كامل رحومة: الشاطر سعى لإسقاط مرسي

كامل رحومة: الشاطر سعى لإسقاط مرسي
8270
عدد القراءات

2017-12-27

يعد كامل رحومة ابن مدينة دمنهور اليوم واحداً من أهم "مثقفي المكان" في مصر، الذين اختاروا الابتعاد عن الأضواء إلا ببعض المقالات وتنظيم الندوات والحوارات الثقافية بالبحيرة؛ فهو عضو جمعية محبي عبد الوهاب المسيري لتنمية الفنون والآداب، وله مجموعة مهمة من المؤلَّفات حول فكره، كما صدر له "المقاهي الثقافية في العالم.. القاهرة باريس دمنهور"، و"ولا واحد دمنهوري.. فلكلور وحكاوي في حبّ الوطن"، والكتاب الرابع تحت الإصدار بعنوان "نبي دمنهور.. مقاربة تاريخية لسيرة النبي إدريس".

قيل لي إنّني كنت أمثّل صداعاً للجماعة كوني ذا عقلٍ نقدي أناقش وأحاور وأحاسب وأتساءل

صديقه الكاتب الصحفي سامح عيد في كتابه "تجربتي في سراديب الإخوان" أطلق عليه، وذلك لما يحمله من أسرار الجماعة، لقب "الصندوق الأسود للإخوان"، وفي هذا اللقاء مع "حفريات"، يتحدّث رحومة عن تلك الفترة التي قضاها عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، وكان أحد قادتها، بدءاً من العام 1987، عندما تم تنظيمه من أحد جيرانه، حتى العام 1994، حين قررت الجماعة فصله، كما يكشف الكثير من ملابسات ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 التي أطاحت بحكم الإخوان، والتكتيكات التي يلجأون إليها في هذه المرحلة، وحقيقة مراجعاتهم وعلاقاتهم المتشعبة داخلياً وخارجياً.

ما هي ملابسات انشقاقك عن الجماعة بعد أن كنت أحد قياداتها؟

موضوع الانشقاق عن الجماعة، لي فيه وجهة نظر:

بدايةً، أنا أرفض وصف حالتي بتعبير "الانشقاق"؛ لأنّ الانشقاق يفسّره معناه اللغوي الذي ورد في المعاجم: انشقَّ الشَّيءُ: انفلق، انصدع أو انقسم، وهذا لم يحدث معي؛ بل حدث معي انفصال، ثم تطوّر الانفصال إلى قطيعة معرفية جزئية؛ لأنّني تركتهم، وتمسكت فترةً، ليست بقصيرة، بفكرة "الإسلام السياسي"، ثمّ تطوّرت القطيعة المعرفية الجزئية، إلى قطيعة معرفية كاملة لفكرة الإسلام السياسي؛ بعد الاطلاع، والدراسة، واعتراك الحياة، ومزجها بالرؤى الكلية لمقاصد الدين الحنيف.

* إذاً، حدّثنا عن "الانفصال"، وكيف كانت تلك القطيعة المعرفية؟

قصة انفصالي تصلح أن تكون نواة عملٍ دراميٍّ مليءٍ بالتفاصيل، واختصاراً؛ أنا لم أنفصل عنهم بإرادتي، بل هم فصلوني، في أواخر العام 1994، بقرارٍ اعترضت عليه كثيراً، واعتذرت منهم لأكثر من عامٍ ونصف العام، دون جدوى، فقد كان قرارهم نهائياً، بذلوا في تنفيذه جهداً كبيراً؛ إذ إنّني اكتشفت، بعد ذلك، أنّني كنت أمثل لهم عبئاً ثقيلاً، بسبب نقدي لتصرفاتهم، فكانوا ينوون التخلص منّي منذ أواخر العام 1989، لكن تجنيدي ضابط احتياطٍ ضمن صفوف الجيش المصري، حال دون تنفيذ ذلك.

الجماعة في مرحلة كمون وليس لديها أي نية لمراجعة أفكارها التي قامت عليها

وما ذكرته هو استناداً لشهادات قياداتٍ منهم، أصبحوا من أصدقائي المقربين بعد ذلك، من أمثال: سامح عيد، وعمرو كامل الذي كان رقماً مهماً داخل التنظيم الطلابي الإخواني، وقد انفصل عنهم طواعية. ولمّا سألت عن سبب تحفظهم على شخصي، رغم إخلاصي الفطري لفكرة الدعوة إلى الله، التي كنت أعدّهم، في تلك الأيام، من رموزها، قال لي سامح عيد إنّني كنت أمثّل لهم صداعاً، كوني ذا عقلٍ نقدي، أناقش، وأحاور، وأحاسب، وأتساءل. ومما أخبرني به أيضاً أنّهم كانوا يخشون من تكلفة طردي من الجماعة، تخوفاً من حجم علاقاتي الاجتماعية، التي كانت تسبّب لهم أزمة يصعب معها استيعابي داخل وعاء التنظيم، القائم على السمع والطاعة.

وقد ألمح سامح في كتابه "رحلتي في سراديب الإخوان"، في فقرةٍ بعنوان "كامل رحومة الصندوق الأسود"؛ أنّ مشكلتي الأساسية معهم هي علاقات الصداقة الشخصية، لا التنظيمية، مع قيادات إخوانية، أتعامل معهم كبشر يخطئون ويصيبون، وليس كمسؤولين، يأمرون فيُطاعون، وكان ذلك يسبّب قلقاً كبيراً لدى القيادات العليا؛ إذ إنّ مثلي لا يتخيل ادعاءات المشيخة الكاذبة، التي يصدّرونها للصف الإخواني، ما أتاح لي حزمة معتبرة من الأسرار التنظيمية، وكذا الشخصية.

* كيف استطاعوا إذن إزاحتك من التنظيم، رغم علاقاتك الاجتماعية الكبيرة، التي لمسناها عندما زرناك بمحافظة البحيرة؟

تمت إزاحتي بطريقة، يسمونها في التنظيمات، "التلبّس المصنوع"، التي اكتشفتُ، بعد ذلك، أنّها تكتيك ممنهج عندهم، فقد ذكر الباحث ثروت الخرباوي في كتابه الشهير "سر المعبد"، أنّهم استخدموا معه نفس التكتيك، وتقوم تلك الطريقة على توجيه أمر مباشر للشخص المطلوب، وغالباً ما يكون ذاك الأمر غريباً، لا تجري عليه أعراف الجماعة، ثم يختفي من أعطاك الأمر، ويحلّ محلّه، بعد التنفيذ، شخص آخر يحاسبك على ذاك الخطأ التنظيمي، ويفرض عليك عقوبةً، بسبب منطقي لإدانتك، والغريب أنّ عضو مكتب الإرشاد الحالي، د.جمال حشمت، الهارب إلى تركيا، كان من المشاركين في تلك التمثيلية، التي طُبِّقت فصولها على شخصي الضعيف؛ حين وجَّه إليّ شخص له سلطة روحية، أمراً بأن أعارض مرشحي الجماعة في الانتخابات، هما: د.جمال حشمت، وفتحي تميم، علناً أمام الناس، بحجة إعطائهم فرصة لتفنيد الشبهات حولهما، وحول الجماعة، كنوعٍ من تبادل الأدوار، فلمّا رفضتُ، ضغطوا عليّ بأدبيةٍ مشهورةٍ من أدبياتهم، تقول: "البركة في مشورة الجماعة، وإخوانك رأوا ذلك، ولا تشقّ عصا الطاعة والبركة في الشورى"، وأثناء قيامي بذلك علناً، اختفى المسؤول الروحي، وظهر المسؤول التنظيمي، الذي لم يأمر بما سبق، فبدأ يحاسبني على ما فعلتُ أمام جمهور الصف الإخواني، الذي كان لا يعلم المكيدة، وتمّ التعامل معي على أنني أشاغب علناً لإحراج مرشحي الجماعة، وتم إيقافي بسبب ذلك، لأجلٍ غير مسمى.

* نحن نتحدث عن أسلوب تآمري حقيقي في التعامل معك، فحدثنا، إذاً، عن هذا النهج في محاولة تكريس سلطة الإخوان في مصر؟

بالفعل كانت هناك مؤامرة من الجماعة في هذا السياق قبل أن تضيع منهم السلطة، وأؤكّد أنّ خيرت الشاطر ممن ساهم بطريقة ما في نجاح ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 التي أطاحت بالإخوان، بسبب طمعه في السلطة، ورغبته في انتخابات رئاسية مبكرة؛ بحيث يتم استبدال مرسي به، ولديّ قرائن على صحة ذلك، فقد كانت عينه على الرئاسة منذ الوهلة الأولى، وكان هذا ظاهراً عندما قرّر ألاّ ينزل الإخوان إلى الميادين، في ذلك اليوم، بعد أن كانوا قرروا النزول. من المعلومات التي وصلت لي من داخل الجماعة أيضاً، حدوث استفتاء داخلي، أشبه بالورقة البحثية، لمعرفة رأي الشعب المصري في النزول يوم 30 يونيو، ضدّ الرئيس الإخواني محمد مرسي، ووصلت نتيجة الاستفتاء إلى أن أكثر من 90% من الشريحة المستهدفة سينزلون ذلك اليوم وسيشاركون في الثورة على الإخوان، لكن تم تزوير هذا الاستفتاء كعادتهم لتصبح نسبة المشاركين من الشعب فقط 43% تقريباً، ليمارس خيرت معهم خطة الخداع المتفق عليها مع الأمريكان. وقد أكد لي هذا التزوير قيادي من المنوفية قريب من الدكتور كمال الهلباوي، وقال إن هناك تحقيقات داخلية تمت داخل الجماعة مع أفراد شكّكوا في نتيجة الاستفتاء، بتهمة عدم الثقة في القيادة مع تلك النسبة التي جعلت جمهور الإخوان مطمئناً جداً بألا أحد سيخرج ضد مرسى في 30 يونيو، لذا أصابتهم أعداد الناس التي خرجت بالذهول.

كما من القرائن، أيضاً: أنّ محمد البرادعي كان يعرف بهذا الأمر، ولمّح بذلك في "مؤتمر الاتحاد الأوروبي"، في فلورنسا بإيطاليا الذي عُقد في شهر (مايو) 2015؛ حيث صرّح بوجود نيةٍ لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، تم التوافق عليها، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، بعد أن تم إعلان عزل محمد مرسي من منصبه واعتقاله.

خيرت الشاطر ... محمد مرسي

* ما تقوله معناه: أنّ هناك قيادات في الجماعة ذاتها كانوا يريدون إزاحة مرسي من الرئاسة؟!

نعم، بلا شكّ؛ نائب المرشد العام للإخوان، خيرت الشاطر، خرج عن شعوره، وركل كرسي مكتبه، عندما علم بخروجه من سباق الرئاسة؛ لأنّه خُدع؛ إذ إنّه هو من قدّم إثباتات للجنة الانتخابات على جنسية أم "حازم صلاح" الأمريكية، وكان يريد إزاحة مرسي، بعد ذلك أيضاً، وما حدث في 30 يونيو؛ أنّ الدولة المصرية استطاعت توجيه الرغبة الأمريكية، وكذا الرغبة الإخوانية، في انتخابات رئاسية مبكرة، باستخدام سياسة "طعم الصنارة"، ثم فاجأتهما بقرارات 3 تموز (يوليو) 2013، ولعلّ ذلك يفسّر الموقف المتذبذب لعبد المنعم أبو الفتوح؛ فقد تحوّل، بعد 3 يوليو، إلى شخصٍ آخر؛ لأنّه كان، هو أيضاً، يعوّل على الانتخابات الرئاسية المبكرة.

* الغريب أنّك أصبحت عضواً عاملاً في حزب مصر القوية، الذي يقوده القيادي في الإخوان المفصول عبدالمنعم أبو الفتوح؟!

كنتُ عضواً، وانفصلت، وأبو الفتوح ليس عضواً عادياً؛ بل ما يزال قيادياً في التنظيم الدولي للإخوان، وهذا هو السبب الرئيس والأساسي لانفصالي عن حزب مصر القوية، حين علمت أنّ أبو الفتوح مايزال ينهل من نفس ذاك المَعين الإخواني؛ بل هو رافد من روافده، لذلك طويت تلك الصفحة.

* وماذا بالنسبة لشخصيات معروفة مثل عمرو خالد، والإعلامي باسم يوسف اللذين تم تداول أقاويل عن علاقتهما بالإخوان أيضاً؟

عمرو خالد؛ ابن الإخوان، وابن التنظيم الدولي، وأحد روافده، وأعتقد أنّ الدولة المصرية تعامله كما تعامل الهلباوي، أمّا "باسم يوسف"؛ فهو إعلامي طبقاً لقيم السوق الأمريكية، لكن المسؤولين عن إنتاج برنامجه من الباطن هم الإخوان أنفسهم؛ والمنتج الظاهر هو طارق عدلي القزاز، ووالده عدلي القزاز، عضو مهم جداً في تنظيم الإخوان، وكان مستشار الرئيس الأسبق محمد مرسى لتطوير التعليم، ومقرباً جداً من خيرت الشاطر، وأدعو هنا إلى مراجعة أول 6 حلقات له على اليوتيوب، أيام ميدان التحرير، فقد كانت تحمل تطبيعاً واضحاً لفكر الإخوان داخل النسيج المصري، بحيث يسخر من كل من يتهم الإخوان والكنتاكي، والأجندة والتمويل الأجنبي.. إلخ، مستغلاً أنّ الشعب المصري بطبيعته يتأثّر بالنكتة والفكاهة، وهو ما فعله باسم، وللعلم؛ هو له علاقة قوية بخيرت الشاطر، وأملك معلومة، شبه مؤكدة، أنّ خيرت الشاطر كان المنتج الخفي للبرنامج، بدليل أن باسم لم ينتقده شخصياً في أي حلقة من حلقاته ولو لمرةٍ واحدةٍ!

* كيف تنظر بعيون إخواني سابق إلى الأعضاء المنشقين؟

الانشقاق داخل الإخوان لا أصدقه، فهم يجيدون تبادل الأدوار، أنا أسميها: صراعات، أو اختلافات في وجهات النظر، أو خلافات في آليات العمل، أو مواقع النفوذ والموارد في الجماعة؛ أي خلاف على المستوى التكتيكي فقط، أمّا انشقاق؛ فلا أظنّ، وعلى مستوى الأفراد، يمكن لأحد من العناصر أن يقوم بعمل مراجعات لفكر وسياسات الجماعة، لكنّ عليه أن يختار هنا؛ إمّا أن يعلن، وإمّا أن يجعلها في دائرة مفهوم "الإصلاح من الداخل،" الذي يجيد التنظيم التعامل معه، تحت باب الشورى وحرية الرأي داخل الجماعة، فإذا أعلن، فعليه أن يتحمل حملات التنظيم لتخوينه وتسفيهه، وقتله معنوياً، وحصاره، ..إلخ، وغالباً لن يقدم على تلك الخطوة. وإمّا أن تكون المراجعة على مستوى التنظيم، فذاك معناه انتهاء الجماعة، وانحلالها ذاتياً؛ حيث إنّها، في تصوّري، تقوم على مجموعة أساطير، إذا انقضت، تنفضّ الجماعة بأكملها، ومَن يوظّف تلك الجماعة، يعلم ذلك جيداً.

يلجأ الإخوان حينما يريدون فصل أي عضو غير مرغوب فيه إلى طريقة "التلبّس المصنوع"

* أي إنّك، بهذا الكلام، تنفي عن الإخوان أيّ مسلك، فرديّ أو جماعيّ، للمراجعة!

نعم، بكلّ تأكيد، فهم كتنظيم، لم يراجعوا أفكاراً أو سياساتٍ؛ بل قاوموا أيّة مراجعة جادة، بالتسفيه والملاحقة، وأحياناً بالعنف الداخلي، كما سيقاومون أيّة عملية للتفكير داخل الجماعة. هذا أمر نهائي، لكن ستمر مرحلة السيسي عليهم، كما أتوقّع، بالكمون، في انتظار ما بعد السيسي، وسيتحوّل التجنيد عن طريق الدعوة الفردية، إلى "توظيفٍ"، لا "تجنيد"، وسيرتدون أحد أقنعتهم، بتعبير طارق أبو السعد، وغالباً، بل طبعاً، سيتجهون إلى التأثير الثقافي، أو صناعة النخبة، وهذا حدث بالفعل؛ سيطرة، وانتشار كبير في المؤسسات الثقافية؛ هم، يحاولون السيطرة عل أماكن اليسار القديمة، بإحلال نخبة مكان أخرى، وهذا أحد أهم خلافاتي مع وزير الثقافة حلمي النمنم، ولطارق أبو السعد رأي مهم يمكن الرجوع إليه؛ بل أنا أعدّ كلامه بلاغاً لمن يهمه الأمر، المؤسسات الثقافية هي الهدف الرئيس للكمون فيه الآن.

* كيف ترى مستقبل الجماعة في ظل وجود مجموعات نوعية مسلحة لها مثل "حسم"؟

الإخوان ينفون صلتهم بـ"حسم"، والأمن يؤكّد، وعلى المستوى السياسي؛ الإخوان يجيدون تسويق كل ما هو كذب، أفضل من أيّ صدقٍ تسوّقه الأجهزة الأمن للأسف، يعني، كما يقول المثل الشعبي، "كذب مساوي ولا صدق ملغبط"، فصدق الأمن كثيراً ما يكون أفشل تسويقياً من كذب الإخوان، والجماعة ستستمر في نفي صلتها بحسم، حتى ينتهي دورها، وتبدأ بتغيير جلدها، كما فعلت في الماضي، ويصبح خطابها، مجاراةً للأحداث؛ خطاب حمائم ومظلومية واضطهاد، ومستقبل الجماعة، أصلاً، مرهونٌ بمن بيده الأمر "اللي موظفهم"، يعني؛ ونحن مع الإخوان، نتكلم عن دول أخرى، تديرهم كجماعة وظيفية، بتعبير عبد الوهاب المسيري.

* هل تقصد إيران التي التقى وفد منها إبراهيم منير في لندن، أم قطر وتركيا؟

هي موظفة لدى كلّ هؤلاء، خاصة إيران، فعلاقة الجماعة بالشيعة لها مستويان؛ مستوى فكري، أو قل فلسفياً، ومستوى سياسي عملي، أما عن الأول؛ فقد كنت قد قلت في السابق، إنّ أركان البيعة العشرة تؤكّد شيعية الجماعة، وتحديداً ركن الثقة، لا يوجد في الإسلام بند اسمه "ثقة" في شيء، والنموذج الإسلامي في التفكير هو العقل النقدي، أن تشكّ في كلّ شيء، فمثلاً؛ كان الرّسول، عليه السلام، يمشي في الظلام مع زوجته صفية، فنادى صحابته قائلاً لهم: "إنها صفية"، منعاً للشبهات، ولم يطلب منهم أن يثقوا فيه ثقة عمياء، والثقة في القيادة؛ هي المقابل الموضوعي للمبدأ الشيعي "عصمة الإمام"، أي إنّ الإمام لا يخطئ.

أفراد الجماعة يقاومون أية مراجعة جادة بالتسفيه والملاحقة وأحياناً بالعنف الداخلي

من الأشياء التي تؤكد شيعية الجماعة، أيضاً: منصب المرشد، فهو غير موجودٍ في صلب التاريخ الإسلامي، إلا عند الشيعة، فهو اختراعٌ شيعيٌّ، هذا إلى جانب ادّعاء الجماعة أنّ حسن البنا هو صاحب أول مشروعٍ إسلامي مكتوبٍ، بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهذا معناه أنّه إمامٌ غائبٌ، ومعناه أنّ الـ13 قرناً قبله، كانوا فيها لا يفقهون ما فقهه هو؛ فمن أين له بهذا الفيض من المشروع الذي يدّعيه؟ هل أُوحي إليه؟ أم جاءه هذا المشروع إشراقاً!؟

وأفكار البنا التي يتغنون بها تحتاج إلى المراجعة؛ فعلى سبيل المثال، لا الحصر، كلمة "الله غايتنا"، مصدر قلقٍ في العقيدة الإسلامية؛ لأنّ الغاية تدرك؛ فهل، معاذ الله، يدركون الله ويمسكونه، هذا شعار ضدّ فكرة التوحيد أصلاً، وهو من جملة الانحرافات الفكرية لديهم.

* هل تنفي بذلك علاقة الإخوان بالمدرسة السلفية؟

كلا طبعاً، فعلاقة السلفيين بالإخوان علاقة وثيقة في الأصل الجذري، وفي البعد الفكري، وجذور هذا الفكر، فكلهم أولاد رؤيةٍ تستدعي الماضي التليد، وتدّعي أنّ فهم الإسلام الصحيح غائبٌ عن الناس، وكلّهم يعملون على عودة هذا الإسلام؛ بل وكثير منهم يتفقون في مسألة غياب الخلافة، وغياب الفهم الصحيح، والحاكمية، بنسخها المختلفة المتفاوتة.

الأفكار مشتركة، لكنّهم مختلفون في وسائل تحقيق ذاك الهدف، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف بعض أنواع السلفية؛ كـ"الجامية"، أو "المدخلية"، مع ما سبق، واتفاقها معهم في الماضوية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حوار متخيّل مع المودودي.. ملهم الجماعات التكفيرية

2020-06-03

يعد المفكر الهندي/ الباكستاني أبو الأعلى المودودي (1903-1979)، أحد أبرز منظّري التيار الإسلامي في العصر الحديث، وهو إن حمل لواء الدفاع عن قضايا الأمة في بداياته مع تأسيس الجماعة الإسلامية في لاهور بالهند التي انتُخب أميراً لها العام 1941، إلا أنّ أفكاره بدأت تأخذ طابعاً متشدداً تمثل بدعوته لتحقيق شرع الله بالقوة؛ حتى ذهب البعض إلى أنّ كتاباته كانت السبب الرئيسي لتبني سيد قطب أفكار تجهيل المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وخصوصاً ما سطّره حول مبدأ الحاكمية.

في هذا الحوار المتخيل مع صاحب "الجهاد في الإسلام" و"الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة"، نحاول التعرف، من خلال ما كتبه بنفسه، على أبرز معالم مشروعه الفكري الذي حوله إلى مرجعية لمعظم الجماعات التكفيرية التي اعتمدت عليه في تأصيل الكثير من أسسها العقائدية:

بدايةً، هل كنت تتخيل يوماً أنّك ستعتبر مؤسس ظاهرة الإسلام السياسي؟ ليس ذلك فقط؛ بل أن تكون كذلك من أبرز ثلاثة رموز فكرية في هذا التيار مع حسن البنا وسيد قطب؟ بل وأكثر من ذلك، صرت بوصفك أمير "الجماعة الإسلامية" الباكستانية بعد رحيل حسن البنّا الملهم الأول لفصائل شباب الإسلاميين على امتداد العالم الإسلامي.

لم أكن أتصور ذلك بالطبع في حياتي، لكنني كنت أعلم أنّ إخلاصي لدين الله، ودعوتي لهيمنة حكمه في الدولة -التي يجب أن تصبح إسلامية في نهاية المطاف– سيجعلان كلماتي كالنار التي تلهب حماس المسلمين حتى بعد رحيلي عن هذا العالم.

أعرف أنّك تدرك قوة كلماتك، ناهيك عن أسلوب الخطابة الذي تبرع فيه بامتياز. تمتلك -ومعك البنا وقطب- الحلم نفسه: حاكمية الله.. دفع سيد قطب ثمن هذا الحلم غالياً، بينما تم تخفيف حكم الإعدام عليك العام 1954 إلى السجن مدى الحياة قبل أن يُفرجَ عنك بفضل الضغوط الشعبية العارمة.

كان قطب مدركاً لتضحيته الكبيرة في سبيل إعلاء كلمة الله.

سيد قطب

لكنني أرى أنّ السياق الهندي-الباكستاني سمح لك برسم ملامح حلمك الأكبر على أرض الواقع، لقد قمت باستغلال كل لحظة، بحسب مقتضيات الحال، لكي تخطو خطوة إضافية أو عدة خطوات، في كل لحظة، في اتجاه حلمك: "الدولة الإسلامية" ــ حتى من قبل انفصال باكستان عن الهند العام 1947.. لكنني لاحظت أمراً بدأ يتكشف في هيئة جديدة، حين بدأت بشائر الانفصال في الظهور أمام عينيك.

ما الذي لاحظته تحديداً؟

صار خطابك أكثر حسماً؛ لا شكّ في ذلك، حين لاحت أمامك الفرصة، وأعني نشوء دولة جديدة تريد أن تجعلها إسلامية صافية، صار خطابك يتحدث عن الإسلام باعتباره قانوناً تشريعياً مكتملاً يضاهي القوانين الغربية؛ بل ويتفوق عليها. لا يحتاج لأي مصدر تشريعي بجانبه؛ الإسلام عندك قانون يكتفي بذاته، على مستوى أحكامه ونظام عقوباته، صرت تتحدث عن الانقلاب الإسلامي بشكل أوضح، ولتحقيق ذلك الأخير مثلاً اتخذت موقف الرافض للدولة القومية.

أختلف مع ما ذهبتَ إليه بشأن تطور خطابي للحسم بمرور الزمن، كانت قناعاتي واضحة، وقمت بتضمينها في كتابي "منهاج الانقلاب الإسلامي" وهو كتاب يضم المحاضرة التي ألقيتها في الثاني عشر من أيلول (سبتمبر) 1940 على طلبة جامعة عليكرة وأساتذتها، وقد ألقيت المحاضرة إبان احتدام الصراع بين أصحاب النظرية القومية الهندية والمسلمين، في شبه الجزيرة الهندية، لم تكن رؤيتي تنتظر من الواقع أن يستجيب أو أن يمنحني الفرصة لأعرض أفكاري.

كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال الإصلاح؟

أما عن قولك بأنني ضد الدولة القومية، فبالتأكيد هذا صحيح، وليس ثمة سبيل لأي تدرُّج إصلاحي من خلالها، والآن دعني أسألك:

كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح الأساسي وإنجاز مهمته؟ ... فإنّ السلطة في الحكومات الديمقراطية لا ينالها إلا من رضي عنه الجمهور ووضعوا ثقتهم فيه، فإن لم تكن العقلية الإسلامية والفكرة الإسلامية تغلغلتا في عروق الناخبين وامتزجتا بلحومهم ودمائهم، وإن لم تكن الأخلاق والسجايا الإسلامية الزكية مهوى أفئدتهم ومقصد آمالهم، وإن لم يكونوا مستعدين للاستسلام والخضوع لذلك العدل الإلهي النزيه وتلك المبادئ الثابتة الراسخة التي هي قوام الدولة الإسلامية وقطب رحاها، إن لم يكن الجمهور متصفين بهذه المزايا، فلا يمكن لمسلم تقي صادق النزعة كامل الإيمان أن يُنتخب عضواً في مجالسهم النيابية والتشريعية بأصواتهم وآرائهم وإنما ينال السلطة والتغلب بهذه الطريقة كل من يشهد سجل الإحصاء الرسمي له بالإسلام، وإن لم يعرف من الإسلام إلا اسمه، وشهدت نظرياته وأعماله بالمروق عن الدين والجهل بمبادئه.

لماذا نُسفِّه أحلامنا ونحمق أنفسنا بإضاعة قوانا وصرف مجهوداتنا في سبيل إقامتها وتوطيد دعائمها

ومعنى ذلك أنه إن انتقل زمام الأمر إلى أمثال هؤلاء الرجال، لا يكون موقفنا في دائرة حكمهم إلا مثل ما يكون تحت الحكومات التي لا تدين بالإسلام، بل الحق أن موقفنا في دائرة حكمهم يكون أكثر عنتاً، وأسوأ حالاً؛ لأن الدولة القومية التي اتخذت لنفسها شارة من الإسلام خداعة، تكون أجرأ بكثير من الدول غير الإسلامية على القيام في وجه الانقلاب الإسلامي واضطهاد القائمين به، فالأعمال التي تعاقب عليها الدول غير الإسلامية بالحبس مثلاً لا تتحرج تلك الدول القومية من المعاقبة عليها نفسها بالإعدام والنفي. كما أن زعماءها وقوادها لا يزالون مع هذا وذلك، يُلقبون بالغزاة المجاهدين في حياتهم ويُعَدُّون من الشهداء الصالحين بعد مماتهم. فالخطأ، كل الخطأ، أن نظن أن مثل هذه الدول القومية يمكن أن تساعدنا في مهمتنا وتؤازرنا في إحداث الانقلاب الإسلامي بوجه ما ...

فما الذي يمنعنا من انتهاج هذا المسلك والجري على هذه الخطة، وما لنا نضيع الأوقات سدى في انتظار الدولة القومية المرجوة المتسمة بالإسلام كذباً وزوراً؟ ولماذا نُسفِّه أحلامنا ونحمق أنفسنا بإضاعة قوانا وصرف مجهوداتنا في سبيل إقامتها وتوطيد دعائمها ونحن نعلم علم اليقين أن تلك الدولة القومية ستكون عقبة كؤوداً في سبيل غايتنا، فضلاً عن أن تكون مؤازرة لنا ومساعدة في مهمتنا؟".

هل يمكنك أن تشرح لي كيف ترى الجمهور؟

أثبتت لنا التجارب أن العامة لا يستطيعون أن يعرفوا مصالحهم، فإن البشر قد خلقهم الله على ضعف بشري فطري كامن في نفوسهم؛ فيرون في أكثر أمور الحياة جانباً من الحقيقة، ولا يرون بعضه الآخر، ولا يكون حكمهم مرتكزاً على نقطة العدل عموماً، وهم في الغالب يكونون مغلوبين على أمرهم من العواطف والميول فيرفضونها لأجل غلبة العواطف والشهوات على أنفسهم".

وصلت فكرتك لجميع تيارات الإسلام السياسي؛ الوسطيون منهم والمتشددون يمتلكون نفس النظرة التي تنتقص من قَدْرِ الإنسان ووعيه، أنت تسعى لحكم ديني إسلامي بامتياز، نراه في إيران الآن. وهو أيضاً حكم لا يُحرِّر الإنسان بأي درجة، ولا يفي بوعوده التي لوَّح كثيراً بها ... لقد رحلتَ بعد اندلاع الثورة الإيرانية بأقل من سنتين، وكم كنت أتمنى أن تكون حياً لترى ولو النزر اليسير من نتائج الرهان على هيمنة الفكر الديني على مستوى الدولة.

للإسلام جانبه الثيوقراطي، وكذلك الديموقراطي، يمكنني الحديث معك عن مفهوم "الثيوقراطية - الديموقراطية" أو "الحكومة الإلهية الديموقراطية" إن شئت.

أرفض الديمقراطية Democracy، لأن الديمقراطية عبارة عن "منهاج للحكم، تكون السلطة فيه للشعب جميعاً فلا تغير فيه القوانين ولا تبدل إلا برأي الجمهور ولا تسن إلا حسب ما توحي إليهم عقولهم. فلا يتغير فيه من القانون إلا ما ارتضته أنفسهم وكل ما لم تسوغه عقولهم يضرب به عرض الحائط ويخرج من الدستور.

الثيقراطية التي جاء بها الإسلام لا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ بل هي التي تكون في أيدي المسلمين عامة

هذه خصائص الديموقراطية وأنت ترى أنها ليست من الإسلام في شيء. فلا يصح إطلاق كلمة الديموقراطية على نظام الدولة الإسلامية، بل أصدق منها تعبيراً كلمة الحكومة الإلهية أو الثيقراطية Theocracy ولكن الثيقراطية الأوروبية تختلف عنها الحكومة الإلهية (الثيقراطية الإسلامية) اختلافاً كلياً فإن أوروبا لم تعرف منها إلا التي تقوم فيها طبقة من السدنة Priest class مخصوصة، يشرعون للناس قانوناً من عند أنفسهم حسب ما شاءت أهواؤهم وأغراضهم – لم يكن عند البابوات القساوسة المسيحيين شيء من الشريعة إلا مواعظ خلقية مأثورة عن المسيح -عليه السلام- ولأجل ذلك كانوا يشرعون القوانين حسب ما تقتضيه شهوات أنفسهم ثم ينفذونها في البلاد قائلين إنها من عند الله، كما ورد في التنزيل: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ اللَّـهِ لِيَشْتَرُ‌وا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة: 79) – ويسلطون ألوهيتهم على عامة أهل البلاد متسترين وراء القانون الإلهي، فما أجدر مثل هذه الحكومة أن تسمى بالحكومة الشيطانية منها بالحكومة الإلهية.

وأما الثيقراطية التي جاء بها الإسلام فلا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ، بل هي التي تكون في أيدي المسلمين عامة وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشؤونها وفق ما ورد به كتاب الله وسُنَّة رسوله. ولئن سمحتم لي بابتداع مصطلح جديد لآثرت كلمة "الثيقراطية الديموقراطية" Theo-democracy أو "الحكومة الإلهية الديموقراطية" لهذا الطراز من نظم الحكم لأنه قد خول فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة Limited Popular Sovereignty. وذلك تحت سلطة الله القاهرة وحكمه الذي لا يغلب، ولا تتألف السلطة التنفيذية Executive  إلا بآراء المسلمين، وبيدهم يكون عزلها من منصبها، وكذلك جميع الشئون التي لا يوجد عنها في الشريعة حكم صريح لا يقطع فيها بشيء إلا بإجماع المسلمين.

... فمن هذه الوجهة يعد الحكم الإسلامي ديمقراطياً Democracy إلا أنه – كما تقدم ذكره من قبل – إذا وجد نص من أمراء المسلمين أو مجتهد أو عالم من علمائهم ولا لمجلس تشريعي Legislature لهم، بل ولا لجميع المسلمين في العالم أن يصلحوا أو يغيروا منه كلمة واحدة ومن هذه الجهة يصح عليها إطلاق كلمة "الثيقراطية"[3].

لكن الحكومة الإلهية أو الثيقراطية  Theocracyتبدو لي غير ذلك. لأنها، وبكل بساطة، ستأتي كبديل عن سلطة قائمة، ويتعلق الأمر بمجرد استبدال سلطة بسلطة، لكن الأزمة هنا أن الحكومة التي توصف بكونها إلهية، كيف يمكن التنافس معها في المستقبل؟ وما السبيل لتغييرها حينئذ؟ تتحدث عن حكومات أزلية هنا!

إن كل ما يصدر من أعمال من قِبَلِ أي حكومة تقوم على أساس شرعة أخرى غير شرعة الله  وقانونه الذي جاء به الأنبياء من لدن رب الكون وإلهه باطل لا قيمه له ولا وزن، مهما اختلفت هذه الحكومات فيما بينها من تفاصيل في الشكل والنوع، وحكمها غير شرعي البتة، فإذا كان المالك الحقيقي لم يعطها سلطاناً – نعني بالسلطان السلطة التي تسلم بأن الله مالك الملك وتعترف بنفسها خليفة لله وتؤمن بالله رسولاً من عند الله وبالقرآن كتاباً منزلاً من الله تعمل بمقتضى الشريعة الإلهية – فـأنّى لها أن تكون حكومات شرعية؟

إنّ القرآن يرى كل ما تقوم به هذه الحكومات محض عدم لا وزن له ولا قيمة، وقد يقبل المؤمنون – وأعني بهم رعايا الله الأوفياء – وجود هذه الحكومات باعتبارها أمراً واقعاً خارجاً عن إرادتهم وقدرتهم، لكنهم لا يعترفون بها وسيلة حكم شرعية، وسلطة تفصل في أموره وقضاياهم؛ إذ لا يحق لهم طاعة الخارجين على حاكمهم الأصلي (الله)، أو قبولهم حكماً في مجريات حياتهم، ومن يفعل ذلك فقد خرج من زمرة المؤمنين الأوفياء مهما ادَّعى الإسلام والإيمان .

للمشاركة:

عادل لطيفي: تيارات الإسلام السياسي استفادت من غياب الحريات

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
2020-05-28

أجرى الحوار: عيسى جابلي


يؤكد الباحث التونسي عادل لطيفي أنّ مقاومة الإرهاب تكون بإحياء المجتمع المدني. ويلفت إلى أنّ تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية.

لطيفي باحث أكاديمي وأستاذ تاريخ العالم العربي المعاصر بجامعة باريس الثالثة. درس بدار المعلمين العليا بسوسة وناضل صلب الإتحاد العام لطلبة تونس، وعمل مدرّساً بمدينة فريانة مسقط رأسه (1990-1995). ناقش أطروحة دكتوراه سنة 2001 عن "تاريخ الزاوية التليلية بفريانة والطرق الصوفية في العصر الحديث والمعاصر". صدرت له بفرنسا ثلاث دراسات علمية عن الإسلام في بلاد المغرب. يكتب عادل لطيفي في مجلات ومواقع عربية عديدة. "حفريات" التقته وأجرت معه الحوار التالي:

من وجهة نظر علم التاريخ وعلم الاجتماع، ما الأسباب التي ساهمت في ظهور ما بات يعرف بـ"الإسلام السياسي"؟
قبل الإجابة مباشرة علينا رفع بعض اللبس؛ إذ عادة ما نلاحظ خلطاً بين الإسلام كدين؛ أي كتجربة تاريخية، والإسلام السياسي. كما نلاحظ خلطاً، أحياناً أخرى، بينه وبين الوهابية والإصلاح الإسلامي. تتفق أغلب الأبحاث التاريخية على اعتبار الإسلام السياسي أيديولوجيا سياسية ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر في خضم الإصلاحات التي شهدنها الإمبراطورية العثمانية، سواء في مركزها أو في أطرافها مثل؛ مصر وتونس. وهي إصلاحات مرتبطة عموماً بظهور الدولة الحديثة بقوانينها الوضعية وإدارتها المعقلنة وبمبادئها مثل الحرية والمساواة. استغلت بعض الفئات المرتبطة بالوظائف الدينية المشاكل المالية للدولة، واستعمار بعض البلدان العربية، كي تثور ضد الإصلاحات وضد إطارها؛ أي الدولة الوطنية. في هذا الإطار بدأت عملية إعادة صياغة للإسلام كي يكون بديلاً عن الدولة الحديثة.

تراجع تأثير الفكر القومي العربي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنموّ التيار الإسلامي والسلفية الجهادية

فكانت الدولة الإسلامية بديلاً عن الدولة الوطنية، والشريعة بديلاً عن القانون، والعدل بديلاً عن الحرية. وانتقلت هذه الأفكار لاحقاً عبر شخصية رشيد رضا إلى مصر أين تأسس أول تنظيم يحمل هذه الأفكار مع الإخوان المسلمين. في الهند ظهرت الجماعة الإسلامية مع أبو الأعلى المودودي على خلفية رفض المسلمين البقاء في دولة واحدة مع الهندوس. فتشكلت باكستان على أساس الهوية الإسلامية مما يفسر قوة المجموعات الإسلامية وفاعليتها إلى اليوم هناك. أي إن إشكالية الدولة كانت دائماً وراء ظهور الإسلام السياسي. بعد موجة الاستقلال، وخاصة مع نهاية السبعينيات بدأ تأثير فكر الإخوان المسلمين يتوسع نتيجة عوامل داخلية وخارجية. من بين العوامل الداخلية الأزمةُ الاجتماعية التي زادت من تنقل السكان إلى الريف وظهور الأحياء المهمشة التي ستصبح خزاناً لتأطير الشباب. نضيف إلى ذلك تراجع تأثير الفكر القومي العربي الذي هيّأ بطريقة أو بأخرى لنمو التيار الإسلامي. أما العامل الحاسم في انتشار الحركات الإسلامية، حسب رأيي، فيتمثل في تأثيرات الثورة الإيرانية سنة 1979. فقد أعطت مثالاً على أنّ يوتوبيا الثورة الإسلامية يمكن أن يتحقق وينتصر على الغرب.

 

عداء الدولة الوطنية      

هل يعني هذا أنّك تقصي عاملاً آخر كثيراً ما يبرر به صعود الإسلام السياسي، أعني فشل الدولة الوطنية في إرساء مشروع حداثي حقيقي، وهو فشل يراه كثيرون سبباً مباشراً في إيجاد "بيئة خصبة" تطرح فيها تيارات الإسلام السياسي نفسها كبديل؟

هذا التبرير يقدمه الإسلام السياسي ذاته، وللأسف يقع في فخه عديدون؛ لأنّ هذا التبرير مبني أصلاً على عداء مع الدولة الوطنية بما يشرع البحث عن بديل عنها وهنا يلتقي مع الإسلام السياسي. من جهة ثانية، أعتقد بأنّ أصحاب هذا الرأي ليست لهم دراية بمعنى الدولة الوطنية ولا بمسار تشكل الدولة في العالم العربي. في حالة تونس مثلاً نجحت الدولة الوطنية إلى حد ما في عقلنة الدولة والإدارة، والعلاقات الاجتماعية وكان ذلك في إطار دولة الاستقلال مع بورقيبة.

بعد أحداث 11 سبتمبر بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف

ففي فترة بناء الدولة الوطنية لا يمكن الحديث في الحقيقة عن دمقرطة والدولة هشة. والحقيقة أنّ ما جعل تونس تصمد بعد الثورة وتتجنب الفوضى هو نجاحات الدولة الوطنية المتمثلة في المجتمع المدني وفي النخبة وفي الإدارة وفي المحكمة الدستورية وفي عمق التمسك بالهوية الوطنية. ونفس هذه المكاسب هي التي صمدت أمام محاولة الإسلاميين تحويل وجهة الدولة لصالح حزبهم. أكبر دليل على أن الدولة الوطنية وتحديثها قد صمدا في وجه الأسلمة هو عدد النساء اللواتي حسمن الانتخابات الماضية لصالح الباجي قائد السبسي. في الحالات العربية الأخرى، ما عدا المغرب، هيمنت إشكالية بناء الحكم على بناء الدولة، وهو ما جمّد تحديث الدولة والمجتمع، ولم يمكّن من قيام قوى أخرى تثري المجتمع السياسي مثل النخبة والمجتمع المدني. صحيح أن تيارات الإسلام السياسي استفادت أيما استفادة من غياب الحريات ومن غياب التعددية السياسية. غير أننا لاحظنا تاريخياً أنها تستغل الانتخابات للانفراد بالحكم عبر السيطرة على الدولة، وعبر تنظيم العنف الموازي في شكل مليشيات كما حصل خلال الثورة الإيرانية، وكما حصل في الجزائر خلال التسعينات، وكما حصل في تونس مع مليشيات "روابط حماية الثورة". واقع ما بعد الثورات، وبخاصة في تونس، أثبت فشل رهان الإسلام السياسي على مواجهة الدولة الوطنية وطرح نفسه بديلا عنها. وهو ما يفسر ضياع هذه الحركات اليوم بين واقع الدولة وبين يوتوبيا الإسلام السياسي.  

لنتناول الآن علاقة الغرب بتيارات الإسلام السياسي أو بعضها على الأقل، فيرى بعض الملاحظين أنّ بين الإسلام السياسي والغرب علاقة معقدة تتراوح بين التأييد هنا والرفض هناك، برأيك ما الذي يحكم هذه المواقف؟
تحليلنا السابق لظهور الإسلام السياسي يعطي الأولوية للميكانيزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية الداخلية. وهذا يفند ما يشاع من أن الحركات الإسلامية وليدة الاستعمار؛ لأن ذلك مظهر من مظاهر عقلية المؤامرة التي تحكم جزءاً كبيراً من نخبنا. من ناحية ثانية، لا يمكننا أن نتحدث عن الغرب وحدةً سياسيةً تجمعها المصالح نفسها. أعتقد أنّ العلاقة اختلفت تاريخياً بحسب نوعية الاستعمار وبحسب ثقافة الدولة المستعمرة. فالاستعمار الانجليزي كان دوماً استعماراً غير مباشر ولا يتدخل عادة لتغيير التوازنات التقليدية، عكس الاستعمار الفرنسي المطبوع برؤية الثورة الفرنسية الإصلاح النابليوني. لذلك كان الإنجليز عادة منفتحين على الثقافة التقليدية بما فيها الإسلام السياسي عكس الفرنسيين. أما خلال العشريات الأخيرة، فأعتقد بأنّ هناك عاملين أساسيين حكما هذه العلاقة: عامل احترام حقوق الإنسان الذي حتم استقبال المضطهدين من الإسلاميين؛ وكذلك عامل الخيار الشعبي الداخلي في حال انتخاب قوى إسلامية مما يحتم احترام هذا الاختيار. لذلك أعتقد أنه لا يوجد تقارب استراتيجي وهيكلي يحكم العلاقة بين الطرفين. فالغرب يتعامل مع مخرجات مجتمعاتنا تعاملاً واقعياً يراعي مصالحها من ناحية، ولكنه يراعي أيضاً خصوصية البلدان الصديقة له. لكنني أعيد الـتأكيد على أن الغرب غير متجانس في موقفه، كما أنّ وضع البلدان العربية بدوره مختلف. فبريطانيا مثلاً منفتحة كثيراً على الحركات الإسلامية، عكس فرنسا التي تهيمن عليها صرامة الرؤية اللائكية. في حين يتميز الأنجلوسكسونيون بانفتاحهم الثقافي والديني.  
إذاً، تنفي الطرح القائل بأن الإسلام السياسي ما هو إلا أداة يتوسلها الغرب لتحقيق أجندات خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

قلت إنّ ذلك يعدّ تجسيداً لفكرة المؤامرة التي تهيمن على الفكر السياسي العربي منذ الفترة الاستعمارية. ويعزى ذلك إلى عقدة الهزيمة العسكرية التاريخية التي حولت كل الاهتمام نحو الآخر لا نحو الذات. فحتى العلوم الاجتماعية التي تمكننا نظرياً من فهم الميكانيزمات الداخلية لمجتمعاتنا، تمت أقلمتها مع هاجس المؤامرة مما أفقدها الكثير من مصداقيتها العلمية. علينا أن نعي بأن العالم تغير كثيراً بعد موجة الاستقلال، وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة. فتراجع التنافس الجيوستراتيجي حول العلاقات الدولية من هاجس الهيمنة والتبعية إلى فكرة الاستقرار والتهاون الاقتصادي. فأجندات الغرب ليست واحدة وهي لا تعطي قيمة كبيرة في الواقع لعالم العرب مقارنة مع شرقي آسيا.

حركة النهضة والتيارات السلفية

أغلب القيادات في الجماعات الإرهابية كانت في يوم من الأيام منتمية إلى الإخوان المسلمين مثل؛ أيمن الظواهري وبن لادن وغيرهما، هل يمكن الجزم بأن حركات الإسلام السياسي قد تخلت عن خيار العنف نهائياً وقطعت مع الإرهاب؟
العلاقة بين المنظمات الإخوانية والتنظيمات الجهادية محل نقاش سواء من الناحية التنظيمية أو من الناحية الفكرية، فالمعلوم أنّ أولى التنظيمات الجهادية كانت الجهاد الإسلامي في مصر سنة 1964 وأغلب قياداتها كانوا في الإخوان. كما أن ظهورها يتزامن مع توتر العلاقة بين عبد الناصر ومنظّر الإخوان سيد قطب. فكأنّ التطرف الجهادي جاء نتيجة لفقدان الثّـقة في القدرة على تغيير المجتمع باتجاه الأسلمة وذلك بسب دور الحكام السلبي. وظهرت في نفس الوقت الجماعة المقاتلة في سوريا. غير أنّ العامل الحاسم في توسع الجماعات الجهادية يتمثل في اعتبار أفغانستان أرض جهاد منذ غزوها من طرف الاتحاد السوفييتي. ومثّل ذلك نقطة نوعية في الانتقال من الجهاد الداخلي ضد الحكام إلى الجهاد الخارجي ضد الاستكبار الغربي. في نفس الوقت واصلت الحركات الإخوانية محاولة التطبيع مع الواقع السياسي بتناقضاته إلى حدود الثورات العربية الأخيرة.

المنافسة السياسية تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية، ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية

وقد كشفت السنوات الأولى في الحقيقة تقارباً بين التوجهين، كما لاحظنا ذلك في تونس زمن الترويكا. لكن بسبب التحولات الإقليمية، وبسبب الصمود المدني في تونس، أجبرت حركة النهضة على القطع مع التيارات السلفية بعد أن كانت قد شجعت على انتشارها بالرغم من عنفها. فالتيارات الإخوانية والجهادية تنتمي إلى التوجه نفسه وهو الإسلام السياسي. ولا يمكن لهذا أن يكون بديلاً عن ذلك. والبديل الحقيقي عن الفكر الإرهابي هو الفكر المواطني العقلاني وليس الأصولية الإسلامية.      
ثمة من يرى بأن "تأييد" الغرب لهذه الجماعات إنما هو لسحب البساط من تحت أقدام الإرهاب، الذي يحظى بدوره بمباركته في مناطق أخرى من العالم. ألا ترى في هذا التوجه تناقضاً قد يعود على الغرب ضرره؟
يمكن القول بأن الغرب، وبخاصة منه النخب السياسية، لم تفهم جيداً ظاهرة الإسلام السياسي؛ إذ نلاحظ أنّ هناك خلطاً كبيراً لديها بين الإسلام كهوية اجتماعية وثقافةً وبين الإسلام السياسي. فعديد الحركات اليسارية الغربية مثلاً كانت ترى في الإسلام السياسي نوعاً من مناهضة الأمبريالية، وبالتالي أعطتها نوعاً من الشرعية النضالية. ولدى جمهور آخر من الباحثين في مجال العالم العربي والإسلامي، يرون في الإسلام السياسي تعبيراً عن حداثة ذات خصوصية ثقافية تتميز عن الحداثة الغربية. وقد نظر إلى هذه التوجهات عديد المفكرين مثل؛ برنارد لويس وميشال كامو وبرتراند بادي. وقد ساهمت هذه المقاربات في إعطاء نوع من الشرعية السياسية والثقافية للحركات الإسلامية التي استقرت في الغرب خاصة وقد ذهبت لاجئة من قمع الدكتاتوريات.
وقد ازداد هذا التقارب نسبياً بعد توسع الأنشطة الإرهابية للجماعات الجهادية وبخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر. إذ بدأ الغرب يفكر في استغلال شعبية الإسلاميين في الأحياء المهمشة لمقاومة التطرف، والحال أنه كان في الحقيقة يساعد على انتشار التطرف. ذلك أنّ حركات الإسلام السياسي التي كانت تنشط في ثوب الجمعيات كانت تربي منخرطيها على الخصوصية الدينية التي تميزهم على الغرب كما كانت تشجع على الانطواء الديني ورفض الآخر. كل هذا كان يمثل الأرضية الأولى لتشكل الاستعداد للفعل الجهادي. لقد تغير الوضع نسبياً مؤخراً بسبب التقارب الذي لوحظ بين الجماعات الإسلامية الانتخابية وبين الجماعات الجهادية كما كشف عنه الوضع في سوريا. لذلك بدأت عديد البلدان تحذر الحركات الإخوانية أيضاً.

ينادي الغرب بالديمقراطية وضرورة اعتمادها آلية مدنية لتنظيم الاجتماع السياسي الإنساني، غير أنّ هذه الآلية قد أسفرت صناديقها عن صعود حركات الإسلام السياسي غير المرغوب فيها في أكثر من بلد عربي، غير أنّ التعامل لم يكن نفسه؛ إذ تمت مباركة صعودهم في تونس كما تمت مباركة إسقاطهم في مصر مثلاً، كيف يفهم عادل لطيفي هذا الموقف الغربي المزدوج من الإسلام السياسيّ؟

الديمقراطية ليست مقترحاً غربياً بل هي قبل كل شيء مطلب من داخل حاجتنا. دون ذلك فنحن نشرّع للاستبداد. مثل هذا القول يوحي بأن الديمقراطية منتوج غربي، وهذا غير صحيح لا في التاريخ الحديث ولا المعاصر. فالديمقراطية القرطاجنية ليست غربية، وحتى أثينا كانت تتبع عالم الشرق؛ لأن الغرب لم يوجد بعد آنذاك. أما خلال الفترة المعاصرة فقد لاقت الديمقراطية مصاعب عدة كي تستقر في المجتمعات الغربية. لم تبدأ الديمقراطية في التأكد إلا بعد ثورات 1848. كما لم تخرج إسبانيا والبرتغال من الاستبداد سوى في أواسط السبعينيات من القرن العشرين. الحقيقة أن الديمقراطية باعتبارها شكلاً من أشكال تمثيلية الأمة في الدولة، فرضت نفسها في إطار مسار تشكل الدولة الوطنية بغض النظر عن الثقافات. من جهة ثانية تتطور كل الأنظمة أينما كانت باتجاه الديمقراطية، وهذا مسار لا مناص منه في تاريخ تشكل الدولة الحديثة. بقي أن البلدان الغربية حققت أسبقية في هذا الميدان وبدأت تضغط بالفعل على البلدان النامية عموماً. لكن في الوقت نفسه علينا الإقرار بأنه ليست الحكومات الغربية وحدها من يدفع باتجاه الدمقرطة. بل لا يجب أن ننسى المنظمات الدولية والحقوقية العالمية. أما صعود الإسلاميين فهذا لا يعود إلى آلية الديمقراطية، فهذه الآلية تمثل عاملاً كاشفاً عن طبيعة التناقضات المجتمعية. وبالنسبة إلى نجاح الإسلام السياسي في أول انتخابات حرة في العالم العربي فيعلمه المتخصصون والدارسون منذ فترة. وكان غسان سلامة ذاته قد أورده في أحد كتبه منذ التسعينيات. لكن هذا يخص أول انتخابات، وليس ما سيلحق، حيث يتوقف الأمر على مدى جاهزية القوى المعارضة للإسلام السياسي.

الديمقراطية والإسلام السياسي
في عالمنا العربي يتوق كثيرون إلى تحقيق مطلبين في لحظة واحدة: الديمقراطية، وفشل الإسلام السياسي في الفوز بالانتخابات، برأيك كيف يمكن التوفيق بين الأمرين: تطبيق الديمقراطية وضمان عدم صعود حركات الإسلام السياسي؟

علاقة القوى الديمقراطية مع الإسلام السياسي ليست علاقة إقصاء بل علاقة منافسة، لكن هذه المنافسة تستوجب تأقلم الحركات الإسلامية مع شروط الديمقراطية. ومنها الاتفاق حول الدولة الوطنية وحول مدنيتها؛ إذ لا يمكن تصور ديمقراطية خارج الدولة المدنية. مسألة مدنية الدولة ومسألة العنف هي من أهم الملفات التي وجب على الحركات الإسلامية أن تقدم فيها نقداً ذاتياً ومراجعة فكرية كي تكون خصماً سياسياً في إطار ديمقراطي. وبالتالي فتحقيق الديمقراطية يمكن أن ينجح عموماً في ظل حركات إسلامية معقلنة، أي تعود إلى المرجعية الدينية كأخلاق لا كقانون موازٍ لقانون الدولة. وهذا باعتقادي يسمح بوجود الحركات الإسلامية في المشهد السياسي ولكن لا أعتقد أنه يضمن لهم الوصول إلى السلطة. فالأمر يتوقف هنا على مدى صلابة الأحزاب الديمقراطية واليسارية وواقعيتها.

للمشاركة:

خبير مصري يحذّر: الحرب بين أمريكا والصين ميدانها الذكاء الاصطناعي

2020-05-19

أجرى الحوار: سامح فايز

قال أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك الدكتور محمد زهران إنّ حروب المستقبل، وأهمها بين أمريكا والصين، ستكون تكنولوجية، محذراً من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، لافتاً إلى أنه عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات.

هناك سلاحان في الحرب المعلنة بين أمريكا والصين: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة

وأضاف زهران في حواره لـ "حفريات" أنّ الخطر من الذكاء الاصطناعي يأتي إذا أعطيناه سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأن الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100%. يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة، ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.
يذكر أنّ زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك بتخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراة في نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم، ويرى أنها من دعائم البحث العلمي.

هنا نص الحوار:

حصلت على البكالوريوس والماجستير من هندسة القاهرة والدكتوراة من جامعة ميريلاند الأمريكية ودرَّست في جامعة القاهرة كمعيد وفي جامعة نيويورك كأستاذ، فهل هناك فارق بين الحياة الجامعية في مصر وأمريكا؟
هناك فارق بينهما وقد تكلمت عن ذلك في إحدى مقالات صحيفة "الشروق". الاختلافات أنّ أغلب الطلاب في أمريكا معتمدة على نفسها تماماً (أنا أتكلم عن مرحلة البكالوريوس)، ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة؛ لأنه غالباً يدرس عن طريق قروض، هذه القروض تعني أنّ هذا الطالب يجب أن "يستقتل" كي يحصل على درجات عالية ليتمكن من الحصول على وظيفة مرموقة تؤهله لدفع القرض وفوائده، هذا يسبب ضغطاً عصبياً كبيراً للطلبة، الطلبة عندنا في مصر لا تعاني من ذلك؛ لأنّ الأهل يساعدونهم والمصاريف في الجامعات الحكومية ليست كبيرة، الأساتذة في مصر كلهم مصريون لكن أغلب الأساتذة في أمريكا ليسوا أمريكان، كل له فائدته، الفائدة من جميع الأساتذة من نفس الجنسية هي الشعور العائلي في الجامعات المصرية، الفائدة من وجود أساتذة من جنسيات مختلفة هي وجود طرق تفكير مختلفة، وهذا يدرب الطلبة على أنواع مختلفة من التفكير وعلى التعامل مع شخصيات مختلفة.

ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة
هل ترى أنّ البحث العلمي مصرياً وعربياً يسير بخطى ثابتة وقادر على المنافسة عالمياً، أم أنّ الوضع لا يزال سيئاً؟
الأساتذة عندنا في مصر تعمل بإمكانيات قليلة، والإمكانيات هنا تعني الأدوات المعملية والوقت والبيروقراطية يعني "بيغزلوا برجل حمار" زي ما المثل عندنا بيقول ولهم كل التحية، الأساتذة في الخارج عندهم كل الإمكانيات المعملية وطلاب دراسات عليا يعملون معهم طوال اليوم لمساعدتهم في أبحاثهم، لذلك عندما نقارن يجب أن نكون منصفين ونقارن الذي ينتجه كل أستاذ بما معه من إمكانيات، ولا يجب أن نقارن في المطلق.

التفاؤل قادم من الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا

لكن ما يجعلني متفائلاً أكثر هم الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي، ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا، والخبر الجيد أنّ محاضرات الجامعات الكبرى في العالم موجوده على الإنترنت في مجالات كثيرة بالمجان، فمن يريد العلم سيجده. حتى نسير بخطى سريعة نحو التقدم العلمي يجب أن نشجع هؤلاء الطلاب عن طريق تشجيعهم على النشر العلمي، وعلى الابتكار، ويكون عن طريق وضع خطة متكاملة لاكتشاف الموهوبين علمياً في مختلف المجالات، وتعهدهم بالرعاية منذ البداية، لكن عندي بعض التحفظات: تعهدهم بالرعاية لا يعني استضافتهم في برامج تليفزيونية؛ لأن الشهرة مدمرة في هذا السن الصغيرة، وتعهدهم بالرعاية لا يعني أن نقول لهم إننا نجهزكم لكي تحصلوا على نوبل؛ لأنّ ذلك يجعلهم تحت ضغط، وإذا لم يفوزوا بالجائزة سيشعرون بالإحباط، وأن تتعاطى العلم من أجل الجوائز ليس هو الطريق الصحيح، وأيضاً قد تجعلك تختار بحثاً علمياً لأنك تظن أنه سيربح جائزة، وقد تكون شخصيتك كباحث لا تتواءم مع هذا البحث، لأنه كما للباحثين شخصيات، فإنّ للمعضلات العلمية شخصيات، ويجب أن تتواءم هذه مع تلك حتى تكون هناك فرص للنجاح.
هل التكنولوجيا الآن هي أكبر مؤثر على الاقتصاد في هذا العصر المعتمد على المعلومات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد علاقة متبادلة تؤثر كل منهما على الآخر، فمثلاً التكنولوجيا الحالية تجمع عنك معلومات كثيرة لتظهر لك إعلانات موجهة وهذه الإعلانات هدفها أن تدفعك لشراء سلعة أو خدمة، وهذه منفعة اقتصادية، البحث العلمي لكي يتحول إلى تكنولوجيا يلزمه تمويل والتمويل يأتي أغلبه من الشركات، وهذه الشركات لن تدفع نقوداً حتى تكون متأكدة أنها ستحصل على أضعافه؛ فهي تختار من الأبحاث العلمية ما يفيدها، والبحث العلمي نفسه قد يوجه الشركات إلى ما ينفعها، وبهذا تكون العملية متبادلة، لكن لا يجب أن ننسى الفاعل الثالث وهي الحكومات فهناك تمويل يأتي من حكومات لتكنولوجيات تفيدها؛ لأن الحروب ستكون حروباً تكنولوجية ومعلوماتية في المقام الأول.

يرى البعض أنّ الخطر الأساسي من وجود الذكاء الاصطناعي يرجع إلى الفرضية القائلة إنّ التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي إلى الانقراض البشري أو إلى كارثة عالمية غير قابلة للاسترداد والحجة الداعمة لهذه الفرضية هي أنّ البشر مهيمنون على باقي المخلوقات لامتيازهم بدماغ ذي قدرات مميزة تفتقر إليها أدمغة المخلوقات الأخرى (كالحيوانات مثلًا)، وعليه إذا تفوق الذكاء الاصطناعي العام على الأدمغة البشرية وأصبحت بدورها فائقة الذكاء فإنها ستكون قوية ويصعب التحكم بها، ويتوقف مصير البشرية على تصرفات هذه الأجهزة؟
الهيمنة تستلزم الشعور بالعظمة والسطوة وهذا ما لن يصل إليه الذكاء الصناعي، الخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأنّ الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100% يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.

التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة والخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم

  من مخاوف الذكاء الاصطناعي أيضاً تحويل الهجمات الإرهابية إلى وسائل إلكترونية ذكية بلا وجود فعلي للبشر، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار أو المركبات ذاتية القيادة كأسلحة. أيضاً الهجمات عن بُعد، حيث إنّ الروبوتات الذاتية ليست بحاجة للتحكم بها من أي مسافة مهما كانت بعيدة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب، وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات، وهذا هو الخطر والمرتبط بسؤالك السابق وهو إعطاء الذكاء الاصطناعي سلطة أكثر من اللازم، كما قلنا الحروب المستقبلية هي حروب تكنولوجية، لكن النصر فيها سيكون لمن يستخدم تكنولوجيا متطورة تحت مراقبة بشرية.
  ترى أن الحرب أصبحت معلنة بين الصين وأمريكا وقد خرجت من الخفاء إلى العلن وتُستخدم وستُسخدم فيها جميع أنواع الأسلحة ماعدا العسكرية منها على الأقل في الوقت الحالي، فما هي الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب؟
هناك سلاحان: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، الذكاء الاصطناعي له استخدامات عدة في الحرب والسلم، ولكن لأنّ الذكاء الاصطناعي ما هو إلا برمجيات فهي تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذه الأجهزة تستخدم بالإضافة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة والبحث عن علاجات للأمراض المستعصية مثل السرطان، بالإضافة إلى المساعدة في الأبحاث المتعلقة بالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء عن طريق المحاكاة وتحليل الكمية المهولة من المعلومات المتولدة من تلك النظم، هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتعليل كم كبير من المعلومات تجعل أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة من أهم الأسلحة في يد الأجهزة الأمنية أيضاً، لذلك فالحرب ضارية بين أمريكا والصين في هذين المجالين: الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة.
  أدى تطور التكنولوجيا وظهور الأجهزة الذكية المحمولة إلى التأثير بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للبالغين والأطفال على حدّ سواء، إلى جانب سلبيات أخرى عديدة مثل إجبار الطلاب على استخدام مهارات تعليمية أساسية بشكل أقلّ، حيث ساهم استخدامهم للحاسوب وما يحتويه من أنظمة لتصحيح الأخطاء الإملائية على خفض مهاراتهم الكتابية والإملائية، كيف نتجاوز تلك السلبيات؟
للأسف هذا الكلام حقيقي؛ لأنّ الجيل الجديد أصبح يعاني من ثلاثة أمراض اجتماعية: أصبح تركيزه أضعف، وقراءاته أقل، ويتحرك في أغلب الأحيان قبل التفكير المتأني، وهذه تأثير شبكات التواصل وألعاب الكمبيوتر، لن نتمكن من إلغاء ذلك، لكن يجب تصميم العملية التعليمية حول تلك السلبيات وفي نفس الوقت تدرب الجيل الجديد على استخدام التكنولوجيا الجديدة والمتجددة دائماً في التعلم وإيجاد الحلول، هذا ليس سهلاً ويحتاج إلى جيل كي نرى النتائج، يحتاج إلى تكاتف خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس.

ترى أنّ  البحث العلمي ليس ترفاً بل إنه مع التعليم يعتبر من أهم دعائم بناء دولة قوية، دون التعليم لن يكون هناك بحث علمي ودون بحث علمي سنتسول التكنولوجيا التي تجود علينا بها الدول الغربية بأثمان باهظة وبالتأكيد لن يعطوننا أفضل ما عندهم، فهل التعليم في مصر على ذلك القدر الذي تتمناه؟
التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة تأتي من جهات عدة، الأسر تريد من أبنائها الحصول على الشهادة بأية طريقة "لأننا بلد شهادات"، والكثير من المدرسين يعانون من أزمات مالية فيضطرون إلى الدروس الخصوصية على حساب التدريس في المدارس، ومن المدرسين من يعمل بالتدريس وهو لا يحبه ولكنه العمل الوحيد الذي وجده وبذلك لن يبدع، المجتمع لا ينظر إلى المدرس نظرته إلى مهن أخرى، ناهيك عن البيروقراطية، هذه كلها عقبات في طريق التعليم وتستلزم كما قلنا في السؤال السابق تكاتف الكثير من المؤسسات بدءاً من الأسرة، لكن كما قلت أيضاً عندي أمل كبير في هذا الجيل الجديد المتعطش للعلم، نحن نخطو خطوات للأمام لكن الطريق مازال طويلاً.

للمشاركة:



ليبيا: هذه جرائم ميليشيات الوفاق ومرتزقة أردوغان في ترهونة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

شهدت مدينة ترهونة الليبية، أمس، موجات نزوح جماعية بعد سيطرة ميليشيات الوفاق عليها، وممارسة كافة أنواع الجرائم بحق سكانها، من قتل ونهب وخطف وتهجير.

وهاجمت الجماعات المسلحة ومرتزقة أردوغان ضواحي المدينة وسط تحذيرات من عمليات انتقام وتهجير قد ترتكبها ميليشيات الوفاق بالمدينة، التي أعلن سكانها مراراً دعمه للجيش الوطني الليبي.

ترهونة تشهد موجات نزوح بعد سيطرة ميليشيات الوفاق عليها وسط تحذيرات من عمليات انتقام وتهجير

وأكدت مصادر ليبية كثيرة نقلت عنها مواقع محلية، أنّ إحدى الميليشيات التي دخلت مناطق شرق ترهونة قامت عام 2011 بتهجير سكان مدينة تاروغاء بعد أن ارتكبت بحقهم فظائع بحسب تقارير "هيومن راتس ووتش" وقتها.

وفي سياق متصل، أقر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رسمياً، بمشاركة بلاده عسكرياً بشكل مباشر في الحرب الليبية بقوله "إن جنودنا ومع أشقائهم الليبيين يسطرون الملاحم في ليبيا، سواء في طرابلس، وترهونة والمطارات المحيطة، حيث طهروا كل تلك المناطق، والآن يسيرون نحو الأهداف المنشودة"، وفق ما نقل موقع "أحوال تركيا".

ووجّه الرئيس التركي، في كلمة ألقاها أمس خلال مشاركته في حفل افتتاح عدد من حدائق الشعب بعدة ولايات تركية مختلفة، الشكر للجنود الأتراك بعد السيطرة على مدينة ترهونة الليبية، وأقرّ بقيادة قوات تركية لميليشيات الوفاق خلال العملية العسكرية، وذلك بعدما حاول رئيس حكومة الوفاق فايز السراج نسب "الانتصار" لميليشياته التي يدعمها ما يزيد عن 10 آلاف عنصر من مرتزقة أردوغان.

أردوغان يرد على السراج: ما تحقق من انتصارات يعود بالدرجة الأولى إلى الجنود الأتراك والمرتزقة

وقبلها بيوم، كان أردوغان اعترف أيضاً بنواياه الحقيقية تجاه ليبيا، حيث أكد أنّ بلاده تستهدف تطوير علاقات التعاون مع حكومة الوفاق تحقيقاً لما وصفه بـِ "الاستفادة من الموارد الطبيعية في شرق المتوسط، بما في ذلك عمليات البحث والتنقيب" ليؤكد بذلك أهدافه الحقيقية من دعم الوفاق بالأسلحة والمرتزقة وهي الاستيلاء على ثروات البحر المتوسط قبالة السواحل الليبية.

أما في تصريحه الجديد، أمس، فلم يفوّت الرئيس التركي الفرصة ليرد على تصريحات السراج التي قال فيها إنّ الهدف هو السيطرة على كافة الأراضي الليبية، مذكراً إياه بأنّ ما تحقق يعود بالدرجة الأولى إلى الجنود الأتراك والمرتزقة، وهي رسالة قال المراقبون إنّها تحمل أكثر من مغزى في وقت واحد.

وقال السراج في تصريحات نشرت على فيسبوك، أمس، إنّ "معركتنا ما زالت مستمرة، وعازمون على بسط سيطرة الدولة على كافة أراضي ليبيا". لكن متابعين للشأن الليبي يقولون إنّ السراج أخذته الحماسة في تلك التصريحات حتى بدا وكأنه قائد المعارك الميدانية، فيما الجميع يعرفون أنّ رئيس حكومة الوفاق هو واجهة لميليشيات إسلامية مختلفة متحالفة مع تركيا.

للمشاركة:

أردوغان يتخلص من معارضيه في البرلمان وهذه رسالته لنواب حزبه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

اعتقلت السلطات التركية، أمس، ثلاثة نواب معارضين كانوا يسببون الإزعاج والإحراج للرئيس رجب طيب أردوغان، بعد 24 ساعة من إسقاط عضويتهم في البرلمان التركي، بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة، التي تحمّلها أنقرة مسؤولية محاولة انقلاب 2016.

السلطات التركية تعتقل 3 نواب معارضين لأردوغان بعد إسقاط عضويتهم بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة

وكان مجلس الأمة التركي صوّت، أول من أمس، بأغلبية نواب حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي الحاكم وحزب الحركة القومية على إسقاط عضوية ليلى جوفن وموسى فارس أوغللاري؛ النائبان عن حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي"، وأنيس بربر أوغلو الصحافي والنائب عن حزب الشعب الجمهوري، وفق ما أوردت صحيفة "زمان" التركية.

ورغم اختلاف توجهات المعتقلين الثلاثة عن حركة الخدمة، إلا أنّ حكومة حزب "العدالة والتنمية" في تركيا رأت أنّ التهمة مناسبة للتخلص من إزعاج البرلمانيين الثلاثة.

النيابة العامة أصدرت بياناً قالت فيه إنّ البرلمانيين الثلاثة متهمون بالتواصل مع حركة الخدمة، من خلال برنامج التراسل الفوري "بايلوك" الذي حظرته تركيا بعد أحداث 2016، واعتقلت الآلاف من مستخدميه بزعم مشاركتهم عبره في التخطيط للانقلاب.

أحزاب الأعضاء يستنكرون اعتقال النواب ويؤكدون أنّ أردوغان لن ينجح في ترهيبها وترهيب الشعب

وكانت ليلى جوفن، قادت عام 2018 إضراباً عن الطعام للمطالبة بفك عزلة الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، أما أنيس بربر فقد وضع حكومة رئيس الوزراء رجب أردوغان في حرج كبير عندما أمد صحيفة "جمهورييت" عام 2014 بمقطع فيديو يوثق عمليات تهريب السلاح إلى المعارضة التركية في شاحنات مساعدات غذائية، ووجهت له تهمة التجسس وحكم عليه عام 2018 بالسجن 6 أعوام.

وندد زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كلتشدار أوغلو، بالتحرّك ضد بربر أوغلو معتبراً إياه خطوة جديدة باتّجاه حملة أردوغان الأمنية المتواصلة بحق المعارضة منذ محاولة الانقلاب التي استهدفته عام 2016.

وقال كلتشدار أوغلو على تويتر "سنواصل الكفاح من أجل الديموقراطية لاستعادة العدالة والحقوق والقانون".

وأما حزب الشعوب الديموقراطي فندد بإسقاط عضوية نائبيه الذي اعتبره "خطوة غير قانونية".

وقال الحزب على تويتر إنّ "غوفن وفارس أوغللاري يمثلان رغبة الملايين. سحب مقعديهما في البرلمان لن ينجح في ترهيبنا وترهيب شعبنا".

أردوغان يبعث رسالة إلى أعضاء حزب العدالة والتنمية الذين يرغبون في الانشقاق عنه: مصيركم في يدي

ويذكر أنّ محكمة الاستئناف العليا في تركيا أيّدت الأحكام بالسجن بحق غوفن وفارس أوغللاري بتهمة الانتماء إلى حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة وحلفاؤها في الغرب على أنه "إرهابي".

بدوره، علّق المحلل السياسي ورئيس تحرير صحيفة "خبردار" سعيد صفاء، إنّ إسقاط عضوية البرلمانيين الثلاثة في تركيا ليلى جوفن وأنيس بربر أوغلو وموسى فارس أوغللاري رسالة يبعث بها أردوغان إلى أعضاء حزب "العدالة والتنمية" الذين يرغبون في الانشقاق عنه للانتقال إلى صفوف حزبي المستقبل والديمقراطية والتقدم.

وقال صفاء في تحليل قدمه عبر قناته الشخصية على موقع يوتيوب: "بهذه الخطوة يوجه أردوغان رسالة إلى زملائه مفادها: لا تفكروا أبدا في الانضمام إلى الأحزاب الجديد، حيث إنّ مقاليد كل الأمور في هذا البلد بيدي. كما ترون يمكنني أن أعلن النواب إرهابيين ومجرمين وأرسلهم إلى السجن بكل سهولة. عليكم أن تتجنبوا مصير النواب المعارضين!".

للمشاركة:

هل يصمد اتفاق الولايات المتحدة وطالبان الذي عقد برعاية قطرية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لإنقاذ الاتفاق الذي أبرم مع حركة طالبان في قطر، بعد أن شهدت الساحة الأفغانية، مؤخراً، الكثير من أعمال العنف على يد طالبان، وغارات أمريكية مما يهدد بشكل صريح الاتفاق الذي توصل له الطرفان برعاية قطرية.

ويعقد المبعوث الأمريكي لأفغانستان، زلماي خليل زاده، مباحثات مع الأطراف الأفغانية في كابل وإسلام آباد والدوحة لإنقاذ الاتفاق الذي كان من المفترض أن يمهد الطريق لمفاوضات أكبر تضم الحكومة الأفغانية وتمهد للسلام، وفق ما أوردت وكالة "رويترز" للأنباء.

لكن مع استمرار العنف خصوصاً من حركة طالبان، تحدث مسؤولون أفغان ودبلوماسيون غربيون عن صعوبات سيواجهها اتفاق طالبان وواشنطن، والسبيل إلى السلام برمّته.

وأعلنت القوات الأمريكية في أفغانستان أمس، أنّها نفذت غارتين جويتين لإحباط هجمات مقاتلي طالبان.

زلماي خليل زاده يعقد مباحثات مع الأطراف الأفغانية في كابل وإسلام آباد والدوحة لإنقاذ الاتفاق

وكتب المتحدث باسم القوات الأمريكية، ساني ليغيت، على حسابه على "تويتر" اليوم أنّ غارة جوية نفّذت الليلة الماضية، واستهدفت 25 من طالبان في ولاية فراه وهجوم آخر نفّذ في قندهار بعد ظهر أمس، ولم يعلق المتحدث على الخسائر المحتملة لحركة طالبان في الهجومين.

ووفقاً لغيت، فإنّ طالبان كانت تنوي مهاجمة قوات الأمن والدفاع الأفغانية، مضيفاً "أنهم يحثون جميع الأطراف على الحد من العنف حتى تمضي عملية السلام قدماً".

وأضاف أنّ هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها شنّ غارات جوية ضد مقاتلي طالبان منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بمناسبة عيد الفطر في أفغانستان.

ومنذ التوقيع على اتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان في 29 شباط (فبراير) حتى قبيل عيد الفطر، كثفت حركة طالبان هجماتها على القوات الأفغانية إلا أنّها توقفت عن مهاجمة القوات الدولية في أفغانستان والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

للمشاركة:



3 أعوام من عزلة قطر: الاستقواء بأردوغان لا يرمم الخسائر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

الحبيب الأسود

تدخل المقاطعة العربية لقطر اليوم عامها الرابع، بينما تؤكد أغلب المؤشرات أن الحل لا يزال بعيدا، وأن النظام القطري باق في عزلته داخل محيطه، بسبب استمراره في المكابرة، وعجزه عن مراجعة مواقفه العدوانية تجاه أشقائه نتيجة خضوعه التام لمشروع جماعة الإخوان التي تهيمن على قراره السياسي وطاقم المستشارين المستورد المستفيد من الوضع الحالي، والتحالف مع المشروع الأردوغاني العثماني الجديد، استجابة لرغبة بالبحث عن دور كبير في منطقة الخليج أو المنطقة العربية.

وأعلنت أربع دول عربية هي السعودية والإمارات والبحرين ومصر في الخامس من يونيو 2017 مقاطعتها للنظام القطري، بعد أن أخل ببنود اتفاقية الرياض للعام 2013، وعلى رأسها عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشكل مباشر أو غير مباشر وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دوله، إلا في حال موافقة دوله وعدم دعم الفئات المارقة المعارضة لدوله وعدم دعم الإعلام المعادي، وعدم دعم الإخوان المسلمين أو أي من المنظمات أو التنظيمات أو الأفراد الذين يهددون أمن واستقرار دول المجلس عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم قيام أي من دول مجلس التعاون بتقديم الدعم لأي فئة كانت في اليمن ممن يشكلون خطرا على الدول المجاورة لليمن.

ثم وقع النظام القطري على بنود الاتفاقية التكميلية للعام 2014 ومنها امتناعه عن دعم الجماعات المعارضة والعدائية في دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى اليمن ومصر، وعدم إيواء أو توظيف أو دعم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في الداخل أو الخارج أي شخص أو أي وسيلة إعلامية ممن له توجهات تسيء إلى أي دولة من دول مجلس التعاون.

أكدت الوثيقة ضرورة التزام كل دولة باتخاذ كافة الإجراءات النظامية والقانونية والقضائية بحق من يصدر عن هؤلاء أي تجاوز ضد أي دولة أخرى من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما في ذلك محاكمتهم، وأن يتم الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام. وكذلك التزام كافة الدول بنهج سياسة مجلس التعاون لدول الخليج العربية لدعم جمهورية مصر العربية والإسهام في أمنها واستقرارها والمساهمة في دعمها اقتصاديا، وإيقاف كافة النشاطات الإعلامية الموجهة ضد مصر في جميع وسائل الإعلام بصفة مباشرة أو غير مباشرة بما في ذلك ما يبث من إساءات على قنوات الجزيرة، وكذلك السعي لإيقاف ما ينشر من إساءات في الإعلام المصري.

لكن الدول الأربع تأكدت بما لا يدع مجالا للشك أن قطر لم تلتزم بأي من تعهداتها السابقة، واختارت الاستمرار في مراوغاتها وتآمرها على أمنها القومي بالتحالف المعلن مع القوى الإقليمية ذات الأهداف التوسعية على حساب الدول العربية وبدعم الجماعات المتطرفة العاملة في هذا الاتجاه، وتحريك الخلايا التخريبية بهدف بث الفوضى في المجتمعات الآمنة، وتجييش أبواقه الإعلامية وجيوشه الكرتونية للمساس من الأنظمة ورموزها، وتحويل الدوحة إلى مركز لتصدير المشاريع العدوانية والترويج لمخططات الفوضى الهدامة على غرار ما سمي بثورات الربيع العربي، معتمدا في ذلك على تيارات الإسلام السياسي ودعاة العنف والتكفير وتزوير الحقائق وفبركة الوقائع لبلورة رأي عام محلي وإقليمي ودولي ضد الأنظمة التي يرى أنها تعرقل خطواته لتعميم حالة الخراب الممنهج.

الالتفاف على الشروط
عندما أعلنت الدول الأربع في الخامس من يونيو 2017 قرارها بمقاطعة قطر، طرحت عددا من الشروط للتراجع عن ذلك القرار من ذلك قيام قطر بالإغلاق الفوري للقاعدة العسكرية التركية الجاري إنشاؤها آنذاك ووقف أي تعاون عسكري مع تركيا داخل الأراضي القطرية، وإعلان قطر قطع علاقاتها مع جميع التنظيمات الطائفية والأيديولوجية وعلى رأسها تلك التنظيمات التي تهدد مملكة البحرين وغيرها من منظمات وردت في قائمة المنظمات التي تدعمها قطر ومن أبرزها جماعة الإخوان وداعش والقاعدة وفتح الشام (جبهة النصرة سابقا) وحزب الله اللبناني، وإدراجها ككيانات إرهابية وضمها إلى قوائم الإرهاب وإقرارها بتلك القوائم والقوائم المستقبلية التي سيعلن عنها.

كما شملت المطالب إيقاف جميع أشكال التمويل القطري لأفراد أو كيانات أو منظمات متطرفة، وكذلك المدرجين ضمن قوائم الإرهاب في الدول الأربع، والقوائم الأميركية والدولية المعلن عنها، وقيام قطر بتسليم جميع العناصر الإرهابية المدرجة والعناصر المطلوبة لدى الدول الأربع، والعناصر الإرهابية المدرجة بالقوائم الأميركية والدولية المعلن عنها والتحفظ عليها وعلى ممتلكاتها المنقولة وغير ‎المنقولة إلى حين التسليم، وعدم إيواء أي عناصر أخرى مستقبلا والالتزام بتقديم أي معلومات مطلوبة عن هذه العناصر خصوصا تحركاتها وإقامتها ومعلوماتها المالية وتسليم كل من أخرجتهم قطر بعد قطع العلاقات وإعادتهم إلى أوطانهم، بالإضافة إلى إغلاق قنوات الجزيرة والقنوات التابعة لها.

وحاولت قطر أن تلتف على تلك الشروط ضمن خططها المعهودة بالانقلاب على التزاماتها وتعهداتها، وأن تخترق الصف المقاطع باستمالة طرف دون آخر، وقامت بتحركات على مستوى العالم بأسره بحثا عن منفذ للضغط على الدول الأربع حتى تتجاوز عن سوابقه بفتح صفحة جديدة، دون أن تنضبط للشروط، أو تستجيب للمطالب، واتجه أمير قطر إلى العواصم الكبرى كواشنطن وموسكو وبرلين ولندن وباريس وغيرها معتمدا على دبلوماسية الصفقات في محاولة منه لكسب دعم دولي ضد ما وصفه بـ"الحصار الذي يستهدف بلده"، لكنه فشل في تحقيق أي من أهدافه.

وحاولت قطر أن تعوض ذلك بالتبعية للنظامين التركي والإيراني، لتقع في دائرة الخطأ مرة أخرى بالكشف عن طبيعة تحالفاتها، التي لا تخرج عن دعم التطرف والسعي إلى اختراق الدول العربية، ولتجد نفسها في موقع المتحالف مع أردوغان علنا والممول لمشاريع الملالي سرا.

فشل قطري

أدى فشل قطر في الضغط إقليميا ودوليا لرفع العقوبات العربية عنه، إلى توسيع دائرة نشاطه في المراهنة على قوى الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي ودعم الجماعات المتطرفة، وصلت إلى دول غربية كالولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، من خلال تجنيد جاليات مسلمة واللعب على حبال الأقليات، وذلك ضمن مشروع إنغماسي داخل المجتمعات الأخرى، بحثا عن دور يتجاوز حجمه الجغرافي والسياسي والحضاري.

أما في داخل قطر، فتم تهميش الشعب القطري بشكل غير مسبوق، وتعرضت الأفواه للتكميم والحقائق للتعتيم واستشرى الفساد في ظل الاستقواء بالأجنبي على حساب أبناء البلد، وتم تقسيم أراضي الشعب القطري على ضيق مساحتها لتتحول إلى مقسمات لاحتضان القواعد الأجنبية الجديدة أو توسيع السابق منها.

وبسبب المقاطعة والعزلة، تحولت قطر إلى دولة تواجه صعوبات مالية واقتصادية، حيث تعاني من أزمة في القطاع السياحي وشح الاستثمارات وانهيار منظومة الخدمات ومنها الطيران، وارتفاع تكاليف المواد المستوردة من الدول البعيدة بعد أن كانت تصلها من الدول الجارة، ونتيجة الابتزاز التركي المكشوف، وصرف موازنات ضخمة على شراء الولاءات أو عقد الصفقات غير المبررة وخاصة في مجال التسليح لنيل رضاء الدول الكبرى، وهو ما أثر على الوضع الداخلي الذي يمكن الاكتفاء لتفسيره بوضع العمال الأجانب وخاصة في مشاريع بنية كأس العام 2022 بعد مرور أشهر طويلة دون حصولهم على رواتبهم، وعندما فاجأ فايروس كورونا المستجد قطر، ثبت عجز السلطات عن مواجهته، فتم تسجيل نسب من الإصابات تعتبر من الأعلى عالميا مقارنة بعدد السكان وإمكانيات الدولة.

وبنظرة خاطفة، يمكن التأكيد على أن قطر اليوم لم تعد هي ذاتها قطر ما قبل 5 يونيو 2017، فكل شيء يتراجع إلى الوراء بما يعلن نهاية قصة النهضة والازدهار والرفاه، كما أن التحولات العالمية الكبرى في مجالات إنتاج وتصدير الغاز باتت تهدد الطفرة المالية، كما أن العلاقات الدولية تمر بفترة ركود، لا يغطيها إلا الاندفاع إلى أحضان أردوغان وتمويل وتبني مشاريعه التخريبية في المنطقة، أو الالتحاف بعباءات النظام في طهران بحثا عن وساطات ميؤوس منها مع الغرب للظهور في صورة النظام القادر إقليميا على حل الأزمات.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كشف أسرار عن مروان البرغوثي ومحمد ضيف ويحيى السنوار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

بن كسبيت

يواصل اسحق إيلان "الجورجي"، نائب رئيس الشاباك السابق، الحديث عن بعض أسرار عمله في "الشاباك"، ويتحدث في هذه الحلقة عن كل من محمد ضيف، مروان البرغوثي ويحيى السنوار كما عرفهم.

تصفية بصمت
تحدثنا في الفصل الأول عن تصفية المهندس يحيى عياش، التي كان يفترض بها أن توقف الإرهاب. ولكن عمليات التفجير استمرت بعده بقوة. العملية في ديزنغوف سنتر مثلاً. هل كانت هذه انتقاما لتصفية عياش؟

"لا. كي نتحدث عن ديزنغوف سنتر، يجب العودة الى بيت ليد. أتذكر العملية في بيت ليد؟".

واضح، لا يمكن النسيان.
"كان هناك مخربان انتحاريان تفجرا بفارق 3 دقائق. في التحقيق تبين أن هذه صدفة. فقد وصلا معاً، ولكن أحدهما علق في الإشارة الضوئية للمشاة فوصل الى تجمع الجنود في المفترق متأخراً. هذا هو السبب الذي جعلهما لا يفجران نفسهيما معاً. كانت هذه عملية مخيفة، من اقسى العمليات. الانتحاريان جاءا من غزة. فقد تظاهرا بأنهما ضريران، وخرجا لتلقي العلاج الطبي. وكان يفترض بالعملية أن تكون ثلاثية وليس ثنائية، ولكن احد الانتحاريين لم يصل. من خطط العملية كان رئيس الجهاد الإسلامي في غزة. وقد أبقى نفسه في الظلال ولم يعرف أحد بوجوده. أما نحن فكنا نعرف. تخوفنا من أن يكون هناك مزيد من العمليات على الطريق. كانت أحاديث عن عملية ثلاثية. في النهاية، وبفضل عمل ألمعي لمسؤولنا في غزة، اكتشفناه وصفيناه بصمت. هذا لم ينشر أبداً. وجاءت العملية في ديزنغوف سنتر انتقاماً لهذه التصفية، وليس لتصفية يحيى عياش".

لم أفهم. رئيس "الجهاد الإسلامي"، فتحي الشقاقي، صفاه في مالطا "الموساد" في تشرين الاول 1995 بعد عشرة اشهر واربعة ايام من العملية في بيت ليد. أتتحدث عن هذا؟
"لا. أنا اتحدث عن رئيس الجهاد الاسلامي في غزة. لم يعرف احد بوجود هذا الشخص. اكتشفناه وصفيناه بصمت. وهذا لم ينشر حتى اليوم".

هل ضاع أجرنا عبثاً، إذاً؟ أنت نفسك تقول ان ديزنغوف سنتر هو انتقام لهذا.
 "لا مفر. الحرب ضد الإرهاب ليست مخيماً صيفياً. هذا الرجل كان في الطريق الى تنفيذ عملية ثلاثية خطيرة جدا مع عبوات تزن اكثر من 15 كيلوغراما. بالمناسبة، امسكنا بالعبوة أيضاً. عندما تكون تعرف هذا مسبقاً، لا يمكنك الا تصفيته".

بالمناسبة، في كل التقارير عن العملية في ديزنغوف وكذا في ويكيبيديا مكتوب أن المخرب من ديزنغوف سنتر كان رجل "حماس"؟
 "إذاً، هكذا كتب. دليل آخر على انه محظور الاعتماد على ما ينشر في الشبكة. أبلغك بأنه كان رجل الجهاد. وكان هذا انتقاماً لتصفية رجل الجهاد في غزة. انا كنت في الخارج في حينه، عدت الى البلاد قبل يومين من ديزنغوف سنتر. جاء بالمخرب الى تل أبيب سائق عربي اسرائيلي. وقد حكم في المركزية في الناصرة، وتلقى 15 سنة سجن. وشهدت في محاكمته. وعلى حد قوله كان هرّب عاملاً جاء لينال الرزق. كان هنا لأسفي إهمال كبير من الجيش. فقد جلب المخرب في شاحنة رمل كبرى. وروى المخرب له انه يحتاج ليستعيد ديناً من احد ما شغله في تل أبيب. وعندما اقتربا من ديزنغوف، اخرج زجاجة عطر صبها على رأسه وأجرى تطهيراً. وهذا دليل واضح على من يعتزم الانتحار. كل مسلم يفهم هذا. ولكن السائق تجاهل. انزل، لم يبلغ أحداً وابتعد. بل انه سمع الانفجار. في المحاكمة حاول التبرؤ من الفعلة قائلاً: لم أعرف، لم أسمع، لم أتصور. اما نحن فكنا نعرف أنه يعرف. بل انه حصل من المخرب على دفعة اعلى بعشرة أضعاف من التعرفة العادية لتسفير عامل".
هل كان هناك إخطار قبل العملية؟
 "كانت لنا معلومة بأن هذا السائق يهرب عمالاً الى إسرائيل. وكانت هناك نية للتحقيق معه. لم نتمكن. قبل عشرين دقيقة من العملية كان لنا إخطار بأنه يوجد انتحاري داخل تل أبيب".

عملية ألمبي
ماذا يمر عليكم في مثل هذا الوضع؟ اليوم توجد وسائل خاصة متطورة ولكن قديماً كان كل شيء هاماً أكثر. فماذا تفعل في هذه العشرين دقيقة؟
 "تكون متحفزاً كالرفاص. تتركز أفكارك على كيفية منع العملية. حصل لنا مرات عديدة أن نجحنا. ومرات اخرى لم ننجح. عندما تكون أنت القائد تتركز الانظار اليك وعليك أن تتخذ القرارات وتبدي حساً قيادياً. عليك أن تقرر أي الطرق تغلقها، لمن تستمع واي وكلاء تستخدم وأين تستخدم الشرطة والجيش، على من تطلق النار وعلى من لا تطلق النار، ما العمل. والمثال الأفضل هو العملية التي أحبطت في ألمبي".
إروِ لي عنها.
 "نحن نتحدث عن بداية الانتفاضة الثانية. المخرب زياد الكيلاني من قرية سيريس قرب جنين. ومساعدته، التي كانت زوجته ايضا، يهودية مهاجرة جديدة من روسيا تدعى انجليكا يوسفوب. عمليته الأولى كانت طعن ضابط من الجيش، يعقوب بن ديان، في سوق الكرمل في تل أبيب. أصيب الضابط بجراح خطيرة وتمكن الكيلاني من الفرار. بعد ذلك أعد عبوتين ناسفتين. الأولى زرعها في بسطة شاورما في منطقة شارع ألمبي. عرفنا ذلك، وشخّص خبراء المتفجرات في الشرطة العبوة وفجروها في المكان. في هذه الأثناء هرب الكيلاني ومعه العبوة الثانية، في سيارة عمومية من نوع ترانزيت الى العفولة. تمكنا من معرفة موقعه بالتقريب. اغلقنا حركة السير على المحور الذي كان فيه. سألني رجلي الميداني ما العمل؟ وصفت له الكيلاني بالتفصيل. قلت له في اللحظة التي يراه فيها فلينزل السيارة عن الطريق بكل ثمن ويبعدها لأن معه عبوة كبيرة. ولحظنا المتعثر كان يجلس في السيارة. ولن أنسى هذا. رجلنا الميداني روى لي انه ما ادخل رأسه الى الترانزيت حتى شخصه. فقد تقاطعت نظراتهما. كان يجلس خلف السائق. من تلك اللحظة لم يتذكر رجلي شيئا. اذ ان الكيلاني فعل العبوة التي كانت تحت مقعد السائق. قطعت ساقاه وكذا احدى يديه وعين واحدة ولكنه نجا. اما السائق، شاب يسمي كلود كنا فقد قتل".

ماذا كان مصيره؟
 "تحرر في صفقة شاليت، فماذا تظن. المساعدة يوسفوب فبقيت في السجن لتقضي حكومتها حتى النهاية. فقد حكمت 18 سنة. نوع من المفارقة. كانت تعرف انه مخرب، ساعدته، اخفته واخفت العبوات، زودته بالسكين، كانت تعرف كل شيء".

محمد ضيف
قل لي، كي لم نصفِ محمد ضيف حتى الآن؟

 "مرة على الاقل هو مدين بحياته لشمعون بيريس. في اليوم الذي صفينا فيه عياش، جاءت معلومة عن مكان تواجد ضيف، مع مسؤولي إرهاب آخرين من غزة. طلبنا الإذن لتصفيته من الجو. لم يأذن رئيس الوزراء بيريس. تخوف من تصفيتين كهاتين في اليوم ذاته. تخوف من ان يكون هناك مصابون ابرياء. في حينه دخل ديختر الى رئيس الأركان، أمنون ليبكن- شاحك، الذي أحبه بيريس جدا وقال له اذهب اليه وقل له إننا ملزمون بشطبه. اما ليبكن الذي فهم الأمر، فترك كل شيء، ذهب لبيريس، تلقى منه الإذن، ولكن الى أن حصل هذا كان ضيف غير مكانه وضاعت الفرصة".

حسناً، هذا لا يعني أننا كنا محظوظين أكثر في مرات اخرى. حاولنا شطبه مرات لا تحصى؟
 "صحيح. ودوماً يوجد جدال عن الضرر الجانبي. ذات مرة كان فيها كل رؤساء حماس. كل رؤوس الأفعى، في البيت ذاته في غزة. وقنبلة واحدة كانت ستنظف لنا كل قيادة حماس لأجيال. كان هناك جدال، وفي النهاية أقرت قنبلة صغيرة وليست كبيرة، فخرجوا بسلام".
أتذكر هذا. كنا في حينه تحت تأثير تصفية صلاح شحادة الذي قتل فيها 15 بريئا بينهم 8 طفال بعد أن القى سلاح الجو قنبلة بوزن طن. وقد استخلصنا الدروس؟
"صحيح. ولكن هذا استخلاص مغلوط للدروس. هذا هو الدرس غير الصحيح".

مروان البرغوثي
ماذا تعتقد حول القول انه كان من الخطأ اعتقال مروان البرغوثي وانه الفلسطيني الوحيد القادر على الحديث معنا عن تسوية؟

"هراء. البرغوثي قاتل شرير، وليس لديه أي إمكانية للقيادة. صدقني. هذا الرجل يجلس مع خمس مؤبدات، وعن حق. قبل الانتفاضة أخرج خلايا مخربين من الاردن قتلوا ضمن آخرين تسفي كلاين. كنت أنا بين أولئك الذين اعتقلوه. هو مخرب قديم وكثير الأفعال. على اسمه خمس عمليات".

سيقال لك ان السلام يصنع مع الأعداء وهناك حاجة لعنوان يمكنه أن يوفر البضاعة؟
"انصت لي. البرغوثي هو شخص متطرف للغاية. من الوهم القول انه براغماتي. حتى لو كان يبث براغماتية، من اللحظة التي يخرج فيها ليصبح زعيما سيختفي هذا. في اجواء اليوم لا يوجد زعيم فلسطيني يمكنه أن يتنازل عن حق العودة".
أنت لست قاطعاً جداً؟ في "يهودا" و"السامرة" يوجد هدوء نسبي منذ وقت طويل.
"الهدوء يسود بفضل الشاباك والسيطرة العملياتية للجيش الإسرائيلي. من يدعي بان الفقر يتسبب بالإرهاب يكذب".

يحيى السنوار
هل تعرف يحيى السنوار؟

"نعم أعرفه على نحو ممتاز. بل التقيته في السجن ايضا. سألني اي لغة اريد أن أتحدث بها. العبرية أم العربية، ففضلت العربية، إذ نقلت له بضع رسائل مهمة. هو عدو مر، متوحش، حكيم وذكي. انظر، منذ حل محل الرجل الهزيل، اسماعيل هنية، كل مشروع التظاهرات على الجدار من عمله. البالونات، الطائرات الورقية، خلايا الازعاج الليلي. لقد نجح في أن يحقق لـ "حماس" إنجازات غير مسبوقة باستخدام أدوات من العصر الحجري. هذا مذهل. لقد كان قائد الخلية الاولى تحت قيادة احمد ياسين. قتل عملاء بيديه. هو متوحش على مستوى لا يصدق. انت لا تريد أن تعرف بأي طرق قتلهم".

هل يوجد ما يمكن الحديث فيه معه؟
"على المستوى السياسي، لا. هذا خطأ. هو يعرفنا على نحو ممتاز. من كل الجوانب. يقرأ "يديعوت" و "معاريف"، خبير في المجتمع الإسرائيلي بكل تفاصيله. أخوه الأكبر، محمد السنوار، كان قائد اللواء الجنوبي في خان يونس".

هل الأخ حي؟
"نعم. هو أيضا مدين بحياته لأحد ما عندنا".

وهل هناك عربي في غزة ليس مديناً بحياته لأحد ما عندنا؟
"عندما كان عامي ايالون رئيس الجهاز، جئت اليه بخطة لشطب السنوار الكبير. لم يقرها. برأيي لم يرتفع هذا حتى الى المستوى السياسي".

أما أنا بالذات فانطباعي هو أن السنوار ينتمي لجيل آخر يمكن عقد الصفقات معه. فهو يفهم احتياجات جمهوره في غزة على نحو ممتاز. يعرف انه بالعنف لن نحققها؟
"يقال عن هذا بالعربية هلوسة. ليتك تكون حقا، ولكن لأسفي انت مخطئ".

لماذا؟ انظر فهم يتحدثون الآن عن صفقة اسرى، يطلبون اجهزة تنفس. افلا يمكن الوصول الى تهدئة لعشر سنوات؟
"سيكون هذا خطأ. كل نهجنا تجاه قطاع غزة هو مساومة خاطئة. بعد تصفية بهاء أبو العطا، فتحوا النار وتطورت مواجهة. ردا على ذلك قتلنا منهم 25 نشيطا. أتعرف ما كان ينبغي عمله؟ ان نقتل 2500 نشيط. هكذا فقط سيكون هدوء في غزة. هذا هو السبيل الوحيد، لشدة الأسف".

اذاً، ما الحل؟
"يجب احتلال غزة مثلما فعلنا في يهودا والسامرة. لا يوجد سبيل آخر. لا توجد اختصارات للطريق. قلت هذا ايضا لبوغي في حينه".
استعراض الجيش الإسرائيلي الإلكتروني في "الجرف الصامد" تحدث عن 500 جندي قتيل على الاقل؟
"هراء. لا اقبل هذا. هكذا تحدثوا ايضا في يهودا والسامرة قبل السور الواقي. عندما تجر الارجل، تدخل وتخرج، تتعرض للخسائر. اما عندما تقرر أن تحتل، فهذا يبدو مختلفا تماما. صدقني. كنت مستشار لجنة الخارجية والامن في فترة الجرف الصامد. كان هذا مخزيا. أفرغت مخازن كاملة من القذائف الموجهة على فتحات الأنفاق. فماذا أفاد هذا؟ كان هناك خلل رهيب. عندما يقول نتنياهو انه وافق على كل اقتراحات وقف النار في أثناء الحملة، ولم يقصد حقا، أقول لك هذا كذب وبهتان. إسرائيل قالت نعم لكل حالات وقف النار. وهذا عار. لا يوجد اختصارات للطريق في هذه القصة. يجب الدخول الى غزة وتنظيفها من الصواريخ. إعداد خطة مرتبة. وستكون الخسائر أقل بكثير مما يخيل لك".

مصدر الترجمة عن العبرية: "معاريف" /نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

الدوحة تدفع ثمناً باهظاً لسياسة 3 أعوام من المكابرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-05

 بعد ثلاثة أعوام على قرار المقاطعة العربية والخليجية لقطر، تجد الدوحة نفسها نتيجة سياسة المكابرة والعناد والارتهان لإيران وتركيا اللتين تعاملتا مع ورطتها بمنطق الغنيمة، في أزمة هي الأسوأ في تاريخها.

 وتشير مؤشرات وبيانات رسمية وتقارير هيئات مالية دولية إلى ارتفاع قياسي في ديون قطر الخارجية وخسائر طالت معظم قطاعاتها الحيوية من الطيران إلى السياحة إلى القطاع المصرفي وهبوطا في الإيرادات وارتفاعا في النفقات وتعثرا للعديد من المشاريع نتيجة أزمة سيولة واستنزاف للمالية العامة بسبب نفقات منشآت مونديال 2022 وحملة علاقات عامة مكلفة للغاية لتلميع صورتها في الخارج التي لطختها الارتباطات المشبوهة بجماعات  متطرفة.

وتؤكد الإمارة الخليجية الصغيرة أن اقتصادها نجح في التكيف مع المقاطعة وأنه قادر على الصمود، لكن الواقع بمنطق الأرقام يشير إلى عكس ذلك ويؤكد وفق بيانات محلية ودولية صادرة في العام الماضي وبدايات العام الحالي أن الوضع أسوأ بكثير مما تقدمه الرواية الرسمية.

 واضطرت قطر بعد قرار المقاطعة العربية والخليجية للبحث عن مسارات جوية وبحرية بعيدة ومكلفة جدا لتأمين حاجاتها الأساسية وتسيير رحلاتها الجوية والبحرية.

وأقرت الخطوط القطرية على لسان رئيسها التنفيذي أكبر الباكر بأنها تواجه وضعا صعبا مع استمرار تسجيلها لخسائر لم تتوقف منذ قرار المقاطعة العربية في الخامس من يونيو/حزيران 2017.

وتضاعفت خسائر الناقلة الجوية القطرية بنحو ثماني مرات خلال العام المالي المنتهي في 31 مارس/آذار الماضي، لتبلغ 640 مليون دولار ارتفاعا من خسائر بلغت في 2019 حوالي 69.55 مليون دولار، وفق مجلة 'فوربس' ووفق حسابات معلنة في منتصف يناير/كانون الثاني من العام الحالي.

ومثلت الخسائر التراكمية للشركة بنهاية السنة المالية أيضا نحو 9.1 بالمئة من رأسمالها مقابل 4.5 بالمئة بنهاية السنة المالية المنتهية في مارس/اذار 2018.

وأعلنت الخطوط القطرية في الفترة الأخيرة أنها ستقوم بتسريح العديد من الموظفين والعاملين فيها بسبب الضغوط التي فرضها تفشي فيروس كورونا ومنها انخفاض الطلب على الطيران.

وتسبب فيروس كورونا في خسائر كبيرة وضرر لكل اقتصادات العالم، إلا أنه عمق أزمة قطاعات الاقتصاد القطري الحيوية ومنها قطاع الطيران الذي يواجه منذ نحو ثلاثة أعوام ضغوطا مالية تراكمية بفعل عزوف المسافرين عن الحجز عبر الخطوط القطرية لأكثر من سبب أولها كثرة الشبهات حول ارتباط الدوحة بالإرهاب وأيضا لبعد المسارات الجوية التي تسلكها.

وفتحت الناقلة الجوية القطرية العديد من المسارات والوجهات في ظل المقاطعة، إلا أن كل الحلول الترقيعية لم تكبح خسائرها.

وكان أكبر الباكر قد قال في تصريحات سابقة لوكالة رويترز "قد نستغني عما قد يصل إلى 20 بالمئة من الموظفين في المجموعة" بسبب الصعوبات الناجمة عن أزمة كورونا.

وكانت الخطوط القطرية قد حذّرت بدورها من تسجيل ثالث خسارة على التوالي في السنة المالية الحالية التي تنتهي في مارس/اذار من كل عام حتى قبل ظهور وتفشي جائحة كورونا وتأثر الطلب العالمي على السفر.

وتخطط الخطوط القطرية وفق ما أعلنه رئيسها التنفيذي لبيع 5 طائرات من طراز بوينغ 737 ماكس من أسطولها، في محاولة لتقليل الخسائر.

وأشار الباكر أيضا في تصريحاته السابقة لرويترز إلى أن إيرباص وبوينغ قد ترفضان طلبات تأجيل تسلم طائرات تقدمت بها الخطوط الجوية القطرية المملوكة للدولة، مضيفا "نتفاوض مع بوينغ وإيرباص لتلبية طلبنا للتأجيل ونأمل أن يلتزم المنتجان" بذلك.

وأوضح كذلك أن عشر طائرات من طراز إيرباص إيه 380 لن يحلق حتى منتصف أو أواخر 2021 على الأقل، فيما تخطط الشركة لتقليص أسطولها البالغ حاليا نحو 200 طائرة.

وهبطت أصول الشركة بنحو 5.6 بالمئة خلال العام المالي الماضي إلى 27 مليار دولار، فيما كانت في العام المالي الذي سبقه 28.7 مليار دولار.

وأمنت الخطوط القطرية في خضم جائحة كورونا عشرات الرحلات للمئات من العالقين من الرعايا الأجانب لأكثر من وجهة، وحظيت بإشادة أوروبية على المبادرة، لكن الكلفة كانت عالية جدا باعتبار أنها جازفت بنقل العدوى في ذروة تفشي الفيروس.

وفي الثاني من يونيو/حزيران الحالي اضطرت اليونان لتعليق الرحلات من وإلى قطر على خلفية مخاطر انتقال العدوى. وجاء القرار اليوناني بعد رصد  مصابين بفيروس كوفيد 19 بين ركاب رحلة آتية من الدوحة.

وأعلن جهاز الحماية المدنية اليوناني في بيان أن الفحوص أظهرت إصابة 12 مسافرا من أصل 91 كانوا على متن طائرة تابعة للخطوط القطرية هبطت في أثينا، بفيروس كورونا.

وبين المصابين تسعة باكستانيين يقيمون في اليونان ويونانيان يعيشان في أستراليا وأحد أفراد أسرة يونانية يابانية.

تراجع عدد السياح الأجانب

وبسبب ارتباطات قطر بجماعات متطرفة وأيضا بفعل تأثيرات تفشي فيروس كورونا في الإمارة الخليجية الصغيرة، لم تعد الدوحة وجهة سياحية مفضلة على خلاف ما كان عليه الوضع قبل قرار المقاطعة.

وأظهرت بيانات وزارة التخطيط والإحصاء القطرية مؤخرا، انخفاض أعداد السياح الوافدين إلى قطر خلال الأربعة أشهر الأولى من العام 2020، بنحو 30.6 بالمئة على أساس سنوي.

وانخفض عدد السياح الأجانب إلى 547 ألفا و175 سائحا بنهاية أبريل/نيسان، مقارنة بـ789 ألفا و27 سائحا في الفترة نفسها من العام 2019.

ومثلت النسبة الأكبر للسياحة الأجنبية الوافدة من أوروبا بنحو 41 بالمئة أو 226 ألف زائر، ثم من الدول الآسيوية الأخرى وأوقيانوسيا بنسبة 31 بالمئة (186.8 ألف سائح) ومن دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 10 بالمئة لنحو 53.788 ألف زائر

وكانت أعداد السياح الوافدين لقطر، ارتفعت بنسبة 17.4 بالمئة خلال عام 2019 إلى 2.136 مليون سائح.

وتسعى الدوحة إلى جذب 5.6 ملايين سائح سنويا بحلول 2023، إلا أن جائحة كورونا كان لها تأثير على قطاع السياحة العالمي والذي يستمر عدة سنوات حتى تتعافى مرة أخرى. وارتفعت إصابات قطر بفيروس كورونا لأكثر 60 ألف

وتشير البيانات لحركة السياحة في قطر إلى تأثر القطاع الحيوي بفيروس كورونا، إلا أن التراجع في عدد الوافدين الأجانب مرتبط أيضا بسجل الدوحة في دعم التطرف وهو ما دأبت الحكومة القطرية على نفيه.

ديون قطر تتفاقم

وأظهرت بيانات البنك المركزي القطري ارتفاعا في ديون الدوحة الخارجية خلال السنوات الماضية، وهي واحدة من المؤشرات على حجم الضغوط المالية التي تفاقمت منذ قرار المقاطعة العربية والخليجية قبل ثلاث سنوات.

ومع تصاعد الالتزامات المالية لقطر، اضطرت الحكومة إلى اللجوء في السنوات الأخيرة إلى الاقتراض ما فاقم الأعباء المالية للدين الخارجي الذي ارتفع إلى مستويات قياسية عند 55 مليار دولار بنهاية العام 2019، مقارنة بـ43.4 مليار دولار في العام 2018 بنمو سنوي بنحو 25.34 بالمئة، أو ما يعادل نحو 11 مليار دولار.

وبحسب ما تشير إليه بيانات المركزي القطري، فإن ديون قطر الخارجية قفزت في السنوات العشر الأخيرة حتى نهاية 2019 بنحو 179 بالمئة، معظمها منذ قرار المقاطعة.

وتؤكد قراءات أن الارتفاع القياسي في نسبة الدين الخارجي للدوحة يأتي نتيجة أزمة السيولة في السوق القطرية في السنوات الأخيرة وأن هذا الوضع ناجم أساسا عن سياسة الهروب إلى الأمام التي تنتهجها القيادة في مواجهة تبعات المقاطعة العربية والخليجية.

تراجع فائض الميزان التجاري

وتظهر بيانات رسمية أيضا تراجع فائض الميزان التجاري السلعي لقطر في أبريل/نيسان الماضي بنسبة 66.9 بالمئة على أساس سنوي، في ظل تداعيات فيروس كورونا المستجد.

وبحسب بيان وزارة التخطيط والإحصاء القطرية فإن الميزان التجاري (الفرق بين إجمالي الصادرات والواردات) خلال أبريل/نيسان الماضي، سجل فائضا بقيمة 1.18 مليار دولار انخفاضا من 3.57 مليار دولار في الفترة نفسها من العام 2019.

وانخفضت الصادرات القطرية خلال أبريل/نيسان بنحو 48.2 بالمئة على أساس سنوي مقابل ارتفاع قيمة الواردات القطرية بنسبة 17 بالمئة.

وتراجع الفائض التجاري لقطر 16 بالمئة في 2019 إلى 44.4 مليار دولار مقارنة مع 53 مليار دولار في العام 2018.

وتعتبر قطر أكبر منتج ومصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال وتواجه منافسة صعبة على الحصة السوقية حول العالم مع زيادة صادرات موردين جدد من أستراليا والولايات المتحدة.

إيران وتركيا ومنطق الغنيمة

وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن تسارع الدوحة إلى مصالحة مع محيطها الخليجي والإقليمي بالتخلي عن سياسات تؤكد دول المقاطعة الأربع أنها باتت تشكل خطرا على الأمن القومي العربي، سارعت قطر إلى اللجوء لإيران وتركيا.

وليس خافيا أن أنقرة وطهران تشكلان منذ عقود خطرا متربصا بمنطقة الخليج خاصة والمنطقة العربية عموما ضمن طموحات التمدد المحكومة بالمطامع التوسعية وبالأجندات الإيديولوجية.

والعلاقات بين الدوحة من جهة وطهران وأنقرة من جهة ثانية قائمة سرا وعلانية، إلا أنها تعزز خلال سنوات المقاطعة، فقطر التي وجدت نفسها في عزلة بعد غلق المنافذ الجوية والبحرية والبرية وهي شرايين حيوية للاقتصاد القطري، توجهت إلى تركيا وإيران بحثا عن بدائل حتى لو كانت مكلفة سياسيا واقتصاديا.

لكن سياسة الهروب إلى الأمام التي انتهجتها القيادة القطرية، أوقعتها في فخاخ منطق الغنيمة التي تعاملت على أساسه كل من طهران وأنقرة.

وبمنطق الربح والخسارة بغض النظر عن سبب ومسببات الأزمة، وجدت الدوحة نفسها فريسة للأطماع الإيرانية والتركية، فإيران التي تئن تحت ضغوط اقتصادية ومالية شديدة بفعل العقوبات الأميركية، كانت في حاجة ملحة لمنفذ مالي ينفس أزمتها الاقتصادية.

أما تركيا التي يواجه اقتصادها حالة من الركود وتعرضت عملتها الوطنية (الليرة) لموجة هزات عنيفة خلال السنوات الأخيرة بفعل سياسات رئيسها رجب طيب أردوغان وتدخلاته العسكرية الخارجية في كل من سوريا وليبيا وخصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء الغربيين، فكانت بحاجة إلى إنعاش اقتصادها وتمويل حروبها الخارجية.

وعلى هذا الأساس تعزز التحالف القطري الإيراني والقطري التركي، فقد استغل أردوغان ورطة قطر لتوقيع اتفاقيات تجارية وعسكرية خففت من وطأة الأزمة الاقتصادية في بلاده ومنحته فرصة إيجاد موطئ قدم في الخليج من خلال بناء وتوسيع قاعدة عسكرية في الدوحة وتصدير منتجات تركية للسوق القطري وهو ثمن يعتقد الرئيس التركي الذي يتعامل بمنطق البراغماتية أن على الدوحة دفعه.

وقد سارع أردوغان لإعلان دعمه لقطر وحاول تأجيج الخلاف بينها وبين دول المقاطعة، حتى لا يخسر مصدرا يمكن الاستفادة منه لإنعاش الاقتصاد التركي المتعثر وممولا مهما لتدخلاته العسكرية في سوريا وليبيا.

وبالفعل تعهدت قطر بضخ استثمارات بنحو 15 مليار دولار لدعم استقرار الليرة التركية التي هوت في أكثر من مرة إلى هوة عميقة.

كما تشير تقارير غربية إلى أن أنقرة طلبت من الدوحة التكفل بتمويل نقل مرتزقة من الفصائل السورية المتطرفة الموالية لتركيا، إلى الغرب الليبي لدعم حكومة الوفاق الوطني في مواجهة هجوم يشنه الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لتحرير العاصمة طرابلس من الإرهاب. وسمم الارتباط القطري الإيراني تحالفات قطر التقليدية خاصة مع الولايات المتحدة التي لديها أكبر قاعدة عسكرية في الدوحة، وسط أنباء عن وجود خطة أميركية لنقل تلك القاعدة بعد أن اتضح للحليف الأميركي الدور القطري في تخفيف العقوبات على إيران من جهة والارتباط الوثيق بجماعات على "القائمة الأميركية السوداء للجماعات الإرهابية".

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب علق في السادس من يونيو/حزيران 2017 على قرار المقاطعة العربية والخليجية لقطر قائلا في تغريدة على حسابه بتويتر إن دول الخليج قالت "إنها ستعتمد نهجا حازما ضد تمويل التطرف وكل الدلائل تشير إلى قطر"، مضيفا "قد يكون ذلك بداية نهاية رعب الإرهاب".

وذّكر الدوحة بأن لديها سجلا طويلا في دعم التطرف، إلا أنه غيّر لهجته بعد ذلك إزاء قطر التي تضمّ أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

 وأبرمت الدوحة عقود تسليح ضخمة بمليارات الدولارات في صفقات تفوق حاجتها وقدراتها أصلا ضمن محاولة شراء تحالفات خارجية وتعزيز ارتباطاتها الخارجية على أمل إيجاد منافذ لتفكيك عزلتها في محيطها وفضائها الخليجي والعربي واستقدام ضغوط غربية على دول المقاطعة، لكن الأخيرة تمسكت بتنفيذ قطر قائمة من 13 مطلبا أهمها فك الارتباط بإيران وتركيا والجماعات الإسلامية المتطرفة والتراجع عن سياساتها الخارجية المهددة للأمن القومي العربي والخليجي.

عن "ميدل ايست أنولاين"

  

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية