اصطياد الصيادين.. القصة الكاملة لعملية صفقة الرهائن القطريين و"التهجير المميت"

16162
عدد القراءات

2018-05-02

وقف الشيخ تميم بن حمد، أمير قطر، على أرضية مطار الدوحة المفروشة بالسجاد الأحمر، في 21 نيسان (أبريل) العام الماضي، في انتظار رعاياه الذين ظلوا مختطفين في العراق مدة ما يقرب من العامين.

بدا مشهداً إنسانياً، والأمير يسقبل 25 من الرهائن الذين أفرج عنهم لتوّهم، بعد تجربة لا شك قاسية، إلا أنّ هيئتهم لم تكن تشي بمعاناة مفترضة، فوجوههم تشع منها النضارة، وأجسادهم بدت مليئة، وكأن الجوع لم يقرص بطونهم طيلة تلك الأشهر الحالكة.

لم يصدر الإعلام القطري للواجهة حينها سوى صورة سمو الأمير الذي لم يسترح حتى استرد مواطنيه لحضن وطنهم، إلى أن خرج الإعلام الغربي ليقلب الصورة تماماً وتظهر بوادر صفقة تهجير "مرير" لنحو 50 ألفاً من السوريين "السنّة" كانوا يقطنون قريتي "مضايا والزبداني" تلبية لرغبة إيرانية في التخلص من هؤلاء الأهالي المتمردين على نظام بشار الأسد، والجاثمين على تخوم دمشق، حتى يتوطن بديلاً عنهم عشرات الآلاف من المواطنين الشيعة والعلويين، يقتربون من حدود العاصمة، في عملية تغيير ديموغرافي، مقابل الإفراج عن 25 من الرعايا القطريين اختطفتهم مليشيا عراقية شبه عسكرية، في صحراء محافظة المثنى.

لم تنتهِ القصة بذلك؛ بل أشارت التقارير إلى دفع الدوحة فدية كبيرة بلغت مئات الملايين، وفق المصادر الغربية، قسّمت بنسب متفاوتة، على أمراء الحرب في العراق وسوريا، لتجد آلات الموت من يشحن بطونها باللهيب، ولتحصد تروسها آلاف الأبرياء، هذه كانت القصة القصيرة المأساوية أما الكاملة ففي السطور الآتية.

لم يصدر الإعلام القطري للواجهة سوى صورة الأمير الذي يسترد مواطنيه لحضن وطنهم

الصائد الثمين!

انطلق رتل من مركبات الدفع الرباعي، يحمل عدداً من القطريين ومنهم بعض أبناء العائلة الحاكمة لقطر "آل ثاني"، قاصدين جنوب البلاد، حتى وصلوا إلى حدود المملكة العربية السعودية، فاجتازوها، وأخذوا في تحويل مسارهم نحو الشمال، حتى دخلوا الأراضي الكويتية واستمروا في وجهتهم، حتى حطوا في صحراء الجنوب العراقية، بعد أن نال منهم عناء السفر، وبات بينهم وبين الدوحة نحو 450 ميلاً.

تتألف مجموعتهم من 26 فرداً نصفهم ينتمي للأسرة الحاكمة، أما هدفهم المعلن فهو "صيد الصقور" إلا أنّ الأقدار كانت تعد لصيدهم أنفسهم من صقور مليشيات إرهابية لا ترحم.

أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2015، حط هذا الرتل في  صحراء محافظة المثنى العراقية؛ حيث بدؤوا في التجوال عبر الصحراء إلى جانب الحراس الذين استأجروهم، كما كانوا بين فينة وأخرى يهبون هدايا باهظة للبدو، لضمان سلامتهم.

يتحدث أحد الرهائن المحتجزين لــ "نيويورك تايمز": بحلول 15 كانون الأول (ديسمبر) كانوا على وشك العودة للديار، وفي تلك الليلة استيقظ أحد أعضاء فريق الصيد من "آل ثاني" ويدعى "أبو محمد"، جراء دخول أحد الخدم مسرعاً وهلعاً يركض إلى خيمته، وهو يصيح: هناك جنود في جميع أنحاء المخيم، استيقظ "أبو محمد" وارتدي ثيابه سريعاً، ونظر من خلال الخيمة، فرأى رجالاً يرتدون الزي العسكري، وعشرات السيارات، والشاحنات مثبت عليها رشاشات ثقيلة.

أدرك القطريون أنّ أبناءهم قد وقعوا في أسر مليشيا شيعية على علاقة بإيران

الوقوع في الشرك

على وقع صيحات "يا حسين" اقتاد الخاطفون، وفق ما أورد تقرير "نيويورك تايمز"، الرهائن القطريين في شاحنة، وكانوا يسمعون صوت طائرات تقلع وتهبط وأصوات جنود، إضافة إلى الأوامر العسكرية والتحيات، ولم يتمكن الرهائن من تحديد موقعهم. وفي قاعدة طليل الجوية بالقرب من الناصرية، إحدى أكبر المنشآت العسكرية "على الأرجح" زجوا مقيدين ومعصوبي الأعين في أحد الطوابق السفلية، وبعدها نقلوا إلى مكان آخر مجهول.

وصل خبر الاختطاف إلى الدوحة في السادسة والنصف صباحاً، وقد جرت على إثر ذلك سلسلة من المكالمات الهاتفية بين مسؤولي الحكومة وأفراد الأسرة الحاكمة. لكن شبحاً مخيفاً كان قد ظهر في الواجهة.

أدرك القطريون أنّ أبناءهم قد وقعوا في أسر مليشيا شيعية على علاقة بإيران، وهو ما يعني أنّ مصيرهم بات في قبضة الرجل الأخطر الجنرال "قاسم سليماني" رئيس الحرس الثوري الإيراني، لكن سليماني لم يكن يضع نصب عينيه الفدية؛ بل كانت له مآرب أخرى أهم وأخطر ربما.

إلى هنا تتدخل الصحيفة الأمريكية لتصف الرهائن القطريين بــ"بيادق قيمة في هذه اللعبة الجيوسياسية"، ففي ذلك الوقت كان "سليماني" وحلفاؤه من "حزب الله" يبحثون عن طرق جديدة لتعزيز السيطرة على مناطق رئيسية معينة بالقرب من العاصمة السورية: ليس فقط من خلال قتل المقاتلين المتمردين، بل لطرد السكان المدنيين السنة الذين كانوا يشكلون حاضنة شعبية لهم.

ظلّ الرهائن القطريون طيلة 16 شهراً، لكن في نهاية المطاف تمت عملية التغيير الديموغرافي

إيران وصفقة الأربع بلدات

أمل الإيرانيون في إعادة إعمار البلدات ذات الأقلية الشيعية، ومن ثم كانت هناك خطة مثيرة للجدل وطموحة تختلط بنغمات للتطهير العرقي، لكن إذا نجحت فإنّها يمكن أن ترسخ النفوذ الإيراني في سوريا على المدى الطويل.

تقول الصحيفة إنّه قبل أن يتم خطف الرهائن القطريين، بدأت إيران جهداً جريئاً لتحقيق هذا الانتقال الديموغرافي، ففي اجتماع سري عقد في إسطنبول بتيسير من الأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) 2015، اقترح مبعوث من قوة القدس التابعة لسليماني اتفاقاً أصبح يعرف باسم "صفقة أربع بلدات" وبموجب الاتفاق سينتهي حزب الله من حصار اثنين من معاقل المتمردين السنة في سوريا بالقرب من الحدود اللبنانية "مضايا والزبداني" التي كان يشكل سكانها تهديداً مستمراً لنظام الأسد في دمشق، وفي المقابل سينتهي المتمردون الممولون من قبل قطر حصارهم لبلدتين شيعيتين في الشمال الغربي، وهما:"فوعة وكفرايا".

صفقة البلدات الأربع ستحقق هدفين لإيران، وفق الصحيفة، "التخلص من تهديد المتمردين في منطقة إستراتيجية، في الوقت الذي يتم فيه إنقاذ الشيعة المعرضين للخطر في الشمال.. كانت تفاصيل الصفقة غامضة في البداية لكن في وقت ما اقترح الإيرانيون أن يتمكن السكان من مبادلة المدن؛ حيث يتداول السوريون السنة والشيعة حرفياً الأماكن، وربما يسكنون منازل بعضهم البعض، لقد قدموا هذا كبادرة إنسانية باعتبار أنّ إنهاء الحصار سيفيد الناس في جميع المدن الأربع، لكن المتحدثين باسم الفصائل في إسطنبول رفضوا الفكرة بشكل غاضب، واصفين إياها بجهد متغطرس لإعادة تشكيل خليط سوريا الطبيعي من ديانات ومجموعات عرقية متنوعة ذات حسابات طائفية صارمة.

الغارديان: ربطت المفاوضات إتمام الصفقة في سوريا بإطلاق سراح الرهائن القطريين

تقول "نيويورك تايمز": "إنه بعد عملية خطف الصيادين القطريين، اكتسبت إيران بعض النفوذ القوي على هؤلاء المتمردين السنة أنفسهم- أو بالأحرى على مانحهم الرئيسي في الدوحة- وعادت خطة إخلاء المدن الأربع إلى الطاولة"، وذكرت الصحيفة تفاصيل عن تعثر المفاوضات لأشهر؛ إذ ظلّ الرهائن القطريون طيلة 16 شهراً، لكن في نهاية المطاف تمت عملية التغيير الديموغرافي في سورية تحت مشهد من العنف والقصف، كما تم الإفراج عن الرهائن بعد دفع الدوحة مئات الملايين من الدولارات (بعض المصادر قدرتها ب 360 مليون دولار)  للمليشيات المسلحة وذلك من خلال دفعتين.

بحلول نيسان (أبريل) 2017، بعد اجتماعات إضافية مع الإيرانيين، قادها السفير القطري في العراق، زايد بن سعيد الخيارين، تم وضع خطوط عريضة لصفقة شاملة؛ حيث وصلت الحافلات إلى القرى السورية الأربع لتبدأ عمليات الإخلاء، ويتم أخذ الرهائن القطريين إلى بغداد وإطلاق سراحهم، وكان كبار المسؤولين القطريين للمساعدة في الإشراف على كلا الحدثين، حسب وثائق مسربة نشرتها صحيفة "واشنطن بوست".

حاولت قطر حماية نفسها من خلال مغازلة وإزعاج جميع الأطراف دفعة واحدة

التحالف مع الشيطان

منذ التسعينيات حاولت قطر حماية نفسها من خلال مغازلة وإزعاج جميع الأطراف دفعة واحدة، وقد قفزت إلى سوريا وإيران وحزب الله، "المحور الشيعي" في المنطقة، ما أثار غضب السعوديين والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه وصلت أيضاً إلى دول سنيّة أخرى، باستخدام أموالها للتوسط في الصفقات الدبلوماسية في لبنان واليمن.

كان لموازنة قطر نتائج عكسية، فمن خلال أموالها أجرت رهاناً محفوفاً بالمخاطر بتمويل فصائل متمردة سنية في سوريا بما في ذلك الفرع المحلي لتنظيم القاعدة، على أمل أن يفوزوا في الحرب الأهلية وأن يدينوا بالامتنان لرعاتهم، وبدلاً من ذلك استمرت الحرب السورية، وأصبح المتمردون أكثر تطرفاً وباتت قطر متهمة بارتباطها بالجماعات المتطرفة، وفي نهاية المطاف تمكنت الدوحة من صنع أعداء على جانبي الانقسام المتفاقم، حسب ما ذكر تقرير نشرته "واشنطن بوست".

"نيويورك تايمز": "بعد عملية خطف الصيادين القطريين، اكتسبت إيران بعض النفوذ القوي على المتمردين السنة

وقال دبلوماسي عربي في الدوحة إنّ أشهراً من المفاوضات دارت بشأن الخطف بين إيران وقطر وجماعة حزب الله الشيعية اللبنانية، مضيفاً أنّ المفاوضات بشأن إجلاء المدنيين والمقاتلين في سوريا، والتي شارك فيها مسؤولون إيرانيون ومن جماعة أحرار الشام السورية المعارضة جرت في قطر أثناء زيارة وزير الخارجية الإيراني.

ربطت المفاوضات إتمام الصفقة في سوريا بإطلاق سراح الرهائن القطريين. واتهمت الفصائل الشيعية الدوحة بأنّها تتدخل في شؤون العراق وتمول الفصائل السورية المسلحة المحاربة لنظام بشار، وفق ما أوردت صحيفة "الغارديان".

من أجل استرداد رهائنها تفاوضت قطر حول عملية تبادل سكاني في سوريا، مستخدمة ميليشيات التمرد التي تمولها، وهذه العملية عملت على تقدم هدف إيران الأكبر المتمثل في تحويل سوريا، جنباً إلى جنب مع العراق ولبنان واليمن، إلى دول تابعة تضمن دوراً إيرانياً مهيمناً في جميع أنحاء المنطقة، إلا أنّ تلك العملية بالنسبة لآلاف السوريين الذين يتضورون جوعاً، تعني طردهم إلى المنفى باتفاق غامض، وفق ما أوردت صحيفة "واشنطن بوست".

مسؤولون عراقيون: الحقائب تحمل ملايين الدولارات من الأموال كفدية للميليشيات العراقية التي تحتجز أفراد العائلة المالكة

حقائب متخمة بالمال

في منتصف نيسان (أبريل) العام 2017، وصل مسؤولون قطريون إلى العاصمة العراقية مع حقائب كبيرة رفضوا السماح بتفتيشها.

سرد تقرير "نيويورك تايمز" قصة قدوم شخص قطري إلى صالة كبار الشخصيات في رحلة مسائية، وعرف بنفسه مبعوثاً حكومياً رفيع المستوى، وأشار إلى أنّ زملاءه الــ14 شخصاً الذين يرتدون اللباس القطري المحلي برفقتهم 23 حقيبة سوداء ثقيلة جداً إلى درجة أنّ الحمالين واجهوا صعوبة في إدخالها للغرفة.

وقال مسؤولون عراقيون كبار يعتقدون أنّ الحقائب تحمل ملايين الدولارات من الأموال كفدية للميليشيات العراقية التي تحتجز أفراد العائلة المالكة، في حين أنّ كتائب حزب الله ومجموعتين سوريتين هما أحرار الشام وتحرير الشام، اتفقتا على تأمين السكان الشيعة في المبادلة.

لم تكن زيارة وفد حكومي محملاً بــ23 حقيبة متخمة بالمال إلى العراق نزهة، أو تسلم الرهائن القطريين من الحكومة، بل جاءت الزيارة كنتيجة لاتصالات حكومية مع ميليشيات مسلحة في العراق وسورية.

360 مليون دولار قدمت لجماعات إرهابية لكن ربما تكون الأموال أقل أهمية من الأبعاد السياسية للاتفاقية التي عقدتها الدوحة مع هذه الجماعات، وفق ما ذكرت صحيفة "الغارديان".

رسائل بلون الدم

دخلت الحقائب على مرمى ومسمع من الحضور في صالة كبار الزوار، حتى رصدها مراسل "نيويورك تايمز" بعينيه، وفق التقرير، إلا أنّ قطر نفت أن تكون تلك الأموال هي لدفع فدية لميلشيات متطرفة؛ بل لدعم الحكومة العراقية.

قد يكون مقبولاً أن تدفع قطر عن نفسها التهمة، لكن المدهش هو موقف الحكومة العراقية التي بدت وكأنها تحرج الدولة القطرية؛ إذ صرحت بأنّ الأخيرة حاولت إدخال أموال بشكل "غير مشروع" للبلاد مما دفعهم لمصادرتها، وإدخالها لبنكهم المركزي في بغداد.

نشرت واشنطن بوست رسائل سرية لسفير قطر بالعراق  تثبت توزيعه مئات الملايين من الدولارات على المنظمات المسلحة

حتى نشرت "واشنطن بوست" رسائل سرية لسفير قطر في العراق، تثبت أنّه وزع مئات الملايين من الدولارات على تلك المنظمات المسلحة، وشخصيات في الحكومة العراقية والإيرانية والتركية.

المحادثات والرسائل النصية، التي حصلت عليها صحيفة "واشنطن بوست"، تشير إلى أنّ كبار الدبلوماسيين القطريين وقعوا على سلسة من الدفعات الجانبية تتراوح بين 5 و50 مليون دولار  للمسؤولين الإيرانيين والعراقيين وزعماء القوات شبه العسكرية، مع تخصيص 25 مليون دولار لرئيس كتاب حزب الله، و50 مليون دولار مخصصة لقاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني والمشارك الرئيسي في صفقة الرهائن.

تظهر الرسائل كذلك أنّ سفير قطر في بغداد قال لوزير الخارجية القطري: "إنّ المسلحين طلبوا في وقت لاحق من خلال وسيط تقديم تنازلات أخرى منها انسحاب قطر الكامل من التحالف العربي في اليمن، ووعد بإطلاق سراح الجنود الإيرانيين الذين تحتجزهم الجماعات السنية المسلحة المدعومة من قطر".

اقرأ المزيد...

الوسوم: