العلاقة القطرية الإخوانية: الجماعة تركب موجة "الربيع العربي"

بدأت قناة الجزيرة منذ نهاية العام 2010 بتغطية أحداث "الربيع العربي"، وقطعت القناة أو حوّرت معظم برامجها، لتتحوّل إلى ورشة نشطة تغطي أحداث "الثورة" التونسية منذ بداياتها، وبتلقيها لتفويض مطلق من القيادة السياسية في قطر لدعم "الثورات العربية"، انبثقت عنها عدّة قنوات ذات تغطية مباشرة ومواقع إلكترونية، لمتابعة الأحداث.

وهذا التفويض المطلق من القيادة القطرية، يرى فيه الخبير الإعلامي في مركز الخليج للبحوث بجامعة كمبريدج خالد الحروب، أنّ القناة لم تعد مجرد ناقل للخبر أو الحدث؛ بل اتجهت إلى صنعه أيضاً. ويضيف في دراسته المنشورة العام 2011 عن منظمة (project syndicate) الصّحفية "أنّ الجزيرة بالنّسبة إلى آل ثاني، تشكل جزءاً لا يتجزّأ من "الهوية" الوطنية لدولة قطر وطموحاتها في مجال السياسة الخارجية، والواقع أنّ الدوافع وراء هذه الطموحات غير واضحة".

قطر وظفت جماعة الإخوان لتقوية سياستها الخارجية

ويتجلى عدم وضوح هذه الطموحات، مثلاً، من خلال الإسلاميين الذين يثنون على "الجزيرة" باعتبارها منبراً لوجهات نظرهم، ويضطرون كذلك إلى التعامل مع حقيقة مفادها أنّها توفر أيضاً "منبراً للإسرائيليين" الذين يفترض أن يختلف الإسلاميون معهم بطبيعة الحال، ويشير الحروب في دراسته إلى هذا الجانب بقوله: "عملت قطر على إنشاء علاقات قوية مع كل من إسرائيل والعديد من الحركات الإسلامية، بما في ذلك حماس وحزب الله".

 

 

الجزيرة تصنع الحدث وتنشر الفوضى

ولم تكتفِ الجزيرة بنقل الأحداث، بقدر ما شاركت في صنعها، وحاولت إفراز حقائق سياسية أو نقل وجهات نظر محددة؛ بحيث تؤثر في الرأي العام وتتدخل في مسار الأحداث بما يخدم مشروع السلطات القطرية لتوسيع نفوذها في العالم العربي، ويرى الباحث الفلسطينيّ وليد الشرفا في كتابه "الجزيرة والإخوان"، المنشور العام 2013 عن المؤسّسة العربية للدّراسات والنشر، أنّ قطر وظفت جماعة الإخوان كرافعة لتقوية سياستها الخارجية، من خلال ما أسماه الكاتب بـ"عودة الجماعة الآليّة"، ويقصد عودتها من خلال الإعلام والفضاء الرقمي؛ خاصة "الجزيرة" التي عملت على تعميم خطاب الإخوان.

القيادي المنشق السويدي يكشف دور قطر في استقبال أعضاء التنظيم الهاربين من الإمارات و استصدار وثائق مزورة لهم لتسفيرهم إلى تركيا

وما تعيين رفيق عبد السلام، المدير التونسي السابق في مركز بحوث الجزيرة، وزيراً لخارجية تونس العام 2011، إلا واحد من عدة أمثلة على تحول سياسات الجزيرة إلى ورقة ضغط بيد قطر، خاصةً بالعودة إلى تبنّي القناة لراشد الغنوشي- (والد زوجة رفيق عبد السلام) وزعيم حركة النهضة التونسية الإسلامية- الذي عاد إلى تونس بعد الثورة، من خلال برامجها الوثائقية والإخبارية، وتوجيه الدعم إلى الحركات الإسلامية في البلدان العربية، حتّى تقطف ثمار ما يطلق عليه "الربيع العربي".

 

 

الثقل الذي تمتع به تنظيم الإخوان من خلال قناة الجزيرة، ظهرت معالمه في بلد آخر هو مصر؛ إذ توضح هذا الدعم بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في تموز (يوليو) 2013، وصعود تظاهرات شعبية مؤيدة وأخرى رافضة لعزله؛ حيث أظهرت أرقام وإحصائيّات "رقميّة" أوردتها الجزيرة بتاريخ 30 حزيران (يونيو) 2013، تزعم وجود أعداد كبيرة من المصريّين تؤيد مرسي، فيما نفى المدير الإقليمي لشركة غوغل في حينه وائل فخراني هذه الأرقام، وأعلن أنها "وهمية".

الجزيرة بالنّسبة إلى آل ثاني تشكل جزًءا لا يتجزّأ من "الهوية" الوطنية لدولة قطر وطموحاتها في مجال السياسة الخارجية

انحياز الجزيرة للإخوان، لم يتوقف عند هاتين الدولتين فحسب؛ فهو موجود في الأردن والسودان، وفي ليبيا، التي تلقّت دعماً إعلامياً من قناة الجزيرة، وآخر لوجستياً وإعلاميا من قطر، موجّهاً إلى تنظيمات متطرفة فيها، مثل: "مجلس شورى مجاهدي درنة"، و"سرايا الدفاع عن بنغازي"، وقد دعت لجنة حقوق الإنسان الليبية بتاريخ 3 تموز (يوليو) 2017 إلى ضرورة فتح تحقيق حيال تدخل الدوحة في الشؤون الداخلية الليبية.
ورغم حظر بث "قناة الجزيرة مباشر مصر" بعد اتهامات من جهات رسمية وغير رسمية مصريّة بدعم العنف والطائفية، فضلاً عن منعها- منذ تموز (يوليو) 2017- من البث في عدّة دول عربية بتهمة توجيه وتأليب الرأي العام، إلا أنّ الجزيرة الإخبارية اتخذت منذ العام 2014 مديراً إخوانيّاً جديداً، هو الأردني المنتمي لجماعة الإخوان ياسر أبو هلالة، الذي لا يخفي انحيازه الشخصي للجماعة على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تغير القناة من سياساتها الإعلامية المحرضة التي كشف القيادي الإخواني السابق الإماراتي، عبد الرحمن خليفة بن صبيح السويدي، عن جوانب خطيرة منها.

 

 

قطر تحرض على الإمارات

السويدي، الذي يقضي عقوبة بالسجن في دولة الإمارات على خلفية انتمائه إلى ما يعرف بــ "التنظيم السري"، تحدث إلى قناة أبو ظبي بتاريخ 14/7/2017، عن إرسال قناة الجزيرة في العام 2010 مدربين لتدريب شباب التنظيم على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتحريض على الحكومة، وتنظيم المظاهرات، وإحداث حالة من الفوضى في البلاد على غرار أحداث ما يسمى "الربيع العربي".
وذكر السويدي أنّ مذيع قناة الجزيرة أحمد منصور، والأستاذ في جامعة حمد بن خليفة آل ثاني في قطر محمد مختار الشنقيطي، انتُدبا للتدريب في هذه الدورة التي كان طلابها أعضاء في التنظيم السّري، وكشف السويدي عن دور قطر في استقبال أعضاء التنظيم الهاربين من الإمارات، و"استصدار وثائق لهم لتسفيرهم إلى تركيا في نهاية المطاف، من أجل الاستمرار في نشر التحريض ضد الإمارات عبر المنصات الإعلامية التابعة للدوحة والإخوان".
وقال إنّ "بعض الهاربين سافر إلى قطر ببطاقة هوية فقط دون جواز سفر، وهناك، حصلوا على وثائق سفر لا نعلم من أين جاؤوا بها".

وبحلول العام 2016، أمعنت الجزيرة في تشويه شعارها المزعوم حول "الرأي والرأي الآخر"، موظّفة التناقض بين الإخوانية الدينية والليبرالية؛ إذ امتدت شبكتها الإعلامية في وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة الإلكترونية، محاولة احتواء معظم التيارات السياسية التي نشطت بعد العام 2011، فاستمرّت بدعم صحيفة "العربي الجديد"، التي يشرف على نهجها التحريري التحريضي، عضو الكنيست السابق المقيم في قطر، عزمي بشارة، وتوسعت تجاه مواقع التواصل الاجتماعي بإنشاء منصات منوعة تخاطب الشباب وتطرح مواضيع متنوعة، تمرر من خلالها رسائلها السياسية المباشرة تجاه دول عربية بعينها.
ولعلّ ما ألمحت إليه الإعلامية خديجة بن قنة في احتفالية قناة الجزيرة بذكرى تأسيسها العشرين بتاريخ 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 خير  ما يلخص رسالة القناة؛ حين تفاخرت بـ"المصداقية" التي رسختها لدى المتلقي العربي دون الحاجة إلى "الرجوع إلى الهيئات الرسمية أو الحكومية أو الحزبية أو  غيرها".

 

الأقسام: