فانوس المسرح ينطفئ: نادر عمران أسعدَ الناس ورحل وحيداً

2017-11-28

"ابتدعتُ طرقاً كثيرةً لإسعاد الناس، وسعيدٌ أنّني سأموت تعيساً"، كانت هذه المقولة آخر ما كتبه الفنان الأردني الراحل نادر عمران على صفحته على الفيسبوك قبل أن يفاجئه المرض ويدخل في غيبوبة لم يفق منها. انطفأ أمس 27 تشرين الثاني (نوفمبر)، قنديل مؤسس "مسرح الفوانيس" عن عمر يناهز 62 عاماً.

وبجمهورٍ قليل رافقه إلى مثواه الأخير، شيّع جثمان المخرج نادر عمران، بعد رحلة قدّم فيها للمسرح الأردني أجمل مواسمه الفنية، من خلال تأسيسه ورفاقه منذ العام 1982 "مسرح الفوانيس"، الذي أضاء بقناديله خشبات المسارح في عمّان وعواصم عربية عديدة.
عمران، المولود في قرية حلحول بفلسطين 1955، نال البكالوريوس في الفنون المسرحية من أكاديمية الفنون بمصر عام 1979، وهو عضوٌ في نقابة الفنانين الأردنيين، وعضوٌ مؤسس في مهرجان المسرح الأردني.

غادر نادر عمران لأنه لم يستطيع تحمّل آلام روحه ولم يعد يطيق أسراره وإن باح بها

الراحل، الذي قدّم أكثر من 15 عملاً مسرحياً، تميّز بمساهمته في صنع الأعمال المسرحية التي قدمها، مشاركاً في تفاصيلها البسيطة والمعقدة، بدءاً من كتابة أعماله والإشراف على إخراجها، وليس انتهاء بالديكور وأداء الممثلين والسينوغرافيا.
ولعمران مشاركاتٌ جاوزت مساحة الوطن العربي، متجهة صوب العالمية من خلال حضوره في مهرجاناتٍ منها ملتقى المسرح الأوروبي، ومهرجان لندن المسرحي، ومهرجان زيورخ، ومهرجان كييف.
مات محتجّاً
بحزن يتحدث الفنان الأردني محتسب عارف عن تجربة صديقه الراحل قائلاً: "نادر عمران من أهم الكتاب الذي كتبوا للمسرح، كما أنّه كتب معظم أعماله التي أخرجها".
إلى جانب كون عمران كاتباً مبدعاً فقد كان، وفق عارف، محترفاً في إخراج عروضه، ويشرف على التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالإضاءة وفي رسم السينوغرافيا، كما تمتع بـ"الجرأة في كسر التقليدي وطرح أعماله المسرحية".
وأضاف عارف لـ "حفريات "عملتُ مع عمران في عدة أعمالٍ مسرحية، منها؛ "مسرحية رمزية جداً جداً"، "السندباد"، وكان مريحاً في العمل، يركز على المشهد المسرحي بعمق"، منوهاً إلى أنّه هو وعمران اعتزلا المشهد الفني في السنوات الأخيرة معاً "احتجاجاً على ما يدور في الساحة الثقافية، وها قد توفي عمران دون أن يأتي احتجاجه بأية نتيجة".
لم يقبل بالعادي
وفي تجربة صاحب مسرحية "حياة لأجل الموت" و "جسر العودة" الثرية، آراء متعددة لمن رافقوا عمران أثناء تجواله في هذه الحياة، مقدماً عروضه المتنوعة والمختلفة. منهم الفنان والممثل الأردني مروان حمارنة الذي قال لـ"حفريات": "فقدت الحركة الثقافية الأردنية بشكل خاص والعربية بشكل عام أحد أعمدتها، فبموت نادر عمران يُغيَّب فنانٌ فتح عيون الوسط الفني العربي بأكمله على آفاق مسرحية جديدة".
وقال حمارنة عن صديقه الأقرب: "كان مشاكساً لا يقبل بـ "العادي" ويفتّش دوماً عمّا وراء الأشياء، كان يضغط بقوة على نفسه وعلى طاقمه الفني في سبيل بث رسالته المسرحية والثقافية".
أما المخرج  السينمائي الأردني فيصل الزعبي فقال لـ"حفريات" إنّ الراحل "ذهب وهو في حالة احتجاج لم تسعها الدنيا على تدمير فكرة مهرجان عمون المسرحي؛ حيث مات مسرحياً بسبب ضياع أفكار المهرجان، قبل أن يرحل عنا بجسده".

لعمران مشاركاتٌ جاوزت مساحة العالم العربي متجهة صوب العالمية حيث كتب معظم أعماله، وأبدع في إخراجها

أصدقاء الفنان، ممن عرفوه إنساناً وصديقاً ومخرجاً، بثّوا مشاعر حزنهم على فقدانه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث كتب مدرب التنمية البشرية الكاتب ماهر سلامة على حسابه على فيسبوك: "نادر غادر..فلم يستطيع تحمّل آلام روحه؛ لأنه لم يعد يطيق أسراره وإن باح بها". بينما قال الكاتب الأردني أخلد نواس على صفحته: "نعي مدينة فاضلة بنخبها ومثقفيها وفنانيها وجمهورها ومسارحها".
واعتبر العديد من مستخدمي الفيسبوك رحيل الفنان خسارةً لخشبة المسرح العربي، كما أفشوا في حديثهم عن عمران بعضاً من حزن الراحل خلال السنوات الأخيرة الماضية، واحتجاجه على الحالة الثقافية والمسرحية الأردنية، وهو الذي كتب على صفحته الشخصية في الفيسبوك يوم الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2017 "ابتدعتُ طرقاً كثيرةً لإسعاد الناس، وسعيدٌ أنني سأموت تعيساً".
ولعلّ عمران بموته، يترك إرثاً فنياً لا يموت، من خلال أعماله ومدرسته الفنية التي قدمت السعادة والثقافة والجرأة للناس، ليترك مؤسس مسرح الفوانيس قنديله مضاءً لمن شاء، أن يكمل مسيرة الفن بمواجهة الوضع الصعب الذي تعانيه الساحة الفنية من ضياع وتهميش.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: