هل فقدت سيرورة العولمة زخمها؟

1800
عدد القراءات

2018-05-30

ما تزال سيرورة العولمة تثير الجدل والخلاف بين الباحثين والخبراء والأكاديميين، سواء في مسألة إيجابياتها أو سلبياتها، ولقد أخذ الحديث في هذا الأمر اتجاهات ومشارب عدة، وهناك مدارس فكرية ما تزال تتصارع في المناظرات حول هذا الأمر، لكنّ الجديد والمثير في هذه المناظرات الدائرة في الغرب حالياً، هي الإجابة عن سؤال: هل فقدت سيرورة العولمة زخمها وقوة الدفع الذاتية وبالتالي تباطأت؟ وهل تمت عرقلتها من قبل الأطراف الفاعلة؟ وإذا كان هذا هو الحال فكيف السبيل إلى إعادة الزخم والقوة لها لمواصلة المسير؟

في مقابل هذا السؤال؛ هناك رؤية متفائلة مدعمة ومسلحة بالإحصائيات والبيانات والأرقام، تحاجج بأنّ سيرورة العولمة، رغم بعض التباطؤ الذي تعرضت له خلال العقدين الماضيين، إلا أنّها ما تزال تتقدم وتتوسع رغم محاولات لجمها من قبل بعض الدول، وتؤكد هذه المناظرة أنّ سيرورة العولمة لم تتباطأ؛ بل تغير شكلها فقط، وأنّ هذا ما تؤكده الإحصائيات والأرقام الصادرة عن جهات بحثية موثوقة ورصينة، وتتولّى نشره والاهتمام به دراسة وتحليلاً الدوريات والمجلات الرصينة، والقريبة من دوائر صنع القرار الأمريكي والعالمي، مثل مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية على سبيل المثال.

ما تزال سيرورة العولمة تثير الجدل والخلاف بين الباحثين والخبراء والأكاديميين سواء في مسألة إيجابياتها أو سلبياتها

ففي عدد تموز- آب 2017، على سبيل المثال، نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالة مهمة للاقتصادي الأمريكي، الحائز على نوبل في الاقتصاد العام 2001، البرفسور مايكل سبينيز، بالاشتراك مع مؤسس ومدير مجموعة "بريميفرا" الاستثمارية الصينية، "فريد هو"، بعنوان مباشر هو "لماذا لُجمت -أو كبح جماح- سيرورة العولمة، وكيف يمكن إعادتها للعمل؟"، وباختصار شديد، تشير المقالة إلى أنّه بعد عقود من نهاية الحرب العالمية الثانية، تشاركت كثير من دول العالم في رؤية اقتصادية أساسية قائمة على نظام مفتوح وحرّ، لتجارة الخدمات والسلع، مدعوم بقوانين وأنظمة تسمح بحرية حركة الخدمات ورؤوس الأموال والأفراد عبر الحدود الدولية، وشجعت على نشر المعلومات والتكنولوجيا.

ونتيجة توسع التجارة العالمية، زاد مستوى الدخل والمعيشة العالمي، وبالتالي فإنّ ملايين البشر على هذا الكوكب تخلصوا من ربقة الفقر. 

لكن هذا الوضع لم يستمر؛ لأنّ كلّ مظاهر العولمة الاقتصادية أصبحت تحت الضغط والهجوم عليها، وعوامل الكبح والسياسات الشعبوية في تقييد حركة التجارة ومرور السلع والخدمات ورؤوس الأموال، وصلت ذروتها العام 2017.

كما أنّ فكرة حرية انسياب المعلومات سرعان ما اصطدمت بالدعوات المتزايدة لحقوق الخصوصية الفردية، وحماية الملكية الفردية، وزيادة الأمن السيبيري، ثم تحولت المشاعر الطيبة في الدول المتقدمة بعنف ضدّ الهجرة والمهاجرين واللاجئين، خاصة بعد موجات اللجوء التي اكتسحت أوروبا من الشرق الأوسط.

زيادة على ذلك، وفي مجال التجارة العالمية، فإنّ منظمة التجارة العالمية التي كانت ثمرة عدة جولات من المفاوضات التجارية متعددة الأطراف العالمية، بعد الحرب العالمية الثانية، مُنيت بالفشل والعجز؛ حيث لم تستطع أن تعقد جلسة واحدة  كاملة وناجحة من المفاوضات، منذ تأسيسها العام 1995م، ثم تواترت معوّقات العولمة، بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حزيران (يونيو) 2017، في أكبر أزمة سياسية في تاريخ الاتحاد، وفي أثناء ذلك يعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مبدأ "أمريكا أولاً"، ثم انسحاب بلاده من معاهدة "الشراكة عبر الباسيفيكي"، التي تتكون من 12 دولة، وإعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة مع أمريكا الشمالية، ومفاوضات التجارة والاستثمار عبر الأطلسي مع الاتحاد الأوروبي.

ثمة رؤية متفائلة تحاجج بأنّ سيرورة العولمة رغم بعض التباطؤ مؤخراً ماتزال تتقدم وتتوسع

إنّ هذه الأدوار السلبية لإدارة ترامب هي التي أثرت في سيرورة العولمة مؤخراً، ونظراً إلى الأهمية الكبيرة لأمريكا، ودورها السلبي حالياً، تجاه آليات العولمة الاقتصادية والسياسية، التي تعدّ الآليات الرئيسة لسيرورة العولمة؛ فإنّ الأنظار تتجه نحو الصين الشعبية لملء الفراغ وقيادة قاطرة العولمة إلى الأمام. 

تعطي الرؤية أعلاه رؤية تشاؤمية لمشهد العولمة الحالي، وتحمّل أمريكا وبريطانيا تحديداً مسؤولية كبح جماح العولمة، لكن هذه ليست نهاية القصة والمناظرات.

ذلك أنّه، وبعد المقالة أعلاه بعامٍ، وفي عدد تموز- آب 2018م، نشرت "فورين أفيرز" ما يشبه الردّ على هذه الرؤية، في مقالة مشتركة مهمة جداً، ذات طابع فني –كمي، معزَّزة بالأرقام والإحصائيات، حملت عنوان "العولمة ليست في تراجع، التكنولوجيا الرقمّية ومستقبل التجارة"، لكلّ من لورا تايسون، المستشارة الاقتصادية للبيت الأبيض في عهد كلنتون، والأستاذة في إدارة الأعمال في جامعة كاليفورنيا، و(سوزان لوند) من معهد مكينزي التابع لشركة الاستشارات الخاصة العملاقة "مكينزي وشركاؤه".

الملاحظة الأولى على المقالة أنّها جاءت (نسوّية)، من خبيرتين كانت لهما مكانة رفيعة في صنع القرار الاقتصادي والسياسي في أمريكا والعالم؛ واحدة تمثل القطاع الخاص والشركات المتخطية للحدود القومية مثل "مكينزي"، والأخرى تمثل المجتمع المدني النشط في الجامعات الأمريكية التي تعدّ بيوت خبرة فعلية، بعد أن كانت خبيرة في إدارة بيل كلنتون؛ وهو بالمناسبة يكاد أن يكون الرئيس الأمريكي الوحيد في تاريخ أمريكا الذي كان يتحدث عن سيرورة العولمة وأهميتها في أمريكا والعالم، ولعل هذا هو مبعث حماس لورا للحديث عن سيرورة العولمة وفوائدها.

جاء ذلك في مقابل الرؤية السابقة (الذكورّية) التي مثلت الترتيب نفسه؛ شخص يتكلم باسم القطاع الخاص والعولمة الاقتصادية خاصة من الصين، والآخر عن المجتمع المدني، أستاذ جامعي وحائز على نوبل في الاقتصاد.

خلاصة مقالة لورا وسوزان؛ أنّها تعترف أن الأرقام المجردة تثبت أن العولمة كانت تتراجع، خاصة أنّ الأزمة الاقتصادية، العام 2008، أنهت ثلاثة عقود من الازدهار والنمو الاقتصادي العالمي في السلع والخدمات، وانخفضت التحويلات المالية عبر الحدود بنسبة الثلثين، وتغيرت اهتمامات الدول الغنية، مثل أمريكا وبريطانيا، من التجارة الحرة إلى الاهتمام بالوظائف وفرص العمل الضائعة، وعدم التصنيع، وعدم المساواة.

العولمة دخلت حقبة مختلفة عنوانها الرئيس التكنولوجيا وحرية الوصول إلى المعلومات للجميع

ثم تحول شعار التجارة الحرة من أطراف رابحين على الجانبين (رابح/ رابح)، إلى لعبة صفرية (خاسر/ رابح)، مع دعوات للمزيد من الحمائية، والأخطر من ذلك؛ أنّه منذ شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2008م، قامت مجموعة العشرين الاقتصادية "جي20" بفرض أكثر من 6600 إجراء حمائي.

لكن هذا، بحسب لورا وسوزان، ليس إلا جزءاً من المشهد العام لسيرورة العولمة، ذلك أنّه، حتى مع تباطؤ التجارة العالمية نتيجة الحواجز والحماية على حرية التجارة، فإنّ العولمة ظلت تسير إلى الأمام بثبات، لكن من خلال مسارات أخرى!

لقد كانت العولمة تعتمد أساساً على التجارة الحرة والقيادة الغربية، لكنّ الوضع تغير اليوم كلياً، وهذا هو مستقبل سيرورة العولمة.

سيرورة العولمة اليوم، على العكس من الماضي، قبل عقد من الزمن (2008 مثلاً)، محركها الرئيس هو التكنولوجيا الرقمية (بدلاً من التجارة)، وقائدها الصين الشعبية، والاقتصاديات الناشئة في آسيا، وأمريكا الجنوبية، وإفريقيا، وأوروبا الشرقية، ودول البلطيق مثل إستونيا.

باختصار شديد؛ إنّ سيرورة العولمة لم تستسلم للمصاعب والدعوات لكبح جماحها، والحد منها؛ بل على العكس استمرت في النمو والتقدم؛ وكلّ ما في الأمر أنّها دخلت حقبة أو مرحلة مختلفة، عنوانها الرئيس التكنولوجيا وحرية الوصول إلى المعلومات للجميع.

لكنّها تبقى حقبة لا تخلو من الرابحين والخاسرين، لذلك فعلى الدول والحكومات والمجتمعات والأفراد الاستعداد وتنمية قدراتهم للاستفادة من هذه الحقبة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: