الهجمات الانتحارية..هل تحسم الفتاوى الصراعَ الأيديولوجي؟

الهجمات الانتحارية..هل تحسم الفتاوى الصراعَ الأيديولوجي؟
7706
عدد القراءات

2018-01-29

يبدو أنّ باكستان تتّخذ إجراءات فعّالة ضدّ أيديولوجيا الإسلامويّة الراديكاليّة بعد أن اتّهم دونالد ترامب إسلام آباد بلعب "دور مزدوج" في عمليّة مكافحة الإرهاب، وحذّر من أنّه سيتعيّن عليها بذل المزيد من الجهود إذا ما أرادت الحفاظ على المساعدات الأمريكيّة. وفي منتصف كانون الثاني (يناير) 2018، أصدر أكثر من 1,800 من العلماء المسلمين في باكستان فتوى ضدّ الجهاد والتفجيرات الانتحاريّة.

وينصّ هذا القرار الدينيّ القانونيّ على أنّ "التفجيرات الانتحاريّة 'محرّمة' وتنتهك التعاليم الإسلاميّة الرئيسة". ومن جانبه، قال الرّئيس الباكستانيّ، مأمون حسين، في احتفال رسميّ إنّ "هذه الفتوى توفّر قاعدة قويّة لاستقرار مجتمع إسلاميّ معتدل". وكان قد عَمِل على إخراج هذه الفتوى 30 من العلماء، وأيّد موقفهم 1,829 من الشخصيّات الدينيّة الإسلاميّة البارزة، كما ورد في موقع قناة العربيّة.

فتاوى متعدّدة ضدّ التفجيرات الانتحاريّة

باعتباري باحثاً يعمل على تحليل عمليّة الرّدكلة للأيديولوجيا الإسلاميّة وأنشطة الجماعات السلفيّة الجهاديّة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، أودّ أن أشدّد على أنّ هذا الإجراء الذي اتّخذته السلطات الباكستانيّة قد وافق عليه العديد من العلماء المسلمين المعتدلين في المنطقة. ويُذكَر أنّ الرئيس الأفغانيّ، أشرف غني، فقط هو الذي قام بانتقاد الفتوى المكافحة للإرهاب الصادرة عن علماء الدّين في باكستان، قائلاً إنّه كان ينبغي على فتوى مكافحة الإرهاب أن تغطّي العالم الإسلاميّ بأسره، بما فيه بلاده.

الدعوة إلى الجهاد تمثّل السلاح الأيديولوجيّ الذي تمتلكه الجماعات الإرهابيّة

كذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ لاهوتيّين ومُفْتين وعلماء في العالم الإسلاميّ قد أصدروا سابقاً توجيهات أو فتاوى إسلاميّة مماثلة ضدّ التفجيرات الانتحاريّة التي تستخدمها الجماعات الإرهابيّة. على سبيل المثال، في عام 2010، أصدر واعظ إسلاميّ بارز، هو أستاذ اللاهوت د. محمد طاهر القادريّ، فتوى عالميّة ضدّ التفجيرات الانتحاريّة. ففي كتابه "فتوى في الإرهاب والتفجيرات الانتحاريّة"، الذي صدر باللغة الإنجليزيّة في لندن، نظمَ حججاً لاهوتيّة تستند إلى آيات القرآن الكريم ضدّ قتل المدنيّين وضدّ التفجيرات الانتحاريّة. وقدّم دحضاً لاهوتياً مفصّلاً لكلّ حجّة استخدمت من جانب المجنّدين المتأثّرين بفكر تنظيم القاعدة. في ذلك الوقت، قال طاهر القادريّ إنّ حُكْمَه المؤلّف من 600 صفحة، المعروف بالفتوى، يفكّك تماماً الأيديولوجيا العنيفة للقاعدة. للأسف، بعد 8 أعوام، علينا أن نعترف بأنّ الوعود التي قطعها القادريّ لم يتم الوفاء بها. ففتواه لم تدمّر الأيديولوجيا الراديكاليّة للقاعدة، التي تواصل النجاح في تجنيد المزيد من المؤيّدين في أنحاء العالم كافّة، وتواصل أيضاً استخدام التفجيرات الانتحاريّة.

وفي عام 2014، أصدرت هيئة العلماء في المملكة العربيّة السعوديّة فتوى جديدة، أو حكماً قانونياً، معلنة أنّ الإرهاب "جريمة بشعة" بموجب الشريعة الإسلاميّة من أجل تقويض شرعيّة متمرّدي داعش في العراق وسوريا وتثبيط الدّعم الموجّه للمتطرّفين.

وفي عام 2013، أثار علماء مسلمون من أفغانستان ومصر مسألة إصدار فتوى تحظر التفجيرات الانتحاريّة، التي يستخدمها مسلحو حركة طالبان بنشاط.

وفي آذار (مارس) 2015، أصدرت الإدارة الروحيّة لمسلمي روسيا أيضاً فتوى ضدّ داعش، جاء فيها أنّ التأسيس لخلافة يعدّ أمراً محرّماً دون موافقة جميع مسلمي العالم واعتماد الشورى. لقد أشار العلماء الروس إلى أنّ الإسلام يَحظُر إعلان الخلافة دون اعتماد إجراء "الشورى" من جانب جميع مسلمي العالم. ويعتبر إعلان الخلافة دون هذا الإجراء فتنة. وقد صدرت فتاوى مماثلة من جانب علماء مسلمين في أوزبكستان وطاجيكستان والهند ودول أخرى ضدّ استخدام القاعدة وداعش للانتحاريّين.

الأثر المحدود للعلماء المعتدلين

إلّا أنّ كفاءة التوجيه أو الفتوى الإسلاميّة ضدّ الجهاد الصادرة من جانب المفتين والعلماء في العالم الإسلاميّ ما تزال منخفضة. وبسبب أساليبهم في مواجهة أيديولوجيا الراديكاليّة الإسلاميّة وطرق الفتوى، فإنّ التفسيرات المقدّمة للنّاس ليست كافية لإقناعهم. وخلافاً لهم، يستخدم الرّاديكاليون الإسلاميّون وسائل التواصل الاجتماعيّ بكفاءة ويعامِلون مختلف فئات النّاس بالتّمام.

ومن السذاجة أن نعتقد أنّه إذا أصدر علماء الدّين فتوى ضدّ تنظيمي القاعدة وداعش، فإنّ أيديولوجيا الراديكاليّة الإسلاميّة سيتم نزع الشرعية عنها، فيما سيضع مؤيّدوها السلاح ويكفوا عن استخدام التفجيرات الانتحاريّة.

من السذاجة الاعتقاد أنّ صدور فتوى ضدّ تنظيمي القاعدة وداعش، سينزع الشرعية عن أيديولوجيا الراديكاليّة الإسلاميّة 

لقد جادلتُ دائماً بأنّ أيديولوجيا الإسلامويّة الراديكاليّة، التي تسمح باستخدام التفجيرات الانتحاريّة "ضدّ الصليبيّين واليهود وغيرهم من أعداء الإسلام"، قبل كل شيء، يجب أن تكافح من قِبل الدول الإسلاميّة والعلماء البارزين والمفتين المكرّسين الذين يعرفون جيداً نظريّة وممارسة الدّين الإسلاميّ. ومع ذلك، فإنّ انفجار الأيديولوجيا العنيفة للراديكاليّة الإسلاميّة والاستخدام النَشِط للانتحاريّين في سوريا والعراق وأفغانستان وباكستان في العام الماضي يُثبِت خسارة الدول الإسلاميّة وعلمائها بشكل كبير أمام المجموعات عبر-الوطنية، كالقاعدة وطالبان وداعش، في الصراع الأيديولوجيّ. إنّ سقوط ما يسمّى بالدولة الإسلاميّة في العراق وسوريا لا يعني أنّ الأيديولوجيا السلفيّة المتشدّدة قد تعرّضت للتركيع في هذه البلدان وتوقّفت التفجيرات الانتحاريّة. ففي مقابل ذلك، ازداد نشاط مؤيّدي تنظيم الدولة الإسلاميّة بشكل ملحوظ في وسائل التواصل الاجتماعيّ؛ حيث يقومون بالدعوة إلى الجهاد ضدّ الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل ودول أخرى في الغرب.

والدعوة إلى الجهاد تمثّل السلاح الأيديولوجيّ الذي تمتلكه الجماعات الإرهابيّة. وفي الإسلام المعتدل التقليديّ، لا يقع الجهاد بين الأركان الخمسة للإيمان، ويُفهَم على أنّه حرب دفاعية ضدّ المضايقات التي يتعرَض لها المسلمون. لكنّ الراديكاليّين الإسلامويّين يحاولون جعل الجهاد ركناً سادساً في العلوم الإسلاميّة، بعد الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج.

ينظر السلفيون إلى الجهاد، في المقام الأوّل، باعتباره كفاحاً مسلحاً، مركّزين على الجانب الهجوميّ للحرب المقدّسة. ويعلِنون المشاركة في الجهاد كواجب مقدّس لكلّ مسلم حقيقيّ. وقد طوّر أيديولوجيّو الراديكاليّة الإسلامويّة، سيّد قطب وعبد السلام فرج وأيمن الظواهريّ، إستراتيجيّة الجهاد وتكتيكاته للعالم الحديث، مؤكّدين على أساليب استخدام الانتحاريّين.

وفي وسائل التواصل الاجتماعيّ، تدعو الجماعات الإرهابيّة في آسيا الوسطى، كتيبة التوحيد والجهاد والحزب الإسلاميّ التركستانيّ وكتيبة الإمام البخاريّ، المسلمين إلى الانضمام إلى الجهاد في الشام والدّفاع عن الإسلام عوضاً عن الجلوس في المنزل. وهم يدّعون أنّه فقط بعد الإطاحة بالكفّار واستعادة وحدة جميع المسلمين (الأمّة)، كما كان الحال في العصر الذهبيّ للخلافة، يمكن إقامة علاقات سلميّة داخل الأمّة.

القرآن باعتباره مصدراً للحقيقة في الصراع الأيديولوجيّ

للدِّفاع عن مواقفهما الخاصّة، يلتمس كلا الطّرفين - العلماء البارزين للإسلام المعتدل وقادة الجماعات الإسلامويّة الرّاديكاليّة - الآيات القرآنيّة والأحاديث. ففي فتاواهم، يدّعي العلماء والمفتون في باكستان وروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان، فضلاً عن اللاهوتي البارز طاهر القادريّ، أنّ الإسلام لا علاقة له بالإرهاب، وأنّ القرآن لا يسمح بالانتحار عن طريق القنابل. وللبرهنة على ذلك، يُشير مؤلّفو هذه الفتاوى إلى الآية 29 من سورة النّساء: "ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً".

من ناحية ثانية، يشير أيديولوجيّو الإسلامويّة الرّاديكاليّة إلى الآيتين 169 و1670 من سورة آل عمران، بغرض تجنيد المزيد من الانتحاريّين وحضّهم على ارتكاب أعمال العنف والإرهاب: "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فَرِحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألّا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

لا يقع الجهاد بين الأركان الخمسة للإيمان، ويُفهَم على أنّه حرب دفاعية ضدّ المضايقات التي يتعرَض لها المسلمون

وقد أصبح زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهريّ، من أبرز منظّري الإرهاب الانتحاريّ عبر تضبيب الخط الفاصل بين الانتحار والاستشهاد في خطابه. ففي مقالات مثل "الجهاد والاستشهاد وقتل الأبرياء"، مثلاً، يفرّق الظواهري بين الانتحار والاستشهاد على أساس النيّة: أن ينهي المرء حياته "نتيجة للاكتئاب واليأس" فذلك هو الانتحار، لكن أن ينهي المرء حياته "لخدمة الإسلام" فذلك هو الاستشهاد. وقال الظواهري إنّ "وفاة شهيد ليست نهاية للجهاد، بل دعوة واضحة لشهود الحقيقة. فالاستشهاد جاء لصبّ الوقود على نار الغضب المشتعلة في قلوب قوّاته ضدّ الصليبيين". ويذهب إلى القول بأنّ أيّ شخص ينضمّ إلى الأمم المتحدة ليس مسلماً حقيقياً، واصفاً هؤلاء بأنّهم أتباع الصليبيّين.

وينعت الظواهريّ حكومات الدول الإسلاميّة بخونة الإسلام. وحتى يجعل أفكاره أشدّ وقعاً وبرهاناً، يشير إلى الآية 60 من سورة النّساء، حيث يلخّص الله، عن طريق رسوله محمّد، العلاقة بين الكفّار والمسلمين كما مُثِّل عليها بوضوح من جانب إبراهيم، عندما قال: "قد كانت لكم أسوة حسنة فِي إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برآء منكم وممّا تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتّى تؤمنوا باللّه وحده".

المستقبل الضبابيّ للفتوى

وهكذا، وكما أظهر التحليل، فإنّ كفاءة الفتاوى ضدّ التفجيرات الانتحاريّة، الصادرة عن علماء دين بارزين ورجال دين مسلمين في باكستان وروسيا والهند وبعض دول وسط آسيا، ما تزال منخفضة. وبكل بساطة، ما يزال تأثير الفتاوى على الجماعات الإرهابيّة للقاعدة وداعش وفروعهما في آسيا الوسطى وكتائب التوحيد والجهاد والحزب الإسلاميّ التركستانيّ وكتيبة الإمام البخاري منخفضاً جداً. ولا تنظر الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة إلى مؤلّفي هذه الفتاوى على أنّهم سلطات ذات شأن في الشريعة الإسلاميّة.

وفضلاً عن ذلك، فإنّهم يعتقدون أنّ هذه الفتاوى قد صدرت بأمر من حكومات الدول الإسلاميّة، التي يعتبرونها مرتدّة. ووفقاً للإسلام، يعاقب على الرّدة بالقتل. فقد قال النبيّ: "من بدّل دينه، فاقتلوه"، كما جاء في صحيح البخاري [52: 260]. لذلك، لا تعترف ولا تقبل الجماعات الإرهابيّة، كالقاعدة وداعش وطالبان، الفتاوى الصادرة ضدّ التفجيرات الانتحاريّة من جانب القادة الروحيّين للإسلام المعتدل. كما تمتلك الجماعات الإسلاميّة الراديكاليّة إرشاداتها الخاصّة فيما يتعلّق بالشؤون الدينيّة وتتّبع وصاياها الخاصّة. وهذه علامة أخرى تؤكّد أنّ الإسلام الراديكاليّ لا يقبل مبادئ المجتمع الحديث والنظام القانونيّ الديمقراطيّ.

أهميّة الفتاوى في تفكيك التطرف

ومع ذلك، ومن وجهة نظري، تمتلك الفتاوى ضدّ التفجيرات الانتحاريّة التي تستخدمها المنظّمات الإرهابيّة تأثيراً إيجابيّاً على الصراع ضدّ أيديولوجيا الرّاديكالية الإسلامويّة لعدّة أسباب.

أولاً، إنّ الجانب الإيجابيّ للفتاوى الصادرة هو تأثيرها على الإدراك العام. فعلى الرغم من أنّها لا يمكن أن تلقن ضربة مدمّرة لفكر الجماعات الإرهابيّة، فإنّ هذه المبادرة التي يقوم بها علماء الدين في باكستان يمكن أن تمنع بطريقة ما تجنيد المزيد من الجهاديّين.

ثانياً، تسهم الفتاوى بطريقة ما في المناقشات العامّة بين قادة الإسلام المعتدل التقليديّ والجهاديّين العنيفين، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي إلى تنقيح التفسيرات المتناقضة لبعض العناصر المهمّة في العلوم الإسلاميّة.

ثالثاً، بعد إصدار هذه الفتاوى، يدرك العالم الإسلاميّ تدريجياً أنّ المجتمع الإسلاميّ في العالم يلعب دوراً حاسماً ومحدداً في الصراع ضدّ أيديولوجيا الإسلام الراديكاليّ وتدمير الجماعات الجهاديّة. وتقع مسؤوليّة تدمير الجماعات الإرهابيّة الإسلامويّة والأيديولوجيا الجهاديّة على عاتق حكومات الدول الإسلاميّة.

يمكننا أن نقول حرفياً إنّ الحضارة الإسلامية الحاليّة تمرّ بنقطة حاسمة وعصيبة في تاريخها ومصير هذه الحضارة يعتمد بشكل مباشر على قدرتها على التعامل مع الأيديولوجيا الراديكاليّة لداعش والقاعدة والجماعات الجهاديّة الأخرى.

أوران بوتوبيكوف، مودرن دبلوماسي

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا يتظاهر الإيرانيون ضد النظام وهل ينجحون في إسقاطه؟

2020-01-29

ترجمة: علي نوار


عادت التظاهرات لتعمّ أرجاء المدن الإيرانية من جديد في 11 كانون الثاني (يناير) الجاري، في أعقاب اعتراف حكومة الجمهورية الإسلامية بإسقاطها "عن طريق الخطأ" لطائرة ركاب.

مستوى الوعي ارتفع بشدّة على مدار الأسابيع الأخيرة، ولم يعد فصيل واحد من النظام الإيراني لم يتلقّ الاتهامات بالقمع الوحشي

تعود الأحداث إلى اغتيال الولايات المتحدة لقائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني يوم الثالث من كانون الثاني (يناير) 2020، وجاءت ردّة الفعل الإيرانية متمثّلة في الهجوم بالصواريخ على ثلاث قواعد عسكرية أمريكية، على الأقل، في الأراضي العراقية. كانت حصيلة هذا الهجوم هي عدم سقوط أي جندي أمريكي قتيلاً. لكن وبعدها بعدّة أيام سقطت طائرة الرحلة رقم 752 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية من قبل قوات الحرس الثوري في عمل غريب بعد الاشتباه في كونها طائرة معادية. كانت حصيلة هذا الاعتداء مصرع جميع ركّاب الطائرة البالغ عددهم 176 شخصاً يحملون جنسيات سبع دول مختلفة.

كانت حصيلة هذا الاعتداء مصرع جميع ركّاب الطائرة البالغ عددهم 176 شخصاً

لقد حاول النظام الإيراني استغلال مقتل سليماني لتعزيز أركانه على المستوى الداخلي. وبالفعل ظهر عدد لا حصر له من اللافتات المطبوعة خصيصاً لهذا الحدث والتي تصف سليماني بـ"شهيد" و"بطل" وظهرت في جميع أنحاء البلاد بعد ساعات قليلة من مصرعه. ونُظّمت المسيرات الجنائزية في عدد من المدن العراقية والإيرانية على حدّ سواء. تحدّثت الصحافة العالمية عن آلاف، بل ملايين المُشيّعين، وأجرت مقابلات مع شباب ونساء يذرفون الدمع داخل ما يشبه نقاط بُكاء جماعية تتّشح بالسواد كلها. أما الأصوات الناقدة للقيادي العسكري والنظام الإيراني بأسره فلم تجد مكاناً لها سوى داخل أبواق النخبة الإعلامية من جانب اليمين تحديداً والمحافظين في جميع الدول الأخرى حيث وصفوا سليماني بـ"إرهابي".

ضرب طائرة الركّاب

وبينما كان شخص يصوّر من ضواحي مدينة برند في تلك الليلة بهاتفه المحمول لحظة اصطدام الصاروخ بطائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، حاول النظام الإيراني وعلى مدار ثلاثة أيام تالية إنكار الأمر. واعتبرت جميع القطاعات سواء المحافظين المتشدّدين أو الإصلاحيين في إيران، ووسائل الإعلام الروسية والباحثون والخبراء "المحايدون" في النسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أنّ الحادث نجم عن "عطل فنّي" في الطائرة. رغم أنّ الشخص الذي سجّل الواقعة أُلقي القبض عليه.

اقرأ أيضاً: الخلافة الإيرانية وتداعيات مقتل سليماني

وتمسّكت سلطات الطيران المدني الإيرانية بإنكار فكرة أنّ الطائرة الأوكرانية طراز "بوينج 737-800" تعرّضت لهجوم بصاروخ، إلّا أنّ مقاطع الفيديو التي صوّرها سكّان برند بهواتفهم المحمولة والضغط الخارجي من جانب آخر، أجبرا النظام على الاعتراف بحقيقة ما وقع في تلك الليلة.

ووفقاً للقيادة العليا الإيرانية، فإنّ طائرة الركّاب الإيرانية اقتربت من موقع مهم لتجارب الصواريخ يتبع الحرس الثوري، الذي التبس عليه الأمر وظنّ أنّها طائرة مقاتلة معادية. كانت جميع القوات في حالة "تأهّب قصوى" تلك الليلة بسبب الهجمات الإيرانية الانتقامية ضد القوات الأمريكية في العراق. تسبّب هذا الوضع في تعرّض الطائرة للقصف "عن طريق الخطأ ودون قصد".

"اذهب إلى الجحيم أيها الدكتاتور!" أحد أشهر الهتافات الموجّهة ضد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية

وأخيراً وقبل عدّة أيام، خرج رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف ليعلنا أنّ قوات الحرس الثوري هاجمت "عن طريق الخطأ" الطائرة.

وحتى إقرار النظام الإيراني في النهاية بمسؤوليته عن الحادث الجوي، اتّحد الإصلاحيون والمحافظون في إنكارهم للحقيقة. إلّا أنّه وبعد تكشّف الوقائع عمّا حدث، زادت الفجوة بين المعسكرين بعد لجوء أحدهما لخطّة إقالة روحاني في وقت يعتقد الآخر أنّه ضحية لمؤامرة إصلاحية أو غربية. ويجرى الحديث في الوقت الحالي عن "حرب نفسية من وزارة الدفاع الأمريكية".

وتعبّر ممارسات جناحي النظام عن حالة الازدواجية التي يعاني منها الإصلاحيون على وجه الخصوص. فمن يسمّون أنفسهم بالإصلاحيين كانوا هم نفس الساسة الذين ارتكبوا مذابح بحق آلاف الأشخاص ونفّذوا حملات من القمع والاعتقالات بحق المتظاهرين غير المسلّحين على مرّ الأشهر المنصرمة. لكنّهم وعلى نحو مباغت انضمّوا لمشيّعي المسافرين ضحايا حادث الطائرة. وفي الوقت ذاته، هم أيضاً المسؤولون عن مصرع 1500 شخص في الأسابيع الماضية.

بداية التظاهرات الحاشدة

خرجت الاحتجاجات الجديدة في خمس مدن إيرانية، على الأقل، مؤخّراً هي العاصمة طهران وأصفهان وهمدان ورشت وبابل. كانت بؤرة الحراك هي الجامعات التي تحرّك منها الطلّاب. بعدها امتدّت الاحتجاجات إلى مدن أخرى حيث توجد مقاطع فيديو من سنندج وبانه وأهواز ويزد وسمنان وكرج وتبريز وكرمان وشيراز وآراك وزنجان.

وفي محافظة بلوشستان، التي تناضل من أجل الحكم الذاتي في جنوب شرقي البلاد، لم تخرج أي تظاهرة نظراً للسيول الجارفة التي تشهدها. إلّا أنّها لا تتلقى أي مساعدات من الحكومة المركزية. وبدلاً من ذلك، يجري حالياً استثمار 200 مليون يورو في تشغيل الصواريخ. وقد أعرب الطلّاب عن تضامنهم مع سكّان بلوشستان الذين يعانون القمع.

اقرأ أيضاً: هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

إنّ التظاهرات تناهض نظام الجمهورية الإسلامية نفسه ويطالب المحتجّون باستقالة الحكومة ورأس السلطة السياسية-الدينية آية الله علي خامنئي في تحوّل جذري خلال أسابيع قليلة حيث كان الناس قبلها يهتفون "لسنا خائفين! نحن متّحدون!"، لكن الهتاف بات الآن موجّهاً ضد أحد أكثر الأجهزة القمعية في إيران "الباسيج" والتي تستقبل شعارات مثل "خافوا منّا لأنّنا متّحدون!" وكذلك "كاذبون!" الذي أصبح يُسمع كثيراً أثناء التظاهرات.

حالة من الشقاق تضرب المجتمع الإيراني من الداخل وتنعكس بعناصر الدولة: السلطتان المُنتخبة والدينية والقوات العسكرية النظامية والحرس الثوري

تحمل الهتافات طابعاً سياسياً لا لبس فيه وهي معارضة للنظام بالكامل. وانتهزت الجموع الغاضبة كارثة الطائرة بوصفها فرصة للتعبير عمّا تشعر به من سخط سياسي واجتماعي ضد نظام الجمهورية الإسلامية بالكامل.

فيما باءت محاولات الإصلاحيين لاحتواء التظاهرات بوعود إجراء استفتاء والإجراءات الإصلاحية بالفشل. وقد قوبل بكاؤهم على ركّاب الطائرة في طهران عبر أكاليل الزهور والشموع بموجة من الانتقادات اللاذعة من قبل المحيطين بهم، وكانت الردود كاسحة مثل "إصلاحيون أو محافظون، انتهى وقتكم" و"يجب تدمير الجمهورية الإسلامية" و"سليماني قاتل". كما ردّد الطلّاب "لا للاستفتاء، لا للإصلاح- إضراب، ثورة" و"من طهران إلى بغداد، بؤس وقمع واستبداد" و"من طهران إلى بغداد نهتف: ثورة!".

اقرأ أيضاً: بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

من الواضح تماماً أنّ مستوى الوعي السياسي ارتفع بشدّة على مدار الأسابيع الأخيرة، ولم يعد فصيل واحد من النظام الإيراني لم يتلقّ الاتهامات بالقمع الوحشي والمذابح والمسار النيوليبرالي الذي أدّى لسقوط أعداد كبيرة من الإيرانيين في براثن الفقر. أصبح كل شيء على المحكّ.

الشباب والنساء في الصفوف الأولى

يمكن ملاحظة عبر الكثير من مقاطع الفيديو المتداولة الشباب يهتفون "الموت للكاذبين" و"أنتم حفنة من القتلة" بشجاعة في وجه قوات الأمن. كما تظهر نساء شابات في الصفوف الأولى ولا يتوانين عن قيادة الهتافات والدخول في سجالات محمومة مع أفراد الأمن في الشوارع.

بل إنّ صور سليماني نفسه كما أظهرت مقاطع فيديو أخرى تُضرب بقوّة عارمة من المتظاهرين ثم تُنتزع وتُسقط أرضاً وسط عاصفة من التصفيق.

"اذهب إلى الجحيم أيها الدكتاتور!" هو أحد أشهر الهتافات الموجّهة ضد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية. ولم يتأخّر ردّ الحكومة طويلاً: قمع على نطاق واسع وعنف مفرط وغاز مسيل للدموع، يحاول النظام مجدّداً حصر الشباب والنساء وجميع المتظاهرين داخل نطاق الخطوط المُحدّدة لهم. ومن جديد يسقط الكثير من المصابين وعدد لا يمكن حصره من المُعتقلين وبينهم الكثير من الطلبة، وتُشاهد في عدد كبير من مقاطع الفيديو كميات مخيفة من الدماء تغطّي الأسفلت.

اقرأ أيضاً: إيران: طريق العودة للواقعية

من الصعب بالتأكيد التكّهن بما إذا كانت الاحتجاجات ستستمر وتتّسع رقعتها كمّاً وكيفاً أم لا، ومستوى القمع الذي قد تصل إليه أجهزة الأمن الإيرانية. لكن الأمر المؤكّد وبكل جلاء هو أنّ هتاف كل متظاهر هو ما يحدّد القدرة على الامتداد والمطالب. ورغم أنّ هذه المظاهرات تقتصر حتى الآن في أغلبها على الطبقة الوسطى، إلّا أنّها تأثّرت باحتجاجات سابقة في الأشهر الماضية. لذا لا ينبغي السماح لأيّ من فصائل النظام السياسي في إيران بامتطائها.

هناك عنصر آخر يشير إلى أنّ الاحتجاجات لن تتوقّف سريعاً مثلما حدث في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حين قوبلت تلك التظاهرات بالقمع الشديد خاصة وأنّ أغلب المشاركين فيها كانوا من الفقراء والريفيين. بيد أنّ الأمر يختلف كثيراً هذه المرة، فضحايا الطائرة الأوكرانية يحظون بوضع اقتصادي واجتماعي جيّد، فضلاً عن علاقاتهم القوية بالنخبة. لذا فليس من المستبعد أن يطالب ذوو الضحايا بتعويضات ضخمة من الدولة المُنهكة اقتصادياً بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

ومن الواضح أنّ هناك حالة من الشقاق تضرب المجتمع الإيراني من الداخل وتنعكس في عناصر الدولة: السلطة المُنتخبة، السلطة الدينية، القوات العسكرية النظامية، الحرس الثوري. وقد وجّه بعض قادة الحرس الثوري الاتهامات للحكومة والقوات المسلّحة بتجاهل طلباتهم بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المدنية- قبل ساعات إسقاط الطائرة الأوكرانية- من في اليوم الذي تقرّر فيه طهران الردّ عسكرياً على مقتل سليماني. من جانبها، تدّعي الحكومة والمرشد الأعلى بأنّهم لم يكونوا على دراية بأي شيء يحدث حتى 10 كانون الثاني (يناير).

على أنّ القطاعات الأكثر اعتدالاً يفترض أن تبدأ في كسب أرضية أكبر. وقد كانت النخبة السياسية الإيرانية حتى الآن تبدو متّفقة على فكرة أنّ التفاوض مع الغرب تحت وطأة الضغط لن يجلب شيئاً سوى مزيد من الإذلال. لكن الظروف تغيّرت الآن. ومن شأن تقارب مع واشنطن أن يعيد وحدة الصف داخل مجتمع يترقّب الانفتاح على العالم، ويسكت مطالب هؤلاء الذين يرون في خامنئي العقبة الكبرى في مسار المفاوضات.

اقرأ أيضاً: اهتزاز صورة المرشد في إيران بعد مقتل سليماني

وفيما يتعلّق بواشنطن، يعتقد الخبراء أنّه رغم الوقت العصيب الذي يمرّ به النظام الإيراني، فإنّ السياسة التي ينتهجها ترامب لن تؤدّي بسهولة إلى تغيير النظام الحاكم في طهران. فلا يزال الأخير يحظى بدعم شريحة ليست بالهيّنة من الشعب، فضلاً عن أنّ العقوبات الاقتصادية بالكاد أتت بالنتائج المرجوّة، ويبقى السؤال؛ هل ستكون إيران استثناء؟

ورغم حالة الغليان التي وصل لها المجتمع المدني في إيران، لكن المقارنة مع الثورة التي اندلعت عام 1979 لا تزال غير جائزة، حسبما يرى الصحفي راينر هرمان من جريدة "فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج" الألمانية.

اقرأ أيضاً: شوط جديد مع إيران والاتحاد الأوروبي لم يتعلم الدرس

ولا يزال إعلان وفاة الجمهورية الإسلامية سابقاً لأوانه. حتى مع اعتبار الكثير من الإيرانيين أنّ إقرار الحرس الثوري بمسؤوليته عن ضرب الطائرة الأوكرانية وقتل جميع ركابها، يشبه في فداحته كارثة تشيرنوبل النووية التي وقعت عام 1986. فقد فرضت القيادة السوفييتية وقتها حالة من التعتيم الإعلامي لعدّة أيام. كانت للكارثة وطريقة تعامل القيادة معها تجسيداً رمزياً لفشل الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه بعدها بأعوام قلائل. بيد أنّ هذا الأمر لن يتكرّر بحذافيره في إيران.

كما أنّ عقد المقارنات هو الآخر شيء سابق لأوانه. ففي شباط (فبراير) من العام 1979 لم تكن قوات الأمن تطلق النار على المتظاهرين، بل إنّ أفراد القوات كانوا ينضمّون إلى صفوف الثوار. وكان هؤلاء يحظون بشخصية ذات قدر عال من الجاذبية هي  الخميني.

الظروف ليست مواتية لاندلاع ثورة ناجحة

والواقع أنّ ظروف وشروط قيام ثورة قادرة على تحقيق النجاح غير متوافرة اليوم. فالحرس الثوري، الذي لعب دوراً حاسماً خلال الحرب مع العراق في الفترة بين عامي 1980 و1988، يبدو مصمّماً على المضي قدماً في إطلاق النار صوب المتظاهرين نظراً لولائه غير المحدود للنظام حيث يستفيد منه اقتصادياً بصورة هائلة. على الجانب الآخر، لم يتمكّن المتظاهرون من حشد الكتلة الحرجة التي يمكنهم بواسطتها الوقوف في وجه هذه القوة. كما أنّهم يفتقرون للقيادات التي يلتفّون حولها والقادرة على التنظيم.

من ناحية أخرى، تتسارع وتيرة التظاهرات بشكل كبير في الجمهورية الإسلامية وأصبحت الهتافات أكثر جذرية، واكتسبت الاحتجاجات قدراً أكبر من الدموية. وكانت أول فعالية احتجاجية عام 1999 قد استغرقت أسبوعاً كاملاً. وكان المحتجّون يتظاهرون ضد إغلاق صحيفة إصلاحية. لكن تظاهرتهم في محيط جامعة العاصمة طهران قوبلت بالتنكيل القاسي.

اقرأ أيضاً: حكومة حسان دياب: هل انتصرت إيران على ثورة اللبنانيين؟

بعدها بـ10 أعوام، أثار إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً لولاية ثانية السخط وأفضى لخروج تظاهرة حاشدة ضمّت في أغلبها أبناء الطبقة الوسطى من سكّان المدن وانتهت بحرب شوارع في طهران بين المتظاهرين وميليشيات الباسيج التي تتكوّن من المتطوعين وتخضع لأوامر قادة الحرس الثوري. لاحقاً، تظاهر ثلاثة ملايين شخص بصورة سلمية مطالبين بإلغاء الانتخابات. لكنّهم لم يحقّقوا مرادهم في تقويض أسس الجمهورية الإسلامية بسبب عدم امتلاكهم للكتلة الحرجة المطلوبة.

لقد أسهم إسقاط الطائرة الأوكرانية بلا شك في تسريع وتيرة سحب الثقة تجاه الجمهورية الإسلامية

وبين نهاية 2017 ومطلع 2018 تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص، أغلبهم من الإيرانيين الفقراء، في شوارع جميع مدن البلاد تعبيراً عن استيائهم إزاء ارتفاع معدّل التضخّم والبطالة. بينما كان ارتفاع سعر الوقود- ثلاثة أضعاف الثمن- سبباً مباشراً في اندلاع موجة عنيفة من الاحتجاجات. تظاهر الناس ضد قيادات الجمهورية الإسلامية في جميع المحافظات، وكافة المدن سواء الكبرى أو الصغرى، تعرّضت مباني المصارف الحكومية والجهات الأمنية لإضرام النيران فيها. وكانت النتيجة قمع عنيف للغاية راح ضحيّته ألف قتيل على الأقل.

أسهم إسقاط الطائرة بتسريع وتيرة سحب الثقة تجاه إيران إلّا أنّ خامنئي لا يبدو مستعداً لإجراء أي إصلاحات

لقد أسهم إسقاط الطائرة الأوكرانية بلا شك في تسريع وتيرة سحب الثقة تجاه الجمهورية الإسلامية. إلّا أنّ خامنئي ذي الـ80 عاماً لا يبدو مستعداً لتحمّل أي نتائج أو إجراء أي إصلاحات. بل على العكس من ذلك: تم استبعاد الكثير من المرشحين المتقدّمين لخوض الانتخابات التشريعية المرتقبة في 21 شباط (فبراير) المقبل، وتصل النسبة إلى واحد من كل ثلاثة مرشحين لن يتمكّن من المشاركة. وعلى الأرجح، فإنّ الثوري المخضرم يسعى لاستقدام جيل من النواب الذين يدينون له ولمبادئ ثورته بالولاء.

نعم دخل المجتمع الإيراني مرحلة الغليان، إلّا أنّ سقوط نظام الجمهورية الإسلامية لا يزال مستبعداً.. على الأقل في المستقبل القريب.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2RCiMzL
https://bit.ly/2vrOEy9
https://bit.ly/2Rx4nEQ

للمشاركة:

هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

2020-01-28

ترجمة: إسماعيل حسن


استفزازات إيران السابقة واليائسة؛ المتمثلة في الهجوم على ناقلات النفط، والمسّ بتصدير النفط السعودي، والهجوم على السفارة الأمريكية، وإسقاط الطائرات المسيرة، كلّها تدلّ على ضائقة عميقة في ضوء نجاح العقوبات، تهدف إلى جرّ ترامب إلى مواجهة في صيغة تخيف ناخبي تشرين الثاني، وتقنعهم بفكر أوباما، وكأنّ البديل هو بين المصالحة والحرب والكثير من القتلى الأمريكيين، وقد فضّلت الولايات المتحدة عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية مبادر إليها، وتشديد الضغوط في المجال الاقتصادي المؤلم، الذي أثبت نجاعته.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟
بالتوازي؛ بحثت عن خطوة ضارة ومهينة ترمم الردع حيال إيران ومصداقيتها في نظر حلفائها في المنطقة، وقد قدّمت تصفية سليماني خليطاً متكاملاً، لدولة هشّة أكثر من أيّ وقت مضى، ولدى الولايات المتحدة الأدوات لضربها دون الدخول في مواجهة برية مكثفة، هذا النظام جدير باللجم والإضعاف والردع وتقويض أساساته، لقد صالحه أوباما في اتفاق وعد بهدوء مؤقت، بالضبط حين كان الإيرانيون في حاجة إلى مثل هذا الهدوء، كي يطوروا وسائل إطلاق الصواريخ والرؤوس المتفجرة، في المقابل؛ ترامب يضرب هذا النظام في المكان الأكثر هشاشة، وهي مداخيل الدولة، الأمر الذي يفشل محاولة النظام أن يضمن دفعة واحدة من احتياجاته الإستراتيجية الأساسية الثلاثة، وهي: الهدوء في الداخل، والهيمنة الإقليمية، والنووي.

التحذير ليس نظرياً

التحذير ليس نظرياً، إنما الفعل على أرض الواقع هو ما يؤلم ويوثر، إيران سيطرت في العام الماضي على بضع سفن، أبرزها الناقلة البريطانية "ستينا أمبيرو"، كردّ على خطوة مشابهة من بريطانيا ضدّ سفن إيرانية نقلت النفط إلى سوريا، وبحسب الادعاءات في الغرب، فإنّ إيران تقف أيضاً خلف الهجوم على ميناء الفجيرة، أحد أهم موانئ النفط في الإمارات، وضرب ناقلات نفط في قلب البحر، لم تأخذ طهران المسؤولية عن ذلك، لكنّ الولايات المتحدة نشرت أدلة تدين القوة البحرية التابعة للحرس الثوري بالعودة إلى ساحة الحدث، وكانت ذروة النشاط القتالي الإيراني في المجال البحري، في اعتراض مسيرة أمريكية متطورة فوق المياه الدولية، في شهر حزيران (يونيو) الماضي، في ضوء الأسلوب المختلف للهجمات الإيرانية في الساحة البحرية، يبدو تعاظم قوة إيران في المجال مشوشة بالأساس، فإلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة التي يستخدمونها بشكل سرّي. ما هو مهم أن نفهمه حول القوة البحرية الإيرانية؛ أنّها في واقع الأمر تتألف من قوتين منفصلتين تماماً؛ فإلى جانب سلاح البحرية الإيراني الرسمي الذي يحوز كمية كبيرة من السفن، حتى إن كانت قديمة في قسم منها، فثمة قوة بحرية سرّية للحرس الثوري، وفي أساسها تحوز أسطولاً كبيراً ومجهولاً من القوارب الصغيرة والغواصات، وتستهدف تنفيذ أعمال هي على حافة السياسة أو في واقع الأمر إرهابية.

رغم الخطابة الحماسية

الكاتب أبراهام بن تسفي يقول: "رغم الخطابة الحماسية، اختارت الزعامة الإيرانية بعد ضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية نقل رسالة تقول إنّ النظام ليس في نيّته أن يقترب حالياً من شفا الهاوية، وبالفعل، إن كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة بين خصمين لدودين، ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة في تصعيد غير منضبط، بالتالي؛ هو يحاول أن يجد التوازن المناسب بين رغبته في أن يبثّ تصميماً والتزاماً بالردّ على التصفية، وبذلك يواصل السير في المسار العنيف الذي شقّه سليماني، وبين تطلعه في الوقت نفسه لمنع ترامب من أن يردّ ردّاً عسكرياً واسعاً وأليماً، من شأنه أن يقوض قدرته على الحكم في عصر من العقوبات المحتدمة وموجات احتجاج من الداخل.

يرى الكاتب عوديد من خلال الرؤية الحالية للأحداث أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني

نقطة التوازن التي اختيرت بعد اغتيال سليماني، أنّ ترامب أراد إمساك العصا من الطرفين؛ فمن جهة أعلن زيادة العقوبات واستمرار سياسة ضغط الحدّ الأقصى على طهران، رغم أنّها حققت، حتى الآن، نتائج معاكسة لما وعد به، وحولت إيران إلى دولة أكثر عدائية ومارقة أكثر من السابق. ومن جهة أخرى؛ طلب ترامب من حكام إيران الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، وفي تل أبيب، بلا شك، تمّ تسجيل انتقاد متزايد؛ عندما أمعن ترامب في مدح صفقته، رغم أنّ النار على القوات الأمريكية كانت سابقة وكانت تجاوزاً واضحاً للخط الأحمر؛ ففي الماضي كان من يدورون في فلك إيران هم من يهاجمون أهدافاً أمريكية، إلا أنّهم ركّزوا على جبهة القتال العراقية ولم يتجاوزوها، من هذه الناحية يدور الحديث عن تبادلية معينة بين تصفية سليماني والهجوم الإيراني بالصواريخ، وقد وقعت العمليتان في الساحة ذاتها، وتضمنتا ناراً صاروخية، ولما كان غياب سليماني عن الساحة هو ضربة سياسية عملياتية واعتبارية قاضية بالنسبة إلى الحكم الإيراني، واضح أيضاً الجهد الدعائي للمبالغة في وصف حجم الردّ، وصبّ معانٍ بعيدة الأثر فيه.

هجوم للاستهلاك الإيراني المحلي

مع ذلك، وبالنسبة إلى العديد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، الحاليين والسابقين، لم  يعلقوا كثيراً على الضربات الصاروخية الإيرانية التي أطلقها الحرس الثوري على قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار، غرب العراق، أو قاعدة أربيل العسكرية في كردستان العراق، إذ يقول الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق لموقع "ديفنس" الدفاعي الأمريكي: إيران كانت لديها خيارات عدة، لكنّ هذا الاختيار الذي نفذته في النهاية يرجع إلى كونه هجوماً مباشراً يصلح للاستهلاك المحلي قبل الدولي، بصرف النظر عن مدى الأضرار التي لم يسببها، يمكن عملياً أن يشير إلى فجوة واضحة بين المستوى اللفظي والبعد السلوكي الذي يشهد على حساسية إيرانية للثمن المتوقع على ردّ مغامر وعديم الثبات من جهته.

إلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة بشكل سري

وبالفعل، في المرحلة الحالية على الأقل، أمامنا استخدام لقوة إيرانية شديدة، بالنسبة إلى إيران على يقين بأنّ ضربات أمريكا موجعة بكل الأحوال، فعندما حاولت إيران أن تنتقم تجنبت الوقوع في حرب شاملة تهدّد وجودها في المنطقة، وفي أغلب الظنّ أثّر تهديد ترامب السابق للردّ الإيراني على تراجع إيران في ضرب أهداف حيوية مأهولة، من شأنها أن توقع خسائر بشرية، وفي هذا السياق؛ استهدفت تصريحات ترامب بعد الردّ الإيراني الفاشل فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية.
وبالتزامن مع ذلك؛ عمّت المظاهرات الشعبية أرجاء المدن الإيرانية، التي طالبت الخميني بالرحيل؛ حيث غرّد الرئيس ترامب في هذا الإطار برسالة عبر تويتر إلى الإيرانيين، داعماً بالوقوف إلى جانبهم في الاحتجاجات المطالبة برحيل النظام الفاسد، وهذا لربما من شأنه أن يؤجج الأوضاع ويجعلها أكثر تدهوراً داخل إيران، وأن يؤثر في طبيعة الدعم للحلفاء في المنطقة، نتيجة تأزم الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ومع ذلك يفهم من تصريح الرئيس أيضاً؛ أنّه فضلاً عن العقوبات الجديدة التي على الطريق، لا توجد نية للولايات المتحدة لرفع المواجهة إلى مستوى عسكري أعلى؛ إذ إنّ تصريحه تضمن أيضاً أقوالاً متصالحة عن استعداده للتعاون مع الشعب الإيراني ومع قيادته إذا ما هجرت هذه مسارها العدواني والعنيف، ولا ينبغي أن نتجاهل الآثار الكفيلة للعملية الإيرانية لأن تكون على مستوى كوريا الشمالية، وقد رجّحت وسائل إعلام أمريكية متخصصة في شؤون الدفاع؛ أن تكون إيران اختارت أن يكون هجومها بالصواريخ الباليستية لأنّها لا تملك سلاحاً جوياً أو بحرياً قوياً، يمكن أن يجابه قوة السلاح البحري والجوي الأمريكي في المنطقة، لكنّ الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الموجهة هي سلاحها المفضل الذي اختبرته من قبل أكثر من مرة ضدّ داعش والأكراد، وفي اليمن على يد الحوثيين.

موقف روسيا بعد اغتيال سليماني

وفي ظلّ وجود بعض المؤشرات حول إن كانت لدى إيران نوايا في تنفيذ مزيد من الهجمات ضدّ أهداف أمريكية أو إسرائيلية في المنطقة، إلا أنّ دولاً أوروبية أبدت قلقها من نشوب مواجهة عسكرية شاملة؛ إذ كان لدى روسيا قلق كبير من أن تجر عملية اغتيال سليماني المنطقة إلى حرب واسعة؛ حيث حظيت زيارة الرئيس الروسي "بوتين" المفاجئة إلى سوريا، برفقة وزير دفاعه، سيرجيه شويغو، وضباط روس كبار، ولقاؤه بشار الأسد في مقرّ قيادة الجيش الروسي في دمشق، بعناوين عادية في وسائل إعلام الدولتين، فلم تنبئ بالتخوف الحقيقي الذي يسود الكرملين، والشرق الأوسط كله، بعد تصفية سليماني، من أن تشتعل المنطقة في أيّة لحظة، وربما يكون الردّ قد انتهى بالنسبة إلى إيران بضرب قاعدة الأسد في العراق.

اقرأ أيضاً: صحيفة معاريف: من سيضع حداً لعربدة أردوغان؟
وبحسب قول الكاتب والمحلل العسكري، عوديد غرانوت، يمكن لقلق بوتين من وقوع حرب في المنطقة أن يشهد عليه الردّ الروسي المنضبط على التصفية، فإيران وروسيا حليفتان ظاهرياً، ومؤخراً أجرتا مناورات في شمال المحيط الهندي. كان من الممكن أن نتوقع من بوتين توجيه اتهامات شديدة لترامب على الفعلة عديمة المسؤولية التي اتّخذها، وأن يبدي تعاطفاً مع بكاء خامنئي، فيؤيد حقّ إيران في الانتقام، لكنّ كلّ هذا لم يحصل؛ فقد شجب الروس بلهجة هزيلة واكتفوا بمكالمات مواساة للمسؤولين في موسكو مع نظرائهم في طهران.
يجب أن نتذكر أنّ بوتين بطل العالم في العثور على فرص الكسب السياسي، وخبير أيضاً في تشخيص المخاطر، ها هو يشمّ خطراً بعد سليماني، فردّ آخر منفلت العقال من الإيرانيين على اغتيال الجنرال تجاه أمريكيين في الشرق الأوسط، لا بدّ من أنّه سيجرّ ردّ فعل غير متوازن من القوة العظمى الأقوى في العالم، فالمسافة قصيرة إلى الاشتعال الكبير، اشتعال يمسّ بمصالح روسيا أيضاً، في طبيعة الحال يتعلق هذان القلقان لدى بوتين بسوريا التي هي معقله الأساس في المنطقة، القلق الأول في شرق الدولة؛ حيث قوات أمريكية، وإذا ما حاول الإيرانيون المسّ بها فستعمل أمريكا في سوريا، لا في شرق الدولة، بل في كلّ مكان فيه ميليشيات مؤيدة لإيران، وهذا سيحرج القوات الروسية المرابطة في سوريا. القلق الآخر؛ هو من أن تتلقى تلك الميليشيات أمراً من طهران للعمل ضدّ إسرائيل من الأراضي السورية، كجزء من حملة الانتقام على التصفية.

ضرب رموز النظام في دمشق

يفهم بوتين أنّ إسرائيل لن تتجلد على عملية واسعة النطاق ضدّها من خلف الحدود، بل قد تتجاوز خطوطاً حمراء تقررت بين الدولتين؛ كضرب رموز النظام في دمشق، ووفق مصادر روسية أشارت إلى أنّ الزيارة المفاجئة التي قام بها الزعيم الروسي إلى دمشق، كانت محاولة للتأكد من أنّ الأسد يعمل على لجم وتهدئة الميليشيات المؤيدة لإيران في أراضيه؛ فبوتين يريد هدوءاً في سوريا وسيبحث ذلك مع مضيفيه في إسرائيل في الزيارة القريبة التي كانت مخططة مسبقاً، لكنّها أصبحت ذات صلة أكبر من أي وقت مضى بعد تصفية سليماني، كلّ ذلك شريطة ألا يقدم الإيرانيون على أيّ ردّ جديد قبل الزيارة.

إذا كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة للتصعيد

من دمشق واصل بوتين طريقه إلى أنقرة كي يبرد منطقة أخرى، وفي ليبيا ستبدأ في الأيام المقبلة حرب بين المرتزقة الروس المؤيدين لجيش حفتر، والمرتزقة الذين أرسلتهم تركيا لمساعدة الحكومة، وسيحاول بوتين إقناع أردوغان بأنّ معركته خاسرة؛ لأنّ جيش الجنرال سيطر على معظم أراضي الدولة، ومن الأفضل لموسكو وأنقرة التعاون لمنع اشتعال كبير إذا كان ممكناً في المنطقة الأقرب لحدود تركيا، إذا نجح بوتين في مهمة التهدئة، فإنّ ليبيا ستصبح المعقل البحري الثاني لروسيا في حوض البحر المتوسط بعد سوريا.
ويرى الكاتب عوديد، خلال الرؤية الحالية للأحداث من منظوره الشخصي، أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني، ومن حسن الحظّ أنّ إيران لا تمتلك السلاح النووي حتى الآن، وإلا لكانت استخدمته في تفجير العالم من غضبها، في حين أنّ مقتل سليماني نجح في تقليص مخططات التمدّد، فسليماني كانت مهمته توسيع نفوذ إيران ليس على صعيد العراق وسوريا، بل أيضاً في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، ومن هذه الرؤية يجب على العديد من الدول الأوروبية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ألّا تقدم خططاً إستراتيجية تقوم على الدفع نحو إقامة علاقات إيجابية مع إيران، فمثل هذه العلاقات تعطي إيران حرية في التمدّد السرّي، والذي من شأنه في المستقبل أن يشكّل خطراً، وتصعب السيطرة عليه، فإسرائيل تعاملت بمثل هذه الأساليب كثيراً، وهكذا أيضاً تعاملت مع تهديد حماس.
إنّ تعبير سحق رأس الأفعى لم يكن شعاراً شعرياً، بل يمثل إستراتيجية ترتكز على مفهوم مركزي وهو أنّ ما يعدّ تنظيماً أو حتى خلية إرهابية حجمه غير مهم، فقط اقطع رأسه، وبهذا ينتهي التهديد.


مصدر الترجمة عن العبرية: يسرائيل هيوم
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722869
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722485
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722163

للمشاركة:

باريس تواجه تحديات جهادية جديدة في الساحل الأفريقي.. ما أبرزها؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-27

ترجمة: مدني قصري


بعد 7 أعوام من قرار فرانسوا هولاند بإرسال جنود فرنسيين إلى شمال مالي بهدف منع الجماعات الإسلامية من السيطرة على البلاد، حان الوقت لإعادة تحديد وتوضيح أهداف عملية "برخان".
لقد شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد، والحاجة إلى تغيير مخططاتهم ومجالات تدخلهم، وذلك بعد الاجتماع الذي عقده قادة منطقة مجموعة الخمس G5، في باو، في 13 كانون الثاني (يناير) من العام الجاري، في سياق يزداد تعقيداً وخطورة بالنسبة لفرنسا.

شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد
كانت بداية القمة، التي كان من المقرر انعقادها أصلاً في 16 كانون الأول (ديسمبر) 2019، جد سيئة؛ حيث جاءت في أعقاب مقتل 13 جندياً فرنسياً في المعركة، في 25 تشرين الأول (نوفمبر) الماضي، وكان لدى رؤساء الدول الأفريقية انطباع سيئ حول استدعاء إيمانويل ماكرون لهم إلى مدينة باو بجنوب غرب فرنسا، الحامية العسكرية التاريخية، لأجل 7 من الضحايا، في حين تشجب جيوشهم مئات الوفيات.

التهديد الجهادي يبعث على المزيد من القلق فهو متجذر بين السكان الأصليين وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد

وتمّ تأجيل الاجتماع أخيراً، بعد هجوم شنّه الجهاديون في شهر كانون الثاني (يناير) الجاري على ثكنات نيجيرية؛ حيث أعاد الزعماء الأفارقة الخمسة تأكيدهم على طلب فرنسا بالتدخل لإعادة تعريف أهداف "برخان"، من جهة، والرغبة في التوسع إلى شركاء جدد في الاجتماع، من جهة أخرى.
إنّ تخفيف حِدة التوترات التي يغذيها الخطاب المعادي للفرنسيين في بلدان الساحل ليس مجرد وهم؛ فلم تعد المسألة تتعلّق بمنع الجهاديين الأجانب من بناء ملاذ في شمال مالي، بل باتت تتعلّق بالقتال ضد المقاتلين المحليين الذين يستخدمون الخطاب الإسلاموي لفرض سيطرتهم على السكان والاستيلاء على السلطة في 3 دول. ويبعث التهديد على المزيد من القلق، فهو متجذر بين السكان الأصليين، وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد في بعض الأحيان، مما يضع الجيش الفرنسي في وضع مربك ومعقد.
الفخ يزداد انغلاقاً
السلفيون في الساحل، حتى لو صَدمت مفاهيمُهم الدينية التقاليدَ المحلية، فإنّهم يستغلون النزاعات على الأراضي بين المزارعين والرعاة، ويشككون في الأرباح التي يستمدها الزعماء التقليديون من السيطرة على ما يأتي وما يخرج من بضاعة وأشياء أخرى؛ بما في ذلك الاتجار بالأسلحة والمهاجرين والمخدرات، كما يستغل السلفيون شعور الظلم الذي تشعر به الفئات المحرومة من السكان، حيث يتهم الجهاديون، القوى المركزية بالفساد ويتهمون الحكام الأفارقة بالعجز عن ضمان الحد الأدنى من صلاحيات الدولة؛ الأمن والعدالة والصحة والتعليم.

اقرأ أيضاً: لماذا ترفض شعوب الساحل الأفريقي الوجود العسكري الفرنسي؟
كيف يمكن أن يحكم الجنود الفرنسيون مثل هذه النزاعات المحلية دون أن يكونوا شركاء مع الأنظمة الفاسدة التي لا تحظى بالشعبية؟ تأمُل باريس الخروج من هذه النزاعات من خلال مغادرة شمال مالي - حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية - ومن ثمّ إعادة الانتشار في منطقة ليبتاكو، على حدود مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث يتركز التهديد الآن.

يود الجيش الفرنسي منع جماعة "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" (EIGS)  من أن تتجذر أكثر في ما يُسمى بمنطقة الحدود الثلاثة، بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث الوضع الأمني الأكثر تدهوراً، ويقول الجنرال لوكنتر إنّه "اليوم، في هذه المنطقة الشاسعة للغاية، الموارد المتاحة لعملية برخان ليست كافية لنشر الجنود على مدار 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع". وإن قامت عملية برخان بتعبئة 4500 رجل رسمياً، فهناك حوالي 2000 فقط موجودون بالفعل على الأرض.

تأمل باريس الخروج من هذه النزاعات بمغادرة شمال مالي حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية

ومنذ بدء العملية الفرنسية في مالي، كان عام 2019 أكثر الأعوام دموية؛ بحصيلة 1500 قتيل عسكري من جانب الجيوش المشاركة، و 4000 ضحية مدنية.
مع ذلك، فقد بدأ الفخ ينغلق؛ ففي حين يزيد الاستمرار في القتال من خطر التورط في الوحل والتعرض للجيوش المحلية، إلّا أنّ الانسحاب سيكون أسوأ من ذلك، حيث سيدفع بلدان الساحل وسكانها إلى الفوضى وإلى قبضة الديكتاتورية الدينية، مع ما يترتب على ذلك من آثار فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب.
ويحتاج الأمر إلى أكثر من قمة واحدة لمجموعة الخمس، حتّى يتم إزالة سوء التفاهم حول فوضى ساحلية ليس لها حلول جيدة دون دعم بناء الديمقراطيات الأفريقية التي تحترم أخيراً جميع السكان.
"الحرب في الساحل لا يمكن كسبها بواسطة قوة غربية"
قام كل من جان ميشيل ديبرات، وسيرج ميخايلوف، وأوليفييه لافكورك، بتحليل سبب نجاح عملية "برخان" في كسب جميع المعارك وخسارة الحرب ضد الجهاديين الإسلاميين.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
في معرض حديثه في صحيفة لوموند، خرج الجنرال برونو كليمان - بولتي، عن الصمت بشأن التدخل الفرنسي في الساحل، وإن اتبعنا تحليله، دون تغيير النهج، فإنّ فرنسا بصدد خسارة الحرب، ليس لأنّ قوة "برخان" مُهدّدة من قِبل ما يشبه "ديان بيان فو" في الرمال، ولكن لأنّ التاريخ يعلمنا أنّ الجيش يمكن أن يكسب كل المعارك ويخسر الحرب، إذ على الرغم من نجاحاته التكتيكية، لا يستطيع منع العدو من تحقيق أهدافه.

ومنذ عام 2017، توسعت مجالات نشاط الجهاديين الإسلاميين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتضاعفت عملياتها، حيث يمثّل الهجوم والاستيلاء على موقع إنديليمان عام 2019، والذي قُتل فيه 49 جندياً مالياً، في 1 تشرين الثاني (نوفمبر)، وتدمير موقع إيناتيس Inates في 17 كانون الأول (ديسمبر)، والذي كبّد الجيش النيجيري خسائر فادحة (71 قتيلاً و30 مفقوداً)، برهاناً على القدرات العسكرية الجهادية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في إقليم الساحل الإفريقي يخرج عن عباءة القاعدة وداعش
ولا تُمثّل الحرب في الساحل نزاعاً بسيطاً يستطيع أن يُنهيه اتفاق الجزائر؛ فالتقدم الجهادي الإسلامي في مالي وبوركينا يمكن أن يزعزع استقرار غرب أفريقيا. أولاً؛ في ساحل العاج حيث لا يمتلك الجيش مصداقية كبيرة، فضلاً عن التنافسات العرقية الشرسة، إذ ستجد الدولة نفسها في انتخابات محفوفة بالمخاطر عام 2020، وستؤدي سيطرة الجهاديين على طرق الصحراء، في النهاية، إلى توسيع الاتجار بالكوكايين والأسلحة والمهاجرين الذين سيتسلل إليهم إرهابيون، عاجلاً أم آجلاً.
أطروحات المؤامرة
على أرض الواقع، يُنظر إلى النزاع بشكل متزايد على أنّه مواجهة عرقية بين مزارعي بامبارا أو دوجون أو موسِي ضد رعاة شعب الفولاني (1)، الذين تم دمجهم على عجل مع الجهاديين. وتشعر السلطات المحلية بالضيق من العدو الذي يحتفظ بالمبادرة ولا تفهم ما يرون بأنه فشل عملية "برخان"، كما تزدهر أطروحات المؤامرة حول لعبة مزدوجة من قبل فرنسا، أكثر فأكثر، حيث يعدّ شعب الفولاني كبش فداء مثالي، فيما يدعو المتطرفون بالفعل إلى القتل، وقد يجد جنود فرنسا أنفسهم في خضم تصفيات الحساب العرقية.
بالنسبة للجيش الأجنبي، فإنّ إجراء عمليات مكافحة حرب العصابات بحثاً عن عدو يختبئ بين السكان أمر صعب للغاية، والإخفاقات في فيتنام وأفغانستان تذكرنا بذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
ولا يمكن كسب الحرب في الساحل، التي لم تعد تتطور الآن في شمال مالي شبه المهجور ولكن في قرى وسط مالي وشمال بوركينا، بواسطة قوة غربية، كما يمنع فشل الأجهزة الحكومية في الدولتين تنفيذ إستراتيجية لطخة الزيت (التي تنتشر بسرعة) الغالية على فكر جالياني (2)، والتي تشهد الإدارة وهي تستعيد تدريجياً سيطرتها على المناطق الآمنة في "برخان" (مالي)، ولن يغيّر تدخل القوات الخاصة الأوروبية من الوضع شيئاً.
إذا أرادت فرنسا أن تتجنب الخروج من المنطقة يوماً ما تحت ضغط شعبي، يجب عليها أن تراجع طرائق وجودها، مراجعة كاملة، وأن توافق على ترك المركز الأول للجهات الفاعلة المحلية، هذا ما قاله الجنرال كليمنت - بوليه.


مصدر الترجمة الفرنسية:

www.lemonde.fr


الهوامش:

1- الفلان شعب يقطن مواطن عديدة في غرب أفريقيا ووسط أفريقيا والساحل الأفريقي، والحجاز ويشكلون أقلية في كل دولة يسكنوها (باستثناء غينيا)، لذا يتحدثون لغات أخرى بجوار لغتهم الأم، ولديهم ثقافة خاصة مميزة. وجلّهم من المسلمين.
2-  جوزيف سيمون غالياني (بالفرنسية: Joseph Simon Gallieni)  قائد عسكري فرنسي ( 1849- 1916 ) شارك في بداية الحرب العالمية الأولى.

للمشاركة:



الإمارات تغيث اللاجئين في لبنان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

كثفت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي عملياتها الإغاثية في لبنان، للتخفيف من تداعيات فصل الشتاء على حياة اللاجئين، الذين يواجهون ظروفاً مناخية صعبة.

وقامت الهيئة، عبر ملحقية الشؤون الإنسانية في سفارة الدولة لدى بيروت، بتنفيذ المرحلة الثالثة من برنامجها الإغاثي، ووزّعت المعونات الشتوية على اللاجئين والمتأثرين بالظروف المناخية الراهنة، والتي يستفيد منها 100 ألف شخص في لبنان، وفق وكالة "وام".

واشتملت المعونات على المستلزمات الشتوية، التي تضمّنت أجهزة التدفئة والأغطية والبطانيات والطرود الغذائية، لحماية اللاجئين من تداعيات انخفاض درجات الحرارة، والتخفيف من تفشي أمراض الشتاء بين اللاجئين خاصة الأطفال.

وشمل توزيع المساعدات، حتى الآن، مناطق عكار وعرسال ووادي خالد، والفاكهة وصيدا وبيروت وطرابلس.

الهلال الأحمر الإماراتي يوزّع مساعدات شتوية على 100 ألف شخص من اللاجئين السوريين في لبنان

وأكّد الأمين العام لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي، الدكتور محمد عتيق الفلاحي، في تصريح صحفي؛ أنّ "الهيئة مدركة للآثار الإنسانية السيئة التي قد تترتب على نقص مواد التدفئة، ومستلزمات الشتاء، خاصة أنّ مخيمات اللاجئين تتواجد في مناطق بين لبنان وسوريا، تشتهر ببرودتها وتقلبات طقسها"، لافتاً إلى أنّ "خطة هيئة الهلال الأحمر في هذا الصدد تستهدف توسيع مظلة المستفيدين من المساعدات الشتوية في مخيمات لبنان، إلى جانب السكان المحليين في عدد من المحافظات الأخرى، والمناطق الجبلية التي تنخفض فيها درجات الحرارة إلى أدنى مستوياتها".

وأكّد أمين عام الهلال الأحمر؛ أنّ الهيئة تضطلع بدور محوري في إغاثة ومساندة اللاجئين السوريين في الدول المجاورة، تنفيذاً لتوجيهات القيادة الرشيدة، التي بادرت منذ الوهلة الأولى للأحداث في سوريا، بالوقوف إلى جانب المتأثرين ومساندتهم على تجاوز ظروفهم الإنسانية، مشيراً إلى أنّ "المرحلة القادمة ستشهد تنفيذ المزيد من البرامج الإنسانية في المجالات الإغاثية الصحية والمعيشية والإيوائية للاجئين".

يذكر أنّ برنامج المساعدات الشتوية للاجئين الذي تنفذه هيئة الهلال الأحمر حالياً يستفيد منه مليون لاجئ سوري، في الأردن ولبنان والعراق واليونان ومصر، وعدد من الدول الأخرى، ويتضمن توزيع كميات كبيرة من الطرود الغذائية والصحية والملابس الشتوية، وأجهزة ومواد التدفئة، والبطانيات، ومستلزمات الأطفال، ومواد الإيواء الأخرى.

 

للمشاركة:

"هيومن رايتس ووتش" تنتقد السلطات الجزائرية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أمس؛ إنّ السلطات الجزائرية تواصل اعتقال ومحاكمة نشطاء من الحراك الشعبي تعسفياً، رغم وعود الحوار التي أطلقها الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون.

وقال المدير التنفيذي بالنيابة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، إريك غولدشتاين: "بدلاً من إطلاق سراح كلّ من اعتقل بسبب تظاهره سلمياً، واصلت السلطات اعتقال واحتجاز أشخاص بسبب نشاطهم السلمي"، كما جاء في بيان المنظمة، وفق ما أوردت "يورو نيوز".

ومنذ الانتخابات الرئاسية، في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2019، التي فاز بها عبد المجيد تبون، المقرَّب من الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، الذي أجبره الحراك على الاستقالة، في 2 نيسان (أبريل) الماضي، اعتقلت السلطات عشرات المحتجين، وفق المنظمة.

وأضاف غولدشتاين: "عروض الحوار تفقد مصداقيتها عندما تحبس الناس لمجرد خروجهم إلى الشوارع لاختلافهم معك"، في إشارة إلى "الحوار" الذي اقترحه تبون على الحراك عقب فوزه في الانتخابات.

ووفق "اللجنة الوطنية للافراج عن المعتقلين" التي تشكّلت لمساعدة الموقوفين أثناء الاحتجاجات، ما يزال 120 شخصاً، على الأقل، محتجزين، في انتظار المحاكمة أو تمّت إدانتهم، على خلفية مشاركتهم في الحراك.

الحكومة الجزائرية تواصل قمع الحراك في الجزائر رغم وعود الحوار التي أطلقها الرئيس تبون

وفي 2 كانون الثاني (يناير)؛ أفرجت عدة محاكم عن 76 ناشطاً، على الأقل، في إجراء عُدَّ محاولة من الرئيس للتهدئة، لكنّ الملاحقات القضائية ما تزال مستمرة ضدّ من لم يحاكم من المفرَج عنهم.

وبحسب لجنة الإفراج عن المعتقلين؛ فإنّ مجموع الذي خرجوا من السجون بلغ 94؛ إما لانتهاء فترة عقوبتهم أو بالإفراج المؤقت، في انتظار محاكمتهم أو البراءة، بينما ما يزال 124 معارضاً في السجن.

والإثنين؛ طلبت النيابة السجن ثلاثة أعوام للناشط سمير بلعربي، أحد وجوه الحراك، القابع في الحبس المؤقت، منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، بتهمتَي "المساس بسلامة وحدة الوطن"، و"عرض منشورات تضرّ بالمصلحة الوطنية" وهي جنحة يعاقب عليها القانون بخمسة أعوام سجناً".

وفي 21 كانون الثاني (يناير)؛ حكم على عبد الكريم زغيلاش، الذي يملك إذاعة "سربكان" بالسجن ستة أشهر، بتهمة البثّ دون ترخيص، وكذلك "الإساءة إلى رئيس الدولة"، أي بوتفليقة قبل أن يستقيل.

وسيقف مرة أخرى أمام القاضي، مع زميلته ليندا ناصر، بتهمة "التجمهر غير المسلح" بحسب لجنة الإفراج عن المعتقلين.

وما يزال الكثير منهم قيد الاحتجاز، ويواجهون تهمة "التجمهر غير المسلح"، التي تصل عقوبتها إلى السجن لعام واحد، أو "المساس بسلامة وحدة الوطن" التي تصل مدة عقوبتها إلى عشرة أعوام سجناً.

 

للمشاركة:

تركيا تضرب اتفاق برلين بعرض الحائط..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

وصلت بارجتان حربيتان تركيتان، فجر اليوم، إلى ميناء طرابلس الليبية، على متنهما عدد من الجنود الأتراك لدعم قوات حكومة "الوفاق" في معارك طرابلس، رغم تعهّد أردوغان في "مؤتمر برلين" بعدم التدخل في ليبيا أو إرسال قوات أو مرتزقة.

ورافقت البارجتين سفينة شحن قامت بإنزال دبابات وشاحنات عسكرية، وعتاد وذخائر تمّ نقلها إلى قاعدة معيتيقة الجوية، وسط العاصمة طرابلس، لتهيئتها للمشاركة في المعارك إلى جانب حكومة الوفاق، وفق ما أوردت "العربية".

وتحمل البارجتان اسمَي "غازي عنتاب" و"قيديز"، وقد تكفّلت كلّ من ميليشيا الردع والنواصي بتأمين وصولهما إلى ميناء طرابس.

بارجتان حربيتان تركيتان تصلان إلى طرابلس على متنهما جنود الأتراك ودبابات وشاحنات عسكرية

يذكر أنّ انتقال المقاتلين السوريين للقتال في ليبيا مستمر، وقد تخطى عدد المجندين الذين وصلوا إلى العاصمة الليبية طرابلس الـ ١٧٥٠ سورياً.

وتحاول حكومة الوفاق التستر على عدد قتلى المرتزقة في المعارك الدائرة في محيط العاصمة طرابلس، وترسل جثامينهم بشكل مستعجل إلى سوريا، كي تقوم عائلاتهم بدفنهم وتدفع لعائلة كلّ مقاتل المبلغ المتفق على دفعه في حال قتل العنصر في معارك ليبيا. 

في سياق متصل؛ خصص فائز السراج مبلغ مليار دينار ليبي (800 مليون دولار) من ميزانية الدولة الليبية لعام 2020؛ للصرف على "وزارة الدفاع والمجهود الحربي في طرابلس"، في إشارة لاستمرار صرف الأموال على الميليشيات، وجلب الأسلحة والذخائر من تركيا بهذه المبالغ الضخمة.

 

للمشاركة:



ليبيا وإغلاق القبائل لحقول النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

جبريل العبيدي

إغلاقُ حقولِ النفط الليبية كانَ الخيار الأصعبَ أمام القبائل الليبية، لوقف إهدار الأموال الليبية، وهي ترى ثروتَها السياديةَ تُنْهبُ من دون رادعٍ، بل ويتمُّ استخدامُها لجلب المرتزقة لقتل أبناء الشعب الليبي من قبل حفنة من العملاء الذين تشبثوا في كراسي السلطة التي جاءوها في غفلة من الزمن ورفضوا مغادرتها.
ليبيا تمتلكُ ثروةً نفطيةً ضخمة، وهي تطفو على بحيرة من النفط، إذ يُعدُّ الاحتياطي العالمي الخامس في العالم، كما تعتبر ذات الاحتياط النفطي الأكبر على المستوى الأفريقي، لكنها ثروة تستنزف وتنهب صباح مساء، وبطرق متعددة، خصوصاً في ظل هذه الفوضى العارمة التي استأصلت كل شيء، ولا أحد يرغب في إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الليبي بالتنمية المستدامة، والتخلص من سياسة الاقتصاد الريعي، والتحول إلى الاقتصاد الإنتاجي، مما جعلها تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة متراكمة حتى أصبحت ثروة النفط فيها «لعنة»، وهي التي وراء التدخل العسكري، الذي أسقط الدولة والنظام معاً، وتسبب في حالة فوضى لا تزال تنشط في ليبيا منذ عام 2011، حيث كان التدخل بحجة حماية المدنيين عبر قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، التي نراها لا تنفذ في كثير من دول العالم.
حقول وموانئ النفط تعرضت في محاولات سابقة للسيطرة والاستحواذ عليها، فنشبت معارك ومحاولات الاستيلاء على الهلال النفطي، باستخدام ميليشيات جماعات الإسلام السياسي، مثل «سرايا الدفاع عن بنغازي»، وهي تحالف من المقاتلين لهم صلات مع تنظيم «أنصار الشريعة»، المبايع لـ«داعش»، وقد حاولت أكثر من مرة السيطرة على الحقول، قبل أن يحررها الجيش الوطني الليبي، ولكن بقيت المشكلة في المؤسسة الوطنية للنفط الموكل إليها بيع النفط وتصديره والتي تودع الأموال في البنك المركزي في طرابلس الذي تسيطر عليها الميليشيات وتستخدم عائدات النفط في تمويل إرهابها وسرقة المال العام، مما تسبب في غضب القبائل في حوض النفط، فاجتمعت وقررت إغلاق حقول وموانئ النفط إلى حين إيجاد قيادة رشيدة تحسن التصرف في عائدات النفط، وقد قال أحد مشايخ القبائل التي أغلقت حقول وموانئ النفط شيخ مشايخ قبيلة أزوية، السنوسي الحليق، معلقاً عن أسباب الإغلاق: «إن القبائل الليبية خلال اجتماعها في الزويتينة، أعلنت عدة مطالب من أجل إعادة فتح الحقول النفطية، على رأسها إسقاط الاعتراف بحكومة الوفاق، التي تستغل موارد النفط وإيراداته لجلب المرتزقة وتمويلهم. أيضاً نطالب بتغيير محافظ المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة».
التلاعب بإيرادات النفط كان وراء مقتل خبير النفط الليبي شكري غانم، الذي يعتبر الصندوق الأسود للنفط الليبي، والذي وصفته صحيفة «لوموند» الفرنسية بـ«الميت الذي ما زال يتكلم»، وكان قد قتل إغراقاً في نهر الدانوب، عقب إسقاط نظام القذافي، لإغلاق ملف عوائد النفط، ليسهل التلاعب فيها، فالتلاعب ونهب عائدات النفط كان وما زال مستمراً، ولكن أن تتحول هذه العوائد إلى تمويل مرتزقة أجانب لقتل أبناء القبائل، وخاصة تلك التي يخرج النفط من تحت أقدامها هو الأمر الذي دفع بالقبائل الليبية للاجتماع، وإغلاق حقول النفط وموانئه لحين ترشيد التوزيع العادل للثروة الوطنية، حيث يباع النفط في غياب تام وواضح لأي مقاييس وضوابط ومحددات، مما يجعل الشك والريبة موضع افتراض بيع النفط، والتصرف فيه من دون رقيب أو حسيب، كما تقتضي معايير النزاهة والشفافية، يعتبر خرقاً واضحاً وتبديداً وإهداراً للثروة الوطنية في اتجاه مجهول، وقد يتسبب في احتقان شعبي قد يسير في اتجاهات تهدد السلم الاجتماعي.
ولئلا يستمر هذا يقول مشايخ القبائل: «إلى أن يصبح لدينا حكومة وطنية دستورية، فليبقَ النفط قابعاً تحت الأرض، أفضل من لعنة بيعه وتمويل المرتزقة والميليشيات به».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

الصدر الذي فتح الباب لتأكله الذئاب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

فاروق يوسف

لن يتمكن مقتدى الصدر من تصديق أن نجمه قد أفل في الحياة السياسية العراقية وأنه صار صفرا، لن يتمكن ما تبقى من أنصاره من اعادته إلى المعادلة الرياضية التي تقوم على أساس أرقام معقدة.

كان الصدر في الماضي يحرج خصومه بتقلباته غير المتوقعة فإذا به من خلال انقلابه الأخير يُخرج نفسه من السباق ليتخلى عن كونه رقما صعبا يحيط به الغموض ليصبح عرضة للتهميش ورمزا للخيانة بالنسبة للمحتجين وهو ما ستجد فيه الأحزاب الموالية لإيران مناسبة لتأكيد سلامة رأيها به.

لقد صدق الصدر أن إيران قد تبنته أخيرا، بالرغم من أنه في حقيقته لم يكن عدوها إلا على مستوى الشعارت المجانية. فلو كان عدوها لما جعلته يرفل بجزء كبير من ثروات الدولة العراقية من خلال الوزارات التي هي من حصته. فالصدر كان واحدا من أكبر المساهمين في حفلة الفساد التي شهدها عبر الستة عشر عاما الماضية. غير أنه وبسبب كراهية الآخرين له رسم خرائط نظرية، استطاع من خلالها أن يوهم أتباعه بأنه يعادي إيران.

مقابل الرضا الإيراني كان على الصدر أن يقوم باحتواء الاحتجاجات وهو ما تعهد به من خلال التشويش على تلك الاحتجاجات بتظاهرات تطالب برحيل القوات الأميركية عن الأراضي العراقية وهو مطلب الأحزاب الموالية لإيران بعد مقتل قاسم سليماني.

اما حين فشل ذلك الرهان فقد جُن جنون الصدر. ذلك لأنه أدرك أن المركب تغرق. كان انفصاله عما جرى من تحولات منذ بداية اكتوبر سببا في عماه الذي قاده إلى اتخاذ قرار لم يكن صائبا.

لقد أعتقد أن في إمكانه احتواء الاحتجاجات ومن ثم العمل على تفتيت وتشتيت مظاهرها وصولا إلى انهائها. تلك كانت خطته. غير أن صدمته كانت مدوية، حين أكتشف أن ما تصوره يسيرا هو أصعب بكثير من إمكانية الوصول إليه، حتى بعد أن غامر علنا بسحب أعوانه من ساحات التظاهر.

لقد خرج المحتجون من نطاق السيطرة المتخيلة وصارت لديهم مرجعياتهم التي يحرصون على أن يحيطونها بقدر لافت من الغموض.

حينها كان على السيد أن يعترف بأن الاحتجاجات سبقته ولم يعد رهانه قائما فيها وأن انسحابه منها لن يؤثر عليها في شيء بل العكس هو الصحيح. لقد وهبها ذلك الانسحاب قدرا من الزخم لعب القرار المستقل دورا في تأجيجه بين الشباب.

غير أنه وكما هو متوقع من رجل دين لم يصدق ما يراه فلم يعترف بالواقع.

فبعد أن توهم أن ظفره بالرضا الإيراني سيمكنه من أن يكون سيد الساحة السياسية فإنه لا يملك الاستعداد لمراجعة سياساته التي أودت به إلى الانفصال النهائي عن الشارع وحبسته في عزلته التي اختارها بمشيئته.

ولكن هل هناك قراءة أخرى للموقف المزري الذي انتهى إليه الصدر؟

لمَ لا يكون ما جرى هو انعكاس لمخطط إيراني لإزاحة الصدر نهائيا من الخارطة السياسية؟

تلك فرضية يمكن القبول بها في ظل العلاقة غير السوية التي تجمع الصدر بقوى البيت الشيعي الذي كان مهددا دائما بالانهيار من الداخل بسبب تركيز الصدر على حضوره الشعبي بين الفئات الأكثر فقرا.

وإذا ما كان الصدر قد دخل إلى لعبة الحكم مستفيدا من امتيازاتها المفتوحة فإنه نجح بطريقة مخادعة في أن يمثل دور المعارض الذي يلبس كفنه استعدادا للموت.

غير أن لقاءه الأخير بخامنئي وضع حدا لتلك الثنائية. ترى من سعى إلى لقاء الآخر؟

من المؤكد أن الصدر كان يسعى إلى أن يتم احتضانه إيرانيا بطريقة منفصلة، كما لو أنه شخص استثنائي وهو ما اتاحته له القيادة الإيرانية أخيرا.

كان الصدر غبيا حين أولى خامنئي ثقته.

من وجهة نظر الإيرانيين كان ضروريا أن يعود الصدر إلى ساحات التظاهر بوجه مختلف. وهو الوجه النقيض للمعارض، بحيث يبدو كما لو أنه يمثل الأحزاب الموالية لإيران. وكان في ذلك مقتله.

لقد تخلصت إيران من صداع الصدر في الوقت الذي صار شبحه الوطني نسيا منسيا.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المواجهة الفلسطينية المطلوبة لصفقة القرن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

مروان كنفاني

يقف الشعب الفلسطيني اليوم أمام تحديات متعاظمة، قوامها إما أن يكون أو ألا يكون، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التسوية التي أطلق عليها “صفقة القرن”، حيث تتطلب المواجهة المصيرية قدرة كبيرة على التماسك، بعيدا عن الحسابات التي تجاوزها الزمن.

بهذه الصفقة المبتورة يسقط الشعار التقليدي لاسترداد فلسطين من البحر إلى النهر، عبر الطريق الذي طال مخلفا شهداء وجرحى ومعتقلين، وعلى هامش الخلاف الداخلي الفلسطيني على أعتاب اتفاق أوسلو، وما سبقه وما تلاه من ممارسات المقاومة المجيدة ومظاهرات العودة وبالونات الحرق، والانقسام الفلسطيني القائم على الالتحاق بالتحالفات العربية والأجنبية، والترحال الفلسطيني الهادف للبحث عن اعتراف الدول الأجنبية بازدواجية الكيان الفلسطيني وانقسام أرضه وشعبه.

لم يعد يفيد اليوم الكلام والتصريحات النارية والتهديد بالويل والثبور والانسحاب من اتفاق أوسلو الذي مات ودفن وتعفّنت جثته منذ سنوات طويلة. ولن ينفع كالعادة طلب اجتماع للجامعة العربية يحضره المندوبون الدائمون، ولا انعقاد مجلس الأمن الذي تستعمل فيه الولايات المتحدة حق “الفيتو”، ولا الجمعية العامة التي لا سلطة تنفيذية لها. اليوم على الفلسطينيين أن يقرروا كيف يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ليس هناك من لا يعرف أن الولايات المتحدة منحازة إلى إسرائيل منذ زمن طويل. ولا يشك أحد في قوة وجبروت واشنطن ووزنها الثقيل في العالم، وسيطرتها العسكرية والاقتصادية والتحالفية وعقوباتها التي تئن من تحتها دول كثيرة وقريبة.

تفرض الولايات المتحدة هيبتها وقراراتها بأسلوب متعال، لكنها تدرس جيدا وتخضع لاتجاهات ومصالح الدول الأكبر في العالم، وهي عرضة لتغيير أو تعديل قراراتها وفق ذلك.

يقع تحقيق هذا الهدف على عاتق الفلسطينيين وحدهم، وليس على الإسرائيليين أو الأميركيين. العالم لا يحترم الدول والشعوب المنقسمة، وإذا لاحظنا أن البؤر الساخنة التي يعمّها العنف والحروب الأهلية والتدخل الدولي في شؤونها هي الدول المنقسم شعبها، وتعتمد على قوى خارجية في احتلال المزيد من الأرض وقتل المزيد من أبناء الشعب، وما يجري في بعض دول الشرق الأوسط دليل لا يقبل التشكيك.

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب كلا من المرشحين لرئاسة الوزارة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو وبيني غانتس للحضور إلى واشنطن، ورأى ترامب أن يكون اللقاء معهما في أوقات مختلفة كي يتأكد أن رئيس الحكومة القادم، وقائد المعارضة الجديد في الكنيست، مطلعا وموافقا على المبادرة الأميركية. وعلى الرغم من معارضة إسرائيل للصفقة في الجوهر، غير أنها تترك الرفض يأتي من الجانب الفلسطيني، ويتظاهر نتنياهو وغانتس بتأييدها والترحيب بها.

سوف يدعو ترامب الفريق الفلسطيني عاجلا أو آجلا للحضور إلى واشنطن، فهل يتوقع الفلسطينيون أن يوجه دعوتين لكل من الرئيس محمود عباس ولرئيس الجزء الجنوبي لفلسطين شبه المستقل إسماعيل هنية رئيس حركة حماس، لمقابلته في أوقات مختلفة ليضمن اطلاع كل منهما على المبادرة الأميركية؟

لا يبدو للعالم، ولأشقائنا العرب، ولا للدول والشعوب التي تؤيد نضالنا وأهدافنا الشرعية، أن الفلسطينيين شعب واحد متماسك وصامد، لأن العالم وشعوبه يسمع تبادل الاتهامات والتخوين بين فصائله الأكبر والأقدر، ويرى القيادتين تتجولان وتزوران وتتفقان وتعاديان وتصادقان، بينما هما لا يتحدثان مع بعضهما البعض.

لا ينوي الرئيس عباس الذي يملك الشرعية التوافقية، أن يدعو أو ربما يقبل الدعوة للقاء مع قادة حماس، أو الدعوة لأي اجتماع خارج إطار منظمة التحرير. وبينما يتحدث العالم ويتخوّف من خطر إعلان المبادرة الأميركية سيئة الذكر، يتجول رئيس حركة حماس في دول العالم باحثا عن دعم لحركته وليس لفلسطين، وتوسّع قيادتها الحاجز بين قطاع غزة وإسرائيل لمزيد من التبادل التجاري.

كيف ينهض الشعب الفلسطيني للتمسك بحقوقه الشرعية وهو يشاهد الهوة العميقة التي حفرناها نحن وحدنا بأيدينا، ألا يستحق الموقف على حافة الهاوية الذي قد يطيح بحقوقنا ووجودنا أن نتحد قبل أن ننهزم أو ننتصر؟

توحيد وتوحّد الشعب الفلسطيني وقياداته ومفاوضيه ومطالبه وأهدافه وحقوقه الشرعية المستندة على القرارات الدولية، أساس القوة الفلسطينية التي يمكن أن تدعمها غالبية دول العالم ذات التأثير على التصدي لسياسة الولايات المتحدة الجائرة.

في الفترة الزمنية الحالية، ولأسباب يدركها الجميع، يواجه الفلسطينيون جملة من الخيارات المستحيلة ليس لأنها غير شرعية أو عادلة، لكن لأنها صعبة التحقيق.

هناك أيضا خيارات ممكنة التطبيق يحتاج إنجازها التراص الفلسطيني والتأييد العربي والدولي. لن يقبل الفلسطينيون، ولا العرب، التنازل عن القدس، والأماكن المقدسة التابعة للأديان السماوية والتي احتضنها شعبنا أجيالا طويلة. هل يستطيع الفلسطينيون اليوم استرجاع القدس العربية بكاملها؟

يريد الفلسطينيون اليوم أن يوقفوا الإجراءات التي تتم لتهويد القدس والاستيلاء على الأرض الفلسطينية وبناء المستوطنات، ويناضل الشعب من أجل تحقيق وجود فلسطيني يؤيده العالم في الأماكن المقدسة، وقدس فلسطينية في الأحياء المقدسية وأكناف بيت المقدس. ويرفض الفلسطينيون استمرار الوضع الراهن الذي يسمح لإسرائيل بابتلاع القدس الكبرى واجترار الأرض والمقدسات وطرد السكان. هذا هو ما يجب على الفلسطينيين أن يتفقوا على تقريره والعمل لتنفيذه.

الفلسطينيون لا يستطيعون تطبيق هذا البرنامج وحدهم، وهم بحاجة لتأييد الدول العربية والدول المؤيدة للحقوق الفلسطينية. وعليهم أن يتصلوا بتلك الدول، وتزويدها بالوثائق والقرارات والحقائق ونصوص القانون الدولي في هذا الشأن، وحثّها على الاتصال بالدول المعنية. كما يجب أن يستمعوا إلى ما تقول وتنصح تلك الدول لتكثيف الضغط الدولي على الولايات المتحدة وإسرائيل.

على القيادات الفلسطينية تصعيد المظاهرات والمسيرات السلمية تجاه المستوطنين والعاملين في بناء المستوطنات، والجهات المكلفة بمصادرة الأراضي والمنازل بقرارات المحاكم أو السلطات العسكرية، والتحشيد المدني السلمي في حدود التماس مع الاستيطان. ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وكل ما يمكن التوصل إليه من لفت انتباه العالم بما يجري للفلسطينيين وحقوقهم.

عليهم أن يتواصلوا مع الجمعيات والنقابات والتجمعات المدنية العربية والإسلامية والصديقة، والجاليات العربية خاصة في الولايات المتحدة، من أجل تسيير سلمي لمسيرات مؤيدة للحق الفلسطيني وضد الانتهاك للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.

يتطلب هذا التواصل خبرة ومعرفة ولجنة تمثل كل الفلسطينيين تحت شعار ومسمى “الجمعية الأهلية للدفاع عن الشعب الفلسطيني” بفروع مستقلة في جميع أنحاء العالم.

لن يتم أي نجاح أو تقدم على المستوى السياسي والعملي للتصدي للحملة الأميركية – الإسرائيلية التي كشّرت عن أنيابها سوى بإنهاء الانقسام واللجوء للعمل المشترك. فما عدا ذلك فإن رفض المبادرة أو قبولها سيّان في التوصل للفشل وضمان نجاح المبادرة الأميركية (صفقة القرن) على حساب الحقوق الفلسطينية وبعدها لن ينفع الندم.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية