هل نجح الإخوان في نفي صلتهم بالعنف والاغتيالات؟.. حادثة المنشية أنموذجاً

11658
عدد القراءات

2018-04-15

تحقيقات

"الثورة أقوى من كل ما يظنون، إنّها ستسحقهم جميعاً"

"المُثُل التي تعرضها قيادة الثورة في هذه الأيام مُثُل نادرة في تاريخ البشرية كلّها، مُثُل لم تقع إلا في مطالع النبوءات" (سيد قطب/ مجلة روز اليوسف عدد 26 آب 1952)

تبقى محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر، من أصعب "الأحداث" التي طبعت التاريخ المصري عموماً، وتاريخ جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، لاعتبارات بحثية وأكاديمية وأخرى مرتبطة بالبنية السلوكية للتنظيم الإخواني، الذي "تطرّف" في رفض إلصاق هذه الجريمة بالجماعة؛ بل ووصل الأمر بالعديد من القيادات إلى اعتبارها من "المسرحيات" التي أحكم إخراجها عبدالناصر من أجل توجيه ضربة قاصمة للإخوان، خصوصاً في أجواء التصعيد بين الطرفين التي ميزت مرحلة ما بعد نجاح "ثورة" الضباط الأحرار ليلة 23 تموز (يوليو) 1952.

العلاقة بين الإخوان والضباط الأحرار

عرفت مرحلة ما قبل 23 تموز (يوليو) 1952، جواً من التوافق بين الإخوان المسلمين والتنظيم "العسكري" للضباط الأحرار، الذين كان العديد منهم قد مر على جماعة الإخوان إما بالانتساب أو التعاون أو التعاطف، لتعلن الجماعة مباركتها لنجاح الانقلاب الذي قاده الضباط الأحرار وأطلقوا عليها اسم "الحركة المباركة"، اعتقاداً منهم أنّ مقاليد الحكم ستؤول إليهم بشكل تلقائي لعدة اعتبارات ترتكز أساساً حول اعتبار جمال عبد الناصر عنصراً من الإخوان المسلمين، بادعاء أنّه أقسم على المصحف والمسدس وبالتالي فمسألة تسليم الإخوان زمام السلطة كانت بالنسبة لهم مسألة وقت ليس إلّا.

في هذا السياق، يروي حسين محمد أحمد حمودة في كتابه "أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين" الروايات الكلاسيكية حول مشاركة الإخوان في "الثورة"، حسب زعمهم، بالقول "ذهبتُ للقيادة العامة وقابلتُ جمال عبدالناصر وأخبرته بما دار بيني وبين اللواء أحمد طلعت حكمدار بوليس العاصمة، فقال جمال عبد الناصر: اطمئن جداً من ناحية الإخوان المسلمين فأنا (أي جمال عبد الناصر) متصل بحسن الهضيبي وأخذت موافقته قبل قيام الثورة، وأنا متفاهم مع الإخوان المسلمين على كل شيء"[1]. وقد حاول المؤلف جاهداً طيلة صفحات كتابه أن يؤكد على نقطة واحدة ووحيدة متعلقة بمشاركة الإخوان في الانقلاب على الملك فاروق؛ بل ويذهب إلى أبعد من ذلك في التأكيد على أنّه لولا الإخوان لما نجح الانقلاب الذي قاده جمال عبد الناصر.

تنسيق عبد الناصر مع الإخوان كان تكتيكاً مرحليّاً في إطار تعدد الحلفاء لإنجاح الانقلاب على الملك فاروق

من جهته يصف أحمد عادل كمال الجو العام لما بعد الثورة في كتابه "النقط فوق الحروف"، فيقول: "لقد أنشأت حكومة الثورة محكمة الثورة لمحاكمة رجال العهد البائد على إفساد الحكم في مصر، وكان من أوائل من قدم لهذه المحاكمة ابراهيم عبدالهادي العدو اللدود للإخوان، وقابل ذلك الإخوان بترحاب، وألغت الثورة الدستور القائم وتجاوب الإخوان، وحلّت الثورة الأحزاب ولم يعترض الإخوان"[2].

غير أنّ ما لم يكن يعلمه الإخوان أنّ جمال عبد الناصر كان له تخطيط آخر وتكتيك مخالف لما اعتقده الجميع؛ حيث إنّ تنسيقه مع الإخوان كان تكتيكاً مرحليّاً في إطار إستراتيجية متعددة الحلفاء من أجل إنجاح الانقلاب على الملك فاروق، وذلك ما جعله ينفتح على مجموعة من التيارات السياسية والتنظيمات السرية.

عد نجاح الانقلاب طالب "الإخوان المسلمون" جمال عبدالناصر بضرورة تسليمهم السلطة على اعتبار التنظيم عضواً في الحركة

إنّ استماتة الإخوان في التأكيد على مشاركتهم في "ثورة" 23 تموز (يوليو) 1952، تدحضها الوقائع والأحداث وتفندها المعطيات، وذلك للاعتبارات التالية:

أولاً: التحالف القوي والإستراتيجي للجماعة مع الملك فاروق جسده الاجتماع الشهير العام 1951 بين هذا الأخير وبين المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي، وحينها وصف هذا الأخير زيارته للملك فاروق بأنّها "زيارة كريمة لملك كريم".

ثانياً: عدم ثقة الإخوان بنجاح المشروع العسكري لجمال عبدالناصر؛ مما جعل المرشد العام للجماعة يبتعد بنفسه عن مجريات الأمور و"يعتكف" بالإسكندرية طيلة الثلاثة أيام التي أعقبت الانقلاب، ولم يعد إلى القاهرة إلا بعد تأكده من أنّ الأمور حُسمت لصالح الضباط الأحرار.

ثالثاً: تبنيهم، كالعادة، للمنطق الإستراتيجي لـ"المنطقة الرمادية"، حين عبروا عن ولائهم المطلق للمؤسسة الملكية، مع إرسال إشارات قوية للضباط الأحرار بمباركة أي انقلاب مرتقب ووعدوهم بالتحالف معهم في حالة نجاح الانقلاب.

على هذا المستوى من التحليل، يمكن القول إنّ مظاهر التعامل البراغماتي لجماعة "الإخوان المسلمين" مع حركة الضباط الأحرار، عبّرت عن خبث سياسي متأصل، إلا أنّه لم يصل إلى مستوى الفهم السيكولوجي للعقلية العسكرية؛ حيث حاولت الجماعة الاستيلاء على السلطة عبر اعتماد مجموعة من التكتيكات المرحلية يمكن بسطها كما يلي:

لجأ قطب للتنظير والتجييش لحل جميع الأحزاب السياسية عبر مقالاته الحماسية التي نشرها في مرحلة ما بعد الثورة

التكتيك الأول: مباشرة بعد نجاح الانقلاب طالب "الإخوان المسلمون" جمال عبدالناصر بضرورة تسليمهم السلطة على اعتبار التنظيم عضواً في الحركة، وتلزمه الطاعة للمرشد العام للجماعة، ويكفيه فخراً ما قام به للوطن وللدعوة وللإسلام.

التكتيك الثاني: بعدما يئس الإخوان من إمكانية تنازل عبدالناصر عن السلطة لمصلحتهم، لجؤوا إلى تكتيك أكثر خبثاً ودهاء، فدفعوا، من جهة بضرورة حل جميع التنظيمات الحزبية على اعتبار أنّها تنتمي إلى العهد البائد والنظام السياسي الفاسد الذي كان الملك فاروق رمزاً له، ومن جهة أخرى حاولوا اختراق مجلس قيادة الثورة وإحداث شرخ على مستوى القيادة من خلال دعم الرئيس محمد نجيب وتأييده ومهاجمة جمال عبد الناصر وانتقاد سياسته.

وهنا يتدخل مرة أخرى سيد قطب ليقوم بالتنظير والتجييش لحل جميع الأحزاب السياسية عبر مقالاته الحماسية التي نشرها في مرحلة ما بعد الثورة. وهنا يشار إلى المقال الذي نشره قطب في مجلة روز اليوسف –عدد 29 أيلول (سبتمبر) 1952- الذي يقول فيه "لم يخب ظني في هذه الأحزاب القديمة التي قامت في ظل ثورة سنة 1919. كنت أُدرك أنّها أحزاب انتهت، تجمدت، فقدت القدرة على الحركة والتماشي مع التطورات الجديدة، فلم تعد صالحة للبقاء ولا قابلة للبقاء".

ولعلّ مجلس قيادة الثورة كان يُمَنِّي النفس بحل الأحزاب السياسية، فوجد في كتابات سيد قطب، المستند الفكري والمسوغ الشرعي، وبالفعل أصدر محمد نجيب القائد العام ورئيس الوزراء قراره بحل الأحزاب السياسية بتاريخ  16 كانون الثاني (يناير) 1953.

قام الإخوان المسلمون، في الجزء الثاني من الخطة،  بدعم الرئيس محمد نجيب والرفع من شعبيته ومحاولة السيطرة عليه في مواجهة جمال عبدالناصر، وهذه الخطوة التصعيدية من طرف الإخوان كانت بمثابة النهاية العملية لعلاقة جمال عبدالناصر بالإخوان.

قام الإخوان بدعم الرئيس محمد نجيب والرفع من شعبيته ومحاولة السيطرة عليه في مواجهة عبدالناصر

في هذا الصدد، وبعد قيام محمد نجيب بتقديم استقالته من رئاسة الجمهورية ومجلس قيادة الثورة في 25 شباط (فبراير) 1954، خرجت مظاهرات حاشدة من تنظيم وتأطير الإخوان المسلمين تنادي بضرورة عودته إلى السلطة، واستمرت المظاهرات حتى يوم 28 من الشهر نفسه، حين رضخ جمال عبدالناصر لمطالب الجماهير ووافق على عودة نجيب لمباشرة مهامه كرئيس للجمهورية، فقام حينها القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، عبدالقادر عودة، بالصعود برفقة محمد نجيب، إلى شرفة قصر عابدين وقام بتهدئة الجماهير من خلال خطبة نارية معلناً من خلالها عودة الرئيس إلى الحكم.

إنّ العودة إلى محاضر جلسات مجلس الشعب التي خصصت لمحاكمة المتورطين في محاولة اغتيال جمال عبدالناصر فيما عرف إعلامياً بـ "حادثة المنشية"، تعطي صورة واضحة حول المخطط الانقلابي الذي حاولت أن تتبنّاه جماعة الإخوان من خلال تطابق جميع الشهادات الإخوانية من قيادات الصف الأول حول ضرورة تصفية جمال عبدالناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة، بتزامن مع تحرك الإخوان على الأرض لدعم الانقلاب وإصدار محمد نجيب بياناً رئاسياً يهدئ من خلاله من الاحتقان الشعبي في أفق تحييد هذا الأخير وتنصيب حكومة إخوانية خالصة.

في ظلّ هذا الصراع المعلن بين جماعة الإخوان المسلمين وجمال عبدالناصر، كان النظام الخاص للجماعة، الذي يرأسه آنذاك يوسف طلعت، يدبّر طريقة للتخلص من جمال عبدالناصر. وهنا قام الجهاز السري بتكليف القيادي الإخواني البارز، هنداوي دوير، من أجل نسج خطة محكمة لاغتيال عبد الناصر؛ وبالفعل قام دوير بتجنيد شخص يدعى محمود عبد اللطيف، أحد أبطال الرماية، من أجل اغتيال جمال عبدالناصر خلال إلقائه لإحدى خطبه بميدان منشية البكري بالإسكندرية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1954.

وقائع الحادثة

بينما كان جمال عبدالناصر بتاريخ 19 تشرين الأول (أكتوبر) 1954يخطب في حشد كبير من المصريين بميدان المنشية بمناسبة الاحتفال بتوقيع اتفاقية الجلاء التي وقعتها مصر مع بريطانيا، أطلق عليه محمود عبداللطيف 8 رصاصات، غير أنّها أخطأت هدفها لتستقر إحداها في رأس ميرغني حمزة، زعيم الطائفة الختمية بالسودان وأحد ضيوف الحفل ليلقى مصرعه في الحال، كما أصابت رصاصة أخرى كتف أحمد بدر، سكرتير هيئة التحرير في الإسكندرية فأدّت إلى وفاته، فيما باقي الرصاصات استقرت في سقف المبنى الذي كان يخطب فيه عبدالناصر.

حاول عبداللطيف الفرار من مكان الجريمة، غير أنّ المواطنين والبوليس الحربي تمكّنا من إلقاء القبض عليه، بالإضافة إلى خليفة عطوة المتهم السادس في جريمة الاغتيال وأنور عبد الحافظ اللذين كانا في مسرح الحادث.

ولأنّ أوقات الأزمة، غالباً، ما تكون مناسبة لإصدار قرارات إستراتيجية، فقد كان حادث المنشية فرصة لجمال عبد الناصر لقصم ظهر الإخوان من خلال عمليات اعتقال واسعة شملت منفذي العملية والمخططين لها، بالإضافة إلى المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي. ومن بين من شملهم الاعتقال كل من: محمود عبد اللطيف (منفذ العملية)، هنداوي دوير (المخطط الرئيسي)، محمد فرغلي، يوسف طلعت (رئيس التنظيم الخاص)، المستشار عبدالقادر عودة، صالح أبو رقيق، إبراهيم الطيب، عبدالمنعم عبدالرؤوف، منير الدلة، كمال خليفة، سيد قطب، عمر التلمساني، صالح عشماوي، وغيرهم في ضربة أمنية لن ينهض منها الإخوان إلا مع وفاة جمال عبدالناصر العام 1970 وتولي محمد أنور السادات رئاسة الجمهورية.

اعترف محمود عبداللطيف بالاتهامات الموجهة  إليه وبأسماء المتورطين في محاولة الاغتيال، كما اعترف باقي الإخوان باشتراكهم في المحاولة إما فعلياً أو عن طريق إعطاء تعليمات ومعلومات، أو عن طريق تسهيل محاولة الاغتيال، فيما اتّهم آخرون بعدم التبليغ بالمحاولة مع علمهم بتفاصيلها وتاريخ تنفيذها. وبهذا أصدرت محكمة الثورة أحكامها بإعدام ستة أعضاء من التنظيم وهم: محمود عبداللطيف، محمد فرغلي، يوسف طلعت، ابراهيم الطيب، هنداوي دوير، عبدالقادر عودة، بالإضافة إلى المرشد العام حسن الهضيبي الذي خُفّف عنه الحكم إلى المؤبد.

شهادات إخوانية

رغم أنّ "الإخوان المسلمين"، وكعادتهم، ينكرون أيّ تورط لهم في محاولة الاغتيال ويعتبرونها "مسرحية" بطلها جمال عبدالناصر، غير أنّ شهادات موثقة لقيادات إخوانية تؤكد تورط الجهاز الخاص في التدبير لعملية الاغتيال بحادثة المنشية، وستميط اللثام عن حقيقة هذه الجماعة وتكشف بالملموس عن طبيعة هذا التنظيم الدموي العنيف.

شهادة يوسف القرضاوي

يعترف القيادي الإخواني، وعضو التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يوسف القرضاوي، في مذكرات "ابن القرية والكتاب" بمسؤولية "خلية من الإخوان" يتزعمها هنداوي دوير في محاولة الاغتيال، وقد أعاد التأكيد عليها في أحد البرامج التلفزيونية بالقول: "الذي أراه أنّ هذا الأمر مسؤول عنه هنداوي دوير ومجموعته من أربعة أو خمسة أشخاص وهم الذين دبروا هذا الأمر".

 

 

ويواصل القرضاوي شهادته التي تعتبر صك اتهام للتورط المباشر للإخوان في حادثة المنشية؛ بل وتَورُّطِه هو شخصياً في الجريمة عبر علمه بها وعدم التبليغ عنها، أو على الأقل محاولة إيقافها، فيقول "ولم يفكر المحامي الذكي المعجب بنفسه (يقصد هنداوي دوير)، ما العمل إذا أخفق هذا الحل، وفشلت هذه الخطة؟ لم يسمح لنفسه أن يفكر في الوجه المقابل، بل افترض النجاح أبداً"[3]. من هذا المنطلق، يتبين أنّ موقف القرضاوي من محاولة اغتيال عبدالناصر لم يكن مرتبطاً بمدى شرعية عملية الاغتيال أم لا، بقدر ما هو مرتبط بصعوبة نجاح العملية والآثار الخطير التي ستترتب عنها في حالة فشلها.

شهادة أحمد رائف

يُطلق عليه لقب "مؤرخ الإخوان" وقد ألف مجموعة من الكتب أهمهما على الإطلاق كتاب "البوابة السوداء" و"سراديب الشيطان" اللذان حاول رائف من خلالهما التأكيد على أنّ حادث المنشية هي من وحي تدبير عبدالناصر نفسه. غير أنّ المؤرخ الإخواني سيعود بعد سنوات طويلة ليدلي بالحقيقة التاريخية حول الحادث فيما يشبه صحوة ضمير، ويعترف بضلوع الإخوان في حادثة الاغتيال.

في هذا الصدد يقول أحمد رائف للصحفي صلاح الدين حسن في حوار نُشر في جريدة "الدستور" المستقلة: "إنّ أول من نبهني إلى أنّ حادث المنشية ليس مفبركاً هو حسن الهضيبي عندما التقيت به في السجن العام 1965، وحين تتبعت خيوط كل من له علاقة بهذه القصة، وصلت إلى أنّ الإخوان دبروا محاولة القتل، أمّا فكرة أنّها تمثيلية فهذا مما يستهوي الإخوان حتى تظهرهم بمظهر المجني عليهم والمغلوبين على أمرهم".

وهناك شهادة قيادي آخر من الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، بل وممن جاوروا حسن البنا لمدة طويلة وعاصروا جميع حوادث الاغتيال وجميع المحن التي مر منها الإخوان وهو فريد عبد الخالق (توفي يوم 12 نيسان (أبريل) 2013 عن سن يناهز 98 عاماً)، الذي أكّد في شهادته للموقع الإعلامي "العربي" أنّه علم بالتحضير لمحاولة الاغتيال العام 1953 عن طريق تحرك فردي لبعض رجال الإخوان وأنّ هذه التحركات تهدف لاغتيال جمال عبدالناصر.

موقف المرشد من محاولة الاغتيال

هذه النقطة الحساسة ستظلّ من مناطق الظل التي يستميت الإخوان في التعتيم عليها، ورفض أي ربط لمحاولة الاغتيال برغبة صريحة أو ضمنية من المرشد العام للجماعة آنذاك حسن الهضيبي؛ فهل يا ترى يُطمأن للطرح الإخواني ويستكان لهذا الدفاع عن مرشدهم، أم لا بد من محاولة البحث بين تراب المخازن لاكتشاف بعض السراديب السرية المؤدية إلى المخططين الشرعيين، وكذا المباركين لمحاولة الاغتيال؟. هذا التساؤل يجد ما يبرره عند استحضار النقاط التالية:

- العلاقة العدائية بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة، وكذا العداء الشخصي الذي كان يكنّه حسن الهضيبي لجمال عبدالناصر وصلت إلى حد طرد هذا الأخير من منزله بعد الجملة الشهيرة "الزيارة انتهت".

- حجم الولاء الذ كان لدى قيادات التنظيم الخاص تجاه المرشد العام؛ حيث لم يكونوا يتنفسون إلا بأوامر مباشرة من الهضيبي، وبالتالي لا يمكن أن يتم التحضير لهذه المحاولة ويعلم بها كبار الإخوان باستثناء مرشد الجماعة. هذا المعطى تؤكده أقوال وشهادات رئيس التنظيم يوسف طلعت ونائبه إبراهيم الطيب أمام هيئة محكمة الشعب التي أقرّوا من خلالها بأنّ محاولة الاغتيال كانت بعلم ومباركة من المرشد العام للجماعة.

- شهادات إخوانية تقطع بعلم المرشد العام بالتخطيط للجريمة وحتى بيوم تنفيذها، على هذا المستوى، يخبرنا القرضاوي في مذكراته برفض المرشد العام حسن الهضيبي لأيّ عمل عنيف تجاه النظام، مما يؤكد أنّ المرشد كان على علم بمخطط عنيف ضد عبدالناصر، وسيعرف بعدها أن جميع الترتيبات كانت بمباركته شخصياً.

 

 

يقول القرضاوي: "أجاب الهضيبي إنّ مكتب الإرشاد يرغب في أن يبقى مختفياً، كما أخبره (يقصد أخبر يوسف طلعت رئيس التنظيم الخاص للجماعة) أنّه أحس بالقلق في الأيام القليلة الماضية من خشية احتمال وقوع عنف واغتيال، وأضاف: إذا أردتم القيام بمظاهرة تؤيدها جميع طبقات الشعب، فذلك هو الصواب، ومع ذلك فيجب أن تقتصر المظاهرة على المطالبة بحرية الصحافة، وبمجلس نيابي، وبعرض اتفاقية الجلاء على الشعب، كما يجب أن تكون مظاهرة شعبية، وأكد: أنّه يرفض قبول أي "عمل إجرامي"، مشدّداً على أنّه يعتبر نفسه بريئاً من دم أي شخص كان"[4]. هذه الشهادة، ورغم أنّ صاحبها حاول أن ينكر أي علم للمرشد بمحاولة الاغتيال، إلا أنّها دليل ضد صاحب الشهادة وتؤكد أنّ الهضيبي كان على علم بمخطط إجرامي ضد عبدالناصر.

شهادة عبدالمنعم عبدالرؤوف المرجع العسكري للتنظيم الخاص

شهادة أخرى يمكن اعتبارها، صك اتهام يورط الهضيبي في التدبير لمحاولة الاغتيال؛ الشهادة يرويها الفريق طيار والقيادي الإخواني عبدالمنعم عبدالرؤوف في كتابه "أرغمت فاروق على التنازل على العرش"، ويؤكد من خلالها، دون أن يشعر، "رغبة" المرشد القيام بعمل انتقامي ضد عبد الناصر.

يقول عبدالمنعم عبدالرؤوف: "سألت فضيلته: هل يحق للحكومة من الناحية القانونية قطع معاشي عن أولاد؟ فأجاب: لا أعرف. (لاحظوا مستشار سابق في محكمة النقض لا يعلم مدى قانونية هذا الإجراء). قلت: وما خطتكم التي وضعتموها إذا لم تعد الحياة النيابية وحُشرتم زمراً في السجون؟ قال: عندك يوسف طلعت وإبراهيم الطيب اسألهما. (لاحظوا أنّهما المسؤولان الرئيسيان عن التنظيم الخاص لجماعة الإخوان). قلت، إنني أريد سماعها من الشخص المسؤول عن الدعوة، وهل أعددتم الإخوان لمجابهة الموقف من كافة النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية؟ فهبّ (يقصد المرشد) واقفاً دون إجابة، واندفع نحو باب الغرفة يفتحه"[5].

يُستدل، من خلال هذه الشهادة، على أنّ الهضيبي، عندما سأله عبدالمنعم عبدالرؤوف عن الإجراءات التي تعتزم الجماعة اتخاذها ضد النظام في حالة اندلاع المواجهة بين الطرفين، أحاله على الجهاز السري للجماعة الذي يبقى من مهامه تدبير العمليات العسكرية والاغتيالات السياسية والتصفيات الجسدية التي لا تريد الجماعة التورط فيها علناً لكنها تبقى المنظرة والمباركة لها سراً.

شهادة خليفة عطوة: المتهم رقم 3 في القضية

شهادة أخرى لا تقل خطورة، لكنها أكثر وضوحاً وتتهم الهضيبي مباشرة بالضلوع في التخطيط لمحاولة اغتيال عبد الناصر، يرويها خليفة عطوة، أحد المشاركين في محاولة الاغتيال والمتهم رقم (3) حسب محاضر محكمة الشعب؛ حيث يقول في لقاء صحفي على قناة المحور بالنص: "كلهم (يقصد أعضاء مكتب الإرشاد) كانوا على علم بالتدبير لمحاولة الاغتيال...وأنا أسأل: لماذا ظل الهضيبي مختفياً في فيلا بـ "بلوكلي" ثلاثة أيام تحت اسم  "الدكتور حسن صبري"...كان ينتظر ساعة اغتيال جمال عبد الناصر".

 

 

نفس الشاهد يروي في الكتاب الذي سطّره محمد أمين، وهو عبارة عن حوار مع خليفة عطوة، بالقول "بدأ الهضيبي تنفيذ مخطط للإطاحة بعبد الناصر، فبدأ يجري اتصالات مع السفارة الإنجليزية للتحريض ضد عبدالناصر ويطالبهم بتأجيل توقيع الاتفاقية –الجلاء- لحين الإطاحة بناصر مع وعد باستمرار وجود الإنجليز في مصر في حال صعود الإخوان لمنصة الحكم وعودة الملك... كما قام الهضيبي بعقد عدة جلسات مع اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت لتحذيره من نجومية ناصر وطموحه السياسي، وأنّه يخطط للقضاء عليه، والاستيلاء على كرسي رئاسة مصر، وهو ما استجاب له نجيب وأعطاهم الضوء الأخضر للتخلص من ناصر"[6].

ويضيف عطوة في نفس الكتاب "وهنا صدر قرار مكتب الإرشاد بضرورة اغتيال عبدالناصر وتم تكليف مجموعة من الجناح السري العسكري بالذهاب إلى الإسكندرية في مساء يوم الأربعاء الساعة الثامنة إلا خمس دقائق، أثناء خطاب احتفالية توقيع اتفاقية الجلاء في 26 أكتوبر سنة 1954، وتخفى الهضيبي في الاسكندرية في فيلا بـ "بلوكلي" تحت اسم د. حسن صبري لحين تنفيذ العملية"[7].

من خلال ما تقدم سرده، يتبين أنّ الإخوان تورطوا في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر؛ بل وأمكن تتبع كيف أنّ أعضاء مكتب الإرشاد والمرشد العام للجماعة كانوا على علم بالتحضير والتنفيذ لهذه الجريمة، غير أنّ التنظيم ظلّ، كعادته، يتبنّى منطق "المنطقة الرمادية" تفادياً لأية مواجهة مباشرة مع نظام عبدالناصر يمكن أن تقصم ظهر الجماعة وتقضي على وجودها السياسي والجماهيري آنذاك، وذاك ما كان.

*خبير في شؤون جماعة الإخوان المسلمين

____

الهوامش:

[1]- حسين محمد أحمد حمودة. أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين. ص 84

[2]- أحمد عادل كمال. النقط فوق الحروف. ص 238

[3]- مذكرات يوسف القرضاوي: ابن القرية والكتاب. ج 2 ص 54

[4]- يوسف القرضاوي: ابن القرية والكتاب. ج 2 ص 53

[5]- عبدالمنعم عبد الرؤوف: "أرغمت فاروق على التنازل على العرش". ص 126

[6]- محمد أمين: الإخوان المجرمون". كتاب يرصد شهادة المدعو خليفة عطوة، المتهم رقم 3 في حادث المنشية. ص 18

[7]- المرجع السابق. ص 19

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟

2019-11-18

ليس واضحاً تماماً إلى أي حدّ تركتْ الاحتجاجات الشعبية في العراق مفاعيلها على الجارة إيران، والأرجح أنّه يصعب على أي مراقب في هذه المنطقة المأزومة أن يغفل تأثير "العدوى" في فضاء جيوسياسي، تكاد تتشابه أزماته وعلله: الفساد والسلطوية وسوء الحوكمة وضعف التنمية، وخلاصته: تراجع الأوضاع المعيشية وانكماش الأفق والخيارات أمام المواطن العادي.

طهران ستعمل جاهدة كي لا تكون الاحتجاجات الحالية نسخة من تلك التي اجتاحت البلاد في الأعوام 2009، و2017 و2018

لكن ما هو واضح أنّ إيران تعاني اقتصادياً، وإلا لما رفعت أسعار البنزين في هذا الوقت الحرِج. وما هو واضح أيضاً أنّ طهران ستعمل جاهدة كي لا تكون الاحتجاجات المطلبية الحالية في العديد من المدن الإيرانية نسخة من الاحتجاجات التي اجتاحت الجمهورية الإسلامية في الأعوام 2009، و2017 و2018. ولعلّ وصف الزعيم الأعلى في إيران، السيد علي خامنئي، المحتجين في المدن الإيرانية على رفع أسعار البنزين بـ "مثيري الشغب" و"الأشرار" و"المخربين"، ولومه "أعداء إيران الأجانب"، هو ضوء أخضر لقوى الأمن بقمع الاحتجاجات، واستخدام القبضة الأمنية لوأدها من جهة، وهو تأكيد، من جهة أخرى، لدعمه رفع أسعار الوقود، وعدم التراجع عن ذلك.
وبالفعل، حذرت وزارتا الأمن والداخلية في إيران، أمس، من أنّ قوات الأمن ستتصدى بحزم "من الآن فصاعداً" للمتظاهرين الذين يتجمعون في الشوارع؛ احتجاجاً على القرار المفاجئ للحكومة برفع أسعار البنزين وتقنين توزيعه.
وقد خرج عشرات آلاف الإيرانيين في مختلف المدن للتنديد بارتفاع أسعار البنزين، ووقعت مواجهات بينهم وبين قوات الأمن في عدد من المواقع، فيما تحدثت وسائل إعلام محلية عن اعتقال أكثر من ألفي شخص. ولا تتوافر أرقام موثوقة من مصادر مستقلة.

اقرأ أيضاً: هل تهدّئ مبررات روحاني غضب الشعب الإيراني؟
وقالت وزارة الأمن الإيرانية، في بيان لها، إنّها "في ضوء توجيهات قائد الثورة الإسلامية... تعتبر من مسؤوليتها التصدي للأشرار، وستتصدى بحزم لأي عناصر مخلة بالأمن والنظام واستقرار وراحة الشعب الإيراني"، وفقاً لما جاء في البيان.
من الواضح أنّ إيران تعاني اقتصادياً وإلا لما رفعت أسعار البنزين في هذا الوقت الحرِج

"انتفاضة العراق"
لقد انتفض الشعبان؛ العراقي واللبناني، فاعتبرت طهران-كما يقول الكاتب مصطفى فحص في مقال نشرته قناة "الحرة"- أنّ "النيران وصلت حدائقها الخلفية؛ وأنّ هذا الأمر سيؤثر في موقع واقعها الجيوسياسي، ضمن ما باتت تُسميه بفضائها الإستراتيجي الممتد من طهران إلى جنوب لبنان براً، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب بحراً، والذي غلّفته بغطاء جيو-عقائدي برر لها مشروع نفوذها الجيواستراتيجي خارج حدودها الوطنية؛ باعتباره جزءاً من عقيدة النظام الثورية".
وانتشر على نطاق واسع في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" بإيران هاشتاغ  #قیام_عراق" ويعني باللغة الفارسية "انتفاضة العراق".
وفي ملامسته لهذه الجوانب، قال حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، السبت، إنّ "إيران ليست العراق ولا لبنان، والسفارة الأمريكية مغلقة منذ سنوات"، حسبما أفادت وكالة "إرنا" الإيرانية للأنباء. وتابع آشنا، عبر حسابه بموقع "تويتر": "المتربصون بإيران ارتكبوا أخطاء إستراتيجية، ونحن الإيرانيين لن نسمح لوسائل الإعلام العميلة بأن تقرر لنا المصير"، على حدّ قوله.

اقرأ أيضاً: ماذا بقي لإيران في العراق؟
في هذه الظروف السياسية تأتي الاحتجاجات الإيرانية الحالية، أما الظروف الاقتصادية فتقول إنّ الاقتصاد الإيراني تضرر منذ أيار (مايو) 2018 بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الموقع مع طهران في تموز (يوليو) 2015، وفرض عقوبات شديدة عليها. وعلى إثر ذلك، انخفضت قيمة الريال الإيراني بشدة، وبلغ معدل التضخم أكثر من 40 في المئة، فيما نسبة البطالة 15 في المئة، ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة تسعة في المئة في 2019 ويعقبه ركود في 2020.
 المتظاهرون الإيرانيون رددوا شعارات مناهضة للحكومة

ضغوط قبيل الانتخابات البرلمانية
وتشير وكالة "رويترز" للأنباء إلى أنّ المتظاهرين الإيرانيين رددوا شعارات مناهضة للحكومة في أنحاء مختلفة من البلاد، مع تحول بعض الاحتجاجات إلى العنف، وذلك عقب زيادة الحكومة سعر البنزين العادي إلى 15 ألف ريال (0.13 دولار) للتر من عشرة آلاف ريال وتحديد حصص لصرفه. وستبلغ تكلفة المشتريات الإضافية 30 ألف ريال للتر.

حذرت وزارتا الأمن والداخلية في إيران من أنّ قوات الأمن ستتصدى بحزم من الآن فصاعداً للمتظاهرين الذين يتجمعون بالشوارع

وذكر تحليل نشرته صحيفة "الإندبندنت" أنّ هذه المظاهرات "تضيف المزيد من الضغوط على النظام الإيراني، الذي يعاني بالفعل تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية. كما أنّ هذه المظاهرات قد تتحول إلى خطر شديد على النظام الإيراني ككل إن استمرت لفترة طويلة، وعلى الرئيس حسن روحاني بشكل خاص؛ وذلك قبيل الانتخابات البرلمانية المنتظرة في شهر شباط (فبراير) المقبل؛ لأنها توضح أثر انخفاض معدل الدخل وارتفاع معدلات البطالة وانهيار قيمة العملة المحلية الريال".
وتلفت "الإندبندنت" إلى أنّه بالرغم من هذه المظاهرات "تبقى إيران وبعد الزيادة الأخيرة من بين الدول التي تقدم الوقود لمواطنيها بأرخص الأسعار عالمياً؛ حيث يبلغ سعر اللتر نحو 15 ألف ريال بما يعادل 35 بنسا"، موضحة أنّه "أمر يتوقعه المواطنون ببساطة لأن البلاد تضم احتياطيات ضخمة من النفط، وتعد رابع أكبر دولة في العالم بهذا الصدد".
في المحصلة، لا شك في أنّ تكرار الاحتجاجات في إيران، وفي غالبها مطلبي، إنما يؤشر إلى خلل هيكلي في النظام والإدارة الحكومية، لكنّ تجارب 2009، و2017 و2018 لا تسعف كثيراً بتوقّع أن تُفضي هذه الاحتجاجات إلى نتيجة مؤثرة؛ في ظل غياب أطراف وازنة من داخل النظام تكون مؤيدة للاحتجاجات أو متفهمة لها، وفي ظل غياب معارضة سياسية في إيران، قد تُمثّل حاملاً سياسياً لمطالب المحتجين الشرعية، وفرزها عن بعض أعمال العنف الملتبسة من بعض المتحتجين.

للمشاركة:

جدل رسمي كويتي حول "صندوق الجيش" وأسباب استقالة الحكومة

2019-11-17

كشف وزير الدفاع الكويتي، الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح، أمس، الأسباب الحقيقية لتقديم الحكومة استقالتها، نافياً ما يثار بشأن خلافات شخصية بينه وبين أعضاء مجلس الوزراء الكويتي، أو أن تكون الرغبة في إعادة ترتيب الفريق الحكومي سبباً في الاستقالة.

اقرأ أيضاً: جيوب إخوانية تتستر خلف العمالة المصرية في الكويت
وقال وزير الدفاع، وهو النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء أيضاً، إنّ سبب استقالة الحكومة هو "تجنبها تقديم إجابات بشأن ما تم توجيهه من استفسارات لرئيس مجلس الوزراء حول التجاوزات التي تمت في صندوق الجيش والحسابات المرتبطة به". من جانبه، أصدر نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الكويتي، الشيخ خالد الجراح، بياناً صحافياً مُقابلاً، أمس، أكد فيه أنّه على أتم الاستعداد للمثول أمام القضاء الكويتي لكشف الحقيقة. ولفتت صحيفة "القبس" الكويتية إلى أنّ ثمة دعوات نيابية لتحقيقات موسعة في قضية صندوق الجيش.

وزير الدفاع الكويتي الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح

ناصر الصباح: أبلغت النائب العام بالتجاوزات
وفي بيان، له نشرته الصحف اليومية الكويتية أمس، قال الشيخ ناصر صباح الأحمد الصباح إنّه أبلغ النائب العام الكويتي بهذه التجاوزات والمتسببين بها، موضحاً تفاصيل الأزمة منذ بدايتها وحتى استقالة الحكومة، في الرابع عشر من الشهر الجاري.

وزير الدفاع: سبب استقالة الحكومة تجنبها تقديم إجابات حول التجاوزات التي تمت في صندوق الجيش والحسابات المرتبطة به

وأوضح أنّ التجاوزات المالية لصندوق الجيش حدثت خلال الفترة التي سبقت تولّيه حقيبة وزارة الدفاع.
وتتمثل التجاوزات، وفق الشيخ ناصر الصباح "في مخالفات وشبهة جرائم متعلقة بالمال العام، تجاوزت 240 مليون دينار كويتي حتى وقتنا الحالي".
وأضاف أنّ ديوان المحاسبة وجّه العديد من الخطابات الرسمية لوزارة الدفاع التي استقبلت أيضاً استفسارات من بعض النواب، وحاول البعض منهم "التلميح بمساءلتي فيما يتعلق بالعديد من تلك التجاوزات، وكأنّها تمت بموافقتي وقبولي وأثناء فترة تسلمي لحقيبة الوزارة".
وأكد أنّه وجه "مخاطبات عدة منذ شهر حزيران (يونيو) الماضي إلى رئيس مجلس الوزراء ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، لاستيضاح الحقيقة بشكل كامل، وتبرير عمليات التحويل الضخمة التي تمت في شبهة هذه التجاوزات، واتخاذ القرارات الصائبة والواجب العمل بها".

اقرأ أيضاً: النيابة المصرية تكشف نتائج التحقيقات مع خلية الكويت الإخوانية
واستدرك وزير الدفاع الكويتي بالقول إنّه "لم تردنا أية إجابات تزيل الشك وشبهة جرائم المال العام المرتبطة بتلك التجاوزات في صندوق الجيش والحسابات المرتبطة به، والذي يختص بتقديم المساعدات لمنتسبي الجيش الكويتي". وأفاد الشيخ ناصر الصباح بأنّه بناء على ذلك قام "بتقديم خطاب لسمو الرئيس في وقت سابق، عبّرنا من خلاله عن اعتذارنا عن حضور جلسات مجلس الوزراء، لحين تقديم الردود المطلوبة حول ما قدمناه من استفسارات، ولقد جاءنا الرد مؤخراً وتحديداً في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، من دون تقديم أية مبررات واضحة حول ما أثرناه من تساؤلات".
وتابع "إنّ الأمر ازداد تعقيداً عندما جاءنا الرد من سموه بتشكيل لجنة تحقيق خاصة يترأسها لبحث تلك التجاوزات". وأشار ناصر الصباح إلى أنّه لا يقبل "فكرة تشكيل لجنة تحقيق يكون عملها تحت مظلة من تكون أسماؤهم قد وردت في مثل تلك التجاوزات"، على حدّ قوله، مبرراً رفضه الفكرة بأنّه "إجراء يضعنا جميعاً في موضع الشبهات ومخالفة أحكام القانون، والذي هو الحد الفاصل بيننا وبين أية أحكام يتم النظر في مضمونها من قبل الجهات المختصة". وختم وزير الدفاع الكويتي بيانه بالقول "بناءً عليه، وحفاظاً على حرمة المال العام ولإعلاء شأن العدالة وتعزيز مكانتها، فقد اتخذنا قرار تحويل هذه التجاوزات والمعنيين بها للنائب العام".
وزير الداخلية الكويتي الشيخ خالد الجراح

وزير الداخلية الكويتي: مستعِدٌ للمثول أمام القضاء
من جانبه، أصدر نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الكويتي، الشيخ خالد الجراح، بياناً صحافياً، أمس، أكد فيه أنّه على أتم الاستعداد للمثول أمام القضاء الكويتي لكشف الحقيقة. وقال الجراح في بيانه، الذي نشرته الصحف اليومية الكويتية: "قد آلمني ما تم تسريبه وتداوله في ‏وسائل التواصل الاجتماعي؛ من اتهامات فيها المساس لي ولأسرتي وطعن في ذمتي المالية، من دون دليل أو برهان، وهذه ليست من عادات ‏وأطباع أهل الكويت الأوفياء؛ حيث لم نجبل في الكويت على توجيه الأحكام والمواقف من دون برهان".

جريدة "القبس": تتمثل التجاوزات، وفق الشيخ ناصر الصباح بمخالفات وشبهة جرائم متعلقة بالمال العام تجاوزت 240 مليون دينار كويتي

وأضاف الجراح "أنّ صندوق الجيش وحسابات الجيش قد تم إنشاؤها منذ تأسيس الجيش الكويتي، ولها أغراض تختص بالأمن الوطني للبلاد، وقد أشرف عليها وزراء الدفاع المتوالون منذ تأسيسها". واستطرد وزير الداخلية الكويتي قائلاً: "حينما كنت أتولى حقيبة وزارة الدفاع لم أغيّر الأهداف والأغراض التي أنشأ لها الصندوق والحسابات، ولم أخرجها عن النشاط المنشأ من أجله. وأود أن أشكر سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك لقيامه فور علمه باحتمالية وجود شبهات بتوجيه نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع لإجراء التحقيقات اللازمة في الشبهات؛ حماية للمال العام، ولمحاسبة المقصرين إن وجدت، وأنا على أتم الاستعداد للمثول أمام القضاء الكويتي العادل؛ لأثبت براءتي أمام القيادة السياسية، والشعب الكويتي العظيم"، بحسب قوله. واختتم الجراح بيانه بتأكيد أن "أحكام القضاء هي عنوان الحقيقة، وليس ما يتم تسريبه من أوراق مفبركة عبر الحملات المنظمة في وسائل التواصل الاجتماعي"، على حد البيان الصادر عن وزير الداخلية الكويتي.
من جانبها، نقلت صحيفة "القبس" الكويتية عن النائب في مجلس الأمة (البرلمان) الكويتي، محمد الدلال، قوله ‏"إن صح ما يجري تداوله من معلومات بشأن تجاوزات في مالية وزارة الدفاع والجيش، فإن هذا الأمر يتطلب دوراً لمجلس الأمة، ومسؤولية كبيرة دستورية وقانونية أمام جهات التحقيق؛ كالنيابة العامة وهيئة مكافحة الفساد وديوان المحاسبة للتعامل الجاد مع ما يثار من معلومات تتعلق بالمال العام".
وكان أمير دولة الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، قبِل استقالة الحكومة يوم الخميس، بعد يومين من تقديم مجلس الأمة طلباً لحجب الثقة عن وزير الداخلية الشيخ خالد الجراح الصباح، وهو عضو كبير في الأسرة الحاكمة، وفق ما قالت وكالة "رويترز" للأنباء، التي أضافت: "استجوب النواب الشيخ خالد في مزاعم عن إساءة استغلال سلطات منصبه، وهي تهم نفاها. وأعلنت وزيرة الأشغال العامة استقالتها في الثامن من الجاري؛ بعد أن استجوبها البرلمان بشأن ضرر وقع في سد بعد هطول أمطار غزيرة".

للمشاركة:

زوجات الدواعش المغربيات: هل تشكّل عودتهنّ خطراً؟

2019-11-17

"ابنتي لم تقم بأيّ عمل إجرامي، وذنبها الوحيد أنّها أطاعت زوجها ورافقته في رحلته"؛ تقول أم هنية (اسم مستعار) التي تعيش في حي سيدي مومن نواحي الدار البيضاء.
تُضيف المتحدثة، البالغة من العمر 65 عاماً، لـ "حفريات": "سافرت ابنتي عام 2014 مع زوجها، لم نكن نعرف أيّ شيء عن سفرها، أو أنّهما سيلتحقان بتنظيم إرهابي".

اقرأ أيضاً: نساء داعش.. عرائس أم إرهابيات؟
وتُتابع في هذا الصدد: "ابنتي لا تشكّل خطراً على أحد، جميع ما تنشره وسائل الإعلام كذب، زوجها هو السبب؛ أخبرها بأنّهما سيسافران إلى هناك فقط ليعيشا حياة أفضل، لكنّها عاشت الجحيم وما تزال تعيشه برفقة أطفالها".
"قدمت إلى سوريا لأطيع زوجي"
قتل زوج هنية في إحدى الغارات الجوية بسوريا، لتبقى هناك عالقة، برفقة أطفالها، في انتظار عودتهم إلى المغرب، ترفض الأم ذكر المزيد من التفاصيل عن مكان تواجد ابنتها الآن وكيف تعيش.

سيدة مغربية: الحياة صعبة للغاية في ظلّ داعش والوضع سيئ. كُنا نعيش تحت قصف مستمر، أريد العودة إلى بلدي

"أنا لست مع تنظيم داعش؛ قدمت إلى سوريا لأطيع زوجي"، تقول حبيبة عفيف، مغربية قتل زوجها في الرقّة بسوريا.
وتضيف، بحسب موقع "ميدل إيست آي": "حوالي عامين ونحن نعيش في دولة إسلامية، بعدها قُتل زوجي بسبب الغارات الجوية، لديّ أطفال صغار وأنا مُنهكة، أريد العودة إلى وطني".
ترغب حبيبة في العودة إلى وطنها المغرب، وقد اتصلت بأسرتها على الإنترنت لتطلب منهم الاتصال بالسلطات المغربية.
حبيبة عفيف: أنا لست مع تنظيم داعش وقدمت إلى سوريا لأطيع زوجي

"أريد العودة إلى المغرب وبدء حياة جديدة"
وتُتابع حبيبة: "كانت الحياة صعبة للغاية في ظلّ داعش، الوضع سيئ هنا، كُنا نعيش تحت قصف مستمر، أريد العودة إلى المغرب وبدء حياة جديدة". 
وتُطالب عشرات النّساء المحتجزات في مراكز الاعتقال التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، وهنَّ في الغالب زوجات قادة ومقاتلين في تنظيم داعش بسوريا والعراق، بضمان عودتهنَّ إلى المغرب.
"هؤلاء النساء لسنَ إرهابيات"
يقول رئيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية في المغرب، عبد الحق الخيام: "هؤلاء النساء لسنَ إرهابيات؛ لأنهنّ رافقن أزواجهن"، مضيفاً: "هناك معاملة خاصّة لهنّ؛ لأنهنّ لم ينتقلن إلى بؤر التوتر للجهاد، هناك جهود من المغرب، ولا يُمكن أن نلومهنّ على شيء".

اقرأ أيضاً: بلجيكا تطعن في حكم قضائي بخصوص نساء داعش
وبحسب تقارير مغربية رسمية؛ فإنّ "280 مغربية، برفقة 391 طفلاً، يتواجدون في بؤر التوتر في الشّرق الأوسط"، مشيرة إلى أنّ "هناك جهوداً من المغرب للتدخل".
ويقول رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، محمد بن عيسى، في حديثه لــ "حفريات": "المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تدعو كلّ دولة إلى أن تتحمل مسؤولية مواطنيها، وزوجات دواعش بسوريا هم مواطنات مغربيات والمغرب مسؤول عنهنّ".
ويرى رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان؛ أنّ "الأطفال ليست لديهم أيّة مسؤولية، وهذا ما أكّده الخيام، رئيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية في تصريحاته".
 عبد الحق الخيام: هؤلاء النساء لسن إرهابيات لأنهن رافقن أزواجهن

"ترك نساء وأطفالهنّ هناك هو الخطر الأكبر"
وأشاد بن عيسى بالمقاربة المغربية الشاملة لمحاربة التطرف التي تشمل الجانب الإنساني والحقوقي والأمني.
ويُضيف محمد بن عيسى: "إعادة النساء والأطفال جاءت بعد مجموعة من التقارير، أعدها المغرب، أكّدت أنّ هؤلاء النساء لسنَ إرهابيات، ولا يشكّلن أيّ خطر".

اقرأ أيضاً: نساء داعش يثرن القلق في أوروبا
ويرى مرصد الشمال لحقوق الإنسان أنّ "ترك نساء وأطفالهنّ هناك هو الخطر الأكبر؛ لأنّه من المحتمل أن تُوظفهن الجماعات الإرهابية في تهديد أمن المغرب".
ويُشدّد رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان على ضرورة إدماج زوجات الدواعش المغربيات وأطفالهن.
وعن إستراتيجية المغرب في إدماج زوجات عناصر داعش، يقول محمد بن عيسى: "سيتم إشراك جزء من المجتمع المدني لإدماج النساء داخل النسق الاجتماعي، ومنحهم المؤازرة النفسية".
رفض عودة مقاتلي داعش وزوجاتهم
وكان وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، قال إنّ بلاده "ليست فندقاً لعناصر داعش من مواطني الدول الأخرى".
وأشار صويلو إلى أنّ تركيا نقلت عناصر داعش الأجانب، الذين جرى ضبطهم في رأس العين وتل أبيض، خلال عملية "نبع السلام"، إلى سجون محصنة بمنطقة عملية "درع الفرات"، شمال سوريا.
وأضاف الوزير؛ "بعد احتجازهم لفترة في تلك السجون، سيتم إرسالهم إلى البلدان التي ينتمون إليها".

اقرأ أيضاً: هذه أخطر نساء داعش
ولفت إلى أنّ دولاً تتهرب من استلام رعاياها المنتمين لـداعش، عبر إسقاط الجنسية عنهم، مشدّداً على أنّه "لا يمكن قبول تجريد عناصر داعش من الجنسية، وإلقاء العبء على عاتق الآخرين، فهذا تصرّف غير مسؤول".
وكانت عدّة دول أوروبية قد رفضت عودة مقاتلي داعش، أو زوجاتهم، أو أراملهم، من الذين تحتجزهم قوات سوريا الديمقراطية.

كيف يمكن إعادتهنّ للوطن؟
وينتقد البعض إعادة زوجات عناصر داعش إلى المغرب، ويقول كمال نابي، فاعل جمعوي، في حديثه لـ "حفريات": "هناك مجموعة من النساء اللواتي عملن في حملة الدعاية لتنظيم الدولة، ومن بينهنّ من صوّرت التنظيم على أنّه المدينة الفاضلة، وأباحت اغتصاب زوجها لنساء أخريات، فكيف يُمكن التسامح معهنّ بسهولة وإعادتهنّ للوطن؟".

عملت مجموعة من النساء في الدعاية لداعش ومنهنّ من صوّرت التنظيم على أنّه المدينة الفاضلة وأباحت اغتصاب زوجها لأخريات

وعندما أعلن تنظيم داعش تأسيس الخلافة، عام 2014، دعا جميع المسلمين القادرين على الجهاد إلى الهجرة والمشاركة في الجهاد، لتعزيز قضيته، على حدّ تعبيره.
ومن الأدوار التي لعبتها النساء في التنظيم؛ كان إنجاب الأطفال وطاعة الزوج، وخلق جيل من المقاتلين، ودعم الأزواج في الحرب.
لم ينشر التنظيم أيّة تقارير تُؤكد مشاركة النساء في القتال، في حين اقتصر دورهنّ على توفير الراحة للزوج، وكانت حياة بومدين، أرملة كوليبالي، قد دعت النساء داخل التنظيم إلى توفير الراحة لأزواجهن.
"يجب أن يجدوا الراحة والسلام معكنّ"
وقالت بومدين، في مقال نُشر في عدد شباط (فبراير) 2015، في مجلة "دابق"، التابعة لداعش: "يجب أن يجدوا الراحة والسلام معكنّ"، "لا تجعلن الأمور صعبة بالنسبة إلى أزواجكنّ، حاوِلنَ تسهيل الأمور لهم".
ويُشار إلى أنّ حياة بومدين، أرملة أميدي كوليبالي، منفّذ الاعتداء ومحتجِز الرهائن في المتجر اليهودي بـ "بورت دو فانسان" في باريس، والذي قتل فيه 4 رهائن، في كانون الثاني (يناير) 2015، يُشتبه أيضاً في مشاركتها في إطلاق النار بضاحية "مونروج"، الذي أدّى إلى مصرع شرطية.
رفض العديد من الدول الأوروبية إعادة مقاتلي داعش وزوجاتهم وأراملهم

نساء يستعبدن النساء
وشاركت النساء في الدعاية للتنظيم، وكنّ نشيطات على مواقع التواصل الاجتماعي، وصوّرن حياة التنظيم على أنّها مثالية لإغراء وجذب النساء الأخريات بالانضمام إليه، وفق مجموعة من الفيديوهات التي نشرها داعش.
وكانت عناصر التنظيم قد اختطفت النساء والفتيات الإيزيديات لاستعبادهنّ، وليعملن خادمات للزوجات، ويغتصَبن من قبل الأزواج.
وإحدى الزوجات في تنظيم داعش، الملقبة بأم سمية المهاجرة، وكانت قد استعبدت إحدى الإيزيديات في منزلها، ودافعت عن هذه الممارسة، وكتبت مقالاً في مجلة "دابق"، التابعة للتنظيم، مستشهدة بنصوص دينية لبناء حجة تبرر اتخاذ النساء الإيزيديات خليلات للمقاتلين، ووصفتهنّ "بالفتيات الشريرات"، وأنهنّ كنّ يكتبن قصصاً كاذبة.
التوجس والترحيب
وتؤوي مخيمات شمال شرق سوريا 12 ألف أجنبي، هم: 4000 امرأة، و8000 طفل، من عائلات الجهاديين الأجانب، يقيمون في أقسام مخصصة لهم تخضع لمراقبة أمنية مشددة.
وبين التوجّس والترحيب يُنظر لملف إعادة زوجات عناصر داعش إلى المغرب، في حين تشدّد منظمات حقوقية مغربية على أنّ عودتهن مرتبطة بضرورة مواكبتهن نفسياً وإدماجهنّ، اجتماعياً واقتصادياً، كي لا ينعزلن عن المجتمع.

للمشاركة:



الإمارات تمدّ يد العون لأهالي حضرموت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

سيّرت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر"، قافلة مساعدات غذائية جديدة إلى أهالي مديرية بروم ميفع، بمحافظة حضرموت اليمنية، استفاد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعبة؛ بسبب الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها اليمن.

الإمارات تسيّر قافلة مساعدات غذائية لأهالي حضرموت يستفيد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة

وقامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع 900 سلة غذائية، تزن 72 طناً و720 كيلو غراماً على مناطق: حصاحصة، وانتيشة، والمسيني، وحرو، وظلومة، بالمديرية، ضمن سلسلة من الحملات نفذتها في عموم مناطق حضرموت، ووصلت إلى عدة مناطق نائية، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأعرب المستفيدون عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على وقفتها الأخوية معهم في محنتهم، وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء محافظة حضرموت.

يذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ بداية عام التسامح، بلغت 33 ألفاً و644 سلة غذائية، بمعدّل "2718 طناً و435.2 كيلو غراماً، استهدفت 168 ألفاً و220 فرداً من الأسر المحتاجة في محافظة حضرموت.

 

 

 

للمشاركة:

غارات روسية في سوريا تخلّف قتلى وجرحى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

شنّت طائرات روسية، أمس، ضربات على مناطق في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، أسفرت عن مقتل 9 مدنيين، على الأقل.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ بأنّ خمسة مدنيين، بينهم ثلاث مواطنات، قتلوا جراء غارات روسية استهدفت قرية الملاجة في ريف إدلب الجنوبي، بينما قتل 4 آخرون جراء غارات روسية على مخيم عشوائي للنازحين شمال مدينة سراقب.

ضربات شنّتها طائرات روسية في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا تقتل 9 مدنيين

ورجّح المرصد ارتفاع حصيلة القتلى نظراً لوجود جرحى "في حالات خطرة".

وتسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على الجزء الأكبر من محافظة إدلب، حيث تنشط فصائل أخرى معارضة وإسلامية أقل نفوذاً، ويعيش في إدلب، مع أجزاء من محافظات مجاورة، نحو 3 ملايين نسمة، نصفهم نازحون من مناطق أخرى.

وفي نهاية نيسان (أبريل) الماضي؛ بدأت قوات النظام السوري، بدعم روسي، عملية عسكرية سيطرت بموجبها على مناطق عدة في ريف إدلب الجنوبي، وريف حماه الشمالي المجاور، قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار برعاية روسية – تركية، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

ورغم وقف إطلاق النار، تتعرض المنطقة بين الحين والآخر لغارات سورية وأخرى روسية، تكثفت وتيرتها مؤخراً، وقد تسببت بمقتل 110 مدنيين، منذ الاتفاق الروسي – التركي.

 

 

للمشاركة:

بعد صدّ هجومهم.. الحوثيون يقصفون مناطق سكنية بالأسلحة الثقيلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

شنّت ميليشيات الحوثي الإرهابية، أمس، هجوماً على منظقة التحيتا الواقعة جنوب الحديدة، بالأسلحة الثقيلة والقذائف المدفعية.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تشنّ هجوماً على التحيتا بالأسلحة الثقيلة والقذائف المدفعية

وقال المركز الإعلامي لألوية العمالقة، في بيان: "الحوثيون شنّوا هجوماً عنيفاً بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، على الأطراف الجنوبية لمركز مدينة التحيتا جنوب الحديدة، واستهدفوا أحياء سكنية مكتظة بالسكان".

ووفق البيان؛ "يحاول الحوثيون التوغل لسحب جثث عشرات القتلى من عناصرهم الذين سقطوا أمس، خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم على مناطق جنوب التحيتا".

كما واصلت ميليشيات الحوثي ممارساتها الإجرامية باستهداف القرى النائية ومنازل المواطنين في مديرية الدريهمي، جنوب الحديدة.

الحوثيون يحاولون التوغّل لسحب جثث عشرات القتلى من عناصرهم الذين سقطوا خلال هجوم فاشل

من جهتها، أفادت مصادر محلية بأنّ الميليشيات استهدفت منازل المواطنين في المديرية بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بشكل عشوائي وعنيف.

وأضافت: "القصف تسبّب بأضرار بالغة بمنازل المواطنين، وأدّى إلى خلق حالة من الخوف والهلع في صفوف السكان، لا سيما النساء والأطفال".

وفي وقت سابق، أمس، أعلنت القوات المشتركة صدّها هجوماً واسعاً للحوثيين من جهات عدة على مواقع للقوات المشتركة في مدينة التحيتا جنوب الحديدة، وتكبيدهم عدداً من القتلى والجرحى.

وتتواصل الخروقات الحوثية في مختلف المناطق والمديريات جنوب محافظة الحديدة الساحلية، بقصف مواقع المشتركة والأحياء السكنية منذ بدء سريان هدنة أممية لوقف إطلاق النار والعمليات العسكرية في المحافظة، نهاية العام الماضي.

وفي سياق مرتبط بجرائم الحوثيين وحراك اليمنيين ضدّهم توقّع وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني؛ أنّ العاصمة صنعاء وبقية مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، لن تكون بمنأى عن ارتدادات الانتفاضة الشعبية التي تشهدها إيران والعراق ولبنان، ومحورها مواجهة السياسات الإيرانية.

وزير الإعلام اليمني: ثورات العراق ولبنان، وستتبعها اليمن، مؤشر على سقوط مخططات الهيمنة الإيرانية

وأوضح وزير الإعلام اليمني في تغريدات على صفحته بموقع تويتر، أمس؛ أنّ الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت المحافظات الإيرانية بعد انتفاضتَي العراق ولبنان، تؤكّد المأزق الذي يعانيه نظام إيران وسقوط مخططاته في الهيمنة على المنطقة.

وأكّد أنّ ذلك نتيجة حتمية للسياسات الفاشلة التي انتهجها النظام الإيراني، وتوجيهه ثروات البلد لصالح ميليشياته الطائفية، وسياساته التخريبية في المنطقة.

وأشار الإرياني إلى أنّ اليمن لن يكون بمنأى عن ارتدادات الانتفاضة الشعبية في المنطقة، ومحورها مواجهة السياسات الإيرانية التي أنتجت الفشل داخلياً، والفوضى والإرهاب خارجياً.

وأضاف: "الشعب اليمني، في العاصمة صنعاء وبقية مناطق سيطرة الميليشيا الحوثية، لن يظلّ مكتوف الأيدي وسيلتحق قريباً بهذه الانتفاضة".

 

 

للمشاركة:



ماذا بقي لإيران في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

حسين الشيخ

لم يكن هذا السؤال مشروعاً ومسموحاً به قبل نحو عقدين من الزمن في ذهنية العراقيين شعباً وحكومة وتحديداً قبيل دخول القوات الأمريكية العراق عام 2003 واحتلالها كامل أراضيه، بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل البلاد.

الوضع اليوم مختلف كثيراً لأن واشنطن وطهران تحالفتا على صدام حسين ونجحتا في إسقاط حكمه، ليقتسم البلدان النفوذ على الأراضي العراقية وإن لم يكن الأمر علانية ولكنه أمر ذاقت البلاد مرارته على مر السنوات الماضية، من خلال استغلال كل طرف رجالاته ونفوذه لدفع ثمن فاتورة الحرب التي لا شك كلفت الكثير خاصة الجانب الأمريكي.

منذ دخول القوات الأمريكية العراق برزت إيران على المشهد من خلال رجالات ينتمون للعراق هوية ويتبعون لإيران ولاءً، واستطاعت من خلال هؤلاء تشكيل أحزاب الغطاء فيها سياسي والبنية الداخلية قائمة على المليشياوية والتطرف وحب الانتقام، وهذا ما قامت تجاه أبناء المحافظات الغربية وبدعم من رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي، الذي صنف العراقيين عام 2012 بين من يقف مع "الحسين" قاصداً تياره ومن يساند "يزيد" في إشارة إلى خصومه السياسيين.

في واقع الأمر تمثل حقبتا نوري المالكي في رئاسة الحكومة، التي بدأتا عام 2006 إلى 2014، الأرض الأكثر خصوبة لتنامي النفوذ الإيراني وإرساء دعائم هذا النفوذ في الأرض العراقية، بما يحقق مصلحة إيران في الإبقاء على رئة تستطيع من خلاله التنفس عقب العقوبات الأمريكية والغربية عليها، وعدم توصل الطرفين لاتفاق ناجع تدخل به إيران منظومة الدول السوية غير المثيرة للمشاكل والنعرات الطائفية سواء في إقليمها القريب أو حتى على الصعيد الدولي.

عملت إيران ليل نهار لخلق حالة مجتمعية عراقية تخدم مصالحها من خلال دعم حلفائها من الذين يدينون لها بالولاء مثل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الدعوة ومنظمة بدر والصدريين مع تذبب موقفهم، لنتخرط في الحياة السياسية وتجميع الأحزاب والشخصيات الشيعية، والعمل على وحدة صفها وعدم ضياع أصواتها في الانتخابات التي تعاقبت على البلاد بعد سقوط النظام السابق، لا لينعم العراق بمستقبل أفضل بل لتبقى إيران مهيمنة على نفط البلاد ومقدراته من تجارة وزراعة وغيرها، وليبقى هذا البلد العربي ساحة تستطيع من خلالها إيران الضغط على خصومها الدوليين عبر رعايتها مليشيات متطرفة تحركها وفق ما تريد التي تريد بما يهدد ليس مصلحة واشنطن فحسب بل المنطقة برمتها.

هذا الوضع الذي كانت تعيشه إيران خلال السنوات الماضية لن تتمكن من الاستمرار به في الوقت الراهن أو حتى في المستقبل القريب على الأقل لعدة أسباب نذكر منها ثلاثة:

السبب الأول يكمن في رفض العراقيين إيران والتظاهر ضد نفوذها، وهي نقطة مهمة جداً إذ يدرك الساسة الإيرانيون جيداً في ذهنيتهم قوة الشعب العراقي وشدة انتمائه لعروبته وعدم رضوخه وقبوله الذل والمهانة، لذلك بات الصوت مرتفعاً ضد شخصيات كانت في الوقت القريب من المحرم المسّاس بها من شدة الذعر الذي رافق ذكرها كقاسم سليماني، قائد فيلق القدس الجنرال الإيراني الأكثر شهرة خلال السنوات العشر الأخيرة، لم يقف الأمر عنده بل وصل إلى المرشد علي خامنئي، ولعلها المرة الأولى التي تُحرق فيها صوره وبشكل في أكثر من منطقة عراقية، دلالة على ضيق ذرع العراقيين بالإيرانيين وسطوتهم.

الثاني يتمثل بعدم قدرة الساسة العراقيين جميعاً بمن فيهم المحابون إيران والذين كانوا يدورون في فلكها على مجاراة الضغوط التي تتعرض لها طهران من الغرب، لذلك بات هؤلاء يبحثون عن نجاتهم أكثر من مصلحة إيران، خاصة أن محكمة الشعب العراقي تلاحقهم واحدا تلو الآخر، واضعة أسماءهم بقائمة المطلوبين للمحاسبة القضائية.

أما السبب الثالث فيعود إلى تبني الدول العربية سياسة جديدة تجاه العراق، والعمل على مساعدته للعودة إلى حاضنته العربية، لذلك باتت العلاقات السعودية العراقية أكثر إيجابية مقارنة بالسنوات العشرين الماضية، إذ تعمل الرياض جاهدة من أجل عدم السماح لإيران باستغلال العراق البلد العربي، مدعومة بقرار وتأييد عربي من مصر والإمارات ودول عربية أخرى.

ليس من المبالغة القول إن نفوذ إيران في العراق بات من الماضي ولم يبق الشيء الكثير باستثناء بعض المليشيات ورجال دين معممين بعصائب ممزوجة برائحة دم أبرياء من العراقيين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في زمن هكذا عصابات.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

عمرو التهامي
مع نهاية خمسينات القرن الماضي، ولد حسن مالك لأب مسجون بتهمة الانضمام إلى جماعة «الإخوان المسلمين» وربة منزل تتولى مسؤولية سبعة أبناء آخرين، في حي المنيل القاهري.

ومع بلوغ حسن عامه الثاني عشر، اختار له والده الخارج من السجن لتوه مساراً مُشابها له، عبر إلزامه بقراءة قصص حياة قيادات الجماعة وكُتب مؤسسها حسن البنا، وحضور «اجتماعات الأشبال» في مسجد قريب من منزل العائلة، إلى أن صار عضواً منتسباً داخل التنظيم.

لكن على خلاف الوالد الذي كان «فرداً عاديا في التنظيم، مُتفقاً مع أفكارهم، ولا دور مُحدداً له»، كما قال مالك في تحقيقات النيابة، تحول الابن إلى لاعب أساسي في مسيرة الجماعة التي بنى ذراعها المالية مع شاب آخر التقاه في جامعة الإسكندرية وقدم نفسه له باعتباره «المسؤول عن المحاضرات التربوية والعمل الطلابي». كان اسم ذلك الشاب خيرت الشاطر الذي أصبح فيما بعد الرجل الأقوى في الجماعة.

بعد سنوات من هذا اللقاء، وتحديداً في العام 1985، تقاطعت رغبة الشاطر بدخول عالم المال مع قرار مالك ترك العمل في مصنع والده للغزل والنسيج في مدينة شبرا الخيمة العمالية وبدء نشاطه التجاري الخاص. أثمرت شراكة الرجلين سريعاً عن تأسيس أربع شركات، هي «الفجر» لتجارة الخيوط و«سلسبيل» لبيع البرمجيات وأجهزة الكومبيوتر، و«رواج» للتجارة العامة والاستيراد، و«المستقبل» لتجارة السلع المعمرة، كما تشير عقود عثرت عليها قوات الأمن خلال تفتيش منزل مالك.

هذه الشراكة شبه السرية اعتبرت الغطاء لتدوير أموال «الإخوان»، خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، رغم تأكيد الرجلين أن أنشطتهما المالية لا تخص الجماعة. ويعزو عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة، غلبة «النشاط التجاري» على استثمارات قادة «الإخوان»، إلى «وعي التنظيم بخطورة الاستثمار في الأصول الثابتة، تحسباً لمصادرتها أو سهولة تتبعها». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الاستثمار في الأنشطة التجارية ذات رأس المال النقدي أو المتوزع على بضائع في أنشطة متنوعة «كان الخيار الآمن لهم».

كان الاستثناء الوحيد من هذا التوجه العام هو الاستثمار في قطاع التعليم عبر تأسيس مدارس خاصة مملوكة لقيادات من الجماعة، «كترجمة لأيديولوجية التنظيم المتصلة بالجانب التربوي والدعوي للنشء»، وفقاً لعادلي.

مع توسع أنشطة الرجلين الاستثمارية وبلوغ أرباحها «مستويات كبيرة»، اعتبر الشاطر نفسه «الأحق والأكفأ» بإدارة أموال التنظيم، بديلاً للقيادي نبيل مُقبل، المسؤول السابق عن أموال الجماعة، كما يقول عضو سابق في «الإخوان» عمل مع مقبل لسنوات قبل أن ينشق عن الجماعة.

اتفق الشاطر ومالك على فصل استثماراتهما الخاصة عن أموال التنظيم التي «أدخلاها في قطاعات استثمارية بنسبة أقل بكثير من استثماراتهما الخاصة»، وفقاً لموظف سابق عمل في مكتب الشاطر الخاص بعد الثورة في 2011.

وتتفق تقديرات الموظف السابق في مكتب الشاطر مع شهادات ثلاثة أعضاء في التنظيم، أحدهم لا يزال فاعلاً، في الذهاب إلى أن استثمارات الجماعة «ليست كبيرة» في المؤسسات التي شملتها إجراءات لجنة حصر وإدارة أموال «الإخوان» التي شكلتها الدولة المصرية في 2014.

وتخالف الرواية السابقة ما ذكره مالك الذي نفى أن تكون للتنظيم أي أنشطة تجارية «على حد علمي»، وفقاً لتعبيره. ويشير مالك إلى أن شراكته مع الرجل الذي أصبح الممسك بخيوط التنظيم خلال سنوات من علاقتهما، كانت دافعاً للكثيرين للتعامل معه كقيادي تنظيمي. وقال: «أنا لم أقرأ حتى لائحة الإخوان المسلمين أو اختصاصات مرشد الجماعة، وكل الناس تصورتني قائداً لمجرد أنني شريك الشاطر».

وبعد الثورة في 2011. توسعت صلاحيات الشاطر، نائب المرشد، عقب الإفراج عنه من محبسه، وأدار من خلال مكتبه في شرق القاهرة، الكثير من المهام التنظيمية ثم أصبح لاعباً أساسيا في حكم البلاد، عقب وصول الجماعة للحكم في 2012.

ويلقي موظف عمل في مكتب الشاطر عقب الثورة الضوء على بعض الإشارات لنفوذه الواسع، إذ تصفه بـ«الأخطبوط». وتوضح: «كان متداخلا في كل الأمور، سواء في البيزنس أو الأمور الداخلية للتنظيم. كان يحرك الجميع لأنهم يخافونه». ومبعث هذا الخوف «بطش» الشاطر المعهود عنه تجاه «أي شخص يغضبه أو ينازعه صلاحياته»، وفقاً للموظف السابق في مكتبه.

امتدت هذه السطوة خلال فترة حُكم الجماعة إلى مؤسسات الدولة، إذ يقول مساعد سابق في إحدى الوزارات الاستثمارية لـ«الشرق الأوسط» إن «الوفود الأجنبية كانت دائماً تلتقي الشاطر قبل لقاء الوزير المُختص، وهو ما كان يستدعي استغراب الوزير غير السياسي الذي كان يغيب عنه دور الرجل»، على حد قولها.

«حدة وتحكمات الرجل» أدت بمرور الوقت إلى تبدل العلاقة بينه وبين مالك إلى «خلاف دائم»، انعكس على العلاقات الأسرية وصلات أبناء الرجلين ببعضهما البعض، كما يقول مصدر آخر عمل مع مالك وعلى صلة مصاهرة بعائلته.

لكن عادلي يُفسر هذا الخلاف من منظور آخر له صلة بتباين الخلفية الاجتماعية للرجلين، والمسار الذي سلكه كل منهما للصعود. ويشرح قائلاً: «الشاطر رجل تنظيمي قطبي (نسبة إلى التيار المتشدد الذي يتبع أفكار سيد قطب) انتهى به التنظيم إلى لعب دور اقتصادي، خلافاً لمالك الذي كان تاجراً في الأساس هو وعائلته وانتهى به المطاف للانتماء إلى الإخوان من دون الانخراط في تفاصيلهم».

وأقر مالك بهذا الخلاف خلال تحقيقات النيابة العامة، مشيراً إلى أنه بدأ عقب صعود الشاطر إلى منصب نائب المرشد في 2006. ثم انفصال شراكة الرجلين عقب خلافات كان محورها الرئيسي تجاهل الشاطر رأي مالك بإبعاد الاجتماعات التنظيمية عن مقار الشركات المملوكة لهما، ما أدى إلى «انقطاع» علاقتهما، وإنهاء الشراكة بينهما بحلول 2011.

لاحقاً، عادت العلاقة بين الرجلين في تنسيق المهام بينهما، بعدما تنازل نائب المرشد عن «القليل» من سطوته النافذة. ويقول مصدر قريب من الرجلين مقيم خارج مصر إن «الشاطر كان مضطراً للتعامل مع مالك، لأن الأخير كان معروفاً وسط النخبة المالية في مصر التي تفضل التعامل معه كوجه مقبول ولديه حضور».

هذا التفضيل يظهر في مُراسلات رجال أعمال مصريين لمالك بهدف تسوية مشاكلهم مع النظام الحاكم آنذاك، كحال رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى الذي راسل مالك من محبسه على ذمة قضية جنائية، بخطاب منسوب إليه عثرت عليه قوات الأمن خلال القبض على مالك. وأبدى مصطفى في الخطاب استعداداً للتنازل عن جزء من أمواله نظير الخروج من محبسه. وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مصطفى الذي أفرج عنه لاحقاً بعفو صحي، لكن لم يتسن الحصول على رد رسمي منه حول نسبة هذا الخطاب له.

وتعززت مهام مالك، عقب صعود «الإخوان المسلمين» إلى الحكم في يونيو (حزيران) 2012. بعدما أسس جمعية «تواصل» بهدف التنسيق بين رجال الأعمال ومؤسسة الرئاسة آنذاك، وجمعية «ابدأ» التي ضمت أكثر من ألف رجل أعمال وانطلقت في أغسطس (آب) 2011 بهدف «مساندة النظام وتحقيق المصالح الخاصة»، كما جاء في بيان تأسيسها.

مع صعود التنظيم إلى الحكم، بدأ مالك وعدد آخر من قادة التنظيم الاستثمار في قطاعات استراتيجية ذات أصول ثابتة كالحديد والإسمنت. ويقول عادلي: «كانت هناك محاولات لـ«الإخوان» للتحول من النشاط التجاري إلى القطاعات الاقتصادية الكبيرة، لكن قصر مُدة الحكم لم يسعفهم».

ظهرت جهود مالك سريعاً في تشكيل نخبة مالية جديدة ترافق الرئيس السابق محمد مرسي في زياراته الخارجية، ضمت بين أسمائها وجوهاً جديدة على عالم المال من المنتمين للتنظيم وآخرين محسوبين على نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

اضطلاعه بهذه المهام يظهر في نوعية المضبوطات داخل منزله، أثناء القبض عليه. وبين الملفات المضبوطة التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» ملف بعنوان «الرؤية الاستراتيجية للتنمية الشاملة في مصر حتى عام 2050»، وآخر بعنوان «بيع أعمال القطاع العام - رؤية إسلامية»، ومُذكرة بعنوان «قراءة في الموقف الاقتصادي: هل يستطيع الدعم الخليجي إنقاذ الاقتصاد المصري؟».

غير أن مهام مالك تلك لم تستمر طويلاً، بعدما أطيح حكم الجماعة في 3 يوليو (تموز) 2013. وأعلن تجميد أنشطة جمعية «ابدأ» بعد استقالة أعضائها كافة من رجال الأعمال.

تبعت إطاحة الجماعة سلسلة حملات أمنية طالت قادة الصف الأول في التنظيم، ومنهم شريكه الشاطر، بينما ظل مالك حراً في منزله بالقاهرة حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ساعياً إلى التواصل مع المسؤولين لتجنب مسار السجن كحال المئات من قادة التنظيم.

كان واحد من هؤلاء المسؤولين هو اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية آنذاك، الذي ذهب مالك للقائه بمقر الوزارة، فاستقبله ممثل لإبراهيم أبلغه بانشغال الوزير «في اجتماع هام»، قائلاً إن الوزير سيطلبه إذا أراد، وفقاً لمالك.

بعد هذا اللقاء انقطعت صلات مالك بالمسؤولين، وانحصرت صلاته مع ثلاثة من قادة «الإخوان» خارج السجن آنذاك، هم الوزير السابق محمد علي بشر قبل القبض عليه، وحلمي الجزار عقب إخلاء سبيله، ورجل الأعمال الراحل أسامة خليل.

كان الجانب الأكبر من هذه اللقاءات يتطرق لتبادل وجهات النظر في الكثير من قضايا التنظيم وخيار العنف الذي انخرط فيه عدد كبير من شباب التنظيم، بشهادة مالك ونجله الذي راسله حول هذا الأمر من مقر محبسه، وأقر مالك بصحة المراسلات.

«ملاحظات على مشروع الخطة الجديدة للجماعة»، هي واحدة من هذه الأوراق التي تسلمها مالك من بشر الذي كان يلتقيه بشكل دائم، قبل القبض عليه في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بتهمة «التخابر مع دولة أجنبية»، فيما عكست خلفية خليل الاقتصادية نوعية الأوراق التي أمد بها مالك، مثل «واجبات الأفراد في التصعيد الثوري الاقتصادي».

وخلال هذه الفترة، صدرت بحق مالك وقادة الجماعة قرارات التحفظ على أموال التنظيم وممتلكاته، بعدما أصدر مجلس الوزراء المصري في أكتوبر 2013، القرار رقم 1141 لسنة 2013، بتشكيل لجنة ﻹدارة أموال التنظيم وقادته.

تبع ذلك صدور العشرات من قرارات التحفظ، من جانب اللجنة، على ممتلكات قادة الجماعة بملايين الجنيهات، قبل أن تتوسع صلاحيات اللجنة في يونيو 2014. عبر قرار وزاري من رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب الذي حولها بموجب هذا القرار إلى لجنة دائمة.

وتضُم قائمة أملاك «الإخوان» التي شملتها قرارات التحفظ وضمتها السلطات لاحقاً إلى الخزانة العامة للدولة في 11 سبتمبر (أيلول) 2018. نحو أموال 1589 عنصراً من المنتمين والداعمين لتنظيم «الإخوان» و118 شركة متنوعة النشاط و1133 جمعية أهلية و104 مدارس و69 مستشفى و33 موقعاً إلكترونياً وقناة فضائية، حسب تقدير اللجنة.

كان تشكيل هذه اللجنة، وقبلها حملات القبض المستمرة على قادة الجماعة المعروفين من أصحاب رؤوس الأموال، دافعاً لبناء «شبكة جديدة من الاستثمارات في دول خارج مصر، على رأسها دول شرق أفريقيا وجنوبها»، حسبما يشير مستثمر مقرب من الجماعة. ويُضيف أن «حجم بيزنس الجماعة زاد داخل هذه الدول، لسهولة الحصول على جنسياتها وتمتع قادة التنظيم بعلاقات جيدة مع مسؤولين بارزين فيها».

وترسم أوراق قضية «الإضرار بالاقتصاد القومي» صورة أعم وأشمل للوسائل التي لجأ إليها رجال المال في التنظيم للتعامل مع قرارات مصادرة ممتلكاتهم، وتحديداً في طرق نقل الأموال إلى خارج البلاد خلال هذه الفترة.

فمع توسع قرارات المصادرة والقبض على قادة التنظيم، ظهرت أسماء أقل شهرة من مالك والشاطر في مجال المال، وتبلورت أدوارها في نقل الأموال للخارج، تجنباً للتعامل من خلال البنوك والبُعد عن الرصد الأمني.

على رأس هؤلاء رجل الأعمال الهارب محمد صلاح محمود الذي يملك شركة تعمل في استيراد وتصدير المفروشات، وهو لعب «دوراً كبيراً في استخدام شركته لنقل ملايين الجنيهات لحسابه أو لحساب شركات أخرى مملوكة لقادة في التنظيم»، بحسب شهادات وملفات قضائية.

لا تتوافر معلومات عن الرجل الصادر بحقه حُكم من محكمة جنايات القاهرة بإدراج اسمه ضمن قائمة الإرهابيين لثلاث سنوات، في 29 أغسطس 2017. عدا كون أنه رجل أعمال «مُحب» للتنظيم، قدم تبرعات من فترة لأخرى، وفقاً لمصدر في «الإخوان».

وبمساعدة ثلاثة من أمناء الشرطة (مساعدي الضباط) في ميناء القاهرة الجوي، مقابل 10 آلاف جنيه للمرة الواحدة لكل منهم، نجح صلاح في نقل نحو مليار جنيه تقريباً (أكثر من 130 مليون دولار بأسعار الصرف آنذاك)، عبر ثلاثة عاملين في شركته تناوبوا على السفر للخارج لنقل نحو 50 إلى 100 ألف دولار أسبوعياً.

«ما الطريقة التي كانت تتم من خلالها نقل الأموال؟»، يجيب مصطفى همام (31 عاماً)، أحد هؤلاء العاملين واسمه مدرج في قوائم الإرهابيين، خلال التحقيقات معه: «تم الاتفاق مع أفراد الميناء الثلاثة على تسلم واحد منهم المبالغ المالية المراد تمريرها داخل أظرف كبيرة الحجم وإدخالها عبر الدائرة الجمركية من دون تفتيش، وتسليمها لواحد منا بعد ذلك، عقب إنهاء إجراءات السفر».

وتمثلت الطريقة الأخرى في تسهيل السفر باستخدام صالة كبار الزوار، وقيام أحد عناصر الشرطة الثلاثة بتمرير حقائب الأموال على جهاز الكشف على الحقائب بالأشعة الخاصة، من دون الإشارة لمحتوياتها، وفقاً له.

بدأ نقل هذه الأموال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، إلى الصين ودول عربية وتركيا، عبر عاملين في شركة الاستيراد والتصدير، ليصل إجمالي المبلغ الذي انتقل خلال تلك الفترة إلى نحو مليار جنيه، وفقاً لهمام.

ويُقر همام الذي ألقت السلطات المصرية القبض عليه في المطار في 8 يناير (كانون الثاني) 2016، حين كان في طريقه إلى الأردن، وبحوزته عملات أجنبية بما يعادل نحو مليون و650 ألف دولار، بنقل هذه الأموال مع عاملين في الشركة خلال استجوابه أمام جهات التحقيق، قائلاً: «تلخيصاً لموضوعي، أنا أعمل في تهريب العملة فقط لا غير في إطار الأعمال التجارية وأعمال الصرافة، ولا علاقة لي بأي جماعات».

ويؤكد المصدر «الإخواني» أن «القطاع الأكبر من رجال المال داخل التنظيم استخدم طرقاً تقليدية لتهريب الأموال، بينما رجال المال المنخرطون في استثمارات بمليارات نجحوا في ذلك بطرق أكثر تطوراً من فكرة نقل الأموال السائلة».

وكان تحقيق صحافي محلي نشر في أغسطس 2015. كشف أن رجل الأعمال صفوان ثابت، وهو أحد قادة الجماعة الماليين الصادر بحقهم قرار تحفظ وحفيد مرشد «الإخوان» السابق مأمون الهضيبي، نجح في نقل ملكية شركته إلى شركة أخرى تقع في جزر العذراء البريطانية، وهي ملاذ ضريبي شهير، كوسيلة لحماية ممتلكاته من خلال الامتيازات التي تتيحها هذه الجزر لأصحاب الشركات من «امتيازات ضريبية وسرية تامة، إضافة إلى سهولة التأسيس».

وسبقت هذه المحاولات مساعٍ بطرق أخرى من جانب قادة التنظيم المنخرطين في عالم الأعمال لنقل أموالهم إلى الخارج، وتحديداً قبل وقوع مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم الجماعة ببضعة شهور، بالتزامن مع انتشار دعوات حركة «تمرد» لسحب الثقة من مرسي.

ويقول مستشار قانوني لشركة مملوكة لرجل أعمال منتمٍ إلى «الإخوان»، إن «قادة التنظيم المنخرطين في النشاط التجاري لجأوا إلى التعاقد مع خبراء في القطاع البنكي لنقل أموالهم إلى الخارج، وتعيين ممثلين قانونين غير محسوبين على الجماعة لإدارة شركاتهم، وتمثيلهم في المنازعات القضائية».

هذا التفاوت في طرق نقل أموال قادة «الإخوان» إلى الخارج «مرتبط بتباين قدرات كل واحد منهم وصلاته، وحجم البيزنس»، كما يقول عادلي الذي يعزو تفضيل قادة التنظيم نقل أموالهم إلى دول أفريقية إلى ثلاثة أسباب، أولها أن «هذه الدول فيها مساحة أكبر للتهرب من القيود المرتبطة بتمويل الإرهاب، خصوصاً للمستثمرين المحسوبين على تنظيمات الإسلام السياسي حول العالم»، فضلاً عن أن أفريقيا «مساحة تقليدية لتوطين الأنشطة غير الرسمية وغير القانونية، والمراقبة فيها محدودة». والسبب الأخير هو «سهولة إقامة علاقات وثيقة مع مسؤولين في هذه الدول».

لكن هل تنجح مصادرة ممتلكات «الإخوان المسلمين» في كتابة نهاية التنظيم؟ يجيب عادلي قائلاً: «قياساً على تجارب سابقة، سيكون أثر هذه الإجراءات وقتياً وليس ممتداً على المدى البعيد».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

السياحة الحلال: موضوع جدل ساخن في إندونيسيا

2019-11-17

ترجمة: محمد الدخاخني


يبدو أنّ إندونيسيا، الدّولة ذات العدد الأكبر من السّكان المسلمين في العالم، ليست بالمكان المُرجّح لحفلٍ يتعاطى مع أيّ شيء له علاقة بالخنازير.
لكن خلال الشّهر الماضي، على شواطئ بحيرة توبا في سومطرة، تجمّع أكثر من 1,000 شخص لمتابعة سباقات الخنازير وأخذ صور "سيلفي" معها والاشتراك في منافسات مخصّصة لاستدعاء الخنازير ورسمها. كما جاؤوا لتناول لحم الخنزير المشويّ بطريقة محلّيّة شهيّة.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
والمهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير. فهو أيضاً وسيلة المجتمع المسيحيّ الكبير في المنطقة للرّدّ على الجهود الّتي أقرّتها الحكومة لترويج نسخة مُحافظة من الإسلام في كافّة أنحاء البلاد، بما في ذلك منطقتهم.
وفي الأشهر الأخيرة، اشتمل هذا الاتّجاه نحو المُحافظة الدّينيّة على قانون وطنيّ مُقترَح يحظر ممارسة أية علاقة قبل الزّواج وانتخاب نائبٍ للرّئيس كان أصدر فتوى فيما سبق ضدّ ارتداء قبّعات سانتا كلوز. وأيضاً، دفع الحكومة إلى تشجيع "السّياحة الحلال"، وهو ما يُقصد به قضاء عطلات قوامها أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشّريعة الإسلاميّة.

المهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير
يقول توغو سيمورانكير، وهو عالم أحياء ومُزارِع وصاحب فكرة مهرجان الخنزير: "السّياحة تدور حول السّعادة. السّياحة تتعلّق بالمرح. السّياحة لا علاقة لها بالدّين".
هذا الشّعور يضع السّيّد سيمورانكير في خلافٍ مع المسؤولين الحكوميّين وبعض جيرانه المسلمين في وقتٍ تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.
وتُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا، ومعظمهم من المسيحيّين، وهم يشكّلون واحدةً من أكبر مجموعات الأقلّيّات في البلاد. لكن الحكومة عيّنت المنطقة باعتبارها واحدةً من المناطق السياحيّة السّاخنة في المستقبل.

تُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيّين

ومن جانبها، تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد من خلال إنشاء "10 جزر على نمط بالي" على أمل تكرار نجاح جزيرة بالي بوصفها وجهةً للعطلات.
وتُعدّ بحيرة توبا إحدى الأولويات العُليا لهذا البرنامج، لكن مع وجود 231,000 زائر أجنبيّ فقط في عام 2018، فإنّ المنطقة أمامها طريق طويل. ويُذكر أنّ الحكومة شيّدت مطاراً إقليميّاً جديداً في عام 2017، لكن انقلاب عبّارة محمّلة بأكثر من طاقتها، وهو الحادث الّذي أسفر عن مقتل 188 شخصاً العام الماضي، لم يساعد في جذب الزّوار.
واجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018. ومن بين 15.8 مليون زائر، كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي أيضاً دولة ذات غالبيّة مسلمة. وكانت ثاني أكبر مجموعة من الصّين المُحبّة للحوم الخنزير، حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة.

تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد
ويقول السّيّد سيمورانكير وغيره من مسيحيّي باتاك إنّهم يشعرون بالاستياء من خطّة الحكومة للحدّ من ممارستهم تقاليدهم، بما في ذلك أكل لحم الخنزير، من أجل إرضاء السّيّاح المسلمين.
ويقول سكّان مسيحيّون إنّ الزّعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السّياحة الحلال للدّفع بسياساتٍ تمييزيّة.
وكان أحد الزّعماء المسلمين دعا إلى حظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامّة وارتداء ملابس السّباحة الغربيّة - خاصّة بدلات السّباحة النّسائيّة -، باستثناء المناطق المخصّصة لذلك.
ويقول هالاسان سيمانغونسونغ، إمام مسجد الهدهوناه في بلدة باليغي المطلّة على البحيرة: "بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتمّ منحهم مكاناً خاصّاً. ولكي يفعل السّيّاح الأجانب ما يحلو لهم، امنحهم منطقة خاصّة أيضاً".

اجتذبت إندونيسيا عدداً من السّيّاح عام 2018 أكبر مجموعة كانت من ماليزيا ذات الغالبيّة المسلمة ومن الصين حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة

وربّما من قبيل الصّدفة، يدير هذا الإمام مطعماً للأكل الحلال على شاطئ "بول بول".
مثل هذه القيود المفروضة على الطّعام والملابس، كما يخشى بعض سكّان باتاك، لا تنطبق فقط على الزّوار الأجانب ولكن على السّكّان المسيحيّين المحلّيّين أيضاً.
والخنزير مشحون برمزيّة ما عند كلٍّ من المسلمين والمسيحيّين، وقد استخدمت كلّ مجموعة هذا الحيوان للدّفاع عن تقاليدها.
بالنّسبة إلى المسلمين، الّذين يشكّلون حوالي 90 في المائة من سكّان إندونيسيا، فإنّ تناول الخنازير أو لمسها يُعتبر محرّماً. لكن بالنّسبة إلى مسيحيّي باتاك، تُعدّ الخنازير جزءاً من الحياة اليوميّة، ويُعدّ تقديم لحم الخنزير جزءاً أساسيّاً من كلّ احتفال مهمّ، من الولادة وحتّى الوفاة.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
يقول أوندي سيريغار، وهو مرشد سياحّي في مُتحف باتاك في باليغي ويربّي أيضاً 20 خنزيراً حول بيته: "يُعدّ الخنزير رمزاً للفخر عند أهل باتاك. وفي كلّ حفل، يجب أن يكون لحم الخنزير ضمن قائمة الطّعام".
وحتّى اليوم، يعيش العديد من القرويّين في منازل خشبيّة مرتفعة تضمّ مساحة سفلى لتربية الخنازير.
ويقول مارتونغو سيتينجاك، أحد زعماء كنيسة باتاك البروتستانتيّة، إحدى أكبر المنظّمات الدّينيّة في إندونيسيا: "إنّ حياتنا كلّها مرتبطة بالخنزير. وهذا الأمر لا يأتي من الدّين أو التّعاليم المسيحيّة. بل من الثّقافة".
وظهرت خطّة جذب المزيد من الزّوار المسلمين، خاصّة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في آب (أغسطس)، عندما اقترح حاكم مقاطعة سومطرة الشّمالية، إدي رحمايادي، وهو مسلم، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامّة.

اجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018
وقال الحاكم في ذلك الوقت: "إذا لم نقم ببناء مساجد هناك، فلن يحضر السّيّاح. وإذا جرى ذبح الخنازير في الهواء الطّلق، فقد يأتي السّياح غداً، لكنّهم لن يأتوا مجدّداً".
وعندما انتشرت إدانة واسعة النّطاق لملاحظات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيّين، أصرّ السّيّد إدي على أنّه لم يروّج مطلقاً للسّياحة الحلال.
كان أبرز ما في مهرجان الخنزير الّذي استمرّ يومين مسابقة صيد الخنازير. وفي ستّ جولات من المنافسة، تجمّعت فِرق الرّجال والصّبية معصوبي الأعين في مرجانٍ صغير وحاولوا الإمساك بخنزير صغير. كانت الّلعبة مُشابهة لمسابقات الخنازير المشحّمة المتعارف عليها بين رعاة البقر في أمريكا ومعارض المقاطعات، لكن العصابات الموضوعة على الأعين أضافت بعداً جديداً للكوميديا الهزليّة.

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وقد تجمهر مئات الأشخاص حول الحظيرة، وأخذوا يضحكون بصوت عالٍ مع كلّ محاولة لعرقلة الخنازير الثّلاثة الصّغيرة، الّتي لم تتوقّف عن الهروب من المتسابقين وقد غطّاهم الوحل. وأكثر من مرّة، أمسك أحد الرّجال بخنزير وانتهى به المطاف على الأرض مع منافس له، ممّا دفع الجمهور نحو المزيد من الضّحك.
وفي وقت مبكّر، انزلق خنزير أسود صغير خارج الحظيرة المصنوعة من أنصاف أعواد الخيزران، وركض مسرعاً نحو خنزير مشويّ مُعلّق في سيخ، ثمّ قفز في بحيرة توبا وسبح بعيداً.
يقول السّيد سيمورانكير، منظّم مهرجان الخنازير، إنّ ما يُثني السّيّاح عن القدوم ليس لحم الخنزير، ولكن تدمير البيئة.
ويضيف أنّه بعد الحصول على إذن الحكومة المركزيّة، شرعت شركات من خارج المنطقة في تقطيع أشجار الغابات المحيطة بالبحيرة وأقامت عمليّات استزراع سمكيّة واسعة أدّت إلى تلويث البحيرة، الّتي كانت ذات يوم تشتهر بمياهها الصّافية.
ويتابع السّيد سيمورانكير: "إذا كانوا يريدون زيادة السّياحة في بحيرة توبا، فإنّ عليهم عدم المراهنة على السّياحة الحلال. وإنّما إغلاق الشّركات الّتي تدمّر بيئة بحيرة توبا فحسب".


ريتشارد بادوك، النّيويورك تايمز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.nytimes.com/2019/11/08/world/asia/indonesia-lake-toba-pig-fe...

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية