراداته لجلب المرتزقة وتمويلهم. أيضاً نطالب بتغيير محافظ المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة».
التلاعب بإيرادات النفط كان وراء مقتل خبير النفط الليبي شكري غانم، الذي يعتبر الصندوق الأسود للنفط الليبي، والذي وصفته صحيفة «لوموند» الفرنسية بـ«الميت الذي ما زال يتكلم»، وكان قد قتل إغراقاً في نهر الدانوب، عقب إسقاط نظام القذافي، لإغلاق ملف عوائد النفط، ليسهل التلاعب فيها، فالتلاعب ونهب عائدات النفط كان وما زال مستمراً، ولكن أن تتحول هذه العوائد إلى تمويل مرتزقة أجانب لقتل أبناء القبائل، وخاصة تلك التي يخرج النفط من تحت أقدامها هو الأمر الذي دفع بالقبائل الليبية للاجتماع، وإغلاق حقول النفط وموانئه لحين ترشيد التوزيع العادل للثروة الوطنية، حيث يباع النفط في غياب تام وواضح لأي مقاييس وضوابط ومحددات، مما يجعل الشك والريبة موضع افتراض بيع النفط، والتصرف فيه من دون رقيب أو حسيب، كما تقتضي معايير النزاهة والشفافية، يعتبر خرقاً واضحاً وتبديداً وإهداراً للثروة الوطنية في اتجاه مجهول، وقد يتسبب في احتقان شعبي قد يسير في اتجاهات تهدد السلم الاجتماعي.
ولئلا يستمر هذا يقول مشايخ القبائل: «إلى أن يصبح لدينا حكومة وطنية دستورية، فليبقَ النفط قابعاً تحت الأرض، أفضل من لعنة بيعه وتمويل المرتزقة والميليشيات به».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

الصدر الذي فتح الباب لتأكله الذئاب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

فاروق يوسف

لن يتمكن مقتدى الصدر من تصديق أن نجمه قد أفل في الحياة السياسية العراقية وأنه صار صفرا، لن يتمكن ما تبقى من أنصاره من اعادته إلى المعادلة الرياضية التي تقوم على أساس أرقام معقدة.

كان الصدر في الماضي يحرج خصومه بتقلباته غير المتوقعة فإذا به من خلال انقلابه الأخير يُخرج نفسه من السباق ليتخلى عن كونه رقما صعبا يحيط به الغموض ليصبح عرضة للتهميش ورمزا للخيانة بالنسبة للمحتجين وهو ما ستجد فيه الأحزاب الموالية لإيران مناسبة لتأكيد سلامة رأيها به.

لقد صدق الصدر أن إيران قد تبنته أخيرا، بالرغم من أنه في حقيقته لم يكن عدوها إلا على مستوى الشعارت المجانية. فلو كان عدوها لما جعلته يرفل بجزء كبير من ثروات الدولة العراقية من خلال الوزارات التي هي من حصته. فالصدر كان واحدا من أكبر المساهمين في حفلة الفساد التي شهدها عبر الستة عشر عاما الماضية. غير أنه وبسبب كراهية الآخرين له رسم خرائط نظرية، استطاع من خلالها أن يوهم أتباعه بأنه يعادي إيران.

مقابل الرضا الإيراني كان على الصدر أن يقوم باحتواء الاحتجاجات وهو ما تعهد به من خلال التشويش على تلك الاحتجاجات بتظاهرات تطالب برحيل القوات الأميركية عن الأراضي العراقية وهو مطلب الأحزاب الموالية لإيران بعد مقتل قاسم سليماني.

اما حين فشل ذلك الرهان فقد جُن جنون الصدر. ذلك لأنه أدرك أن المركب تغرق. كان انفصاله عما جرى من تحولات منذ بداية اكتوبر سببا في عماه الذي قاده إلى اتخاذ قرار لم يكن صائبا.

لقد أعتقد أن في إمكانه احتواء الاحتجاجات ومن ثم العمل على تفتيت وتشتيت مظاهرها وصولا إلى انهائها. تلك كانت خطته. غير أن صدمته كانت مدوية، حين أكتشف أن ما تصوره يسيرا هو أصعب بكثير من إمكانية الوصول إليه، حتى بعد أن غامر علنا بسحب أعوانه من ساحات التظاهر.

لقد خرج المحتجون من نطاق السيطرة المتخيلة وصارت لديهم مرجعياتهم التي يحرصون على أن يحيطونها بقدر لافت من الغموض.

حينها كان على السيد أن يعترف بأن الاحتجاجات سبقته ولم يعد رهانه قائما فيها وأن انسحابه منها لن يؤثر عليها في شيء بل العكس هو الصحيح. لقد وهبها ذلك الانسحاب قدرا من الزخم لعب القرار المستقل دورا في تأجيجه بين الشباب.

غير أنه وكما هو متوقع من رجل دين لم يصدق ما يراه فلم يعترف بالواقع.

فبعد أن توهم أن ظفره بالرضا الإيراني سيمكنه من أن يكون سيد الساحة السياسية فإنه لا يملك الاستعداد لمراجعة سياساته التي أودت به إلى الانفصال النهائي عن الشارع وحبسته في عزلته التي اختارها بمشيئته.

ولكن هل هناك قراءة أخرى للموقف المزري الذي انتهى إليه الصدر؟

لمَ لا يكون ما جرى هو انعكاس لمخطط إيراني لإزاحة الصدر نهائيا من الخارطة السياسية؟

تلك فرضية يمكن القبول بها في ظل العلاقة غير السوية التي تجمع الصدر بقوى البيت الشيعي الذي كان مهددا دائما بالانهيار من الداخل بسبب تركيز الصدر على حضوره الشعبي بين الفئات الأكثر فقرا.

وإذا ما كان الصدر قد دخل إلى لعبة الحكم مستفيدا من امتيازاتها المفتوحة فإنه نجح بطريقة مخادعة في أن يمثل دور المعارض الذي يلبس كفنه استعدادا للموت.

غير أن لقاءه الأخير بخامنئي وضع حدا لتلك الثنائية. ترى من سعى إلى لقاء الآخر؟

من المؤكد أن الصدر كان يسعى إلى أن يتم احتضانه إيرانيا بطريقة منفصلة، كما لو أنه شخص استثنائي وهو ما اتاحته له القيادة الإيرانية أخيرا.

كان الصدر غبيا حين أولى خامنئي ثقته.

من وجهة نظر الإيرانيين كان ضروريا أن يعود الصدر إلى ساحات التظاهر بوجه مختلف. وهو الوجه النقيض للمعارض، بحيث يبدو كما لو أنه يمثل الأحزاب الموالية لإيران. وكان في ذلك مقتله.

لقد تخلصت إيران من صداع الصدر في الوقت الذي صار شبحه الوطني نسيا منسيا.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المواجهة الفلسطينية المطلوبة لصفقة القرن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

مروان كنفاني

يقف الشعب الفلسطيني اليوم أمام تحديات متعاظمة، قوامها إما أن يكون أو ألا يكون، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التسوية التي أطلق عليها “صفقة القرن”، حيث تتطلب المواجهة المصيرية قدرة كبيرة على التماسك، بعيدا عن الحسابات التي تجاوزها الزمن.

بهذه الصفقة المبتورة يسقط الشعار التقليدي لاسترداد فلسطين من البحر إلى النهر، عبر الطريق الذي طال مخلفا شهداء وجرحى ومعتقلين، وعلى هامش الخلاف الداخلي الفلسطيني على أعتاب اتفاق أوسلو، وما سبقه وما تلاه من ممارسات المقاومة المجيدة ومظاهرات العودة وبالونات الحرق، والانقسام الفلسطيني القائم على الالتحاق بالتحالفات العربية والأجنبية، والترحال الفلسطيني الهادف للبحث عن اعتراف الدول الأجنبية بازدواجية الكيان الفلسطيني وانقسام أرضه وشعبه.

لم يعد يفيد اليوم الكلام والتصريحات النارية والتهديد بالويل والثبور والانسحاب من اتفاق أوسلو الذي مات ودفن وتعفّنت جثته منذ سنوات طويلة. ولن ينفع كالعادة طلب اجتماع للجامعة العربية يحضره المندوبون الدائمون، ولا انعقاد مجلس الأمن الذي تستعمل فيه الولايات المتحدة حق “الفيتو”، ولا الجمعية العامة التي لا سلطة تنفيذية لها. اليوم على الفلسطينيين أن يقرروا كيف يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ليس هناك من لا يعرف أن الولايات المتحدة منحازة إلى إسرائيل منذ زمن طويل. ولا يشك أحد في قوة وجبروت واشنطن ووزنها الثقيل في العالم، وسيطرتها العسكرية والاقتصادية والتحالفية وعقوباتها التي تئن من تحتها دول كثيرة وقريبة.

تفرض الولايات المتحدة هيبتها وقراراتها بأسلوب متعال، لكنها تدرس جيدا وتخضع لاتجاهات ومصالح الدول الأكبر في العالم، وهي عرضة لتغيير أو تعديل قراراتها وفق ذلك.

يقع تحقيق هذا الهدف على عاتق الفلسطينيين وحدهم، وليس على الإسرائيليين أو الأميركيين. العالم لا يحترم الدول والشعوب المنقسمة، وإذا لاحظنا أن البؤر الساخنة التي يعمّها العنف والحروب الأهلية والتدخل الدولي في شؤونها هي الدول المنقسم شعبها، وتعتمد على قوى خارجية في احتلال المزيد من الأرض وقتل المزيد من أبناء الشعب، وما يجري في بعض دول الشرق الأوسط دليل لا يقبل التشكيك.

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب كلا من المرشحين لرئاسة الوزارة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو وبيني غانتس للحضور إلى واشنطن، ورأى ترامب أن يكون اللقاء معهما في أوقات مختلفة كي يتأكد أن رئيس الحكومة القادم، وقائد المعارضة الجديد في الكنيست، مطلعا وموافقا على المبادرة الأميركية. وعلى الرغم من معارضة إسرائيل للصفقة في الجوهر، غير أنها تترك الرفض يأتي من الجانب الفلسطيني، ويتظاهر نتنياهو وغانتس بتأييدها والترحيب بها.

سوف يدعو ترامب الفريق الفلسطيني عاجلا أو آجلا للحضور إلى واشنطن، فهل يتوقع الفلسطينيون أن يوجه دعوتين لكل من الرئيس محمود عباس ولرئيس الجزء الجنوبي لفلسطين شبه المستقل إسماعيل هنية رئيس حركة حماس، لمقابلته في أوقات مختلفة ليضمن اطلاع كل منهما على المبادرة الأميركية؟

لا يبدو للعالم، ولأشقائنا العرب، ولا للدول والشعوب التي تؤيد نضالنا وأهدافنا الشرعية، أن الفلسطينيين شعب واحد متماسك وصامد، لأن العالم وشعوبه يسمع تبادل الاتهامات والتخوين بين فصائله الأكبر والأقدر، ويرى القيادتين تتجولان وتزوران وتتفقان وتعاديان وتصادقان، بينما هما لا يتحدثان مع بعضهما البعض.

لا ينوي الرئيس عباس الذي يملك الشرعية التوافقية، أن يدعو أو ربما يقبل الدعوة للقاء مع قادة حماس، أو الدعوة لأي اجتماع خارج إطار منظمة التحرير. وبينما يتحدث العالم ويتخوّف من خطر إعلان المبادرة الأميركية سيئة الذكر، يتجول رئيس حركة حماس في دول العالم باحثا عن دعم لحركته وليس لفلسطين، وتوسّع قيادتها الحاجز بين قطاع غزة وإسرائيل لمزيد من التبادل التجاري.

كيف ينهض الشعب الفلسطيني للتمسك بحقوقه الشرعية وهو يشاهد الهوة العميقة التي حفرناها نحن وحدنا بأيدينا، ألا يستحق الموقف على حافة الهاوية الذي قد يطيح بحقوقنا ووجودنا أن نتحد قبل أن ننهزم أو ننتصر؟

توحيد وتوحّد الشعب الفلسطيني وقياداته ومفاوضيه ومطالبه وأهدافه وحقوقه الشرعية المستندة على القرارات الدولية، أساس القوة الفلسطينية التي يمكن أن تدعمها غالبية دول العالم ذات التأثير على التصدي لسياسة الولايات المتحدة الجائرة.

في الفترة الزمنية الحالية، ولأسباب يدركها الجميع، يواجه الفلسطينيون جملة من الخيارات المستحيلة ليس لأنها غير شرعية أو عادلة، لكن لأنها صعبة التحقيق.

هناك أيضا خيارات ممكنة التطبيق يحتاج إنجازها التراص الفلسطيني والتأييد العربي والدولي. لن يقبل الفلسطينيون، ولا العرب، التنازل عن القدس، والأماكن المقدسة التابعة للأديان السماوية والتي احتضنها شعبنا أجيالا طويلة. هل يستطيع الفلسطينيون اليوم استرجاع القدس العربية بكاملها؟

يريد الفلسطينيون اليوم أن يوقفوا الإجراءات التي تتم لتهويد القدس والاستيلاء على الأرض الفلسطينية وبناء المستوطنات، ويناضل الشعب من أجل تحقيق وجود فلسطيني يؤيده العالم في الأماكن المقدسة، وقدس فلسطينية في الأحياء المقدسية وأكناف بيت المقدس. ويرفض الفلسطينيون استمرار الوضع الراهن الذي يسمح لإسرائيل بابتلاع القدس الكبرى واجترار الأرض والمقدسات وطرد السكان. هذا هو ما يجب على الفلسطينيين أن يتفقوا على تقريره والعمل لتنفيذه.

الفلسطينيون لا يستطيعون تطبيق هذا البرنامج وحدهم، وهم بحاجة لتأييد الدول العربية والدول المؤيدة للحقوق الفلسطينية. وعليهم أن يتصلوا بتلك الدول، وتزويدها بالوثائق والقرارات والحقائق ونصوص القانون الدولي في هذا الشأن، وحثّها على الاتصال بالدول المعنية. كما يجب أن يستمعوا إلى ما تقول وتنصح تلك الدول لتكثيف الضغط الدولي على الولايات المتحدة وإسرائيل.

على القيادات الفلسطينية تصعيد المظاهرات والمسيرات السلمية تجاه المستوطنين والعاملين في بناء المستوطنات، والجهات المكلفة بمصادرة الأراضي والمنازل بقرارات المحاكم أو السلطات العسكرية، والتحشيد المدني السلمي في حدود التماس مع الاستيطان. ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وكل ما يمكن التوصل إليه من لفت انتباه العالم بما يجري للفلسطينيين وحقوقهم.

عليهم أن يتواصلوا مع الجمعيات والنقابات والتجمعات المدنية العربية والإسلامية والصديقة، والجاليات العربية خاصة في الولايات المتحدة، من أجل تسيير سلمي لمسيرات مؤيدة للحق الفلسطيني وضد الانتهاك للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.

يتطلب هذا التواصل خبرة ومعرفة ولجنة تمثل كل الفلسطينيين تحت شعار ومسمى “الجمعية الأهلية للدفاع عن الشعب الفلسطيني” بفروع مستقلة في جميع أنحاء العالم.

لن يتم أي نجاح أو تقدم على المستوى السياسي والعملي للتصدي للحملة الأميركية – الإسرائيلية التي كشّرت عن أنيابها سوى بإنهاء الانقسام واللجوء للعمل المشترك. فما عدا ذلك فإن رفض المبادرة أو قبولها سيّان في التوصل للفشل وضمان نجاح المبادرة الأميركية (صفقة القرن) على حساب الحقوق الفلسطينية وبعدها لن ينفع الندم.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية