الموسيقى ..سلاح الحياة في وجه الموت

2956
عدد القراءات

2017-11-26

أمام زمن الحرب والخوف، وثقل الواقع ووطأته وإيقاعه السريع، هل تبدو كل الأشياء التي تنتمي إلى الفن والجمال ضئيلة وهامشية؟
هل تتحول كل جماليات الحياة إلى لحظات عابرة لا يبدو الالتفات إليها مدهشاً ومهمّاً، ومثيراً للشغف، أو على الأقل للاهتمام؟

جوشوا بيل" من أكبر وأهم الموسيقيين الموهوبين في العالم"

هل الحياة قلق مستمر؟

الذين حوّلوا الحياة إلى هذا الإيقاع الصلب والقاسي، لم يكن لديهم نوايا إيجابية حتما، إنهم يعيدون توجيه شراعها نحو أشياء أكثر نمطية واعتيادية وجمود، وحين دعا الكاتب الأميركي الشهير أنطوني دانجيلو إلى "محاولة ألّا نغرق في الحياة والمعلومات بحثاً عن المعرفة" ربما كان يريد أنْ نلتفت إلى الجانب الآخر المدهش من الحياة بعيدا عن الروتين والعمومي والسائد والمقلق.
هذا تماماً، ما حاول أنْ يفعله العازف الذي لم يتعرف إليه كثير من الناس، ولم يلتفتوا إليه وإلى عزفه، على رصيف مكتظ بالمارة والمتجولين.

أمام زمن الحرب والخوف، وثقل الواقع ووطأته وإيقاعه السريع، هل تبدو كل الأشياء التي تنتمي إلى الفن والجمال ضئيلة وهامشية؟

قدم هذا "العازف" الذي ستتعرفون إليه لاحقا مبادرة جمالية، أنْ يعزف للناس والمارة كباراً وصغاراً، والذاهبين إلى أعمالهم وإلى غاياتهم المتعددة الكثيرة..
وقف في إحدى ساحات محطات المترو في العاصمة الأمريكية واشنطن، وبدأ يعزف، كان عزفا مثيرا ومدهشا، لأنه اختار أن يعزف إحدى أشهر المقطوعات الموسيقية العالمية، لأشهر الموسيقيين العالميين عبر التاريخ "باخ".
أمضى خمسة وأربعين دقيقة في عزف منفرد وجميل، لكن المفاجأة .. أنّ أحداً لم يمكث أمامه سوى دقيقة، يلقي نظرة هاربة، ثم يمضي، وهكذا كثير من المارين والعابرين، بالكاد تلامس الموسيقى أسماعهم حتى يلح عليهم وقع الحياة وإيقاعها بالذهاب أكثر من إيقاع الموسيقى والعزف الجميل بالبقاء والانتظار ولو قليلا.

مرّ "1100" شخص خلال الـ"45" دقيقة، البعض تباطأ، ثم مضى، البعض أجبره طفله الذي يقوده معه بالمكوث قليلا جدا، ثم يسحبه بقوة ليذهب، بعض الأطفال فقط حاولوا الانتظار، لكن آباءهم لم يمهلوهم، إلا بقدر ضئيل من لحظة هاربة.

هل الموسيقي ذات؟

الموسيقي مثل الشاعر، كما يقول الشاعر الإنجليزي "جون كيتس"، "أقل الموضوعات شاعرية في هذا الوجود، لأنه ليس له ذات".
ذات الواقع أكثر حضورا، وأكثر فعالية، وأكثر استفزازا للانتباه، من ذات الموسيقي والشاعر، لأن الواقع المليء بالقلق والمتناقضات والحروب والأزمات مؤثر بشكل حاسم على أنماط العيش وشكل الحياة، لذا يمكن أن يكون هذا سببا مقنعا لضآلة ذات الموسيقي والشاعر أمام ذات "الواقع".
جمع هذا العازف" خلال خمسة وأربعين دقيقة من العزف فيمحطة المترو المكتظة بالناس، في وقت ذروتها، جمع "30 دولارا من عشرين شخصا وقف لبرهة وقدم المال.

من هو العازف ؟

بإمكانكم أنْ تتوقعوا أي عازف، لكن قد لا تتوقعون أن يكون هذا العازف الذي جمع هذا القدر البسيط من الدولارات ووقف أمامه لدقائق معدودات أقل من عشرين شخصا بعضهم أطفال بعمر الثلاث سنوات وخمس سنوات، أن يكون “جوشوا بيل”.

هل تتحول كل جماليات الحياة إلى لحظات عابرة لا يبدو الالتفات إليها مدهشاً ومهمّاً، ومثيراً للشغف، أو على الأقل للاهتمام؟

نعم "جوشوا بيل" من أكبر وأهم الموسيقيين الموهوبين في العالم وأكثرهم صيتاً وشهرة، وأنه كان يعزف مقطوعات موسيقية أكثر تعقيداً من أية مقطوعات أخرى لـ "باخ" والمثير للاهتمام أنه أمام "العشرين" دولارا التي جمعها كان سعر بطاقة الدخول لإحدى حفلاته تصل إلى "100" دولار، وأن الكمان  الذي كان يعزف عليه تصل قيمته لـ 3.5 مليون دولار.

دع الحياة تحدث لك

لم يلاحظْ أحد أنّ هذا العازف هو "جوشوا".. إذأ لماذا فعل ذلك؟، ماذا كان يريد أن يخبرنا، وما هي فكرته الأساسية عن هذه التجربة المثيرة، التي قد تكون عاملا محبطا له بمكانته وقيمته الموسيقية العالمية، ..؟
فعل ذلك  لأنه أرادنا أن نكتشف أن الجمال مهما كان مثيرا وعاليا، لا يمكن اكتشافه في لحظة غير مناسبة له، ولا في وقت لا ينسجم مع طبيعته.
كما لا يمكننا أن نتعرف على الموهبة الحقيقية المثيرة في سياق غير متوقع، فمحطة المترو لا تبدو سياقا حقيقيا لموهبة كهذه.

لكن الأهم من كل ذلك بحسب "جوشوا بيل" أنه إذا لم يكن لدينا متسع من الوقت لجماليات الحياة ومتعها ومواهبها التي بثها الله في كل شيء حولنا، فمتى يكون؟.

وأمام كل هذه الضوضاء وهذا القلق والخوف والركض، متى نستطيع أن ندرك أن كثيرا من الجمال حولنا يمضي ونحن لا نلتفت إليه دون أن نمنح أنفسنا أو نكافئها على احتمالاتها المتعبة للواقع النمطي  والثقيل والمحبط.
هذا ما قاله الموسيقي العالمي "جوشوا بيل" بطريقته وتجربته الموسيقية الفذة، وما قاله الشاعر النمساوي "راينر ماريا ريلكه" يشبه لكن بلغة الشاعر "دع الحياة تحدث لك، صدقني، الحياة دائما على حق".

اقرأ المزيد...

الوسوم: