نساء من داخل الخط الأخضر: مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بالفنّ

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
2092
عدد القراءات

2018-03-07

على سفح الكرمل، في قرية "عسفيا" الحيفاوية، تحديداً، اجترحت فلسطينية نمطها النضالي الخاص على جبهة التراث.

هيام روحانا وتخليد التراث الفلسطيني

هيام روحانا، التي اختارت حفظ التطريز الفلسطيني من الضياع، عبر استخدام مكونات الثوب من وحدات التطريز و"المناجل" (الأشرطة الملونة على حواف الثوب) و"الأوية" (المنديل الجليلي المطرز الحواف والذي يواجه خطر الاندثار بشكل خاص)؛ لخلق إكسوارات ذات نمط فلسطيني جديد.

هيام روحانا

روحانا، المولودة في العام 1960، والتي تحضّر الدكتوراة في لاهاي حالياً ضمن تخصص "التراث الشعبي الفلسطيني- سرقة الرواية التاريخية"، تقول إنّ ما تفعله "يتعدى حدود تصميم المجوهرات فحسب؛ إذ هو حفظ للتراث الفلسطيني الذي يقاسي خطر التزوير والانتحال الإسرائيلي".

روحانا، التي بدأت في مشروعها الإبداعي، الذي يجمع بين تصميم الحلي وتخليد التطريز الفلسطيني، منذ بضعة أعوام، تتأمل طويلاً في "ثيمات" التطريز وألوانه؛ لتترافع من خلاله عن الحق الفلسطيني المتأصل في الأرض، بعكس ما تزعمه الرواية الإسرائيلية للتاريخ.

تستلهم في قطع الإكسسوارات التي تصممها جغرافية وطبيعة المدن والقرى الفلسطينية؛ ثمة قطع تدهم الناظر إليها بألوان الدحنون والخضرة الجليلية، فيما أخرى تهيمن عليها زرقة الساحل الفلسطيني، ليتآخى ذلك كله مع قطع معدنية وحجارة شبه كريمة فلسطينية، تضيفها لمكونات الحليّ.
لطالما حلمت روحانا بتمرير تجربتها لسيدات فلسطينيات أخريات؛ ليتكامل المشروع من قِبل أطراف وطنية عدة، وهو ما استطاعت تحقيقه نسبياً فقط؛ لغياب المتبني الرسمي، من مؤسسات ثقافية وتراثية فلسطينية، لمشروع كهذا.

تعكف روحانا على تصميم قطع الحلي الفلسطينية في مشغلها في عسفيا، والذي تحيطه خضرة السفح، إلى جانب الوسط الفلسطيني الذي تنخرط فيه داخل الخط الأخضر، وفي رام الله والقدس أحياناً. تقول "الأجواء التي تحيط بي عربية؛ إذ أعيش في قرية ووسط  اجتماعي فيه أمي وجدتي وخالاتي والحاجّات الفلسطينيات اللاتي يتقنّ الأشغال اليدوية من التطريز إلى الحياكة إلى الكروشيه إلى الأوية. منهن تشرّبت هوايتي وفهمت التراث، كما هو، وكما يجب أن يبقى".

هيام روحانا: نسعى جاهدين للمحافظة على هويتنا رغم آلة الطمس الإسرائيلية التي تعمل على قدم وساق لمحاربة ذلك

عن المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، تقول لـ"حفريات": "نسعى جاهدين للمحافظة على انتمائنا وهويتنا، رغم آلة الطمس الإسرائيلية التي تعمل على قدم وساق لمحاربة ذلك. الفلسطينيون داخل الخط الأخضر تحديداً متعطشون لكل ما هو فلسطيني وعربي".

تضيف "ألمح الدهشة والفرحة في عيونهم حين يرون كل ما يتعلق بالتراث الفلسطيني، من تطريز وأزياء وأي جوانب تراثية وفلكلورية أخرى".

عدد من الإسرائيليين شاهدوا تصميمات روحانا، "ففتحوا عيونهم وآذانهم لسماع الحكاية الفلسطينية"، كما تقول، ليعرضوا عليها المشاركة في "متحف أرض إسرائيل"، وهو ما رفضته روحانا قطعاً، قائلة "يريدونني أن أتبنى السلام على طريقتهم هم، وهو ما أرفضه تماماً؛ لأنني صاحبة حق وتراث موغل في القدم، ولا يمكن لي بأي حال المساواة بين الضحية والجلاد، وبيننا كأصحاب تراث وقضية وبين من يسعون لطمسها منذ ما يزيد على الستين عاماً".

سهر روحانا توثق ذاكرة فلسطين

من العائلة ذاتها، تطلّ سهر روحانا، بجبهة مواجهة مختلفة مع المحتلّ الإسرائيلي؛ إذ ليست وحدها تلك الصور البديعة التي تستوقفك طويلاً أمام المشروع الإلكتروني "زوايا من فلسطين قبل أن تُفقَد الذاكرة"، بل وإصرار سهر على البقاء بعيداً عن الأضواء الإعلامية، إلا فيما ما ندر.

بخجل واقتضاب تعلق دوماً، حين السعي لأخذ تصريحات منها "بدري لسة على الحوارات الصحفية. بدي مشروعي يكبر ويوقف على إجريه منيح قبل ما أحكي عنه".

سهر روحانا

تمضي سهر، ابنة قرية عسفيا الكرملية، والتي كانت تنقل صور احتراق أجزاء منها أولاً بأول قبل أسابيع، منذ الصباحات الباكرة حتى مغرب الشمس، نحو قرى ومدن فلسطينية تم ترويع سكانها وتهجيرهم منذ ما يزيد على الستة عقود؛ لترصد كل حركة وسكنة بين أزقتها، ولتتفقد تجاعيد الوجوه الفلسطينية الرابضة هناك برغم كل شيء، والحجر والشجر وحتى مقابض الأبواب والنوافذ، وكأنما هي تربّت بحنان على أكتاف أصحابها المهجّرين لتطمئنهم بأن كل شيء ما زال هناك.. ينتظر عودتهم يوماً.

أسست سهر صفحتها على موقع "الفيس بوك"، ليهرع إليها الفلسطينيون من قلب الوطن المحتل، تماماً كما الشتات؛ إذ يقف كلا الشقين عاجزاً عن لثم تراب القدس، والوقوف طويلاً أمام شاطئ حيفا، وتعميد الروح بمياه بحر يافا، وإمضاء ساعات في إحصاء حجارة سور عكا، والإطلال من قمة الجرمق الصفدية على بلاد كنعان.. لم تحتمل إدارة الموقع الغربية سيل الحنين الجارف نحو تلك الصور، فباغتت المشتركين بإيقاف الصفحة. عادت سهر من جديد لتأسيس الصفحة وتحميلها بالصور والشروحات، إلى جانب وضعها نواة موقع إلكتروني قد يكون أكثر أمناً واستقراراً من "الفيس بوك" الذي يقف بالمرصاد للصفحات الفلسطينية.

التقسيمات التي فرضها المحتل ألقت بظلالها السوداء على حياة الفلسطينيين جميعاً وهو ما تعبر عنه سناء موسى حين تغني

عين حوض، التي حوّلها الإسرائيليون بجرّة قلم إلى "عين هود"، والتي ظنوا بأن حشدها بفنانين إسرائيليين سيبدد بشاعة واقعها كقرية فاتنة هُجّر سكانها الأصلاء. رأس علي، التي ما تزال جداولها دفاقة في انتظار أهلها الذين كانوا يلقون أعباءهم الحياتية بين ثنايا مياهها. الزيب، التي ما تزال حجارتها الذهبية شاهقة في مواجهة الموج والغرباء، وغيرها كثر من قرى وبلدات ومدن فلسطينية جابتها سهر مشيا على الحنين، لتوافي أهلها بما آلت إليه.

بين صور "زوايا من فلسطين قبل أن تُفقَد الذاكرة" همس منهك من تقادم الأعوام، وشجن معبّق بياسمين البلاد، ورائحة بحر يحبل بالحرية التي تعسّر مخاضه. وصوت محمود درويش، حين قال ذات وجع "صاحت فجأة جندية: هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟ قلت: قتلتني. ونسيت، مثلك، أن أموت".

سناء موسى والحفاظ على اللحن الفلسطيني

وبالدقة ذاتها التي تتحدث فيها عن إسفنجية المخ، حقل رسالتها الدكتوراة، تتحدث عن أغنياتها التراثية وتقسيماتها الجغرافية ومناسبة كل منها. إنها المطربة الفلسطينية سناء موسى، ابنة قرية دير الأسد الجليلية، التي آخت بين تخصصين متباعدين، الطب والفن، والتي تمكنت من توظيف آلية البحث في كلا الشقين، فخرجت بمشروعين منفصلين على قدر عالٍ من التمكن؛ إذ إلى جانب تميزها إبان الدراسة في "هداسا"، فقد أثرَت الوسط الفني الفلسطيني بمنجَر تراثي عكفت عليه لأعوام.
تقول لـ"حفريات": "كثيراً ما أتحفظ على استخدام لفظة مشروع؛ إذ أرى بأن لفظة حالة قد تنسحب على غنائي أكثر. برغم بحثي المستمر في حقل التراث، على أصعدة الكلمة واللحن والمناسبة الاجتماعية التي قيلت فيها الأغنية، فإني مُقتادة من قِبل الموسيقى ولست أنا من يقودها"، مردفة "لا أعلم إن كانت هذه الحالة ستنتهي يوماً، فأجترح خطاً جديداً".
علاقة سناء بالتراث قديمة، منذ كانت تستمع لأهازيج جدتها. تقول "لطالما كنت أستمع لأغنية سفر برلك حين تغنيها جدتي، غير أني لم ألحظ يوماً كم هي متغلغلة بي. اكتشفت ذلك لاحقاً، إلى حد بحثت فيه تاريخياً عن تلك الأغنية، فوجدت أنّ النسوة الفلسطينيات في الجليل كنّ يغنينها لمن يذهبون إلى التجنيد الإجباري إبان الحقبة العثمانية".

سناء موسى

وهكذا، توالى البحث لدى سناء، إلى حد أرفقت فيه كتيباً صغيراً عن تاريخ كل أغنية أدتها في أسطوانة "إشراق"، وعن المنطقة الفلسطينية التي كانت تؤدي نسوتها الأغنية. تقول "لكل سيدة فلسطينية طريقتها في تأدية الأغنية التراثية؛ إذ كل واحدة منهن تضفي عليها صبغتها الخاصة وتحديداً في اللحن. وهذا ما فعلتُه أيضاً؛ إذ أضفيت رؤيتي على كثير من الأغنيات التي أديتها مع المحافظة على طابعها القديم، كما في أغنية (وعيونها) التي حافظتُ على لحنها لكني جعلته بمرافقة الغيتار".
عن الأغنية الآنفة خاصة، تقول "لا أذيع سراً حين أقول بأني استخدمت الغيتار كطُعمٍ لاصطياد الجيل الشاب؛ إذ استخدمت آلة باتت تغريه كثيراً، مع المحافظة على اللحن الفلسطيني الأصيل. الشاب الذي سيستمع لتلك الأغنية سيثق بغنائي وسيستمع حتماً لسفر برلك".
تعتمد على الارتجالات أثناء العرض، مؤمنة بأنّ الأغنية المقدّمة على المسرح لابد وأن تحمل طابعاً مختلفاً، وإلا فستكون هي ذاتها المدرَجة على الأسطوانة، ما لا يستدعي إقامة حفل، كما تقول، مردفة بأنها تحرص على إضفاء كل من في فرقتها لمسته الخاصة على العمل. توضح "يملك كل من في فريق العمل الحق في طرح رؤيته، إلى جانب أنّ علاقة مودة تربطني بهم جميعاً، وهذا ما يجعل للفرق الصغيرة طابعاً حميمياً تفتقده تلك الكبيرة".

ترى بأن ثمة حضوراً قويّاً مؤخراً لفلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 على الأصعدة التراثية والفنية تحديداً، نافية ما يروّج له البعض من أن ثمة تزاحماً في الأسماء. تقول "ما زال منا من يؤمن بنظرية البطل الواحد، وهو ما لا يصح في حالتنا. الكل مطالَب بأداء واجبه حيال القضية، كلٌ في تخصصه وبالطريقة التي يراها الأنسب"، مضيفة "لدينا جبهات عدة لنحارب عليها داخل الخط الأخضر: وحدتنا، وفرض هويتنا الثقافية والفكرية، والحفاظ على ذاكرتنا الجماعية من الاندثار. وليس كما يقترح علينا البعض أن نرفض جوازات السفر الإسرائيلية وأن نرحل من داخل فلسطين التاريخية. لقد فُرض علينا هذا الواقع ونحن له كارهون غير أن تنفيذ الاقتراح الآنف سيُفضي لكارثة؛ إذ ستؤول بيوتنا وأراضينا لحارس أملاك الغائبين وسنفقد حقنا في التواجد في عمق كيان الاحتلال".

وكانت سناء قد تخلت عن هويتها كمواطنة داخل الخط الأخضر، لتستبدلها بهوية القدس، ذات الامتيازات الأقل، غير أنها تتيح التنقل داخل الضفة الغربية. تقول بأنّ التقسيمات التي فرضها المحتل ألقت بظلالها السوداء على حياة الفلسطينيين جميعاً، وهو ما تعبر عنه حين تغني؛ إذ تربط الأغنية التراثية بسخرية الأقدار التي تلاحق الواقع الفلسطيني المفرط في مأساويته، كما تفعل حين تردد الأغنيات التي تتغنى بعواصم عربية بل وعالمية، كما في أغنية "لسكن مصر لو كان معايا مال" والمقطع الفلاحي الذي يتحدث عن بدلة العريس التي من باريس، فيما لا يملك الفلسطيني، على أرض الواقع، اجتياز معبر في الضفة الغربية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: