نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف

نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
4846
عدد القراءات

2018-03-26

لئن كان ابن عربي، اعتمد على الأسطورة، باعتبارها وسيلة للتماهي، بين تساؤلات العقل ومعطيات العالم الخارجي، لتقديم نسق معرفي خاص، لعب فيه الرمز دوراً مهماً، لتجسير العلاقة بين العقل والأسطورة، وفض الاشتباك بينهما، فإنّ مشروع نصر حامد أبو زيد قد دأب على تحرير العقل من الكهنوت، وكشف سلطة التراث، وفض سلطة المثيولوجيا والأساطير. كما عمل مشروع أبو زيد على استدعاء ابن عربي، والبحث في عوالمه ونصوصه الغامضة، واستكشاف رمزية الملغزة.
بهذه المقاربة المعرفية، صاغ الدكتور سامح إسماعيل أطروحته، في المحاضرة التي نظمها منتدى الدين والحريات، في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بعنوان "نصر أبو زيد في حضرة ابن عربي"، وأدارها الباحث بالمبادرة، عمرو عزت.
طرح إسماعيل عدة تساؤلاًت مفتاحية حول المتصوف الأندلسي ابن عربي، المولود في القرن الثاني عشر الميلادي، ودراسة نصر حامد أبو زيد له؛ وهو هل كان استدعاء نصر أبو زيد لابن عربي تعبيراً عن ضرورة تاريخية ما، كيف تعامل نصر أبو زيد مع إشكاليات كتابات ابن عربي: توظيف الرمز أم إخفاء المعنى، ثم كيف قرأ نصر أبو زيد، رؤية ابن عربي، في تأويل ظاهر الشريعة: رؤيته للعبادات، مكانة المرأة، العدل الاجتماعي، التوحيد والكفر والعلاقة مع غير المسلمين؟
د.سامح إسماعيل

الحداثة وصعود العنف الديني
صاحب: "الله والإنسان، دراسة في الجبر والإختيار"، أضاف أن نصر أبوزيد، طرح تساؤلاً بحثياً، ليجيب عن مدى مقدرة ابن عربي، للمساهمة في مخاطبة قضايا عالمنا المعاصر، خصوصاً، بعدما كشفت الحداثة رغم ما حققته من إنجازات، كل التناقضات الطبقية، وأوجه الاستغلال، ليصبح الظلم ظاهرة عالمية، على المستويات كافة، وتصبح الندوب التى صنعتها حركات التبشير، التى سارت في خضم الاستعمار الأوربي، أكثر عمقاً، وقد تحول التنوير على حد وصفه، إلى "أيديولوجيا بلغت ذروة فصولها العبثية، في الحربين العالميتين، قبل أن ينقسم العالم إلى معسكرين، وتدور معارك الحرب الباردة، حيث دفع ثمنها الفقراء، في العالم الثالث وحدهم".

واجه أبو زيد فلسفة ابن عربي، في جوانبها الوجودية والمعرفية، إلى جانب مفاهيمه الخاصة بماهية النص الديني

ولاحظ إسماعيل، أنه مع ظهور مفهوم الصحوة الإسلامية، وصعود جماعات الإسلام السياسي، في مواجهة طرح العولمة لنفسها كدين أخير، نواته السوق المرتكز على القوة، ظهر الإسلام، كطرف في معادلة الصراع، وبدأت التيارات الجهادية، في شحذ أسلحتها، المحملة بمفاهيم التعصب والانغلاق، في صراع أصبح فيه الدين، عبارة عن "مفهوم ونسق جمعي، من الأوامر والنواهي، التي تكرس للطاعة، وتحقق الانضواء الطوعي، الذي يسلب الإرادة، في مقابل الخلاص".
وأكد أن أبوزيد استدعى تجربة ابن عربي الصوفية، في بعدها الثوري، "بغية مواجهة المؤسسة الدينية، التى حولت الدين إلى أيديولوجيا، مهمتها الأساسية، الحفاظ على الأوضاع السائدة، ومساندتها، بإنتاج بنى معرفية ثابتة"، بالإضافة إلى الرغبة في تحريره من أفق التهميش، إلى فضاء المتن، لمواجهة الفكر السلفي، الذي طغي على مجمل الخطاب الإسلامي.
في دراسته للدكتوراة، أنجز أبو زيد، بحثه الرائد بعنوان: (فلسفة التأويل؛ دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين ابن عربي)

ابن عربي في مواجهة التقليد ومأسسة الدين
أضحى ابن عربي، وفق ذلك، نموذجاً للفكر الإسلامي، في بعده الصوفي، المتجاوز لأطر العقل التقليدي والجامد، وهو نموذج مغاير ومختلف، من قلب التراث، الذي يئن تحت وطأة الجمود والتعصب والنقل والتقليد.
وبحسب إسماعيل؛ ففي دراسته للدكتوراة، أنجز أبو زيد، بحثه الرائد بعنوان: (فلسفة التأويل؛ دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين ابن عربي)، حيث واجه فلسفة ابن عربي، في جوانبها الوجودية والمعرفية، إلى جانب مفاهيمه الخاصة بماهية النص الديني، ودوره الوجودي والمعرفي، وارتحل إلى تصورات ابن عربي عن الوجود، والتي تماثل الصور التي تتراءى للنائم في أحلامه.

التأويل عند ابن عربي، يمكن أن يقع على الحلم، وهي سمة يشترك فيها العارفون، فضلاً عن وقوعه على التعبير اللغوي

ويشير إسماعيل، إلى أنه عبر تأصيل نظري مغاير، لكل الذين حاولوا قراءة ابن عربي، يحلل نصر العلاقة بين مستويات النص، التي تقوم على التداخل، وأوجه الاختلاف في التعاطي معها، بين الفكر الصوفي، الذي ينتمي إليه ابن عربي، وبين الفكر الأصولي المهيمن على العقل الفقهي؛ "حيث وقف الأخير، عند مستوى التحقق بظاهر النص، لاستخراج الأحكام من النصوص، طبقا لقواعد لغوية معروفة".
وأوضح، أنه في هذا السياق، "ينطلق الصوفي، في رحلته المعراجية، فينزل القرآن على قلبه، بذات الكيفية، التي نزل بها على قلب الرسول، ومن ثم، يصبح الصوفي، في مرتبة من مراتب النبوة، لكي يتلقى الوحي مباشرة، بشيفرة خاصة، متجاوزاً أطر الشروح والتفسيرات، واللغة الوضعية الاصطلاحية، إلى مستوى أكثر خصوصية، ينفذ به إلى المعنى الباطن".
الوحي ومضمون حركة التاريخ
وأردف المحاضر أنّ التأويل عند ابن عربي، يمكن أن يقع على الحلم، وهي سمة يشترك فيها العارفون، فضلاً عن وقوعه على التعبير اللغوي، في هذا الحلم، وهو ما يستلزم قدرة على نقل مضمون الحلم، من مستوى خيال "الرائي"، إلى مستوى خيال المفسر، وهو ما يتسق مع حقائق الوجود، الذي هو عبارة عن صور خيالية، تحجب حقيقته وباطنه الكامن؛ لأن "التأويل منهج فلسفي عام يحكم فكر ابن عربي، على مستوى الوجود والنص القرآني معاً".
وإلى ذلك، يصبح الوحي في هذا النسق المعرفي والفلسفي، حياً ومتحركاً في التاريخ، بفعل الفهم الصوفي المتجدد، والمتجاوز للعقل السكوني، القائم على القياس، وفقاً لنموذج معد سلفاً، حيث يتنوع النص، وتتنوع دلالاته، بتنوع القارىء، الذي يصل إلى هذا المستوى، من الترقي الصوفي، "فيتغير فهم الصوفي للنص، وتتخلق المعاني، بشكل متصاعد، يكون فيه القارئ فاعلاً رئيسياً، وصولا إلى الحقائق الكلية اللامرئية في ظاهر النص".

د. سامح إسماعيل، لـ"حفريات": محنة نصر أبوزيد، لم تكن بأقل من تلك التي واجهها ابن عربي

ويروي إسماعيل، أن ابن عربي في ارتحاله إلى الشرق، حمل معه، أفكاره وتأملاته، التي ما عادت بلاد الأندلس، موطنه الأصلي، تتسع لها، حيث بات التصوف مغضوباً عليه، من المتكلمين وملوك الطوائف، وأضحت الفلسفة سيئة السمعة، وقتل ابن قسي، رأس طائفة المريدين، وابن برجان، وابن العريف، بينما فر ابن عربي إلى مصر، لكن روح التعصب التي استبدت بالعقول، لم تكن لتسمح له بمواصلة تجلياته، فتم تكفيره، وتعرض للقتل مرات عديدة، فتنقل بين عدة عواصم عربية، حتى استقر في دمشق حتى مماته .
وقال الدكتور سامح إسماعيل، في حديثه لـ"حفريات"، إنّ محنة نصر أبوزيد، لم تكن بأقل من تلك التي واجهها ابن عربي؛ فما بين التكفير النفي، مضى صاحب "مفهوم النص"، في محاولاته لصياغة رؤية مفاهيمية تحترم العقل، ليواصل دراسة التراث برؤية علمية ونقدية، ومحاولة تقديم رؤية تقوم على الحرية والمعرفة؛ فمضى يسائل النص بأدوات المنهج العلمي، ويعيد ترتيب وقائعه، متتبعاً تحولات المعنى، دون أن يعني ذلك، المساس بالسياق الإيماني.
وأضاف: "في سنوات الاغتراب أنجز أبو زيد، بحثه الثاني عن ابن عربي، (هكذا تكلم ابن عربي)، ليطوف رحابه في استفاضة، متلمساً في ظروف المحنة المشتركة، عوامل التلاقي بين عالمين، فيقدم فهماً راقياً لآليات التفكير، التي سادت عصره".

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



التشريع والمرأة في مصر: هل قدمّت الدساتير حلولاً لمشكلات النساء؟

2020-02-24

يعدّ تنظيم الحقوق والحريات للمواطنين والمواطنات، أداة لقياس تطوّر أنظمة الحكم وعلاقة الدولة بمواطنيها، ومن هنا كان جلياً ذكر ما نصّت عليه الدساتير المصرية في شأن المرأة وحقوقها، وهل حاولت تلك الدساتير وضع حدّ لمعاناة النساء في مصر؟

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟
بادئ ذي بدء نتناول دستور 71، الذي ما نزال نعيش توابعه حتى اليوم.

أسطورة المساواة 
تنصّ المادة الحادية عشرة من دستور 71 على: "تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة والعمل، والمشاركة في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية"؛ حيث جاءت هذه المادة بما يتماهى مع الاتجاه الجديد للدولة، خاصةً بعد تعديل المادة الثانية من الدستور، وإضافة أحكام الشريعة الإسلامية، كمصدر أساسي للتشريع، وفي خطوة لتطبيق مبدأ المساواة، نصّت أيضاً المادة السادسة من الدستور المصري، على أنّ "الجنسية حقّ لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به، ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، وهو حقّ يكفله وينظمه القانون، ويحدّد كذلك شروط اكتساب الجنسية"، وقد كرّست هذه المادة حقّ المرأة في إعطاء جنسيتها لأولادها، الذي حصلت عليه في تعديل قانون الجنسية، عام 2004، دون الحاجة إلى إجراءات أو موافقة وزارة الداخلية، تماماً كما هو وضع الأطفال من أب مصري.

أصبح للمرأة دور كبير في المجتمع فهي تمثّل 15% من قوة البرلمان و25% من قوة الحكومة

ولكن يؤخذ على المادة الحادية عشرة من دستور 71؛ أنّها لم تكن تفصيلية، ولم تضف أَسساً ومبادئ تحافظ على حقوق المرأة، وتساعد في تمكينها بالمجتمع، ولم تقر حقوقها القانونية في إطار التشريع بين مؤيد ومعارض، وفق ما يتبناه البعض من فقه متشدّد أو معتدل، ويذكر في هذا المقام الجدل الذي قام حول إدراج حقّ الخلع في قانون إجراءات الأحوال الشخصية، أو قوانين الرؤية والحضانة، وغيرها، ليأتي الأربعاء الأسود عام 2005، عقب  التعديلات الدستورية التي أجراها الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ إذ اعترضت بعض القوى النسائية على البند الخاص بالتوريث، ما دفعهم للتظاهر أمام نقابة الصحفيين المصرية، لتقوم بعض قوات الأمن بالاعتداء على الناشطات، ثمّ خرجت بعض وسائل الإعلام تتهم المتظاهرات بـ"التعري" أمام النقابة، بهدف تأليب الرأي العام عليهنّ، وبذلك يتمّ تشويه أيّة حركة نسوية تطالب بحقوق النساء، ولم يحاكم أحد على هذه الانتهاكات حتى اليوم.
لم تضف المادة الحادية عشرة من دستور 71 أسساً ومبادئ تحافظ على حقوق المرأة وتساعد في تمكينها بالمجتمع

ما بعد الثورة
جاء بعد ذلك دستور 2012؛ عاصفاً بحقوق أساسية للنساء، التي كان يجب تضمينها في الدستور؛ إذ إنّ صياغته نصّت على أنّ النساء أولاً، كـ "شقائق للرجال وشريكات في المكتسبات والمسؤوليات الوطنية"، (في الديباجة)، ثمّ كـ "أم"، ومعيلة للأسرة، ومطلقة، وأرملة (في المادة 10)، مع اختلاف الحالات؛ فالمرأة‍ "مفعول به" دائماً، ولا تظهر كفرد مستقلّ في هذا العقد الاجتماعي المصري الجديد، ثم جاءت التعديلات اللاحقة في دستور 2013؛ إذ نصّت على المساواة، في نصّ صريح على "تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفق أحكام الدستور، وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدّده القانون، كما تكفل للمرأة حقّها في تولي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة، والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدّها، وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضدّ كلّ أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل، كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة، والمرأة المعيلة والمسنّة، والنساء الأشدّ احتياجاً، إلا أنّ هذا الدستور ظلّ حبراً على ورق، وكانت كلّ ممارسات السلطة وقتها تعدّ إقصاءً صريحاً للمرأة، وتجريدها من الحقوق التي اكتسبتها من قبل".

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه

أما بعد دستور 2014؛ الذي رآه العديد من النشطاء أحد مكاسب نضال الحركات النسوية والمجموعات النسائية، ليضمن استحقاقات دستورية على كافة المستويات؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتضمين الدستور المبادئ المهمة والعامة، التي تعامل النساء كمواطنات مساويات لنظرائهن من الرجال في الوطن الواحد، وهي مبادئ لم تكن موجودة في الدساتير المصرية من قبل، سواء في الدساتير التي تمّ إنشاؤها من الصفر، أو الدساتير التي تمّ تعديلها؛ ذلك لأنّ المكاسب والاستحقاقات الدستورية الحالية الموجودة في دستور 2014، وضعت أساس الحكم الديمقراطي القائم على المساواة بين المواطنين والمواطنات في كافة مناحي الحياة، وأقرّت مبادئ مهمّة وفعّالة لقيام دولة ديمقراطية حقيقية، منها، على سبيل المثال وليس الحصر، أولاً: "مبدأ تداول السلطة"، وثانياً: "الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، دون تداخل أيّة سلطة في مهام الأخرى"، وثالثاً: "مبدأ تجريم التمييز بكافة أشكاله وأنواعه في المجتمع المصري"، ورابعاً: "إقرار مبدأ اللامركزية في إدارة المحليات، وتخصيص مقاعد محددة لصالح النساء، وضرورة تمثيل الفئات المختلفة بالمجتمع في الإدارات المحلية"، وخامساً: "وضع أسس العدالة الانتقالية والعمل على التمثيل المناسب للنساء في جميع الهيئات التشريعية والبرلمانية والتنفيذية والقضائية"، وسادساً: "إقرار ضرورة مناهضة وتجريم كافة أشكال العنف ضدّ النساء"، وأخيراً "التزام الدولة بتطبيق وتفعيل المواثيق والمعاهدات الدولية التي وقّعت عليها".

نحو تعزيز حقوق النساء
كان لدستور 2014 دور آخر في تحقيق المساواة بين المرأة والرجل، في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، طبقاً للمادة (11) من الدستور؛ إذ "تعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسباً في المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون، كما تكفل للمرأة حقّها في تولّي الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا في الدولة، والتعيين في الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدّها"، كذلك "تلتزم الدولة بحماية المرأة ضدّ كلّ أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل، كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة، والمرأة المعيلة، والمسنّة، والنساء الأشدّ احتياجاً"، كما نصّت المادة 180 على أن "تنتخب كلّ وحدة محلية مجلساً بالاقتراع العام السرّي المباشر، لمدة 4 أعوام، ويشترط ألا يقلّ عمر المترشّح عن واحد وعشرين عاماً، وينظم القانون شروط الترشح الأخرى، وإجراءات الانتخاب، على أن يُخصَّص ربع عدد المقاعد للشباب دون سنّ خمسة وثلاثين عاماً، وربع العدد للمرأة"، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتضمن الدستور المصري فيها مساواة كاملة للنساء والرجال.

اقرأ أيضاً: النسويّة الإسلامية.. تطلّع نحو المساواة أم ضرورة سياسية؟
يبدو أنّ دستور 2014 كان الأكثر انصافاً للمرأة، كما أعربت نائب رئيس المحكمة الدستورية العامة سابقاً؛ المستشارة تهاني الجبالي، عن رأيها لـ "حفريات" بقولها؛ إنّ "المرأة حالياً أصبح لها دور كبير في المجتمع؛ حيث إنّها تمثّل 15% من قوة البرلمان، و25% من قوة الحكومة"، لافتة إلى أنّ "هناك 110 قاضيات مصريات وصلن لترأس المحاكم الجنائية، وبعضهنّ ترأّسن محاكم النقض"، منوّهة إلى أنّ "مصر تمتلك كثيراً من الكفاءات النسائية التي أثبتت نجاحها في كافة المجالات"، كما أوضحت أنّه على الحكومة تقديم برنامج مباشر للتطوير، حتى يتم التأكد من أنّ هناك آليات تنفيذية تعمل عليها الحكومة لتحقيق هذه التكليفات، مفيدة بأنّ برامج العمل تسمح لنا بمحاسبة الحكومة إذا قصّرت في تنفيذ توجيهات الرئيس، مشيرة إلى أنّ هناك اهتماماً بدور المرأة، حيث يذكر الرئيس المصري المرأة في كلماته كافة، وأصبح هناك تطور نوعي في الرعاية الاجتماعية بالمرأة، والاهتمام بالطبقات المهمَّشة، مطالبة بعمل تطوير تشريعي لدور المرأة، والعناية بالمرأة العاملة بشكل أكبر، وكذلك المرأة المعيلة والمسنّة.

نصّت المادة السادسة من الدستور المصري على أنّ الجنسية حقّ لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية

تفعيل القوانين
توضح الجبالي؛ "رغم أنّ النصّ الدستوري يقرّ بحقّ المرأة في دخول كلّ الهيئات الدستورية والقضائية، إلا أنّه، حتى وقتنا هذا، هناك بعض الهيئات التي ترفض عمل المرأة، مثل؛ "مجلس الدولة"، و"النيابة الإدارية"، منوّهة إلى أنّ ذلك يعدّ مخالفة صارخة للدستور، ولا بدّ من تدخّل الرئيس بها، عن طريق رفضه أيّة تعيينات جديدة، لا يوجد بها عدد محدّد من السيدات؛ حيث إنّ الإرادة السياسية حاسمة، وتهتم كثيراً بشؤون المرأة، ولكن الإرادة السياسية لا تكفي وحدها، ولتحقيق التكليفات الرئيسة، فلا بدّ من وجود برامج سياسية تتمّ مراقبتها، والبحث فيها، حتى يكون التطوير في العمق وليس بشكل سطحي فقط.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
وبسؤال المحامية ورئيس المجلس المصري لحقوق المرأة، نهاد أبو القمصان، عن رؤيتها للدساتير المصرية، ووضع المرأة فيها، أجابت لـ "حفريات" أنّ "البنود الدستورية الخاصة بالمساواة بين الجنسين لها طريقتها في الصياغة، ومواضيعها الخاصة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، في دستور أية دولة ديمقراطية ومتحضرة، ولا يمكننا أن نفترض وجود المساواة بين الجنسين في الدولة، إذا كان دستورها يتحدث فقط للرجال، الذين يشكلون نصف المجتمع فقط، مهمِّشاً النصف الآخر منه، عن طريق استخدام الضمائر له أو عليه، خاصّة في بنود وشروط المشاركة السياسية، فالنساء يشعرن بطريقة أو بأخرى بالاستبعاد، أو بعدم وضعهنّ في الاعتبار، نظراً إلى استبعادهنّ من أهم وثيقة تنظمها الدولة التي يعشن فيها، وهو أيضاً القانون الأساسيّ والأسمى للبلاد".

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟

وأردفت بقولها؛ "رغم أنّه ليس من المناسب أن تكون المرأة مذكورة في الدساتير فقط، عند التطرق للبنود التي تتعلق بالأمومة والإنجاب، فهذا يعكس السياسة العامة للبلد ككل، ويضيق أو يقيد دور المرأة في المجتمع في هذَين الدورَين فقط؛ فمن المفروض أن يتم ذكر المرأة في كلّ بند ينظم جوانب الحياة المختلفة، سواء العامة أو الخاصة، مثل؛ الديباجة، وأحكام المساواة، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وأيضاً المشاركة السياسية".

للمشاركة:

هل تحوّل إسلاميو إريتريا نحو المدنية؟

2020-02-24

أثار إعلان "الحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية"، في مؤتمره الأخير، تحوّله إلى الطرح المدني، وتغيير اسمه إلى "حزب الوطن الديمقراطي الإريتري" (حادي)، موجة من الجدل في الأوساط السياسية والأكاديمية الإريترية.

وما تزال التساؤلات قائمة حول جدية هذا التحول، رغم مرور أشهر على الإعلان الرسمي، لا سيما أنّ الحزب شهد عدة محاولات سابقة للتكيّف مع الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية، دون أن تصاحب ذلك مراجعات فكرية وسياسية واضحة، باستثناء تخلّيه عن الخيار العسكري كأولوية، كما كان الحال في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، حين ظلّ يعمل تحت مسمى "حركة الجهاد الإسلامي الإريتري".

اقرأ أيضاً: هكذا استغلت تركيا الإخوان المسلمين في إريتريا..ما أهدافها؟
فهل أجرى الحزب فعلاً مراجعات فكرية جوهرية تضمن تحوّله إلى الطرح المدني الديمقراطي وانفتاحه على الجميع، لا سيما في مجتمع يدين شعبه بالإسلام والمسيحية بنسب متقاربة؟ وهل أضحت الوسائل السلمية خياره الأوحد لتحقيق أهدافه؟ كما نصّ بيان مؤتمره السادس، أم إنّ الأمر لا يتجاوز سقف تغيرات شكلية تستجيب لبعض المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، التي كشفت الغطاء عن أطروحات حركات الإسلام السياسي في المنطقة لا سيما في السودان، الذي ظلّ يمثل الحاضنة الأقرب لتجربة الحزب؟

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية

يرى الباحث الإريتري، الدكتور إدريس جميل؛ أنّ "الحركة الإسلامية الإرتيرية لم تكن  بدعاً، منذ ظهورها كحركة سياسية في سبعينيات القرن الماضي، لجهة تأثرها بالأبعاد السياسية والفكرية العالمية، ذلك رغم أنّ السمة البارزة في منطلقاتها تتمثل في الارتباط الشديد بالواقع الإرتيري، ويتضح ذلك في مواثيقها وأدبياتها السياسية (الصادرة في الأعوام 1982، 1994، 1998، 2004، 2012)، وهي، وفق تصريحات قادتها، غير تابعة لأيّ تنظيم دولي، لكن لا يمكن إنكار وجود علاقة تعاون بينها وبين الحركات المشابهة لها في المجالات العامة، مع الاستقلالية من الناحية التنظيمية، لكن ثمة ارتباطات لها على المستويَين الفكري والأيديولوجي، كما أنّها تتقاطع على مستوى الممارسة، في عدم تمييزها بين العملية السياسية، والمؤسسات الدعوية والثقافية".

يبدو أنّ الحزب يسعى لتحقيق أهداف بعينها، منها الاهتمام بالمضامين عوض الوقوف عند العناوين

تجاوز العنوان للاعتناء بالمضمون
ويضيف مؤلف كتاب "تاريخ الحركة الإسلامية الإريترية": "ما حدث في المؤتمر الأخير للحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية، الذي غيّر اسمه إلى حزب الوطن الديمقراطي، هو محاولة لمعالجة الإشكاليتين؛ بفكّ الارتباط الأيديولوجي من جهة، وفصل المؤسسات الدعوية والثقافية والاجتماعية عن العملية السياسية من الجهة الأخرى".

من الصعوبة بمكان إجراء الحزب لقطيعة فكرية حقيقية، فهو مبني على الولاء والبيعة التي تفرض شروط الإذعان والإخلاص

وعن دواعي هذا التحول المفاجئ في مسيرة الحزب، يقول جميل لـ "حفريات": "يبدو أنّ الحزب يسعى لتحقيق أهداف بعينها، منها الاهتمام بالمضامين عوض الوقوف عند العناوين، ذلك بهدف تحقيق حشد أكبر من خلال اختيار اسم عام وشامل، يقلل من حدة التناقض مع الطرف المغاير، وتجاوز الفرز السياسي الصارخ في الواقع الدولي والإقليمي، المعقّد في الوقت الحالي".
وضمن هذا المفهوم يمكن القول، بحسب جميل؛ إنّ "الحزب الإسلامي سابقاً، وحزب الوطن حالياً، كان موفقاً في إعادة قراءته للواقع، وعلى ضوئه، أعاد تموضعه انطلاقاً من القيم الوطنية الأساسية: الحريات والعدالة والمساواة والديمقراطية".
وفي ردّه على سؤال يتعلق بمدى جدية التحوّل من المرجعية الدينية إلى الفكر المدني، أو العلماني، إن صحّت التسمية، يقول جميل: "الحزب لم يعلن صراحة تبنيه العلمانية، لكن يفهم من خلال أدبياته التي خرجت خلال الفترة الماضية؛ أنّه أقرب إلى ما "تسمى مبادئ العلمانية الإيجابية"، كما جاء في مقابلة أحد قادته".

اقرأ أيضاً: لماذا تأخرت المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا عشرين عاماً؟
ويردف جميل: "الواقع الإريتري يشهد تنازعاً بين تيارين أساسيين: تيار علماني يدّعي الفصل التام بين الدين والسياسة، ويتبنى ذلك النظام الحاكم، والمجموعات المتفرعة عنه وقوى معارضة أخرى، ومشكلة هذا الاتجاه، رغم أنّه يدّعي الفصل بين الدين والسياسة، وجود تناقض في ممارساته؛ فالنظام الإريتري، مثلاً، كرّس خلال الــ 29 عاماً الماضية، سيطرة المؤسسة السياسية على المؤسسات الدينية، وعمل على حرمانها من أيّة استقلالية، أما التيار الثاني؛ فيرفض العلمانية، وهذا التيار يشمل القطاعات المتدينة من الشعب؛ الحركات الإسلامية وبعض المؤسسات الدينية، بما فيها المسيحية، وهذا الاتجاه لم تتشكّل لديه الرؤية الكاملة الرافضة للعلمانية.
وفي تصوري؛ فإنّ الواقع الدولي والإقليمي وأدوات القوة والنفوذ ليست لصالحه، ومما سبق يبدو أنّ هذا المفهوم، بحسب رأي جميل، قد وقع في إريتريا بين قراءَتين بين الإفراط والتفريط، وأوصل الطرفين الى طريق مسدود، وأنّ تبني العلمانية الحيادية، سواء جاءت من حزب الوطن، أو أي حزب آخر، سيساهم في كسر ذلك الجمود وتزحزح أغلب الأحزاب إلى الوسط السياسي، الأمر الذي سيؤدي إلى استقرار البلاد".

تحوّل جوهري أم معالجات تكتيكية؟
من جهته، يرى الصحفي الإريتري، أحمد شيكاي؛ أنّ "التحوّل الأخير للحزب هو ناتج رغبة سياسيّة ذات طابع تكتيكيّ، أكثر من كونه تحولاً منهجياً، فرغم ادّعاء قيادات الحزب أنّ القرار ناتج موضوعي لنقاشات طويلة، ومراجعات معمّقة، إلا أنّ هذا الادّعاء لا يقوى أمام متابعة بسيطة لكتابات وآراء المنتمين له مثلاً؛ إذ إنّهم ما يزالون يتحدثون كإسلاميين وأعضاء حزب عقائدي لا وطني شامل".

ويؤكّد شيكاي، في إفادته لـ "حفريات"؛ أنّ "الحزب تميّز بتأهيل كوادره أكاديمياً، مستفيداً من واقع التشبيك الأيديولوجي القائم على المستوى الإقليمي، كما أنّ مكمن قوته التنظيمية ناتج من أيديولوجيته وبفقدها، قد يبدو عائماً في سطح واسع وممتدّ، ما سيفقده السيطرة على عضويته وعلى مواقفه"، ومن ثم على المستوى الداخلي؛ "الحزب في حاجة ماسة إلى تاريخه القديم وشخصياته التاريخيّة، وأيّة قطيعة أيديولوجية ستخلق حالة من التناقض الواضح، يصعب تبريره، لا سيما أنّه الحزب الوحيد، ربما، الذي ظلّ  لفترة طويلة يسعى إلى إنشاء تاريخه الخاص بعيداً عن بقية الحركات الإسلامية في إرتيريا".

اقرأ أيضاً: دور الإمارات في تسريع المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا
ويضيف شيكاي: "من الصعوبة بمكان إجراء الحزب لقطيعة فكرية حقيقية، على الأقل في الوقت الحالي؛ لأنّ أساس الانتماء في مثل هذه الكيانات مبنيٌّ على الولاء، والبيعة، التي تفرض شروط الإذعان والإخلاص"، والخروج عنها هو بمثابة الخروج عن الطاعة.
ويردف شيكاي: "تلك سمات تتميز بها الأحزاب العقائدية/ الدينية، نتيجة التنشئة التنظيمية الصارمة التي يخضع لها الأعضاء من خلال دورات مكثفة، وعقد المخيّمات الموسمية، التي تعمل على إنتاج أناس يشبهون بعضهم في كلّ شيء، وبعض التميّز الشخصي يحصل عليه الشخص عبر إضافته الذاتية لمعارفه، وينتهي بأغلبهم أنّهم يغادرون الحزب، نتيجة لتلك الإضافة".
ويوضح شيكاي: "خطورة هذا الأمر في أنّ الحزب في ثوبه الجديد لن يكون قادراً على استيعاب أشخاص جدد لم يخضعوا لتربية تنظيمية، وحتى لو حدث ذلك؛ فإنّ المنتمين الجدد سيجدون أنفسهم أغلفة على كتب، لا يمكنهم الوصول إلى جوهر الحزب وفكرته، والشعور بالانتماء العميق له، خاصة أنّ الحزب يدّعي فتح أبوابه لجميع الإرتيريين، مسلمين ومسيحيين"، وهو أمر، بحسب شيكاي، غير قابل للتجسد.
وفي ردّه على "مشروع فصل النشاط الدعوي عن السياسي"، الذي أعلنه الحزب، يقول شيكاي: "يبدو لي أنّه مشروع غير عملي،  مع الأخذ في الاعتبار أنّ المشروع الدعوي، مشروع تقليدي فات عليه الزمن، لكنّه المشروع الوحيد الذي يميّز الأحزاب الإسلامية عن غيرها، وهو الوسيلة الناجعة للحشد والتجنيد"، ويُقدر شيكاي الخطوة التي اتّخذها الحزب على المستوى النظري، التي تعدّ مهمة لجهة أنّها قد تتيح للفضاء العام فرصة النقاش في قضايا الحريات والديمقراطية مع أعضاء وقيادات حزب لا يتحصنون بالمقدس، كما كان سابقاً؛ إذ يصعب أن تناقش شخصاً يتكئ على قدسية دين، وهو مرجعيته الأولى والأخيرة في بلد متعدد الأديان".

مراجعات داخلية أم مسايرة للواقع الدولي؟
من جهته، يتساءل الباحث والدبلوماسي الإرتيري السابق، فتحي عثمان، عن محركات التحوّل الذي شهده الحزب الإسلامي؛ هل جاءت نتيجة مراجعات فكرية نابعة من الواقع الداخلي لإرتيريا أم لتغيرات المسرح الدولي؟
ويؤكد فتحي: "المراجعة التي تجري على مستوى البرامج السياسية تعدّ مهمة لأيّ تيار حزبي؛ ذلك لأنّ الواقع يتغير باستمرار، بالتالي؛ يتطلب مراجعات"، ويردف: "لكنّ السؤال المركزي هنا: هل ما أجراه حزب (حادي) خاضع لهذه الخاصية أم لا؟ لأنّ المراجعة المتخذة من منطلق التحولات الخارجية قد لا تخدم التجربة على المستوى البعيد؛ لأنّها تؤكد حالة الابتعاد عن الواقع الإرتيري قبل وبعد المراجعة ذاتها".

اقرأ أيضاً: إريتريا.. أبواب مغلقة ومفاتيح ضائعة
ويؤكد فتحي عثمان؛ أنّ فكرة الدعوة لإجراء مراجعات لم يبتدعها الحزب الإسلامي للعدالة والتنمية، في الواقع الإرتيري؛ حيث "سبق أن طرحها القيادي الإسلامي، حسن سلمان، وأعلن أنّه مع الدولة العلمانية التي تحترم الدين وشعائره وحقوق وقيم المسلمين"، مؤكداً أنّه؛ "في حال قيام نظام علماني حقيقي في إريتريا، مثلما هو في الغرب، فمن الممكن أن نتعايش معه، وهذا أعدّه طرحاً متقدماً وبمثابة مراجعة".

السودان أنموذجاً
من جهته، يقول الصحفي الإريتري، ومدير تحرير موقع "عدوليس" الإخباري، جمال همد: "التحوّلات الأيديولوجية تتطلب مخاضاً عسيراً، لا سيما عندما يتعلق الأمر، بأحزاب ناضلت طويلاً، لانتصار رؤية أيديولوجية، مرجعيتها المقدس".  

الحزب الإسلامي الحالي أقرب من حيث الشكل والتجربة للحركة الإسلامية في السودان، بحكم الجغرافيا والمشارب الفكرية والتجارب التنظيمية

ويضيف همد: "الحزب الإسلامي للعدالة والتنمية، هو أقرب من حيث الشكل والتجربة للحركة الإسلامية في السودان، بحكم القرب الجغرافي والمشارب الفكرية والتجارب التنظيمية، وأخشى أن يكون (حادي) يكرر تجربة الدكتور حسن الترابي في التحولات الكبرى التي قادها داخل حركة الإخوان بالسودان".
ويؤكّد همد أنّ "الحركات الإسلامية تتأثر ببعضها، وتتطلع لتجارب نظرائها في الأقطار العربية والإسلامية، إلا أنّ تجاربها قد تكون متباينة نسبياً، فحركة الإخوان في تونس مثلاً، بنت مواقفها بعد الثورة على سلسلة تنظيرات ومراجعات فكرية معلنة، لكنّني حتى الآن لا أستطيع الجزم إن كان حزب "حادي" قد فعل ذلك.
فكلّ ما فعله، حتى الآن، أن نشر بياناً سياسياً، حمّال أوجه، بالتالي؛ لا يمكن المراهنة عليه كتحول جوهري نحو الطرح المدني الديمقراطي.

للمشاركة:

ما الأسرار التي كشفها الفلسطينيون بعد اختراق هواتف الجنود الإسرائيليين؟

2020-02-24

تعدّ التكنولوجيا من أبرز الوسائل التي تستخدمها أجهزة المخابرات الإسرائيلية، في المراقبة والاستدراج والتجنيد، ونشر الإشاعات والحرب النفسية بين الشعب الفلسطيني، من خلال الحسابات الوهمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنّ السحر انقلب على الساحر، وأصبح الفضاء الإلكتروني بمثابة ساحة قتال جديدة للمقاومة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي، يستخدم مقاتلوها أزرار الكيبورد والحاسوب، بدل البنادق والقذائف.

اقرأ أيضاً: القضية الفلسطينية بين الاستغلال والابتزاز
وقد أعلن الاحتلال الإسرائيلي أنّ كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، تمكّنت من اختراق هواتف مئات من الجنود الصهاينة، بهدف جمع معلومات عسكرية وأمنية، قبل إحباط تلك العملية.
وأكّدت الأجهزة الاستخباراتية التابعة للاحتلال الإسرائيلي، أنّ عملية الاختراق الأخيرة كانت متطورة عن المرات السابقة؛ حيث إنّها استهدفت الجنود بشكل مباشر لجمع معلومات عنهم، مستخدمة وسائل تواصل اجتماعي جديدة، وللمرة الأولى تستخدم تطبيق "التلغرام" للحديث مع الجنود، إضافة إلى التطبيقات المعروفة: فيسبوك، وواتس أب، وإنستغرام.

أصبح الفضاء الإلكتروني بمثابة ساحة قتال جديدة للمقاومة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي
ومن جهتها، كشفت مسؤولة مكافحة الهجمات الإلكترونية بجيش الاحتلال الإسرائيلي؛ أنّ التطبيقات المستخدمة في عملية الاختراق تتمتع بقدرات عالية على التواصل مع خوادم القسام المسؤولة عن تنفيذ الخدمات، ويتم نقل الملفات بشكل أوتوماتيكي، والتصوير بشكل مستقل، والوصول إلى بقية الملفات ونظام (read/write) والحصول على كلمات السرّ، وعناصر الاتصال، والوصول إلى مكان تواجد صاحب الجهاز عبر GPS""، وقدرة للتحكم والوصول للكاميرا.
ويأتي اختراق كتائب القسام لهواتف الجنود الإسرائيليين بعد ثلاثة أيام من اختراق الاحتلال لقنوات موقع "المجد" الأمني الذي يتبع للقسام، عبر منصتي التلغرام والواتس أب.

الهندسة الاجتماعية أسلوب جديد تتبعه المقاومة الفلسطينية للوصول إلى معلومات جديدة من خلال استهداف الجنود الإسرائيليين

ولم تكن هذه عملية الاختراق الأولى التي تنفذها المقاومة الفلسطينية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي وجنوده؛ فقد سبقتها عدة عمليات اختراق، كانت أبرزها؛ اختراق كتائب القسام هواتف جنود الاحتلال، في 11 كانون الثاني (يناير) 2017، والتنصّت على مكالمات هاتفية، وسماع أحاديث الجنود على مدار الساعة، والتقاط صور لقواعد عسكريّة.
فكيف تمكّنت حركة حماس من الوصول إلى هواتف الجنود الصهاينة؟ وما هو الخطر التي يشكله هذا الاختراق على الاحتلال الإسرائيلي؟ وما تأثير تطور قوة حماس التكنولوجية على الاحتلال؟ ولماذا استدعى الاحتلال جنوده بعد عملية الاختراق؟ وهل باتت حماس تمتلك فريقاً تنقياً يمكنها من محاربة الاحتلال باستخدام التكنولوجيا؟ وكيف يستطيع الاحتلال مواجهة حرب "السايبر" التي تخوضها حماس؟
المقاومة التقنية
يقول المختص في الشأن الأمني، إبراهيم حبيب، لـ "حفريات": "حرب الأدمغة الدائرة بين الاحتلال الإسرائيلي من جهة، والمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، لا تقل قوةً واحتداماً عن المواجهة العسكرية المباشرة؛ فكما يجيدها جيش الاحتلال، تجيدها أيضاً المقاومة الفلسطينية، التي تقدمت بهذا المجال، وتمكنت من تطوير كادرها التكنولوجي على مستوى الخبرات والتقنيات، وباتت تشكل من قواتها فريقاً له علاقة بالمقاومة التقنية".

اقرأ أيضاً: هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟
ويضيف: "ما كشفه الاحتلال الإسرائيلي من تمكّن كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس من اختراق هواتف، وحسابات جنوده على مواقع التواصل الاجتماعي، يدلّ على أنّ القسام يمتلك قدرات كبيرة، بات الاحتلال يخشاها، وأنّ تلك الأداة التي كان يظن أنه يستخدمها دون قدرات المقاومة الفلسطينية لم تعد كذلك، وأنّ الأخيرة أصبح لديها من المقومات البشرية، والتقنية التي تؤهلها لمواجهة جيش الاحتلال، والحصول على معلومات.
وفي نظر حبيب أنّ الاختراق الذي قامت به كتائب القسام "أحدث إرباكاً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وتدخلت شركات تقنية كبيرة لمواجهته، وتمّ استدعاء عدد كبير من الجنود، لفحص هواتفهم وتقييم مدى المعلومات التي سحبت منها، فهذا الأمر أصبح هاجساً يؤرق الاحتلال".

جمع المعلومات
وبحسب الخبير الأمني؛ فإنّ الاختراق التي نفذته كتائب القسام يمكّنها من الحصول على أسماء هؤلاء الجنود، ومعلوماتهم الشخصية وأرقام هواتفهم، وفي أيّة كتيبة يعملون، والتعرّف إلى نفسياتهم وحالتهم المعنوية، والحصول على صور لمواقع عسكرية أمنية إسرائيلية.
ويلفت حبيب إلى أنّ "المعلومات المتداولة على الهواتف الذكية تحدّد مسار جزء كبير من العمليات؛ فـ 90% من المعلومات الاستخبارية هي من المصادر المكشوفة و10 % فقط من المصادر السرية، وعندما تخترق المقاومة الهواتف، فإنّها تستطيع الحصول على جزء كبير من البيانات الخاصة بالاحتلال".

اقرأ أيضاً: مصانع أدوية فلسطينية تتحدى القيود الإسرائيلية وتصدّر إلى الخارج
ويبيّن أنّ عمليات الاختراق المضادة بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية توحي بأنّ العالم الافتراضي تحول إلى ساحة حرب مفتوحة بين الطرفين، بالانتقال إلى صراع الأدمغة، في ظلّ غياب المواجهة العسكرية.
ويفيد بأنّ الاختراق الأخير الذي نفذه الاحتلال الإسرائيلي لصفحات موقع المجد الأمني التابع لكتائب القسام، لا يمثل خطراً كبيراً على المقاومة؛ لأنّ ما تمّ اختراقه هو موقع إخباري، وكافة المعلومات التي تمّ الحصول عليها منشورة، أو سيتمّ نشرها، على عكس الاختراق الذي نفذته المقاومة باستهداف هواتف الجنود الشخصية.
الوصول إلى الجمهور الإسرائيلي
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي، حسن عبده، لـ "حفريات": "المقاومة الفلسطينية، أرادت مواكبة التطور التكنولوجي، ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي من خلال الاختراقات، للحصول على معلومات أمنية، وعسكرية تهدّد أمن دولة الاحتلال، وإلحاق الضرر بأنظمتها الرقمية، والوصول إلى الجمهور الإسرائيلي".

"السايبر" سلاح فلسطيني رخيص ومُكلف لدولة الاحتلال، وربما يكون خطره أكثر من الصواريخ التي تُطلق من قطاع غزة

ويضيف: "السايبر سلاح فلسطيني رخيص ومُكلف لدولة الاحتلال، وربما يكون خطره أكثر من الصواريخ التي تُطلق من قطاع غزة، تجاه الأراضي والبلدات المحتلة، فالاحتلال يخشى أن تستطيع المقاومة الوصول إلى معلومات أمنية وعسكرية حساسة في الدولة، تشير إلى أماكن الصواريخ والمعدات العسكرية التابعة للجيش، والمطارات والبنوك".
ويتابع: "عدم قدرة الاحتلال الإسرائيلي على مواجهة حرب "السايبر"، التي تخوضها المقاومة الفلسطينية بشكل متطور، باستخدام تقنيات جديدة، والتي مكّنتها من الوصول إلى هواتف الجنود الشخصية، والحصول على معلومات، شكّل صدمة كبيرة لدى قادة الجيش الإسرائيلي".
ما هو الخطر التي يشكله هذا الاختراق على الاحتلال الإسرائيلي؟

الهندسة الاجتماعية
وفي الإطار ذاته، يؤكد المختص في مجال تكنولوجيا المعلومات، المهندس أحمد شمالي؛ أنّ "الهندسة الاجتماعية أسلوب جديد تتبعه المقاومة الفلسطينية للوصول إلى معلومات جديدة من خلال استهداف الجنود الإسرائيليين، فعدم الدراية الكاملة لهؤلاء الجنود في مجال التكنولوجيا، ساعد المخترقين في الوصول إلى أجهزتهم بكل سهولة".
ويقول المهندس شمالي، لـ "حفريات": "من الواضح أنّ المقاومة بات لديها مهندسون بكفاءة عالية في مجال الاختراق، لأنّ عالم السايبر خفي ومعقد، ويحتاج إلى عناصر منظمة، لإيجاد ثغرات تمكّنهم من الاختراق، ونشر الفيروسات للحصول على المعلومات المطلوبة".
اقتباسات:

للمشاركة:



مقتل 3 مدنيين بهجوم مسلح في العراق.. من وراءه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

أعلنت خلية الإعلام الأمني الحكومية في العراق، اليوم، مقتل ثلاثة مدنيين بهجوم مسلح على مقهى وملعب بمحافظة صلاح الدين.

ولم تكشف الخلية الأمنية، في بيانها، ملابسات الحادث، بل اكتفت بالإشارة إلى أنّ مقتل الضحايا جاء في إطار "عملية تفتيش عن عناصر إرهابية".

وذكرت أنّ استهداف المدنيين تمّ بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، في "كوفي شوب"، يقع في منطقة البوصفة التابعة لقضاء بلد في محافظة صلاح الدين.

خلية الإعلام الأمني تكتفي بالإشارة إلى أنّ مقتل الضحايا جاء في إطار "عملية تفتيش عن إرهابيين"

وأضافت: "الهجوم أدّى إلى مقتل ثلاثة مواطنين وإصابة آخر"، مبينةً أنّها ستعلن تفاصيل أخرى في وقت لاحق.

وتشهد المحافظة مظاهرات مستمرة ضدّ الطبقة السياسية الحاكمة، ويستعمل النشطاء عادة المقاهي كمكان لاجتماعاتهم لتنسيق احتجاجاتهم.

وحسب أرقام المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق، قتل أكثر من 500 متظاهر، منذ بداية الاحتجاج، مستهل تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

سياسياً، حددت رئاسة البرلمان العراقي يوم الخميس المقبل موعداً لعقد جلسة منح الثقة لحكومة محمد توفيق علاوي، وفق ما نقلت وكالة الأنباء العراقية.

وكان رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، دعا إلى عقد اجتماع اليوم، استناداً إلى المادة 10 من النظام الداخلي لمجلس النواب؛ وذلك للنظر بالطلب المقدم لعقد جلسة استثنائية لتشكيل الحكومة الجديدة وتحديد موعد الجلسة.

يأتي ذلك فيما أكد السيد، حسن كريم الكعبي، النائب الأول لرئيس مجلس النواب، أنّ هيئة رئاسة المجلس ستبحث المنهاج الحكومي لرئيس الوزراء المكلف والسير الذاتية لمرشحي الحكومة الجديدة وفق النظام الداخلي والإجراءات المعمول بها في مجلس النواب.

رئاسة البرلمان العراقي تحدد يوم الخميس المقبل موعداً لعقد جلسة منح الثقة لحكومة محمد توفيق علاوي

إلى ذلك، حثّ وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، رئيس الحكومة العراقية المكلف، محمد توفيق علاوي، على حلّ الخلافات مع الكتل السُنية والكردية بشأن تشكيل حكومته.

وذكر بيان للسفارة الأمريكية في بغداد؛ أنّ "بومبيو أجرى اتصالاً هاتفياً بعلاوي للتأكيد مجدداً على التزام الولايات المتحدة الأمريكية الدائم بعراقٍ قوي ومزدهر وذي سيادة".

وبحسب البيان؛ "رحّب وزير الخارجية الأمريكي بتعهد رئيس الوزراء المُكلف بإجراء انتخابات مبكرة بغية دعم النظام الديمقراطي في العراق".

من جانبه، حثّ بومبيو رئيس الوزراء العراقي المكلف على حلّ الخلافات مع الزُعماء السياسيين الأكراد والسُنّة، لضمان نجاح حكومته في الاضطلاع بالمهام الأساسية.

وشدّد وزير الخارجية الأمريكي على ضرورة التزام العراق بحماية دبلوماسيي الولايات المتحدة وقوات التحالف والمنشآت التابعة لهما.

 

للمشاركة:

آخر تطورات المعارك في إدلب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

قال المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ إنّ قوات النظام تواصل تقدمها جنوب مدينة إدلب بغطاء جوي روسي، وتمكّنت من السيطرة على المزيد من المناطق، ليرتفع تعداد المناطق التي سيطرت عليها خلال الساعات الماضية إلى 7 مناطق، ليرتفع تعداد المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام في محافظة إدلب منذ بدء العملية العسكرية، في الـ 24 من شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، إلى 109.

إلى ذلك، تواصل الطائرات الحربية الروسية قصفها المكثف على حماه وإدلب؛ حيث ذكر المرصد استهداف تلك الطائرات بعد منتصف ليل الأحد – الإثنين وصباح اليوم، لأماكن متعدّدة بريف إدلب، وريف حماه، بالتزامن مع قصف صاروخي تنفذه قوات النظام بشكل متجدّد على المناطق ذاتها.

ووقعت اشتباكات وقصف برّي متبادل بين فصائل مسلحة مدعومة من تركيا من جهة، وقوات النظام من جهة أخرى، على المحاور شرق مدينة إدلب، بالقرب من طريق."m4"

قوات النظام تتقدم جنوب إدلب بغطاء جوي روسي وتسيطر على 7 بلدات بعد الاشتباك مع الفصائل الموالية لتركيا

ووثّق المرصد مقتل 11 عنصراً من الفصائل، بينهم 7 من المتشددين، وذلك خلال الاشتباكات والقصف على محورَي الشيخ دامس وحنتوتين، فيما قتل 8 من قوات النظام خلال الاشتباكات ذاتها.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، قد دعا، الجمعة، لوقف إطلاق النار فوراً في إدلب "لإنهاء الكارثة الإنسانية، وتجنّب تصعيد لا يمكن السيطرة عليه"، مضيفاً: "ليس هناك حلّ عسكري للأزمة السورية، الحلّ الوحيد ما يزال سياسياً"، مؤكداً أنّه "من المهم كسر الحلقة المفرغة للعنف والمعاناة"، ومعرباً عن قلقه مع اقتراب المعارك من مناطق ذات كثافة سكانية.

يذكَر أنّ هجوم قوات النظام في إدلب، منذ بداية كانون الأول (ديسمبر) الماضي، دفع بنحو مليون شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى ترك منازلهم، منهم 170 ألفاً يقيمون في العراء، كما أسفر عن مقتل أكثر من 400 مدني، بحسب المرصد.

 

للمشاركة:

اليمن: كيف وظّف حزب الإصلاح التنظيمات الإرهابية في تحقيق أهدافه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

يواصل حزب الإصلاح الإخواني في اليمن دعم التنظيمات الإرهابية، كداعش والقاعدة، وتمويلها؛ حيث حوّل مدينة مأرب، وهي قاعدة الإخوان الرئيسة باليمن، إلى إمارة للتنظيمات الإرهابية، وكذلك الأمر بوادي محافظة حضرموت.

 

 

ويستخدم حزب الإصلاح تلك التنظيمات المتطرفة كورقة ووسيلة ضدّ المعارضين له، كالمجلس الانتقالي وقيادات الحزام الأمني والنخبة، في شنّ هجمات إرهابية بتوجيه منه، دون أن يتحمّل مسؤوليتها، فيما يبقي الباب موارباً للاتفاقات السياسية في حال تغيرت الظروف الراهنة، وهو نهج قام عليه حزب الإصلاح الإخواني طوال الفترة الماضية؛ فمن جهة كان يعلن أنّه يقف إلى جانب الحكومة الشرعية في مواجهة الإرهاب ومن جهة أخرى؛ كان يعقد اتفاقيات مع الحوثيين، ويسلمهم مناطق تقبع تحت سيطرته، ويقدّم للقادة الإرهابيين المأوى والسلاح والعتاد، وهو ما تمّ كشفه بعد مقتل زعيم القاعدة، قاسم الريمي، في منزل أحد قيادات حزب الإصلاح، وفق ما نقل موقع "عدن تايم".

حزب الإصلاح حوّل مدينة مأرب وهي قاعدة الرئيسة باليمن إلى إمارة للتنظيمات الإرهابية

وفي سياق متصل بإرهاب حزب الإصلاح الإخواني؛ اتخذ فرع حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة تعز، أمس، أولى قرارات التصعيد ضدّ هيمنة حزب الإصلاح الذراع السياسية لجماعة الإخوان.

وقرر الحزب تعليق عضويته بالتحالف الوطني للأحزاب السياسية، بسبب عدم التزام حزب الإصلاح بتنفيذ ما تضمنته وثيقة المبادئ الموقعة من قبل فروع الأحزاب والتنظيمات السياسية بالمحافظة.

ونوّه الحزب، في بيان له، كما أورد موقع "اليمن العربي"، إلى أنّ أسباب تعليق العضوية تشمل الإقصاء والتهميش الممنهج بحق كوادر المؤتمر الشعبي العام في الوظيفة العامة.

حزب المؤتمر الشعبي العام بمحافظة تعز يتخذ أولى قرارات التصعيد ضدّ هيمنة حزب الإصلاح

ودعا المؤتمر محافظ تعز إلى سرعة العودة لممارسة عمله في ظل الأحداث التي تشهدها المحافظة على كافة الأصعدة، وكذلك تحمل مسئولياته في متابعة وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين فروع الأحزاب السياسية بالمحافظة.

وكان فرع حزب المؤتمر الشعبي العام في تعز قد أقرّ، في اجتماعه الأخير، الأربعاء الماضي، عدداً من الخطوات التصعيدية رفضاً للإقصاءات التي تتعرض لها كوادره من قبل حزب الإصلاح الإخواني.

اجتماع حزب المؤتمر الشعبي في تعز

 

للمشاركة:



كيف يفكر المتعصب للتاريخ العثماني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

وليد فكري

قديمًا قيل "آفة الرأي الهوى".. و"الهوى" في اللغة هو "المَيل"، وهو آفة الرأي لأنه يحيد بصاحبه عن رؤية المعطيات الواقعية التي ينبغي أن يتخذها أساسا لوجهة نظره، فهو لا يجمع تلك المعطيات ثم ينظر فيها فيستخرج منها نظريته، وإنما يبني النظرية بشكل مسبق وينتقي ما يؤيدها ليقدمه دليلا على ما يميل إليه بغض النظر عما تقتضيه الموضوعية العلمية.

والمتعصب للتاريخ العثماني يقع في تلك الآفة، فهو يعتنق وجهة نظر مسبقة أن الدولة العثمانية كانت "دولة الخلافة العلية العظيمة" وينتقي من التاريخ ما يدعم وجهة نظره ويتجاهل ما سواه أو يتعامى عنه كيلا يصطدم بما قد يغير رأيه.

وهو بعد مرحلة "القراءة الانتقائية للتاريخ" يعمل على تحصين رأيه بآليات غير علمية مثل قيامه باتهام من يخالفه بالحقد على الإسلام والمسلمين أو بأنه ذو مصلحة مادية في مكايدة العثمانيين أو غيرها من الأساليب الرخيصة التي تنم عن تهافته وجهله وتعصبه.

اختصار التاريخ الإسلامي في العثمانيين

في التاريخ الإسلامي الثري يمكننا أن نحصي نحو 186 أسرة حاكمة (والأسرة هنا لا تعني بالضرورة العائلة وإنما النظام الحاكم) حكمت من الصين إلى المحيط الأطلنطي ومن جنوب أوروبا إلى وسط أفريقيا.. وقامت به إمبراطوريات ضخمة كالخلافات الراشدة والأموية والعباسية والفاطمية والدول السلجوقية والأيوبية والمملوكية والمغولية والعثمانية، جمعت عشرات-بل مئات-الأعراق والأجناس واللغات والثقافات، وازدحمت كتب التاريخ الإنساني بإسهاماتها في مختلف ميادين السياسة والثقافة والعلوم والفنون وغيرها من مظاهر الحضارة.

حتى أنني كمتخصص في التاريخ أستطيع أن أقول بكل ثقة علمية إن تاريخ الإنسانية لم يشهد حضارة أثرى ولا أعمق ولا أعظم إسهامًا في محتواه من الحضارة الإسلامية.

ولكن المتعصب للعثمانيين يعمي عينيه ويصم أذنيه عن كل هذا ويختصر عظمة المسلمين في دولة العثمانيين، فهو لا يلقي بالًا بالقامات الإسلامية العالية بينما يعظم الأسماء العثمانية الأقل شأنًا.. فهو قد لا يعرف شيئًا عن موسى بن نصير بينما يقدس أرطغرل وعثمان، وهو يجهل من هو أسد الدين شيركوه بينما يدافع عن سليم الأول وسليمان القانوني، وهو يمر بعبد الرحمن الناصر مررورًا غير كريم بينما يثرثر عن عبد الحميد الثاني.

وهو يجهل الجهل الفاحش بتفاصيل أحداث جليلة كفتوح مصر وشمالي أفريقيا والشام والعراق وفارس والأندلس، وانتشار الحضارة الإسلامية في آسيا وأفريقيا بينما يرفع آيات التمجيد لفتح محمد الثاني للقسطنطينية.

وحدث ولا حرج عن عدم اكتراثه بحضارات المسلمين في غرب وجنوب آسيا، وغرب ووسط أفريقيا.. فهي بالنسبة له منطقة معتمة حتى أنه يفاجأ من حين لآخر بوجود مسلمين في الصين أو الهند أو وسط أفريقيا! ولا يتذكر ذلك إلا في نطاق التعاطف مع ما قد يتعرض له بعضهم من إساءات-لأسباب غالبًا سياسية وليست دينية- وكأنما لم يوجد للمسلمين دولة قبل دولة العثمانيين ولم يكن لهم من ذِكر قبل ميلاد أرطغرل وعثمان!

فأي ظلم هذا للتاريخ الإسلامي؟

إهمال القلم وتمجيد السيف

ولأن الدولة العثمانية كانت الأقل إسهامًا في ميادين العلوم والثقافة مقابل انهماكها في الحروب والتوسعات، فإن المتعصب لها بطبيعة الحال يتجاهل دور العلوم والفنون والآداب في عظمة الحضارة الإسلامية، فلا يلقي بالًا لقامات عظيمة كالطبري وابن رشد والغزالي وابن الهيثم وابن النفيس وابن سينا وابن خلدون والمقريزي وغيرهم ممن تضيق عن إنجازاتهم الحضارية كتب التاريخ.. ويختصر دور المسلمين في حروب العثمانيين في الشرق العربي الإسلامي أو في شرق أوروبا، فكأنما قامت الحضارة الإسلامية على السيف والمدفع وليس على القلم والورق ومجالس العلم والجامعات والمكتبات ودور الترجمة..

وإنه لمن المؤسف والموجع أن أجد أجانبًا يعرفون الكثير عن إسهامات الحضارة الإسلامية في ميادين العلم والثقافة بينما يجهل مسلم أمر هذه الإنجازات ولا يعرف سوى أخبار الحرب والعنف

صحيح أن الحرب والسياسة كانتا جزءًا لا ينفصل عن التاريخ الإسلامي، ولكنهما كانتا من "الوسائل" لحماية الدولة والحضارة ولم تكونا "غاية" في حد ذاتهما.. فالمسلم القديم كان يدرك أن الحرب هي أمر بغيض مكروه يلجأ لها مضطرًا لحماية وطنه وحضارته، أو عملًا بقانون عصره القائل بأن "من لا يغزو يُغزَى"، ويستبسل في الدفاع عنها حتى أننا نجد في تاريخنا علماء مثل العز بن عبد السلام وابن تيمية وابن خلدون يضعون القلم جانبًا ويلقون بأنفسهم في أتون الصراع شحذًا للهمم-وإن لم يحملوا السيف- مستبسلين لخدمة أوطانهم..

بلى.. كان المسلم القديم يدرك حقيقة الحرب كضرورة وحقيقة من حقائق الحياة ووسيلة لحماية الحضارة ولكنه لم يكن ينظر لها باعتبار أنها هي الحضارة..

أما التعصب للتاريخ العثماني فقد أنتج لنا أناسًا لا يرون في الحرب سوى غاية، ويختصرون الحضارة في الغزو والقتال، ويمجدون "السلطان الغازي" على حساب "العالم الجليل"..

بالتالي فإن هذا المتعصب لا ينظر للآخر باعتباره "إنسانا يمكن أن نتلاقى معه حضاريًا طالما لم يبدأنا بحرب أو عدوان" وإنما باعتباره "عدوًا حاقدًا" ينبغي سحقه ووطء رقبته وإذلاله..

أعتقد أن هذا يفسر نقطة التلاقي بين التعصب للعثمانيين من ناحية، والتطرف الديني المؤدي غالبًا للعنف والإرهاب من ناحية أخرى.

قد يقول البعض: كان العثمانيون محاطون بالأعداء والمتآمرين فلم يكن لديهم فسحة من الوقت للاهتمام بالثقافة والعلوم والمظاهر السلمية للحضارة.

ولكن هذا القول مردود عليه بأن الحضارة الإسلامية كانت دائمًا محاطة بالأعداء، منذ نشأتها الأولى، من فُرس أو روم أو فرنجة أو مغول أو غيرهم، وكان الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون والفاطميون والسلاطين السلاجقة والزنكيون والأيوبيون والمماليك وحُكام الأندلس يحاربون على أكثر من جبهة في ذات الوقت، ولكنهم لم يهملوا بناء الحضارة، فكان السيف يُحمَل بيد والقلم بأخرى.

بل كانت الحضارة ذاتها سلاحًا ماضيًا يحوّل عدو الأمس لصديق اليوم، حتى أن من أوجه عظمة حضارة المسلمين أنها تجاوزت نواتها العربية فضمت أعراقًا وثقافات فارسية ورومية ومغولية وأوروبية وصهرتها في مزيج حضاري عبقري فقدمت للإنسانية أرقى نماذج التعايش الإنساني..

لماذا الإصرار على تبني النموذج العثماني؟

والسؤال هنا: لماذا يصر هؤلاء-رغم ما سبق-على تبني النموذج العثماني الأحط حضاريًا؟

توجد عدة تفسيرات-يكمل بعضها بعضًا-لذلك

فمن ناحية أولى، فإن العقل الخامل للمتعصب عثمانيًا يستصعب تبني نموذج يقوم على التعب والكد وطلب العلم وتطويره وإخراج محتوى ثري منه، فيميل استسهالًا لنموذج لا يتطلب منه سوى كراهية وشيطنة الآخر ومحاربته وإطلاق صيحات الحرب ضده-حتى وإن كان هذا الآخر ابن وطنه ودينه وأمته-فهو لا يستطيع مثلًا أن يتبنى نموذجي العباسيين والأندلسيين الراعيين للعلوم والترجمة وتلاقي الثقافات وإنتاج المحتويات الثقافية والعلمية والفنية، ولا النماذج السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية التي كانت تجل "أهل القلم" نفس إجلالها "أهل السيف".. هو يرى في كل هذا "صداعًا" لرأسه الخاوي فلا يطلب سوى نموذج لا يتطلب منه سوى سلاح وصيحة تكبير.

ومن ناحية ثانية فإن النموذج العثماني يرضي "البارانويا/الشعور المرضي بالاضطهاد" عنده، فهذا المتعصب الذي يعجز عن مجاراة محيطه-الداخلي والعالمي-لا يحاول أن ينقد ذاته وأن يقف على سلبياته ليصلح من شأنه ويعالج نقاط ضعفه ويعلي من شأنه وبالتالي من شأن مجتمعه، وإنما يستمرئ الرثاء لنفسه وتبرير خيبته بأنه ضحية "الحاقدين والمتآمرين"، وهو التفسير نفسه الذي يقدمه "العثمانيون الجدد" لفشل وانحطاط دولة أسلافهم، فلا يرجعون ذلك لسلبياتها وعيوبها وإنما لـ"تآمر العالم عليها".

ومن ناحية أخرى فإن هذا التعصب هو نتاج "القراءة الماضوية للتاريخ"وهي القراءة القائمة على البكاء على الأطلال في مقابل "القرأءة المستقبلية" التي وصفها العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمة كتابه "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر" بأنها قراءة تقوم على تأمل تاريخ الأمم الماضية لفهم قوانين الحاضر من أجل تلافي أخطاء السابقين واستقراء المستقبل والاستعداد الفعال له..

وللأسف فإن هذه القراءة الماضوية يروج لها أناس أمثال د.علي الصلابي وغيره ممن يحولون التاريخ إلى حائط مبكى يقبع عنده المرء باكيًا مجد أجداده الضائع متهمًا العالم بالتآمر لإفشاله بينما هذا العالم منشغل ببناء حضارته!

ختامًا

أيها المتعصب لنموذج منحط حضاريًا، المتهم لمن ينتقده بأنه حاقد متآمر مأجور كاذب، إن التاريخ غير مطالَب بمجاملة أحد.. وهو لا يرحم من يعابثه فينتقي منه ما يرضي مرض عقله، ولا الخامل المكتفي بالبكاء على الأطلال.. إن عمر أمتك التي تدعي الدفاع عنها أكبر من دولة العثمانيين، وحضارة هذه الأمة أثرى من سيرة سلطان غاز وصرير أقلامها على ورقها أعلى صوتًا من دوي مدافع الدولة العثمانية وصليل سيوفها..

فأفق من غفلتك وأنصف تاريخك، فعار عليك أن يكون لأسلافك تاريخ عظيم يُدَرَس في الجامعات من أدنى الأرض إلى أقصاها وأنت متمسك بذيل أسمال عباءة جثمان عثماني قابع تبكيه والعالم حولك يتحرك بسرعة أكبر من التصديق!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

رهاناتُ الطاقة في شرق المتوسط تهدّد تركيا بعزلة دولية

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-24

ترجمة: مدني قصري
 


"شرق البحر الأبيض المتوسط، بحر من الغاز"، يكفي هذا الاقتباس، من مقال على موقع شركة النفط الإيطالية العملاقة "إيني"، لفهم التحديات الاقتصادية في شرق البحر المتوسط.

أصبح شرق البحر المتوسط اليوم، مسرحاً لسباق حقيقي على المواد الهيدروكربونية من جانب دول البحر المتوسط المعنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإذا كان وجود تركيا أو قبرص في المعادلة مفاجئاً، فإنّ ليبيا وإيطاليا تشكلان المفاجأة الأكبر.

تشير الاستكشافات البحرية إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الإسرائيلية والفلسطينية

ويجري هذا السباق على خلفية التنافس العميق بين مختلف أبطال القضية، الذين يلجؤون إلى التحالفات، ويُظهرون قواتهم العسكرية ببراعة، بهدف الاستفادة القصوى من الوضع، وقبل كل شيء، من الموارد، موضوع الرهان، حيث أعلنت تركيا نشر طائرات مقاتلة بدون طيار في المنطقة، في حين، التزمت الرئاسة الفرنسية تجاه أثينا بإرسال سفن تابعة للبحرية الفرنسية، لدعم القوات اليونانية المتمركزة في بحر إيجه.
سيحاول هذا المقال، تشريح خصوصيات وعموميات الأزمة، من أجل توضيح حجم تحديات الطاقة في المنطقة أولاً، ثم فهم حجم التصعيد الدبلوماسي الأمني وحساسية الموضوع لمختلف الدول المعنية، بشكل أفضل ثانياً.

تقديرات احتياطي النفط والغاز في شرق البحر المتوسط

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009، مما يجعلها المنطقة الأقوى والأوسع من حيث المهام الاستكشافية، وقد قفزت احتياطيات الغاز المؤكدة بنسبة 33.6٪ منذ عام 2009، مَثّل الشرق الأوسط ما نسبته 40.4% منها، بعد أن كان يمثل 31.4٪ عام 2000.

أدت الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز والقليل من رواسب النفط

وتعتبر حالة شرق المتوسط (MEDOR)، لأسباب تقنية وعلمية، أكثر تعقيداً؛ ففي عام 2000، على سبيل المثال، قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنّ احتياطيات الغاز يجب أن تبلغ حوالي 2715 مليار متر مكعب، وبعد مرور 10 أعوام، قامت اللجنة نفسها بمراجعة تقديراتها بالكامل، ورأت أنّ المنطقة يجب أن تحتوي على 5765 مليار متر مكعب من الغاز.
أما النفط فهو أقلّ وعوداً من الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بشكل عام، حيث مَثل إنتاجه في مياه البحر المتوسط عام 2011، أقل من 6 ٪ من الإنتاج العالمي، وقدّرت دراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010، احتياطيات النفط في حوض المشرق بـ 1.7 مليار برميل، ما يعني أنّ احتياطيات النفط المعروفة حالياً في البحر المتوسط سترتفع بنسبة 70٪، إذا كانت هذه التقديرات صحيحة.

اقرأ أيضاً: سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة
ومع ذلك، فإنّ الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية، أدت إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز، والقليل جداً من رواسب النفط.
اكتشافات حديثة.. أصل الاهتمام الحالي بشرق المتوسط
رغم ما مثلّه الخليج من أهمية حيوية في الإنتاج العالمي من الهيدروكربونات، منذ خمسينيات القرن العشرين، إلا أنّ شرق المتوسط  "ميدور" صار موضع اهتمام منذ بضعة أعوام فقط، عقب اكتشاف العديد من حقول الغاز الواعدة بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى
ويعود الاهتمام بشرق المتوسط إلى عام 1999، عندما تم اكتشاف حقل غاز نوا Noa، قبالة ساحل "إسرائيل"، وهكذا تسارعت الاستكشافات، ففي العام التالي، تم اكتشاف رواسب ماري – بي Mari-B، ثم حقلي داليت Dalit وتامار Tamar في عام 2009، وليفياثان Leviathan في عام 2010، وأخيراً أفروديت وتانين Tanin عام 2011.

تحافظ كل دولة في حوض المتوسط على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان

ويمثّل جزء من حقل ليفياثان، الواقع في المياه الإقليمية، أصل اندفاع دول البحر الأبيض المتوسط الأخرى في حوض شرق المتوسط، بسبب حجم الرواسب، فهو يحتوي على حوالي 18 تريليون متر مكعب من الغاز، واستغلاله سيكون كافياً لتزويد "إسرائيل" بالكهرباء التي تحتاجها لـ 30 عاماً قادماً؛ حيث يُعتقد أنّ هذه الرواسب تحتوي على 600 مليون برميل من النفط، وهي موضوع مهمات استكشافية.
وتماشياً مع ليفياثان Leviathan، برزت رواسب تمار أيضاً، التي تحتوي على 10 تريليونات متر مكعب من الغاز، تتم إعادة تقييمها بشكل منتظم على مدار الأعوام، وقد ضاعفت تل أبيب جهود استغلال هذا الحقل الذي، بدأ العمل فيه بعد أقل من 5 أعوام على اكتشافه، عام 2014، حيث تم تشغيل حقل تمار منذ نهاية عام 2018، وهو أمر نادر في هذا المجال الاقتصادي.

وتتعلق الاكتشافات المذكورة أعلاه، والتي تمت منذ عام 1999، بالمياه الإقليمية الإسرائيلية فقط، وتُعدّ قبرص أيضاً واحدة من أكبر الفائزين في الاستكشافات البحرية، حيث إنّ أبرز رواسب الغاز المكتشفة حتى الآن هي تلك التي اكتشفت في المياه القبرصية، والمعروفة باسم "أفروديت"، التي اكتشفتها شركة نوبل إنيرجي Noble Energy الأمريكية عام 2011، التي تعتبر أصل معظم اكتشافات الرواسب الهيدروكربونية في حوض بلاد الشام.

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

وتقدّر احتياطيات حقل "أفروديت" حالياً؛ بحوالي 7 تريليونات متر مكعب من الغاز، وقد بدأت شركة نوبل إنرجي في حفر بئر جديد في 12 في حزيران (يونيو) 2013، حيث تأمل الحكومة القبرصية في اكتشاف كمية كافية من الغاز تصل إلى 30 أو 40 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة "ZEE" التابعة لقبرص.

يُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز

كما عرضت السلطات القبرصية، عدة كتل استكشافية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، في المزادات العلنية، حيث مُنحت في نهاية عام 2012 للعديد من الشركات العابرة للأوطان واتحادات أخرى، فقد فازت العملاقة الإيطالية ENI، والشركة الكورية الجنوبية كوغاز (KOGAS) بالكتل 2 و 3 و 9، بينما فازت شركة توتال الفرنسية بالكتل 10 و 11.
ويُعدّ اكتشاف بئر أفروديت 2، على الجانب الإسرائيلي من الحدود البحرية مع قبرص، اكتشافاً واعداً للغاية في ميدور "شرق المتوسط"، ومن الممكن أن تكون رواسب الغاز الطبيعي الموجودة هناك منبثقة من نفس التكوين الجيولوجي لبئر أفروديت، ويمكن أن تحتوي تقنياً، وفقاً للتقديرات، على حوالي 3 مليارات متر مكعب من الغاز، فإذا تبين أنّ أفروديت 2 مرتبط بنفس البنية الجيولوجية لأفروديت، سيتعين على "إسرائيل" وقبرص التوقيع على اتفاقية استغلال مشترك للحقل.

دان الاتحاد الأوروبي الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط، مُعلناً دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا

وقد تشير الاستكشافات البحرية العديدة الجارية حالياً على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية والفلسطينية، إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية هناك، ويُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات، التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز، وقيل في هذا السياق إنّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل ناقشتا في أيلول (سبتمبر) 2012، إمكانية تطوير هذه الاستكشافات البحرية في جميع أنحاء المياه الإقليمية الفلسطينية، ومع ذلك، فلم يظهر أي اتفاق في هذا الشأن.
كما انضمت السلطات اللبنانية، في نيسان (أبريل) 2013، إلى العطاءات، لاقتناء كتل استكشافية في مياهها الإقليمية، فمن بين 52 شركة تقدمت بالعطاءات، تم قبول 46 شركة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تم منح هذه الكتل للعديد من الفائزين، مقابل إنتاج بدأ في نهاية المطاف عام 2016، وتمتلك المياه اللبنانية، بالفعل، ما تجذب به شركات قطاع الطاقة، فإذا كانت رواسب النفط تمثل مئات الملايين من البراميل، فإن الغاز مرة أخرى، هو المتميز من حيث مادته، مع ما يقترب من 25 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات.

بالنسبة لسوريا، فإنّ استكشاف مياهها الإقليمية في حالة توقف تام في الوقت الراهن، بسبب الحرب الأهلية التي هزت البلاد منذ آذار (مارس) 2011، وكانت الحكومة السورية قد قامت ببيع مجموعات استكشافية عن طريق المزاد، ولكن أمام حركات الاحتجاج الأولى، في أوائل عام 2011، فضلت دمشق تأجيل إعلان الفائزين إلى كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام، وفي النهاية أعلنت قرارها في تموز (يوليو) 2013 في جلسة مغلقة، فإذا كان الفائزون غير معروفين، فمن المرجح أنّ سوريا قد عقدت، في نيسان (أبريل) 2013، محادثات طويلة مع موسكو وبكين حول الاستكشاف البحري لمياهها الإقليمية، قبل بضعة أشهر من جلسة تموز (يوليو) المغلقة، وإذا كانت نتائج هذه التبادلات غير معروفة، فمن المؤكد أن الوجود البحري الروسي المهيب في الموانئ السورية، في اللاذقية وطرطوس على وجه الخصوص، لا يمكن تفسيره بحجة التزام موسكو العسكري تجاه سوريا، فقط.

إنّ ضيق شرق المتوسط بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية

أمّا البلدان التي تعتمد اعتماداً كبيراً في إنتاج الهيدروكربونات، على جيرانها الشرقيين، مثل؛ المملكة العربية السعودية أو قطر أو العراق أو الكويت، على سبيل المثال، فإنّ الحصول في سواحلها على موارد قادرة على تزويدها ببعض الاكتفاء الذاتي من الطاقة، أو الحدّ من اعتمادها على البلدان الأجنبية، مسألة تحمل بُعداً استراتيجياً للغاية.
في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يزال صدى الصراع التركي اليوناني في قبرص، والذي بدأ عام 1974، يتردد بلا انقطاع، بالإضافة إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والاشتباكات والمواجهات في سوريا المجاورة، فإنّ اكتشاف مثل هذه الموارد الطبيعية سيؤدي حتماً إلى تأجيج بعض التوترات الإقليمية، وإثارة توترات جديدة.

سلسلة من الأزمات
لفهم أفضل لخصائص وعموميات الأزمة الجيوسياسية – والجيواقتصادية الدائرة حالياً في شرق البحر المتوسط، من الضروري وضع هذه الأخيرة في سياقها، والتأكيد، أوّلاً وقبل كل شيء، على التعقيد العميق للأزمات المتعددة التي أدت إلى الأزمة القائمة حالياً.

منذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني

بالفعل، كما رأينا في البداية، فمنذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني، تحاول كل منها الاستفادة إلى أقصى حد من هذا الوضع، وهو ما أدى إلى إطلاق العنان للعديد من التحالفات، والتراجع عن المعاهدات، والتصعيد الأمني،.. إلخ.
باختصار، هذا هو السياق الذي بدأت فيه الأزمة الدبلوماسية في شرق البحر المتوسط اليوم، لاحتلال موقع مركزي في "ميدور"، على أقل تقدير؛ فجزيرة قبرص مقسمة إلى جمهورية موالية لليونان، في الجنوب، وجمهورية شمال قبرص الموالية لتركيا، حيث يعود تاريخ هذا الجزء من الجزيرة إلى الغزو التركي 20 تموز (يوليو) - 18 آب (أغسطس) 1974، والذي تم تنفيذه كرد فعل لمحاولة الانقلاب التي تم تنظيمها في 15 تموز (يوليو) 1974 بواسطة "ديكتاتورية العقداء" في اليونان، ونتج عن هذا التدخل احتلال تركيا لـ 38٪ من أراضي الجزيرة وانقسامها الجغرافي والسياسي والثقافي إلى قسمين، على الرغم من الجهود المتكررة التي بذلها المجتمع الدولي لإعادة توحيد قبرص، فقد فشلت المفاوضات لتحقيق هذه الغاية بشكل منهجي.

في هذا السياق، وحتى اليوم، لا تزال التوترات بين اليونان وتركيا حادة بشكل خاص، فالحوادث في البحر متكررة، كما يتضح من محاولات خفر السواحل الأتراك ضرْب سفن الصيد اليونانية، وقد يحدث تبادل لإطلاق النار، إنّ العداء بين المتصارعين؛ اليوناني والتركي، والذي تدعمه قبرص، بشقيها الجنوبي والشمالي، يمهد الطريق لسياق جيوسياسي في شرق البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟

وتحاول بقية الدول الاستفادة من هذا الوضع، ومن الفرص التي تمكنت من اغتنامها، حيث إنّ ضيق شرق المتوسط، بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه (تركيا، سوريا، لبنان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، مصر، قبرص وشمال قبرص، واليونان)، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية، تكون أحياناً ضيقة جداً في أعين قادتها، سيما بعد اكتشاف رواسب الهيدروكربون الغنية في حوض شرق المتوسط.

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009 مما يجعلها المنطقة الأوسع من حيث المهام الاستكشافية

وبناءً على هذه المعطيات، تحافظ كل دولة في الحوض، بشكل أو بآخر، على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان، على سبيل المثال، اللتان تتبادلان الاتهامات بالتعدي على بعضهما البعض، ولسبب وجيه، لم يوقع الطرفان اتفاقية ثنائية تحدّد الحدود البحرية المشتركة بينهما؛ لأنّ لبنان لا يعترف بدولة إسرائيل.
وكذلك الأمر بين تركيا وقبرص، ففي حين لا تعترف الأخيرة بشمال قبرص، حيث ترى أنّ لها حقاً حصرياً في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تؤيد تركيا مُهرَها القبرصي الشمالي الذي يطالب، بدوره، بمنطقة اقتصادية خالصة، تتداخل مع منطقة قبرص، كما تطالب أنقرة بجزء كبير من المناطق الاقتصادية اليونانية الخالصة، على مستوى بحر إيجه، بسبب كوكبة الجزر اليونانية في المنطقة المجاورة للسواحل التركية، وهي الجزر التي تمنح من المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان بقدر ما تنتزعها من تركيا.
قانون البحار والتنافس على الهوامش
ينص قانون البحار، وتحديداً؛ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في عام 1982 في مونتيغو باي (جامايكا)، على ألا تتجاوز المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدان ذات الانفتاح على البحر، 200 ميل بحري من خطوط الأساس (متوسط المياه عند انخفاض المد)، أو ألا تتجاوز الحافة الخارجية للجرف القاري (امتداد القارة تحت سطح المحيط)، إن كان أكثر من الـ 200 ميل المذكورة آنفاً، ومع ذلك، في حالة حوض شرق المتوسط، فإنّ تركز البلدان ضمن ضيق شرق البحر المتوسط، يجعل التحديد الدقيق للحدود البحرية مشوشاً وغامضاً، وهو ما تلعب عليه الدول لزيادة هوامشها في المناورات الدبلوماسية والاقتصادية.

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة
إنّ التنافس على هوامش المناورة، على خلفية الوضع القانوني المشوش والتوترات الجيوسياسية الملحوظة، يمثل في جزء كبير منه، أصلَ الأزمة الحالية في شرق البحر المتوسط.

تداعيات الأزمة

الأزمة الحالية هي امتداد لأزمة عام 2018، والتي كانت، بدورها، نتيجة سلسلة من الأزمات الصغيرة المبعثرة، والتي أضحت خطيرة؛ ففي عام 2002، اعترضت سفينة تابعة للبحرية التركية سفينة استكشاف نرويجية، كانت قبرص قد كلفتها بالحفر في المياه الإقليمية القبرصية التي تطالب بها أنقرة، وفي العام 2007، وضعت قبرص خطة كتلة استكشافية، وأطلقت مناقصة متعلقة بها، لكنّ تركيا، التي لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ادعت أنّ إحدى الكتل التي حددتها قبرص ملك لها، مُعتبرة مناقصة نيقوسيا بشأن تلك الكتلة الاستكشافية غير شرعية، ومنذ عام 2008 إلى عام 2014، استمر التصعيد، وشارك فيه عدد متزايد من السفن الحربية التابعة للبحرية التركية، والتي كانت ترافق سفن الاستكشاف التركية في المياه القبرصية التي تطالب بها أنقرة، كما حدث في عام 2014، على سبيل المثال.
تركيا في المياه اليونانية
بدأت أزمة عام 2018 بِبيان أصدره وزير الخارجية التركي؛ ميفلوت تشافوس أوغلو، حيث أعلن في 6 شباط (فبراير)، عن عزم الحكومة التركية على بدء استكشافات بحرية جديدة في المياه اليونانية، وقبل كل شيء، في المياه القبرصية، وازداد التوتر، عندما منعت سفينة تركية في 9 شباط (فبراير)، سفينة الحفر التابعة لشركة ENI الإيطالية من استكشاف إحدى الكتل الاستكشافية التي فازت بها الأخيرة، على أساس أنّ هذه الكتلة تخص شمال قبرص، واستمرت المبارزات الدبلوماسية والأمنية في معظم الجزء المتبقي من عام 2018، مع زعيم حزب المعارضة التركي IYI؛ ميرال أكسينر، الذي دعا إلى غزو جديد لقبرص، لكن الموقف هدأ في نهاية المطاف من تلقاء نفسه، وليس من خلال حلّ حقيقي للمشاكل.
منتدى شرق البحر المتوسط للغاز لمواجهة تركيا
في 16 كانون الثاني (يناير) 2019، قررت الحكومات؛ القبرصية والمصرية واليونانية والإسرائيلية والإيطالية والأردنية والفلسطينية، مواجهة تركيا، من خلال إنشاء "منتدى شرق البحر المتوسط للغاز" EMFG، للإشراف على الحوار والتعاون، بعد ظهور سوق واعدة للغاز في المنطقة، واستبعدت الاتفاقية تركيا، رغم أنّ السلطات اليونانية قالت إنّ أي عضو جديد هو موضع ترحيب، شريطة احترام ميثاق (EMFG).

الاتحاد الأوروبي يُدين تركيا

اجتمع منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، مرة أخرى، في تموز (يوليو) 2019، بمشاركة الولايات المتحدة هذه المرة، وبالتزامن مع ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا، حيث دان الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط.
رسم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا في مياه يونانية
رداً على هذه المبادرات وعلى هذا التحالف "المعادي للأتراك"، وقعت تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، في إطار تحالف متنامٍ بين الجيش الوطني التركي وحكومة الوفاق، قائم على دعم أنقرة العسكري لحكومة طرابلس ضد حكومة طبرق والمشير حفتر، هذا الاتفاق، ذو الخطوط العريضة الغامضة، والذي روجت له السلطات التركية إعلامياً، يضع، بشكل ما، حدوداً بحرية بين ليبيا وتركيا، استناداً إلى المياه الإقليمية التي يطالب بها البَلَدان حالياً، والتي تقع رسمياً ضمن قوانين اليونان على وجه الخصوص، حيث يهدف إنشاء هذه الحدود البحرية المشتركة، في نهاية المطاف، إلى تشجيع استغلال الموارد البحرية في المنطقة وتسهيل التجارة بين البلدين.
ويتضمن هذا الاتفاق جانباً عسكرياً أيضاً، وقد تمّت إدانته بحزم من قبل أعضاء مجموعة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز والاتحاد الأوروبي، إلّا أنّه لا يبدو، في الوقت الحالي، أنّه قد تمت تسويته بأي شكل من الأشكال، على الجانب الاقتصادي على الأقل.
خط أنابيب الشرق الأوسط لإفشال الاتفاق التركي الليبي
رداً على الاتفاق التركي الليبي، وافقت اليونان وقبرص و"إسرائيل"، في 2 كانون الثاني (يناير) 2020، على إنشاء "خط أنابيب الشرق الأوسط"، وهو مشروع قيد النقاش والتأمل منذ عام 2013، تحت رعاية المفوضية الأوروبية، حيث يهدف إلى إنشاء خط أنابيب هيدروكربوني يخدم الاتحاد الأوروبي، عبر إيطاليا، انطلاقاً من "إسرائيل" وقبرص واليونان، دون الاعتماد على تركيا أو قبرص الشمالية أو ليبيا، ومن المتوقع أن يربط خط الأنابيب بِئْرَيْ ليفياثان وأفروديت، وهما أكبر رواسب في "إسرائيل" وقبرص.

تركيا تتحدى وتستكشف في المياه القبرصية

بدأت تركيا، التي قرّرت تحدّي خط أنابيب الشرق الأوسط، استكشافاتها الأولى في المياه الإقليمية القبرصية، عن طريق إرسال سفينة الحفر Yavyz إلى هناك، في 19 كانون الثاني (يناير) 2020، وفي اليوم التالي، أعلنت الجريدة الرسمية للرئاسة التركية عن خطتها لإدارة 5 آبار بحرية في "مياه الجمهورية التركية لشمال قبرص"، أي في المياه الإقليمية الخاضعة رسمياً لقبرص.
تركيا مهددة بعزلة دولية
خلال اجتماع في باريس، بين رئيس الوزراء اليوناني؛ كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون، في 27 كانون الثاني (يناير)، أكّد الأخير دعمه لليونان، بإرسال وشيك، للسفن البحرية الوطنية الفرنسية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تحت شعار "ضامنو السلام"، مع تصاعد التوترات بين اليونان وتركيا، ومطالبة الأخيرة أثينا بتجريد  16 جزيرة في بحر إيجة من السلاح، وفي 26 كانون الثاني (يناير) 2020، أعلن وزير الدفاع اليوناني؛ نيكوس باناجيوتوبولوس، أنّ القوات المسلحة اليونانية "درست جميع السيناريوهات، بما في ذلك الالتزام العسكري".
وحتّى إن ظلت فرص حدوث نزاع مسلح حقيقي بين تركيا واليونان و/أو قبرص، فرصاً ضعيفة للغاية، فإنّ الأزمة تتحول حالياً إلى منعطف خطر، يهدد، دبلوماسياً وتاريخياً، بزيادة عزلة تركيا على المسرح الدولي.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

عبدالله البردوني.. "معرّي اليمن" مايزال يزرع الأمل

2020-02-24

يُنسب الشاعر اليمني الأشهر عبدالله البردوني إلى قرية صغيرة تسمى البردون، شرق مدينة ذمار، التي ولد فيها العام 1929 دون أية إعاقة، لكن عندما بلغ الخامسة حضر موسم الجدري، وهو "من المواسم الدائمة التي لا تتأخر عن (يمن الأئمة)" كما كتب الشاعر عبدالعزيز المقالح، في مقدمته لأعمال البردوني الكاملة.. سلب هذا الوباء حياة الآلاف، واكتفى من البردوني بغنيمة بصره لكن بالتأكيد لم ينجح في أن يسلبه بصيرته التي أنارت عقول كل من أتاح لهم حسن الحظ مصادفة إبداعاته.
عثرات النجاح
شق الطفل طريقه في الظلام ببصيرته النيرة وعقله الذكي وفضوله في البحث والمعرفة وذاكرته الحافظة، تمرّد على القدر الاجتماعي الذي يفرض على من فقد بصره أن يفقد أي طموح آخر سوى أن يصبح مقرئاً للقرآن. فتلقى تعليمه الابتدائي في قرية البردون، وهو تعليم أولي يقوم على تعلم الحروف وحركاتها، ثم درس ثلث القرآن، وانتقل إلى قرية المحلة في ناحية عنس، جنوب شرق مدينة ذمار، فتعلم هناك أجزاء أخرى من القرآن.

اقرأ أيضاً: الشاعر بدر الدين الحامد: أنا في سكرَين من خمر وعين
عندما بلغ التاسعة انتقل إلى مدينة ذمار ليكمل تعلم القرآن حفظاً وتجويداً، ومن ثم إلى دار العلوم (المدرسة الشمسية)، وفيها تعلم القراءات السبع، ومع بلوغه الثالثة عشرة بدأ يقرأ كل ما يقع بين يديه من الشعر ويترنم به، ثم ارتحل إلى العاصمة صنعاء، وفي الجامع الكبير درس لأشهر على يد بعض الشيوخ.

حصل البردوني على إجازة من دار العلوم ليُعين بعدها مدرساً للأدب العربي، وواصل القراءة في المنطق والفلسفة، وعمل بعد قيام الجمهورية في العديد من الوظائف الحكومية: رئيساً للجنة النصوص في إذاعة صنعاء، ثم مديراً للبرامج فيها حتى العام 1980، إلى جانب برنامجه الإذاعي الأسبوعي (مجلة الفكر والآداب) الذي استمر حتى وفاته.

شق الطفل طريقه في الظلام ببصيرته النيرة وعقله الذكي وفضوله في البحث والمعرفة

كما عمل مشرفاً ثقافياً في مجلة الجيش من العام 1969 حتى 1975، وكان له مقال أسبوعي في صحيفة 26 سبتمبر بعنوان (قضايا الفكر والأدب)، ومقال مماثل في صحيفة الثورة بعنوان (شؤون ثقافية)، والكثير من المقالات في الصحف والمجلات المحلية والعربية، وأسهم في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وانتُخب رئيساً للاتحاد في دورته الأولى.
نال البردوني العديد من الجوائز: جائزة أبي تمام في الموصل، 1971، جائزة أحمد شوقي 1981، جائزة اليونيسكو من الأمم المتحدة 1982، جائزة مهرجان جرش 1984، جائزة العويس 1993، كما كُتبت حول شعره العديد من الدراسات.

اقرأ أيضاً: "تصفية" شاعر عربي مناوئ لإيران تشعل انتفاضة في الأحواز
نبت البردوني في بيئة قاسية وفي ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية صعبة، عن هذه المسيرة الطويلة الكادحة والمناضلة كتب شعراً:
مُذ بدأنا الشوط جوهرْنا الحصى.. بالدم الغالي وفردسْنا الرمالْ
واتَّقدنا في حشا الأرض هوىً.. وتحولنا حقولاً وتلالْ
من روابي لحمنا هذي الرُّبا.. من رُبا أعظمنا هذي الجبالْ

وهذا البيت الأخير يُذكرنا بشطر لأبي العلاء المعري: "ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد"، لكن البردوني يعيد استعمال الصورة مضيفاً إليها دلالة أخرى.

نحت في الظلام
اتسم البردوني بحس السخرية اللاذع وله طرائف عديدة يرويها المقربون منه، وترك لنا أكثر من أربعمئة قصيدة واثني عشر ديواناً مطبوعاً: من أرض بلقيس، في طريق الفجر، مدينة الغد، لعيني أُم بلقيس، السفر إلى الأيام الخضر، وجوه دخانية في مرايا الليل، زمان بلا نوعية، ترجمة رملية لأعراس الغبار، كائنات الشوق الآخر، رواغ المصابيح، جوَّاب العصور، رجعة الحكيم ابن زايد. وله ثماني دراسات أدبية: رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه، قضايا يمنية، فنون الأدب الشعبي في اليمن، اليمن الجمهوري، الثقافة الشعبية- تجارب وأقاويل يمنية، الثقافة والثورة، من أول قصيدة إلى آخر طلقة- دراسة في شعر الزبيري وحياته، أشتات. إضافة إلى أعمال أخرى كانت مخطوطة وجاهزة للنشر وحال دون نشرها عدة أسباب أهمها العائق المادي وتقصير الدولة ممثلة بوزارة الثقافة، فضلاً عن إهمال المقربين منه.

بعد أن حصل البردوني على إجازة من دار العلوم عُيّن مدرساً للأدب العربي

يذكر الدكتور صادق القاضي تلك الأعمال التي لم تجد طريقها للنشر ويصف العملية بالإخفاء القسري والمتعمد؛ أعمالٌ تركها البردوني في صندوقه الخشبي وتوفي ومفتاح الصندوق في حوزته لكن يداً خفية صادرت محتويات الصندوق ولم تفرج عنها حتى اليوم.
من تلك الأعمال التي ذُكرت عناوينها في مناسبات مختلفة استخلص القاضي عدة عناوين، منها ثلاثة دواوين شعرية هي: "رحلة ابن من شاب قرناها"، و"العشق على مرافئ القمر"، وقد تم نشر الكثير من قصائد الديوانين في الملاحق الأدبية- ملحق "الثورة الثقافي" وملحق "اليمن اليوم"- وديوان "أحذية السلاطين" الذي يقال إنّ البردوني "رهنه لطبيب أو رجل أعمال سوري من أجل دفع تكاليف علاج زوجته" لكن المصدر لم يذكر أية معلومات مفيدة عن مصير الديوان.

اقرأ أيضاً: بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران
يضاف إلى أعماله رواية "العم ميمون"، التي قال البردوني عنها في مقابلة في صحيفة الثقافية- العدد السابع، 2 أيلول (سبتمر) 1998- إنها "مُراجعة وجيدة وستخرج للناس عندما تجد مخرجاً؛ لأنها تحتاج إلى فلوس أكثر مما ينبغي"، وثمة كتاب في الفكر السياسي "الجمهورية اليمنية"، وهو امتداد لكتابه المنشور "اليمن الجمهوري"، وكتاب في النقد الأدبي "الجديد والمتجدد في الأدب اليمني"، وهو كتاب يقع في حوالي ألفي صفحة، ويضم دراسات نقدية لنصوص الحداثة الشعرية في اليمن، وكتاب في التراجم "أحياء في القبور" يتناول أعلام الأدب والفكر في اليمن، إضافة إلى كتاب "المستطرف الحديث" وهو عبارة عن مجموعة مقالات نشرت في صحيفة "الوحدة" ويعالج فيها قضايا الواقع من منظور ثقافي، وكتاب عن سيرة البردوني الذاتية.

اقرأ أيضاً: قاسم حداد شاعر أقام ورشة للأمل فضاؤها الشعر
يذكر الدكتور عبدالعزيز المقالح أنّ رحلة البردوني الشعرية انتقلت من الكلاسيكية إلى السوريالية واستقر حيناً عند الرومانتيكية، ثم عاد إلى الكلاسيكية الجديدة، "ورغم تمسكه بالقصيدة العمودية والإيقاع الكلاسيكي، فإنّ صوره وتعابيره الشعرية حديثة كما أنّه جدد في محتويات قصائده وفي بنائها "القائم على تحطيم العلاقات اللغوية التقلدية، وابتكار جمل وصيغ شعرية نامية"، كما تميَّز شعر البردوني بالقصص الشعري والحوار والدراما، بخاصة في دواوينه الأخيرة.

مُعارض من أول قصيدة
خاض البردوني خلال مسيرته الطويلة معارك عديدة، فتعرض للاعتقال والمؤامرات والتجاهل المتعمد؛ بدأ اختلافه مع السلطة وهو صبي صغير عندما هجا أحد الأعيان الأثرياء. يسرد الأستاذ خالد الرويشان مقتطفاً عن هذه الحادثة فيقول: أثناء قيام البردوني بالوضوء في الجامع فاجأه أحدهم بالضرب، كان الضرب مؤلماً وقاسياً، والأقسى والأكثر إيلاماً أنّ الفتى لم يكن يعرف من أي اتجاه تأتيه اللطمات، كان من يضربه من أعيان المدينة وأثريائها، وكان الفتى قد هجاه ببضعة أبيات قبل أيام، ولعل الرجل أحس بالندم بعد أن أشبعه ضرباً فأعطاه خمسة ريالات فضية أنسته آلامه وظل لسنوات طويلة يتذكر كنزه الصغير الذي جعله يقضي بحبوحة العيش لأسابيع.

نبت البردوني في بيئة قاسية وفي ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية صعبة

أما مصادماته مع حكم الأئمة فبدأت العام 1949 بعد اغتيال الإمام يحيى بن حميد الدين،  لكن نجله الإمام أحمد نجح في وأد الثورة بدهائه، ونكـَّـل برموزها وسجن البردوني بسبب شعره اللاذع تسعة أشهر. ثم تصادم مع نظام الأئمة في العام 1953 وقضى في السجن 11 شهراً. وفي ذكرى انتصار الإمام أحمد على أول انتفاضة ثورية شعبية، "كان سفاح اليمن يقيم الزينات ويحشد الشعب إلى ساحات المدن ليسمعوا كيف يمدح الشعراء الجلاد"، لكن شاعراً واحداً خرج على هذه القاعدة وصدح بقصيدته:
عيد الجلوس أعِرْ بلادك مسمعاً.. تسألك أين هناؤها هل يوجدُ؟
تمضي وتأتي والبلادُ وأهلها.. في ناظريك كما عهدت وتعهدُ
يا عيدُ حدِّث شعبك الظامي متى.. يروى وهل يروى وأين الموردُ؟
فيمَ السكوتُ ونصفُ شعبك هاهُنا.. يشقى، ونصفٌ في الشعوبِ مشردُ؟

البردوني الذي عارض جبروت الأئمة هو نفسه الذي سيقف معارضاً للحكم الفردي الذي يمثله علي عبدالله صالح، فكانت له آراء مختلفة حول الوحدة، التي رأى فيها شكلاً من أشكال الاستقواء والضم والإلحاق: "كل وحدة مهيأة للانفصال ووحدتنا منفصلة؛ لأنها قامت على الإلغاء"، "لا توجد تعددية حزبية، وإن وجدت أحزاب فإنها بلا قوة سياسية"، "لا يستطيع أحد القول إنّ حرب 94 انتهت مادامت آثارها قائمة".

ترك أكثر من أربعمئة قصيدة واثني عشر ديواناً مطبوعاً فضلاً عما ضاع ولم يُنشر

كما كان له رأيه في الثورات المجهضة التي تتخلص من "مستعمرٍ غازٍ إلى مستعمر وطني".. هي آراء تتسم بعمق التجربة وبعد النظر وتضع في الاعتبار مصلحة الناس لا التزلف للحاكم، وهو ما جعل البردوني من المغضوب عليهم طوال فترة حكم علي عبدالله صالح.
كان بإمكان البردوني أن يصبح ثرياً لو أنّه تقرب من السلطة، لكنه فضل الزهد عن كل الماديات، وهو ما تشهد نماذج عديدة في سيرته، منها أنّه أصرّ على صرف المبلغ الذي حصل عليه من جائزة العويس من أجل نشر كتبه وتوفيرها بأرخص ثمن لمحبي شعره وأدبه.

البردوني الرائي
يُستدعى البردوني كلما ألمَّت باليمن فاجعة؛ فكثير من قصائده تحمل معاني ودلالات تجعلها صالحة لكل زمان ومكان، خاصة وأنّ اليمن تجتر تاريخها ومع كل تكرار للفواجع يجد اليمنيون في قصائد رائي اليمن عزاءهم وسلواهم فيظلون يرددونها كمعجزات يعتقدون أنّها سبقت الحدث وتنبأت بالمستقبل. من أكثر تلك القصائد استدعاءً قصيدة "يا مصطفى" التي استدعاها اليمنيون مع اشتداد الحرب الحالية وقصف الحوثيين للأحياء السكنية في الحرب الجارية منذ 2015، نُشرت القصيدة العام 1986 لكنها تجد مكانها في وسائل التواصل الاجتماعي لتدل على الحاضر:
فليقصفوا لستَ مقصف.. وليعنفوا أنت أعنفْ
وليحشدوا، أنت تدري.. إن المخيفين أخوفْ
يا مصطفى يا كتاباً.. من كل قلبٍ تألفْ
ويا زماناً سيأتي.. يمحو الزمان المزيفْ.

يقال إنّه رهن ديوان "أحذية السلاطين" لدفع تكاليف علاج زوجته ولم يُعرف مصيره

وثمة قصائد أخرى للبردوني يمكن قراءتها من هذا المنظور الرائي، منها هذا المقطع من قصيدة "تقرير إلى عام 71" وفيها تقرير شعريّ عن ثورة 26 أيلول (سبتمبر) 1962 وما تلاها من تداعيات، لكن مضمونها ينطبق على ثورة شباط (فبراير) 2011 إلى درجة تدعو للدهشة:
والأُباة الذين بالأمس ثاروا.. أيقظوا حولنا الذئاب وناموا
حين قلنا قاموا بثورة شعبٍ.. قعدوا قبل أن يروا كيف قاموا
ربما أحسنوا البدايات لكن.. هل يحسون كيف ساء الختامُ؟

وهناك من كتب أنّ البردوني بشَّر بثورة تشبه ثورات عبهلة العنسي؛ إذ يرى أنّ اليمن ولَّادة بالأبطال:
من ستسقي "أزاد" لم يبقَ إلا كوبها تحتسيه حتى الصبابة
هجعة الأرض برعمات التنادي آخر الموت، أول الاستجابة
ههنا تصبح الرفات بذورا أمطري أي بقعة، يا سحابة

خاض خلال مسيرته الطويلة معارك عديدة وتعرض للاعتقال والمؤامرات والتجاهل المتعمد

صنعاء اليوم تحت حكم الحوثيين تشبه تلك التي كتب عنها في العام 1971 قصيدته "أبو تمام وعروبة اليوم" لكنه في القصيدة ذاتها يبشر بيمن أجمل:
ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي؟ مليحة عاشقاها: السل والجرب
ماتت بصندوق "وضاح" بلا ثمن ولم يمت في حشاها العشق والطرب
كانت تراقب صبح البعث فانبعثت في الحلم ثم ارتمت تغفو وترتقب
لكنها رغم بخل الغيث ما برحت حبلى وفي بطنها قحطان أو كَرِب

نصف يوم من صبا البردوني
يحكي خالد الرويشان قصة لها دلالة عميقة عن صبا البردوني؛ يقول: ذات يوم قدِم البردوني من قريته إلى المدينة ليتعلم في مدرستها، وبعد عصر يوم مكفهر بالغربة والوحشة شعر البردوني بالحاجة إلى ما يسد به رمقه، وهو في حيرته البائسة لم يجد إلا ثلة من صبية رفعوا عقيرتهم بالسخرية منه ولاحقوه بالشتائم والحجارة، ولم يحمه من أذيتهم إلا قبة سبيل مهجورة عند أطراف المدينة دخلها متعثراً دامي الروح والوجه والكف. وعندما حاصره الصبية ممعنين في أذيتهم خطر له أن يخيفهم فبدأ بإطلاق أصوات مرعبة تنطق بأسماء العفاريت.

ويتابع الرويشان: ويمر الوقت بطيئاً على الفتى المختبئ داخل القبة وما أن تأكد من ذهاب الصبية تحسس بكفيه المرتعشتين طريقه وخرج في هجير تلك الساعة واتجه صوب بستان في نهاية الشارع الترابي. ارتطم بالسور الطيني فتحسس السور بكفيه واعتمد عليهما ليجلس على حافته متهيئاً للقفز إلى الداخل. همَّ بالقفز لكنه تذكر أنه لا يعرف قدر ارتفاع السور من الداخل، فربما أن هاوية ستبتلعه وحتى لو سلمت حياته قد يكسر إحدى قدميه، ثم ما أدراه إن كانت هناك صخرة ما تقف بالمرصاد أسفل السور؟! تحسس بكفيه السور باحثاً عن حصيات صغيرة بدأ يقذفها تحته وهو يصغي إلى وقعها محاولاً تقدير المسافة. قدَّر الفتى أن ارتفاع السور الطيني من الداخل أعلى قليلاً من ارتفاعه من الخارج، وقفز أخيراً فارتطم جسده قريباً من البصل والفجل. بدأ يملأ جيوبه بعد أن ملأ معدته، لكن يداً ضخمة عاجلته فجأة بضربة في رأسه، وأخرى على كتفه مع سيل من الشتائم. أمسك صاحب البستان بتلابيب الفتى وجرجره صوب مكان مظلم خاص بالبهائم وهو مستسلم وصامت. ومع اقتراب أذان المغرب فُتحت الزريبة وقُذف به في الشارع. هبّ ماشياً متعثر الخطى مرتطماً بالمارة وهم في طريقهم إلى المسجد، تفضل أحدهم وقاده إلى المسجد، وبينما هو يتوضأ فاجأه أحد أعيان المدينة الأثرياء بالضرب على النحو الذي تقدَّم.
كان ذلك مجرد نصف يوم من صبا البردوني ولم تكن سنواته في العاصمة أفضل حالاً، لكن رغم معاناته الطويلة وعذاباته لم يفقد البردوني وفاءه وحبه لأبناء شعبه ولم تتحول معاناته إلى عقدة ورغبة في الانتقام، بل ظل يشعر بآلام الناس ويُسخِّر شعره وكتاباته من أجلهم.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية