آبي أحمد علي .. من "الإرهاب الأحمر" إلى السلام الأخضر

12024
عدد القراءات

2018-06-24

بمجرد أن أنهى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي أمس خطاباً أمام الآلاف من أنصاره في العاصمة أديس أبابا، وقع انفجار نُقل إثره على الفور من الموقع، مما أدى إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 165 آخرين، ونقلت وكالة "رويترز" عن شهود عيان قولهم إنّ "الانفجار وقع نتيجة لقنبلة يدوية ألقاها شخص على المنصة حيث كان يلقي رئيس الوزراء خطابه".

لم يلبث أن وجّه آبي أحمد كلمة أذاعها التلفزيون الرسمي أكد فيها أنّ الانفجار أسفر عن "قتلى ومصابين"، واصفاً إياه بأنّه "محاولة فاشلة من القوى التي لا تريد لإثيوبيا أن تتحد"، لتلقي هذه الحادثة الضوء على التحديات التي يواجهها السياسي الشاب (42 عاماً) في بداية مسيرته في سدة الحكم بعد مسيرة عاصفة من التحولات التي شهدتها بلاده، ليكون أول مسلم يتقلد رئاسة الوزراء خلفاً للمستقيل هيلي ميريام ديسالين الذي أطاحت به احتجاجات عارمة.

بين ربوع أروميا

يقولون: "لا بلدة في منطقة (جيما) الواقعة في إقليم (أروميا) الأثيوبي،  تماثل (أغارو) خضرة وبهاءً وثروة وهواءً مُنعشاً"، وهنا تضرب سلالة الشيخ الميسور أحمد علي والمُزارِع الثري، عميقاً جداً. وهنا تزوج الرجل مثنى وثلاث ورباع، وأنجب زهاء سبعة عشر ولداً وبنتاً، لكن الرابعة كانت مختلفة حيث تزوج بامرأة أرومية مسيحية جميلة تدعى "تيزيتا ولدي"، وهذا أمر معتاد في تلك الفجاج من الدنيا.

ألقت محاولة اغتياله الضوء على التحديات التي يواجهها السياسي الشاب في بداية مسيرته في سدة الحكم

كان العام 1967، بُعيد سنتين من سيطرة الضباط الماركسيين على السلطة في إثيوبيا مميزاً بالنسبة لأسر الشيخ أحمد علي؛ إذ أهدته رابعته طفله الثالث عشر  فاتفقا على تسميته "آبيوت" أي (الثورة) باللغة الأرومية، وظل يحمل هذا الاسم خلال طفولته كلها، إلى أن استقر وأسرته على اسمه الراهن (آبي) المُختزل من اسم الطفولة، وكأن والديه كانا يتنبآن ببعض ملامح مستقبله؛ إذ  انضم الرجل في سني مراهقته إلى حركة المقاومة ضد نظام منغستو هايلي ماريام تحت لواء منظمة (الإرهاب الأحمر).

المتمرد الشاب

خاض آبي أحمد مع رفاقه في المنظمة قتالاً شرساً ضد نظام الجنرال منغستو، وعملوا دونما هوادة على إسقاطه وانضموا من أجل ذلك إلى  تحالف الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الأثيوبية (الإهودق)، بقيادة جبهة تحرير تيغراي المعروفة بـ (ويَّاني) التي كان يرأسها حينها، رئيس الوزراء الأسبق ملس زيناوي، وجبهة تحرير الأمهرا ومنظمات ثورية مقاتلة أخرى من جنوب وغرب إثيوبيا، حيث استطاع التحالف إطاحة الحكومة القائمة حينها (1991)، وتسنم مقاليد السلطة في البلد الأفريقي الكبير.

لاحقًا أسس مع بعض رفاقه المنظمة الديمقراطية لشعوب أروميا، واستقطبوا إليها الكثير من الثوار السابقين والمدنيين الأروميين، لتكون إحدى أذرع حكومة التحالف الجديدة في أديس أبابا.

خاض آبي أحمد مع رفاقه قتالاً شرساً ضد نظام الجنرال منغستو وعملوا دونما هوادة على إسقاطه

رأى آبي أحمد عاصمة بلاده لأول مرة في العام 1991، حين دخلها  (فاتحاً) ضمن الجيش الثوري للتحالف، لكن سرعان ما غادرها إلى منطقة (ولغا الغربية) لتلقي تدريب عسكري مُنظم في قطاع المخابرات والاتصالات، ضمن  كتيبة (أسيفا)، وظل متمركزاً هناك وقتاً ليس بالقصير، وأظهر مهارات فذة في جمع المعلومات واستخدام التقنيات الحديثة في إدارتها وفرزها وتحليلها، ما جعل رؤساءه يبتعثونه مُجدداً إلى العاصمة ليلتحق بجامعتها دون أن يتخلى عن عمله كضابط مخابرات بارز.

نال آبي أحمد  بكالوريوس في هندسة الحاسوب من جامعة أديس أبابا (2001)، ثم حاز على ماجستير الحاسوب من الولايات المتحدة (2005) وماجستير إدارة الأعمال من بريطانيا (2013)، ودكتوراه في دراسات الأمن والسلام موضوعها "النزاعات المحلية في البلاد" من جامعة أديس أبابا 2017، ووصل إلى رتبة كولونيل (عقيد) في المخابرات الأثيوبية.  

ما بين المخابرات والأكاديميا

مسلحاً بخبرات عسكرية وأمنية وأكاديمية وسياسية وروح تواقة للحرية ومؤمنة بإثيوبيا ديمقراطية وعظيمة، مضى آبي أحمد علي مشتغلاً على تطوير قدراته القيادية والخطابية، فتعلم لغة الأقلية الحاكمة (التيغري) من زملائه في الجيش فأجادها إجادة تامة، بجانب لغته الأم الأرومية، ولغته الثانية الأمهرية.

ارتبط الضابط الشاب الطموح بزميلته في المخابرات من قومية (الأمهرا) "زيناش تياتشيو" بعد قصة حب هادئة، فأنجبا ثلاث بنات، وفي تلك الأثناء عين رئيساً للمخابرات الأثيوبية (آي إن إس إيه)، رغم أنه لم يترك العمل السياسي ضمن منظمة أورومو الديمقراطية الشعبية، حيث صعد نجمه إلى أن انتخب عضواً برلمانياً عنها في العام 2010 متخلياً عن وظيفته العسكرية، وفي العام 2016، شغل منصب وزير الاتحاد للعلوم والتكنولوجيا، لكنه سرعان ما تركه مفضلًا العمل الحزبي ليعود إلى مسقط رأسه "أوروميا" رئيساً لمنظمة أورومو الديمقراطية الشعبية.

رأى آبي أحمد عاصمة بلاده لأول مرة العام 1991 حين دخلها  فاتحاً ضمن الجيش الثوري للتحالف

لم تمهل الأحداث العاصفة التي شهدها إقليم أروميا آبي أحمد فسحة ليتنفس هواء موطنه العليل بهدوء؛ حيث وجد نفسه في قلب نزاع عنيف بين أبناء جلدته والحكومة المركزية على خلفية الاستيلاء غير المشروع على أراضي الأورمو الخصبة التي خلّفت آلاف القتلى والجرحى، فعمل جنباً إلى جنب مع الأطراف المتنازعة لوضع حلول ناجعة للأزمة، مستفيداً من خبراته الأكاديمية والعملية الكبيرة في المخابرات، وفض النزاعات التي اكتسبها في الداخل من خلال عمله ودراسته وفي الخارج؛ حيث كان عضواً ضمن بعثة السلام الأممية إلى رواندا العام 1994 في أعقاب المذابح التي اجتاحتها، وفاعلاً أثناء النزاع الحدودي بين بلاده وأريتريا بين عامي 1998- 2000 ، حيث كان رئيساً لفريق المخابرات الموكلة إليه مهمة استطلاع مواقع الجيش الإريتيري في الجبهات الأمامية للقتال، والتخطيط لاقتحام الخنادق والتحصينات، ولربما ذلك ما دعاه فور تسميته رئيساً للوزراء إلى دعوة جارته للتفاوض لحلحلة المشكلات العالقة بينهما ونيته الانسحاب من الأراضي الإرتيرية التي احتلتها بلاده أثناء الحرب.

رجل الليبرالية الهادئة

ليس الأستاذ الجامعي الإثيوبي "سيوم تيشوم" وحده، من وصف آبي أحمد "بأنه يتمتع بمقبولية كبيرة بين أحزاب المعارضة، ويمتلك إرادة قوية وكاريزما ومصداقية عظيمتين"، فالمخابرات الأمريكية "سي آي أيه" قالت أكثر من ذلك، بمجرد اختياره رئيساً للائتلاف الحاكم خلفاً لرئيس الوزراء السابق هايلي ماريام ديسالين وصفته بالليبرالي ذي الخلفية المخابراتية، قائلة: "إنه يتفق مع السياسة الأمريكية في الكثير من الآراء والتوجهات".

ومنذ أدائه اليمين الدستورية في  2 نيسان (أبريل) 2018، أرسل الرجل رسائل إيجابية عديدة إلى الداخل الأثيوبي وإلى جيرانه ومحيطة الأقليمي؛ حيث  زار إقليم "الصومال" (جنوب شرق)، وإقليم "الأرومو" (جنوب)، وإقليمي "تيغراي والأمهرا" (شمال) وخاطب الجماهير بلغاتها المحلية، الأمر الذي ترك أثراً نفسياً إيجابياً عميقاً، ولم يكتف بذلك بل دعا أحزاب المعارضة إلى مأدبة عشاء في القصر الرئاسي، وتحاور معها حول مختلف القضايا مبدياً رغبة حكومته للعمل مع المعارضة لتعزيز مبدأ التعددية الحزبية.

منذ أدائه اليمين الدستورية قبل 3 أشهر بعث الرجل رسائل إيجابية عديدة داخلياً وخارجياً

فيما زار خارجياً، كلاً من جيبوتي ومصر والسودان والسعودية والإمارات والصومال، ونجح في تهدئة التوتر مع جارته إرتيريا عندما أعلن نية بلاده الانسحاب من الأراضي الإرتيرية التي احتلتها إبان حربهما الضروس فحصل  على رد فعل إيجابي من نظام شديد الانغلاق وبطيء في ردود الأفعال، عندما أعلن الرئيس الإريتري الأسبوع الماضي عن عزمه إرسال وفد إلى أديس أبابا للتفاوض بخصوص مبادرة آبي أحمد، فيما أقنع الأخير طرفي النزاع في جنوب السودان الرئيس سلفاكير ونائبه وخصمه اللدود ريك مشار بالتفاوض المباشر في العاصمة أديس أبابا؛ إذ يتوقع أن يقبلا خطته للسلام.

مسابقة الزمن

ثلاثة أشهر فقط، وليس ثلاثين عاماً، منذ تسنمه رئاسة الوزارة في إثيوبيا، بدا فيها آبي أحمد وكأنه يسابق الوقت ليفعل أموراً مفيدة لبلاده والجوار، فقد أقسم أمام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بأنّ بلاده لا تنوي الإضرار بمصالح مصر المائية، وتبادلا الضحكات والقفشات أمام كاميرات التلفزة، وعاد إلى بلاده وبرفقته سجناء إثيوبيين أفرجت عنهم السلطات المصرية، وهذا ما حدث لدى عودته من السعودية، فيما دعمته الإمارات بثلاثة مليارات دولار لسد الفجوة المالية في موازنة بلاده، فيما وقع مع السودان والصومال اتفاقيات استحوذت بموجبها أثيوبيا على حصص في موانئ البلدين.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية
2019-12-03

اختار صالح علماني، الذي توفي اليوم في إسبانيا، ذات وسم في صفحته على فيسبوك نهاية عام 2010، أن يلخّص حياته ببساطة "عشتُ لأترجم"، مستوحياً ما كتبه من العبارة التي عنون بها ماركيز مذكراته.
بدت رحلة علماني في الحياة أشبه بواقعية سحرية لشاب فلسطيني بدأ في دراسته طبيباً، تراوده أحلام رومانسية أن يغدو روائياً عظيماً، قبل أن يحزم قراره الذي سيكرّسه واحداً من أهم المترجمين العرب الذين طوعوا الإسبانية لتنطق بالعربية مع أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة وشعر، جعلت قارئ الضاد يتنقل مع عوالم نيرودا ولوركا وماركيز وإيزابيل الليندي .. كأنّه يقلب بأُلفة صفحات خطّها نجيب محفوظ أو محمود درويش.

كانت رحلته في الحياة أشبه بواقعية سحرية لشاب فلسطيني، بدأ في دراسته طبيباً، تراوده أحلام رومانسية أن يغدو روائياً عظيماً

من آخر معقل مقاوم في فلسطين عام 1948، غادر الفلاح عمر علماني ابن "ترشيحا" أو "جبل الشيح" كما كانت تعرف بالكنعانية تلك القرية الموشحة بأشجار الزيتون شمال عكا؛ حيث تعايش المسلمون والمسيحيون قروناً، لتبدأ التغريبة، ويشارك الآلاف من أبناء شعبه الذين هُجروا في تلك الرحلة التي ستطول كأنّها مئة عام من العزلة، لينتهي به المطاف في سورية، وفي شهر شباط (فبراير) من عام 1949، رزق الحكّاء الأمي بمدينة حمص بذلك الطفل الذي سيولع بالقراءة، وأطلق عليه اسم "صالح".

 

 

استقر مقام العائلة في الحجر الأسود ذلك الاتساع الغرائبي لمخيم اليرموك جنوب دمشق؛ حيث أكمل صالح علماني دراسته، ليحزم حقائبه نهاية الستينيات صوب مدريد لدراسة الطب حاملاً معه دواوين لصلاح عبدالصبور، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وديوان محمود درويش الأول "آخر الليل" مما كان يثير سخرية زملائه، فلم يكن مستغرباً ألا يتوافق مع هذا التخصص، رغم نجاحه في السنة الأولى، ليتحول إلى دراسة الصحافة التي وجدها أكثر صعوبة! ثم يترك الدراسة فترة بعد أن ساءت أحواله المادية، خصوصاً مع اشتعال حرب تشرين عام 1973، واضطر للعمل في الميناء وأماكن أخرى، ليوفر تكاليف دراسته الجديدة "الأدب الإسباني"، وكانت بدايته في الترجمة مع مقررات المجلس الوطني الفلسطيني التي كان يقوم بنقلها لرفاق شيوعيين إسبان، لتنشر في مجلة يشرف عليها الحزب الشيوعي الإسباني.

اللقاء الأول مع أدب أمريكا اللاتينية

ذات مساء قاده التسكع في قاع مدينة برشلونة إلى أحد المقاهي؛ حيث كان لقاؤه الأول مع أدب أمريكا اللاتينية برواية "مئة عام من العزلة" التي أهداه إياها أحد أصدقائه الإسبان، ليُؤخذ بذلك السرد العجائبي لغابرييل غارسيا ماركيز، ما جعله يحسم أمره ويمزق مخطوط روايته الأولى، ويغادر حلمه الأثير بأن يكون روائياً معروفاً "أن تكون مترجماً مهمّاً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً"، ليشرع بترجمتها، وداوم على ذلك لاحقاً بعد إنهاء دراسته في معسكرات الجيش أثناء تأديته الخدمة الإجبارية في سورية، قبل أن يتوقف بعد صدور أول ترجمة عربية للرواية بقلمي سامي وإنعام الجندي.. لكن ظل في نفسه شيء من هذا العمل، حتى بعد أن تُرجِم أكثر من مرة، وكان على القارئ العربي أن ينتظر حتى عام 2005، لتصدر الرواية بعربيّة علماني.

اقرأ أيضاً: هل يرحل الشعراء: عن الكتابة الحيّة لأمجد ناصر في لحظة الاحتضار
دفعَهُ حرص التّرجمان إلى الانتساب لجامعة دمشق، ودراسة الأدب العربي، حتى يتسلح باللغتين؛ العربية والإسبانية، ويذكر الروائي والقاص الفلسطيني رشاد أبو شاور أنّ أول عمل ترجمه صديقه صالح كتاب صغير عن شاعر التشيلي بابلو نيرودا، ولكن لم تلتفت إليه الأنظار إلا عام 1979، بعد أن انتهى من ترجمة رائعة ماركيز "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" لتتسابق بعدها دور النشر للتعامل مع هذا المترجم الواعد، "كنت أعمل في وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) وذهب عبدالله حوراني (من دار الفارابي) إلى مدير دائرة الثقافة وسأله: ماذا يعمل صالح علماني معكم، فأخبره لا أعرفه، وبعد أن سأل، أخبروه أنني أعمل محرراً في الوكالة، فقال لا هذا احبسوه معكم في غرفة وخلوه يترجم فقط!"، وكان من ضمن متابعيه محمود درويش أثناء عمله محرراً في مجلة "شؤون فلسطينية"، بعد أن وقع على نسخة مترجمة له لأشعار "رافئيل ألبيرتي" ليعلق درويش "هذا الرجل ثروة وطنية ينبغي تأميمها"، ويطلب من الشاعر أحمد دحبور التواصل مع علماني، وإخباره بنية المجلة نشر بعض هذه الأشعار المترجمة.

الترجمة أداة للديمقراطية

الترجمة في نظر علماني، أداة للديمقراطية تتساوى فيها جميع اللغات، ولكنه يؤمن أنّها في الوقت نفسه ضرب من الخيانة الأمينة؛ لأن الترجمة الحرفية كما يعترف جريمة لا تغتفر "المنطق البلاغي بين لغتين قد لا يتقاطع دائماً.. لا يمكن لأي مترجم أن يختفي وأن يتلاشى، هذا مستحيل.." لكنه يرى أنّ "الخيانة" الآن أقل مع التقدم التقني؛ لأن المترجم أصبح يطّلع الآن بكل سهولة على حقيقة المنطقة والثقافة التي يترجم عنها، "عندما تواجهني كلمة أبحث في غوغل عنها، وأطلب معرفة معناها في منطقة البيرو وأحصل على المعنى فوراً ... هذا سهّل عمل المترجم وقلل خيانته".

اقرأ أيضاً: يا أمجد ناصر: الإنسان لا يفنى وإن فني الوجود بأسره

كرس علماني حياته لترجمة الأدب المكتوب بالإسبانية، لكنه لم يقاوم في عام 2006 إغراء ترجمة الديكاميرون للإيطالي بوكاشيو، وكانت هذه أوّل مرّة ينقل فيها عملاً من اللغة الإسبانيّة لم يكتب بها، بعد أن رأى أنّ سبعة قرون فترة امتدت أكثر مما يحتمل، لنقل "ألف ليلة وليلة الإيطالية" كاملة إلى العربية؛ فهو ما يزال ينظر إلى الترجمة بوصفها في الدرجة الأولى علاقة حبّ مع النص. "أحب رواية "الحب في زمن الكوليرا" كثيراً، أحبها لأنني أحبها لا لأمر آخر، أحبها ليس لأنني ترجمتها، بل لأنني قرأتها أولاً".

حلم استحال إلى لجوء

بعد أن تحسنت أحواله المادية نسبياً لم يطل مقامه في "الحجر الأسود" بحثاً عن حياة أهدأ، فغادره مع زوجته وابنيه عمر ولارا ليبتني بيتاً في معضمية الشام. كان يعمل عشر ساعات يومياً، وهو منبطح على الأرض قبل أن يشتري آلة كاتبة استغنى عنها بجهاز الحاسوب، "أقرأ النص خمس مرات، ثم أترجمه مباشرة على شاشة الكمبيوتر. وعندما أنجز بضع صفحات، أقرأ النص الذي ترجمته بصوت عال لمعرفة الإيقاع السمعي للجملة".
عمل علماني مترجماً في السفارة الكوبية وموظفاً في وزارة الثقافة السورية لسنوات طويلة قبل تقاعده عندما بلغ الستين، وبحكم علاقته التي وثقها مع "ثورة المعلومات" ما فتئ ينبش في مواقع الكتب الإسبانية على شبكة الإنترنت، وعندما يعجبه كتاب جديد، يسارع إلى اقتنائه علّه يكون مشروع مولود ترجمة جديداً آخر.
لكم راوده حلم ببناء بيت ريفي في ضواحي دمشق، يكون محراباً لعمله، لكن أطاحت به قذيفة من "الربيع السوري" أتت على معظم بيته في المعضمية، لينتقل منه لاجئاً في مسقط رأسه سورية قبل أن يجبر على مغادرتها والإقامة في إسبانيا التي كرمته في عام 2015، عندما أعلنت "مدرسة طليطلة للمترجمين" عن منحه جائزتها السنوية للترجمة، في دورتها الأولى، مؤكدة أن "لا كرامة لنبيّ في وطنه".

رحلة صعبة أهلته للنجومية

نجح صالح علماني في تكريس نجوميّة المترجم؛ لأنه آمن أنّ الترجمة جنس أدبي قائم بذاته، وأنّ المترجم هو مؤلف مستقل آخر للترجمة يندمج مع النص ويعيد إنتاجه، لكنه ظل وفياً لتواضعه الذي ميزه طوال حياته، فرغم أنّه ترجم جميع أعمال ماركيز، إلا أنّه رفض ترجمة رواية "خريف البطريرك" التي يعدها بعض النقاد أهم أعمال صاحب "مئة عام من العزلة"، والتي نقلها إلى العربية عن الفرنسية محمد اليوسفي، وحين سئل علماني عن ذلك أجاب "لن يكون بإمكاني ترجمتها أفضل منه".
عناوين كثيرة مهمة لم يترجمها علماني، مرجعاً ذلك إلى "صعوبة تسويق الأسماء المجهولة إلى قرّاء العربية"، من جهة وإلى أنّ "دور النشر تلحق الأسماء الرائجة" من جهة أخرى، مستدركاً في إحدى تصريحاته على ما سبق "من المؤسف ألّا تصلنا أعمال الأرجنتيني توماس إيلوي، أو خوان كارلوس وينتي من الأوروغواي، هذا الروائي هو الأب الشرعي للواقعية السحرية".
لم تكن رحلة "كولونيل الترجمة" سهلة، بل كافح ليصل إلى قلوب القراء، ويحصد محبتهم؛ فقد باتوا يدركون معنى كتابة اسم علماني على غلاف الكتاب، ليكون جديراً بالاقتناء، وعن ذلك قال في مداخلة له بأحد المؤتمرات: "إن مهنة المترجم دائماً في الظل؛ لأنه يقدم شخصاً آخر، والمصادفات وحدها هي التي جعلتني نجماً. وأقبل محبة الناس لكنني أخجل، وأرجو لكل المترجمين حظاً مثل حظي في الشهرة".

علماني من أهم المترجمين العرب الذين طوعوا الإسبانية لتنطق بالعربية مع أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة وشعر

علماني الأكثر وفاء لخيانة الترجمة

المترجم العراقي الدكتور محسن الرملي في حديثه مع مدونة وطن   "eSyria" قال عن "عرّاب أدب أمريكا اللاتينية": "إن الحديث عن صالح علماني يقتضي تذكر عبارة تقول: "إن الترجمة خيانة"، فإذا كانت كذلك، فإن أكثرنا وفاء لهذه الخيانة هو صالح علماني".

بفضل دأب وصبر وشغف صالح علماني، صرنا نتوافر على الأعمال الكاملة لأبرز كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية

وأضاف الرملي "صالح علماني درسٌ حيّ وتاريخي لنا جميعاً نحن المترجمين، حيث تخلى عن كل شيء، ليجعل الترجمة طريقاً وهدفاً له، تخلى عن دراسته الأكاديمية، وتخلى عن الكاتب فيه لمصلحة المترجِم فأذاب الروائي في المترجِم كما تذوب قطعة سُكّر في قدح الشاي، لذا نلمس هذه العذوبة في أسلوبه لكل ما ترجمه. وقد راهن علماني على الترجمة ولم يخسر، فحقق شهرة تفوق شهرة الكثير من الكُتاب، حيث لا تكاد تخلو أية مكتبة عربية عامة أو خاصة من كتاب يحمل اسمه".
وفي مقالة له نشرت في صحيفة "القدس العربي" روى الروائي والقاص الفلسطيني رشاد أبو شاور علاقة تربطه بصديقه وجاره صالح علماني قائلاً: "صالح علماني وأنا عشنا لسنوات جارين في (الحجر الأسود) جار مخيم اليرموك، الذي لا يفصله عنه سوى شارع الثلاثين، وتتداخل سبل الحياة بينهما، ففي الحجر أسر فلسطينية كثيرة، والمخيم موئل، كان هكذا قبل تفجّر الاقتتال".

ويمضي أبو شاور في حديثه عن تجربة علماني قائلاً: "بعد معركة بيروت غادرت إلى دمشق، فالتقيت بجاري صالح الذي أقام في الحجر الأسود مع زوجته مستقلاً عن بيت أسرته، فكان أن تساءل بحيرة: لقد فقدت كتاباً ترجمته عن بابلو نيرودا، ولا أدري أين أضعته! قلت له: يا صالح: أذكر أنني حملته إلى بيروت، وأن الدكتور الكيالي وعد بنشره. رد: لا أتذكر".

المفاجأة التي وقعت فيما بعد يقصها أبوشاور "ذات يوم كنت أمر بمكتبة (النوري) المقابلة للبريد المركزي، في دمشق، وكالعادة دخلت إليها، وبدأت أتصفح المنشورات الجديدة.. فإذا بي، ويا للمفاجأة السارة، أجد كتاب نيرودا الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية. كانت فرحة صالح كبيرة عندما فاجأته بنسختين من الكتاب".

ترجمات علماني ماركة مسجلة!

ويمضي أبو شاور بالثناء على علماني "المبدع الكبير، المثقف الرقيق النبيل"، مخاطباً إياه: لست وحدك الفلسطيني الذي يتعذب ويشقى بفلسطينيته، ولست وحدك من يعتز بهذه الفلسطينية التي يحملها صليباً يمضي به في هذا العالم، لا متمسكناً، ولكن معطاء، رغم الصدمات، والمحن، ورحلة الآلام التي يبدو أنها لن تنتهي في المدى المنظور.

وكان الشاعر والأديب الأردني الراحل أمجد ناصر، قد وصف ترجمات علماني بعلامة الجودة المسجلة، حيث كتب في إحدى مقالاته: "إننا نكاد أن نكون، اليوم، بفضل دأب وصبر وشغف صالح علماني، نتوافر على الأعمال الكاملة لأبرز كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية؛ مثل ماركيز وماريو فارغاس يوسا، وإيزابيل الليندي، إضافة إلى أصوات أخرى أقل شهرة عالمياً مثل؛ الفارو مويتس وغوليانو.. وقد لاحظت، شخصياً، في أكثر من معرض عربي للكتاب، مثقفين وقراء يسألون دور النشر عن ترجمات جديدة لصالح علماني بصرف النظر عن موضوع الكتاب أو هويّة الكاتب، فإن لم تكن هذه هي علامة الجودة المسجلة فما عساها تكون؟".

للمشاركة:

أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

2019-12-02

يقول المفكر المصري أنور عبد الملك (1924-2012) : "سميت بهذا الاسم تيّمناً بالفريق أول أنور باشا رئيس هيئة الأركان العامة للجيش العثماني، ورائد حركة "الأتراك الشباب" ثم جمعية "الاتحاد والترقي" التي كان لها أبلغ الأثر على شباب الحركة الوطنية المصرية في مطلع هذا القرن".

أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها

ويستأنف عبد الملك، المولود في أسرة سياسية قبطية عريقة، حديثه عن المؤثرات التكوينية في شخصيته في مجلة المصور، والتي جمعته بعد ذلك في كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم" الصادر عن دار الهلال في شباط (فبراير) 1998 العدد 566، فيرى أنّ هذا الأب الوطني الذي قضى كل يوم بين الثالثة والثامنة من عمر المفكر أنور عبد الملك، يعلمه التاريخ والجغرافيا وحضارة مصر والاكتشافات البحرية وتاريخ المعارك الكبرى، وكثيراً ما ردد على مسامع الفتى الصغير: "عندما تصبح رجلاً تتولى هذه الأمور مع زملائك، مثلنا اليوم" ليصبح الانضمام للحركة الوطنية هو المؤثر الأول في تكوينه، والمؤثر التكويني الثاني "مدرسة العائلة المقدسة" لهيئة اليسوعيين (1929-1940) في القسم العربي منها، وهي المدرسة المرموقة لمن أراد أن يجمع بين التكوين الفكري والروحي والأخلاقي، والوطنية الجارفة وحب مصر، كما فتحت أمامه أبواب التعمق في آداب اللغة العربية.

توفي الأب عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين عاماً في العام 1932، لتضطرب أحوال الفتى؛ حيث كانت الظروف الاقتصادية غاية القسوة، وسعى أصدقاء والده إلى سد الفراغ المعنوي الذي تركه الوالد، فيذكر منهم عبد الملك عمه فؤاد بيك عبد الملك مؤسس "جمعية أصدقاء الفنون الجميلة"، والمشارك في توجيه العديد من المؤسسات، مثل: "الجمعية الزراعية الملكية" و"الجمعية الجغرافية الملكية"، ومستشار الملك فؤاد ثم الملك فاروق، وعبد الحليم البيلي بيك قائد جماعة "اليد السوداء" التي شارك فيها الأب.

في القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري

انجذب عبد الملك إلى القراءة، فكان يقرأ كتاباً كل يوم خلال وبعد ساعات الدراسة، ونتيجة لتدهور أوضاع الأسرة الاقتصادية عمل الفتى في "البنك الأهلي المصري" من خريف العام 1940 حتى ربيع العام 1943، ثم انتقل موظفاً في البنك العقاري المصري ثلاثة أعوام بالقسم القانوني (1943- 1946)، وبعد الانتهاء من العمل اليومي درس اللغة الإنجليزية لأربعة أعوام في المعهد البريطاني، ليحصل على الثانوية العامة البريطانية والتوجيهية المصرية في العام 1944.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأ عبد الملك في البحث يميناً ويساراً عن حل ومخرج لأزمة مصر التاريخية، كدولة خاضعة للاحتلال البريطاني، ملتهماً الكتب السياسية والفلسفية؛ حيث أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب العالمية، لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها، وقد حدث هذا بعيد الحرب العالمية الأولى، فلِمَ لا يتكرر بعيد الحرب العالمية الثانية؟!

كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم"
تساؤلات تلو تساؤلات تعصف بعقل أنور عبد الملك حول معنى التحرير، أو الاستقلال الحقيقي بعد أن ثبت أنّ معاهدة 1923 لم تمنع مصر من أن تصبح دولة تابعة للاحتلال الغربي والسيطرة الاقتصادية والسياسية للحليف البريطاني؟ ما العلاقة بين الاستقلال الحقيقي والنظام الداخلي السياسي؟ كيف يمكن تأمين سيادة القانون وتمثيل إرادة الشعب في البرلمان والحكم وكذا دعم الاقتصاد المصري زراعة وصناعة ومالاً؟ ثم ما العلاقة بين هذا كله والمعاني الكبرى التي أحاطت بتحرك مصر منذ منتصف القرن الثامن عشر وخاصة منذ محمد علي وثورة العام 1881 وكذلك ثورة العام 1919، وما تلاها من وثبات ثورية شعبية حادة؟ وما العلاقة بين الثورة والنهضة؟

كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية

ومع تلك القراءات العريضة اكتشف الفلسفة؛ فأحب محاورات أفلاطون، والفلسفة التساؤلية وأشعار أبي العلاء المعري والفارابي وابن سينا، واكتشف مقدمة ابن خلدون وفلسفة التاريخ الهيجيلية، وكتب الموسوعيين الفرنسيين، وبعد المقاومة البطولية للاتحاد السوفييتي والتضحيات التي قدمها الشعب السوفييتي وانتصاره على النازية، بدأ جيل كامل في الالتفات إلى تلك التجربة التنموية والعسكرية الجبارة، فبدأ عبد الملك يقرأ في التراث الاشتراكي الماركسي، ومدارسه المتنوعة التي حققت على أرض الواقع انتصارات هائلة، مثل: الماوية التى كتب عنها الصحفي الأمريكي "ادجار سنو"  كتابه: "النجم الأحمر فوق الصين"، والذي كشف حقيقة ثورة الصين التحررية.

اقرأ أيضاً: إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"
بدأ عبد الملك يجمع أصدقاءه لعقد حلقة لدراسة الاشتراكية وسبل تحرير مصر، حوارات وسجالات ساخنة جمعت الفتى وأصدقاءه حول تلك التساؤلات التي كانت عبئاً حقيقيّاً على هذا الجيل، الذي كان على موعد مع القدر والصراع ضد الدولة، والدخول معها في معركة تكسير عظام.

جلس الشاب أنور عبد الملك إلى المرشد العام حسن البنا يستمع لخطبته الأسبوعية، ويتحسس معها استجابات الجمهور ليتعرف على مشاعر وتوجهات إخوانه في الوطن.

ومع تجربته السياسية يعود إلى عالم الفلسفة، ليعيد اكتشاف هيجل ويربط مقولاته بمقولات "كتاب الموتى" المصري القديم، ومنه إلى ماركس:"لقد اكتفى الفلاسفة حتى الآن بتفسير العالم، وقد آن الآوان لتغييره"، وربط تلك المقولة بقول الله في كتابه الكريم:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" الصلة التي لا تنفصم بين الفكر والعمل.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني

وتأخذ التجربة منعطفاً جديداً حينما قابل أنور عبد الملك مفتش اللغة الإنجليزية شهدي عطية الشافعي في دار الأبحاث العلمية، ليصبح انضمامه إلى الحركة الاشتراكية واقعاً لا لبس فيه، وتدور ماكينة الاعتقال في عهد رئيس الوزراء إسماعيل صدقي، فيهرب حتى يتم الإفراج عمن تم اعتقالهم.
ويصر نسيبه الأستاذ الدكتور جرجس متى، على الاستمرار في التعليم الجامعي، فيستثنيه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من الروتين، ويلتحق بقسم الفلسفة جامعة عين شمس، ويلتقي بالدكتور عبد الرحمن بدوي في قاعة المحاضرات، ويصبح من حوارييه برغم اختلافهما، فأستاذ الفلسفة وجودي النزعة يعلي من الذاتية والفردية، والطالب ماركسي شديد الإيمان بحتمية تثوير الواقع، يقول أنور عبد الملك: "تعلمت منه، على وجه التخصيص، أنّ واجب المفكر المصري أن ينكب على أصول الفكر والثقافة الوطنية ليطورهما". وكان لبدوي الفضل في اختيار عنوان لموضوع رسالة دكتوراه الدولة في الآداب التي تمت بين (1955-1969) عن "تكون الأيديولوجيا في نهضة مصر القومية (1805-1892) بعيداً عن فلسفة التاريخ عند هيجل، الموضوع الذي استوقفه قبل أن يرى أستاذه بدوي، وينجح في فرنسا، وينضم للمركز القومي للبحث العلمي بباريس في العام 1960م، ليصبح مدرساً ثم أستاذاً للأبحاث، ثم مديراً للبحوث عام 1970.

اقرأ أيضاً: أكاديمي فلسطيني متخصص في حل النزاعات من دون إحراق المراكب
كان هدف عبد الملك من وراء أطروحته الجامعية أن يعي لماذا أقصى جمال عبد الناصر اليساريين، وأودعهم المعتقلات التي دمرت الأغلبية منهم في "أبي زعبل" ثم "الواحات"، فخرجت تلك الأفكار في كتابه "نهضة مصر".
وتتكرر نصائح عبد الرحمن بدوي لتلميذه النجيب، وينصحه أن يقرأ لمارتن هيدجر صاحب "الزمن والكينونة"، فتجذبه دراسته "ما الميتافزيقا"، ويكتشف مع هيدجر أنّ العقل أعدى أعداء الفكر، فالفكر مقولة تستوعب العقل والتحليل والتركيب والعيان الوجداني والإيمان ومنهج واقعية الإنجاز العلمي.

 كتاب "نهضة مصر"
وفي العام 1943، يجد بالصدفة كتاب "الزمان، النهر المنعش" في مكتبة الأنجلو المصرية لجوزيف نيدهام، ليجد فيه مزيجاً من التنقيب في الاشتراكية، وفي الأديان، وحضارات الشرق، والعلاقة بين التحليل الفلسفي وعلم الفيزيولوجيا والطب، ويراسل عبد الملك الكاتب، ويدعو نيدهام الشاب إلى زيارته بجامعة كامبريدج، ليكتشف معه معنى الشرق الحضاري .
وفي القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي، ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري، ويتزامن مع الحديث عن الإسلام الحضاري موجة تجديد لاهوتي وحضاري في الكنيسة الكاثوليكية، تحت عنوان لاهوت التحرير على يد الرئيس الأعلى السابق لهيئة اليسوعيين "بيدرو أروبيه"، الذي آمن بالحوار بين الحضارات والتثاقف بينهم.

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني
في العام 1963 نشر أنور عبد الملك مقالة بعنوان "الاستشراق في أزمة" في مجلّة "Diogène" (ديوجين). ألقت المقالة حجراً في بحيرة راكدة، وقوبلت بهجوم حادّ بعدما عدّها كثيرون "تصفية حساب مع الغرب". لكنّ عبد الملك التزم الصمت تجاه منتقديه حتى جاء إدوارد سعيد وأخذ الفكرة إلى آفاق أوسع. أحدثت المقالة ضجة واسعة في صفوف علماء الاستشراق الغربيين حتى أنّها أخرجت بعض العلماء عن صمتهم الذي اعتادوا عليه، فنشروا ردوداً على هذه المقالة التي تصف الاستشراق بأنّه في أزمة أخلاقية؛ بسبب صلة هذا العلم بالحملات الاستعمارية التي قام بها الغرب في دول الشرق، فكان رائداً في مجال نقد الدراسات الاستشراقية؛ وقد سببت له هذه الدراسة عزلة عميقة في الوسط الأكاديمي الغربي، لم يخرج منها سوى بالعودة إلى القاهرة.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته، ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية، مثل: ريح الشرق، في أصول المسألة الحضارية، تغيير العالم؛ رافضاً وجود قالب غربي واحد ثابت تتشكل داخله الحضارة، دون مراعاة للخصوصيات الثقافية.
توفي عبد الملك في 17 حزيرا (يونيو) العام 2012 بباريس؛ حيث كان يقيم عن ثمانية وثمانين عاماً، ليترك للأجيال من بعده تراثا فكريّاً، واجتهاداً أصيلا في معنى وشروط تقديم نموذج حضاري مختلف.

للمشاركة:

أي دور للسفير مسجدي في تثبيت أركان الحكم العراقي؟

2019-11-25

إذا كان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، قد عُرف على نحو واسع، عربياً وغربياً، بوصفه "مهندس" الحكم العراقي، لجهة تثبيت رجال إيران في حكم البلد الذي دخل معها في حرب مدمرة، فإنّ قليلاً من الضوء تمّ تسليطه على رجل إيران الحقيقي في العراق، و"سفيرها" ببغداد؛ العميد إيرج مسجدي.

اقرأ أيضاً: هل يستسلم ساسة العراق ولبنان للناس؟
ظلّ الرجل، لأعوام طويلة، نائباً لقاسم سليماني، و"القائد الميداني لإدارة العراق"، بحسب أوامر زعيم الثورة الإيرانية، علي خامنئي، حين كان مسؤولاً عن المجموعات العراقية المعارضة قبل الغزو الأمريكي، عام 2003، خاصة تلك المرتبطة، فكرياً وتنظيمياً وعسكرياً، بنظام طهران، مثل: "فيلق بدر"، و"الجناح العسكري السري" لـ "حزب الدعوة الإسلامية"، وقوات البشمركة الكردية.
لاحقاً، وبعد صعود تنظيم داعش، كان لمسجدي دور بارز في تأسيس قوات الحشد الشعبي وتسليحها وتنظيمها وإبراز القادة والتنظيمات من المجموعات الموالية لطهران حصراً بين صفوفها.

مسجدي يلقي كلمة في اجتماع مع القيادات العشائرية والدينية العراقية
وفي الحديث عن قمع وحشي للتظاهرات العراقية؛ هناك من يلفت إلى "تقارير مستقاة من داخل النظام الإيراني"، تكشف أنّ "القوى القمعية للانتفاضة العراقية والتي فتحت النار على المتظاهرين، والتي تشمل قوات الحشد الشعبي والقوات الأمنية، تعمل جميعاً تحت قيادة إيرج مسجدي".

ظلّ مسجدي لأعوام طويلة نائباً لقاسم سليماني و"القائد الميداني لإدارة العراق" بحسب أوامر زعيم الثورة الإيرانية علي خامنئي

الرجل المولود 1957 في خوزستان العربية، جنوب غرب إيران، متحصّل على "بكالوريوس في التاريخ"، و"ماجستير دراسات إستراتيجية"، عمل أستاذاً في مختلف جامعات بلاده، لكنّه عرف خلال عمله ضمن المناصب السياسية والأمنية والاستشارية الخاصة بالقضايا السياسية والدفاعية والثقافية والاقتصادية المتعلقة بالعراق، التي كان قد دعمها باتصالات وعلاقات مع أركان الحكم العراقي بعد 2003.
هو الرجل الثالث من أركان الحرس الثوري الذين يعملون كسفراء في العراق؛ فبعد حسن كاظمي قمي (2003- 2010)، جاء حسن دانائي فار (2011 -2017)، ليخلفه مسجدي، في 11 نيسان (أبريل) 2017؛ حين سلّم نسخة من أوراقه سفيراً لبلاده، التي كانت استثمرت قضية الحرب على داعش لتمسك بالعراق فعلياً، سياسياً وأمنياً، إثر انكفاء الولايات المتحدة وخسارتها البلاد التي غزتها على أمل أن تجعلها "مثالاً يحتذى في المنطقة".

اقرأ أيضاً: في العراق.. لماذا يرفض الشيعة تدخل إيران؟
جاء العميد إيرج مسجدي، سفيراً إلى بغداد من منصبه رئيساً لأركان "قوات الحرس الثوري خارج الحدود"، التي تحمل عنوان "مقر رمضان"، وهو المنصب الذي شغله منذ الحرب العراقية الإيرانية، حين كان يشرف على حرب العصابات التي كانت تشنّها "قوات المعارضة الكردية العراقية" على جيش بلادها.
مسجدي خلال تقديم أوراق اعتماده إلى رئيس الجمهورية فؤاد معصوم 2017

"مقر رمضان" أي دور في العراق بعد 2003؟
تردّد مسجدي، مراراً وتكراراً، على المدن العراقية، بما في ذلك بغداد والناصرية والبصرة والعمارة والنجف وكربلاء، لتنشيط وجود القوى العراقية المرتبطة به وزعمائها مثل: هادي العامري (بدر)، وأبو مهدي المهندس، وأبو بلال أديب (حزب الدعوة)، وحسن الساري (المجلس الأعلى)، وغيرهم، للمضي قدماً في تبييت النفوذ الإيراني وتوسيعه في العراق.
وظلّ أبو مهدي المهندس، القائد الفعلي لقوات الحشد الشعبي العراقي، مثالاً بارزاً لقوة نفوذ مقر رمضان في العراق، فالرجل، واسمه الحقيقي جمال إبراهيم، وهو أحد القادة الكبار والقدامى في "فيلق القدس"، قضى فترةً في "كلية القيادة وهيئة الأركان" التابعة لجامعة قوات الحرس، المعروفة باسم "جامعة الإمام الحسين".

مسجدي: خروج القوات الأمريكية من المنطقة مطلب إيراني لأنّ هذه القوات لا تقوم بأيّ شيء بنّاء أو إيجابي

وعام 2007؛ أنشأ مقر رمضان أربع قيادات ميدانية في محافظات إيرانية مجاورة للعراق: نصر في أذربيجان، ورعد في كردستان، وظفر في كرمنشاه، وفجر في خوزستان، لتدريب عناصر المجموعات المسلحة العراقية الموالية لطهران للهجوم على القوات الأمريكية والعراقية المتحالفة معه.
وقبل وصوله إلى العراق سفيراً، وتحديداً في الأعوام بين 2012-2015، أشرف مسجدي على نقل عناصر الميليشيات العراقية الموالية لنظامه إلى سوريا والقتال دفاعاً عن نظام الأسد.
وكان مسجدي قد عمل في تشكيل "الحشد الشعبي"، عام 2014، قائماً لا على تنظيم التسليح مدفوع الثمن من قبل الحكومة العراقية؛ بل على جعل عقيدة تلك القوات موالية لنظام ولاية الفقيه؛ قلباً وقالباً.

اقرأ أيضاً: التمدّد التركي في العراق.. هل يقف عند حدود الاقتصاد؟
ولأنّه سفير من النوع العسكري! فالرجل لم يراعِ أبسط الشروط الدبلوماسية التي تراعي "السيادة" العراقية حين هدّد بضرب القوات الأمريكية في العراق، أو أيّ مكان آخر، إذا تعرضت إيران لأي هجوم من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.

مسجدي مع رئيس البرلمان محمد الحلبوسي
وخلال مقابلة مع إحدى القنوات التلفزيونية العراقية، أشار السفير الإيراني إلى أنّ "خروج القوات الأمريكية من المنطقة مطلب إيراني؛ لأنّ هذه القوات لا تقوم بأيّ شيء بنّاء أو إيجابي"؛ بل شدّد على أنّ بلاده "طالبت رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، بإخراج الأمريكيين من العراق".
وكالعادة، جاء ردّ العراق ناعماً ومهذباً، فأكّد الناطق باسم وزارة الدفاع، اللواء تحسين الخفاجي، رفضه أن تصبح بلاده ساحة للصراع بين أيّ متصارعين، وقال الخفاجي في تصريحات متلفزة: "العراق يرفض التهديدات التي تطلقها إيران أو الولايات المتحدة، مؤكداً أنّ "الأراضي العراقية خطّ أحمر، ولن نسمح باستخدامها ضدّ أحد".

اقرأ أيضاً: ما مدى جدّية المعارضة في تعاطيها مع الاحتجاج الشعبي في العراق؟
الخفاجي، وعلى جاري تصريحات قيادات بلاده، أكّد أنّ "العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على إيران".
من جهتها، ردّت الولايات المتحدة على تهديد مسجدي، في تصريح ورد على لسان غابريال صوما، عضو المجلس الاستشاري للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وصفها بأنّها "تندرج ضمن إطار التهديدات التي يطلقها المرشد الايراني علي خامنئي، ورئيس الجمهورية حسن روحاني".
وقال صوما: إنّ "تصريحات مسجدي جزء من التهديدات التي تطلقها إيران من خلال خامنئي أو روحاني، لكن، بصراحة، الولايات المتحدة الأمريكية لا توجد لديها نية بالقيام بأيّ عمل عسكري ضدّ إيران، في الوقت الحاضر".
مسجدي مع رئيس اقليم كردستان نجيرفان بارزاني

خرج من القاعة حين جاء ذكر شهداء العراق
قبل ذلك، وفي احتفال "تحالف البناء" الخاص بتأبين "شهداء العراق"، طلب عريف الحفل من الحضور الوقوف احتراماً "دقيقة صمت" إجلالاً للشهداء، وكان السفير الإيراني، إيرج مسجدي، حاضراً، ويقف في الصف الأول، برفقة كبار قيادات البلاد ومسؤوليها، لكنّه ترك القاعة، في تصرّف وصف بأنّه "يفتقر إلى أبسط مبادئ اللياقة والأخلاق، ويعدّ احتقاراً واضحاً للعراقيين وشهدائهم الأبرار".
وفي باب التوضيح وتبرير الموقف، أكّدت السفارة الإيرانية في بغداد؛ أنّ مسجدي "لم ينتبه إلى الوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء العراق، فانسحب".

اقرأ أيضاً: هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟
وذكر المستشار الإعلامي للسفارة الإيرانية في بغداد، ذو الفقار أمير شاهي، في بيان صحفي؛ أنّ "السفير الإيراني في بغداد إيرج مسجدي، حضر الحفل منذ البداية، وأتمّ جميع فعالياته التي كرّمت الشهداء العراقيين، ثم قرأ سورة الفاتحة على أرواحهم، وغادر في لحظة قيام الحضور، دون الانتباه إلى أنّ ذلك كان وقوفاً في دقيقة الصمت، وليس ختاماً للحفل".
واستغرب شاهي ما قال إنّه "تأويل خاطئ للمشهد"، بينما نشر فريق التواصل التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، مقطع الفيديو الذي يظهر انسحاب السفير مسجدي، من جلسة الاحتفال، وقال الفريق في تغريدة على صفحته الرسمية في "تويتر": "شاهد.. لحظة انسحاب السفير الإيراني في بغداد عندما طلب من الحاضرين الوقوف احتراماً لمن قدموا أنفسهم دفاعاً عن العراق، لا يمكن وصف مثل هذا التصرف بأقل من عدم الاحترام للشعب والدولة المضيفة، إن لم يكن خروجاً فاضحاً عن أعراف الدبلوماسية، لكن متى اعترف النظام في إيران بأيّ عرف دبلوماسي؟".

للمشاركة:



الاحتجاجات العراقية مستمرة.. آخر تطوراتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

توافد آلاف المتظاهرين إلى ساحة التحرير وسط بغداد، الخميس، وشارك في التظاهرات عدد من مناصري الحشد الشعبي، رافعين شعارات مؤيدة للمرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني.

وذكرت مصادر من ساحة التحرير نقلت عنهم "العربية"؛ أنّ التظاهرة خرجت بحجة دعمها للاحتجاجات السلمية المطالبة بالحقوق المشروعة للعراقيين، وقطع الطريق على "المخربين"، مبدية تخوفها من إمكانية حصول أيّة احتكاكات أو صدامات، ما قد يشكل خطراً على المتظاهرين الذين ما يزالون منذ أكثر من شهر في ساحات بغداد.

التظاهرات في بغداد تستمر، بمشاركة عدد من مناصري الحشد الشعبي الذين رفعوا شعارات مؤيدة للسيستاني

هذا واستمرت أيضاً التظاهرات في المحافظة الجنوبية، وسط دعوات لعدم وقفها حتى تحقيق المطالب.

ونقلت وكالات أنباء محلية؛ أنّه تمّ فتح جميع الجسور في الناصرية (مركز المحافظة) باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً، حداداً على أرواح القتلى الذين سقطوا خلال الاحتجاجات.

من جهته، أكّد قائد عمليات الرافدين، اللواء جبار الطائي، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء العراقية؛ أنّ الوضع الأمني في ذي قار مستتب والدوائر الرسمية والمؤسسات ستشهد عودة الدوام الرسمي.

فتح جميع الجسور في الناصرية باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً حداداً على أرواح قتلى الاحتجاجات

كما شدّد على أنّ جميع الدوائر الرسمية تحت حماية قوات الأمن في الوقت الحالي، مضيفاً أنّ "هناك تعاوناً كبيراً مع المتظاهرين في ساحة الحبوبي".

وكانت مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار، قد شهدت، الأسبوع الماضي، احتجاجات دامية أدّت إلى مقتل العشرات، ما أثار غضب الأهالي والمحتجين؛ حيث عمد بعضهم خلال الأيام الماضية إلى مهاجمة مركز الشرطة، قبل أن تتدخل بعض الوساطات العشائرية والمدنية بهدف تهدئة الأوضاع.

وأعلنت نقابة المحامين في المحافظة بوقت سابق رفع 200 دعوى قضائية ضد رئيس خلية الأزمة في محافظة ذي قار، الفريق جميل الشمري، من قبل ذوي الضحايا في المحافظة.

 وفي وقت سابق؛ أصدر القضاء مذكرة قبض بحق الفريق جميل الشمري، رئيس خلية الأزمة في ذي قار، المبتعث من قبل رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي.

يذكر أنّه في 27 و28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، شهدت الناصرية أحداثاً دامية أدّت إلى مقتل 32 محتجاً.

مفوضية حقوق الإنسان تعلن ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح

وعقب ذلك؛ أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، تشكيل لجنة للتحقيق في تلك الأحداث، وقال المتحدث باسم المجلس، عبد الستار بيرقدار، في بيان مقتضب في حينه: إنّ "مجلس القضاء الأعلى شكّل هيئة تحقيق مكونة من ثلاثة من نواب رئيس محكمة استئناف ذي قار، للتحقيق العاجل في عمليات قتل المتظاهرين خلال اليومين الماضيين".

ويشار إلى أنّ مفوضية حقوق الإنسان في العراق أعلنت، أمس، ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات خلال الشهرين الماضيين إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح.

ويشهد العراق، منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات حاشدة ومتواصلة في بغداد، والمحافظات الجنوبية، مطالبة برحيل النخبة السياسية المتهمة بالفساد وهدر أموال الدولة، والتي تحكم البلاد منذ إسقاط نظام صدام حسين، عام 2003.

 

للمشاركة:

إجراءات قطرية جديدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

اتخذت دولة قطر مؤخراً حزمة من الإجراءات، في محاولة لتجاوز الأزمة التي تخيم على اقتصادها، بسبب مقاطعة الدول الرباعية.

وقال مصدر مطلع، اليوم: إنّ قطر حددت بأثر رجعي سعر البيع الرسمي لخامها البحري، لشهر تشرين الثاني (نوفمبر)، عند 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق، وفق "رويترز".

 

 

وكانت قد ارتفعت أسعار التأمين البحري على البضائع وأجسام السفن بنسب تتراوح بين 50 و500%، خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعد عمليات الاستهداف التي طالت أكثر من ناقلة في المنطقة خلال الفترة الماضية، واستمرار التهديدات الإيرانية باستهداف ناقلات النفط ومنع تصديره عبر الخليج العربي ومضيق هرمز.

هذا وتشهد قطر، هبوطاً ملموساً في مختلف القطاعات المؤلفة للاقتصاد المحلي، وسط شحّ في وفرة السيولة، خصوصاً في النقد الأجنبي في السوق والقطاع المصرفي.

قطر تحدّد سعر البيع الرسمي لخامها البحري بــ 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق

وتواجه دولة قطر أزمة اقتصادية خانقة جراء المقاطعة الرباعية؛ إذ تأثرت جميع القطاعات الحيوية في البلاد، وأدّت إلى هبوط كبير في أحجام أنشطة القطاعات التي تدر دخلاً بالعملات الأجنبية، مثل: الطيران المدني، والسياحة، والتصدير، إلى جانب تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر الوافد إلى قطر، نظراً إلى تخوف المستثمرين من ظروف عدم الاستقرار التي قد تتعرض لها في ظلّ الأزمة، الأمر الذي فاقم الدين العام ليقفز إلى 91.7 مليار دولار، بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ورفع الدين الخارجي لقطر خلال عام 2018، بنسبة 37% على أساس سنوي؛ إذ سجّل ما يعادل 43.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 31.6 مليار دولار في 2017، بحسب بيان صادر عن مصرف قطر المركزي.

ورغم شحّ السيولة؛ فإنّ قطر واصلت استنزاف الأموال من السوق المحلية، وضخّها في سوق السندات الأمريكية، في محاولة لشراء المواقف الدولية.

 

 

للمشاركة:

القوات اليمنية تصدّ هجمات حوثية وتكبّدهم خسائر كبيرة..تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

قتل عشرات، وجرح آخرون، من ميليشيات الحوثي الإرهابية، أمس، خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته الميليشيات على مدينة حيس، وآخر في الجبلية بالتحيتا جنوب محافظة الحديدة.

وذكرت المصادر الميدانية في مدينة حيس، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ مليشيات الحوثي تركت جثث عشرات القتلى من مسلحيها الذين هاجموا مواقع القوات المشتركة شرق وشمال مدينة حيس.

وهرب مشرفو الميليشيات تاركين جثث قتلاهم المهاجمين بالقرب من مواقع القوات المشتركة.

مقتل وإصابة العشرات من ميليشيات الحوثي خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته على مدينة حيس والحديدة

وتصدّت القوات المشتركة لهجمات ميليشيات الحوثي على مواقعها شرق وشمال مدينة حيس، بالتزامن مع تصدّيها لهجوم آخر شنته المليشيات على مواقع القوات في منطقة الجبلية جنوب مديرية التحيتا.

وأضافت المصادر العسكرية؛ أنّ القوات المشتركة كبّدت ميليشيات الحوثي خسائر فادحة في العتاد والأرواح، خلال عملية التصدي للهجمات التي شنّتها المليشيات على تواصل مع التصعيد العسكري المستمر.

هذا وتحاصر القوات اليمنية الموالية للشرعية في محافظة الحديدة مليشيات الحوثي الانقلابية، بدعم من التحالف العربي بقيادة الممكلة العربية السعودية، منذ أواخر حزيران (يونيو).

ومن اليمن أيضاً؛ قالت مصادر محلية في صنعاء إنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية قامت بتوجيه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة، تسمى (مرشدات)، حيث تخضع المستهدفات بعد تعبئة استمارة لبرنامج تدريبي بدني وعسكري قاسِ .

ميليشيات الحوثي الانقلابية توجّه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة

وأكدت المصادر أنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية لجأت مؤخراً إلى تجنيد الطالبات في بعض مدارس أمانة العاصمة، وذلك من خلال توجيه تلقته المعلمات في المدارس .

هذا وتخضع الطالبات لتدريب عسكري شاقّ، ولفتت المصادر أيضاً إلى أنّ التسجيل يجري علناً داخل الفصول الدراسية في مدرسة القديمي، الواقعة في حي الجراف، وذلك بإشراف معلمة من مليشيات الانقلاب، تدعى "أمة الإله عبد الملك شرف الدين"؛ حيث تقوم هذه المعلمة بتدريب الطالبات عسكرياً، وتشرف على عمليات التجنيد في المدرسة.

 

للمشاركة:



ما الفرق بين احتجاجات الإيرانيين الحالية وسابقاتها؟ وما النتائج المحتملة؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-12-05

ترجمة: مدني قصري


بعد أن حلّل الباحث المشارك بجامعة لييج، ميشيل ماكينسكي، في الجزء الأول من الحوار، الأسباب المباشرة والأكثر عمقاً لاحتجاجات إيران الجارية منذ 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وردود الفعل من جانب السلطة، يعود في هذا الجزء إلى المتظاهرين وعددهم وأصولهم الجغرافية.

اقرأ أيضاً: قراءة عميقة في أسباب احتجاجات الإيرانيين الحالية
ويستحضر ماكينسكي، وهو مسؤول قانوني سابق في مجموعة دولية، ورئيس تنفيذي لشركة Ageromys International، في هذا الحوار مع موقع Les clés du Moyen-Orient، أحداث عامي 1999 و2009 ويوضح مدى اختلاف الحركات الحالية تماماً، من حيث تأثيرها على فئات متواضعة يائسة تتدهور ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق.

هنا نص الحوار:

كم عدد المتظاهرين، حسب تقديرات السلطة؟ حسب المنظمات غير الحكومية؟ ما هي المدن التي تتأثر بهذا الشغب؟
ذكرت Iranhumanrights.org في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي أنّ الاحتجاجات بدأت في 15 الشهر الماضي، في أكبر 50 مدينة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك قزوين وتبريز وأوروميا، وسافه. وذكرت وكالة فارس في 18 الشهر نفسه أنّ حوالي 87000 شخص، وفقاً لأجهزة الاستخبارات، شاركوا حتى ذلك الحين في المظاهرات. وهي تدعي أنّ عصابات من مثيري الشغب المدرّبين هي المسؤولة عن أعمال العنف. وذكرت فارس 1000 حالة اعتقال. وذكرت نفس المصادر مجموعات من 50 إلى 1500 شخص تجمّعوا في 100 مدينة. زُعم أنّ معظم الأضرار حدثت في محافظات خوزستان وطهران وفارس وكرمان. ووفقاً لوكالة فارس فإنّ مستوى العنف والتدهور، أعلى من مستوى عنف شتاء 2017/2018. وأبلغ مسؤولو حفظ النظام، من جانبهم، عن تجمّعات في مشهد وسيرجان وخوزستان (على الرغم من وجود النفط، فهي منطقة فقيرة)، بما في ذلك الأهواز. وتؤكد مصادر أخرى (حقوق الإنسان في إيران) أنّ اضطرابات كثيرة قد اندلعت بالفعل في مناطق كثيرة. وذكر شاهد علوي (إيران واير)، أصفهان، ودزفول، وعميدية.

في شيراز، يوم السبت، 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تسبّبت وفاة الشاب مهدي نيكوي في حدوث ردود فعل عنيفة. في خرمشهر، وفقاً لنفس المصادر، تصاعدت الاضطرابات وقتل شخصان، أحدهما شاب، على أيدي الشرطة. وكذلك الأمر في بهبهان التي شهدت 3 ضحايا.

اقرأ أيضاً: الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم
محافظة كردستان الإيرانية هي أيضاً مضطربة للغاية، خاصة في سنندج، عاصمتها، وكذلك جافانرود في محافظة كرمانشاه، وماريفان، وفقاً لهينغاو، المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان. كما تستشهد منظمة العفو الدولية، في تعدادها الذي بلغ 106 ضحايا، بالمواقع التالية: الأهواز، عبادان، بندر، مشهر وضواحيها  وهبهان، وبوكان، وبومهان، وأصفهان، وإسلامشر، وجافانرود، زكاراج، وكذلك كرمانشهر، وخورامشهر، وماريوان، وراهمورمز، ورباط كريم، وصدرة، وساننجاي، وشهريار، وشيراز، وسرجان، وطهران.

احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم حيّزاً مرئيًا في المسيرات

وقد ذكر راديو فاردا أيضاً الأحياء الفقيرة في مالارد، وشهر القدس Shahr Qods ، وشاردانجه قايل حسن خان وإسلام شهر في جنوب غرب طهران. يعكس هذا التوزيع التقسيم الكلاسيكي للحاضرة الكبرى. ومما لا يثير الدهشة، أنّ الأحياء "الميسورة" في الشمال لم تتحرك أو لم تتحرك كثيراً، كما في شتاء 2017/2018.
ليس من المستغرب، كما تلاحظ إيران واير  Iranwire، أنّ وكالات الأنباء الإيرانية لا تُنتج نفس أصداء أعمال الشغب التي وقعت في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الكاضي. يلاحظ شاهد علوي أنّ البعض قاموا بالإبلاغ ولكن ليس بنفس الطريقة التي أبلغ بها الأفراد على الشبكات الاجتماعية. وقد أمرت الوكالات الحكومية بعدم ذكرها. لقد ذكرت وكالة ايرنا IRNA الاضطرابات في سرجان دون ذكر الضحايا. لكن بعد أربعة أيام من المظاهرات، اعترفت وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام بوجود اعتقالات واسعة النطاق: في بعض المدن الكبرى، تم إجراء المئات من الاعتقالات، بما في ذلك أكثر من 60 في يزد. وقد أشار المتحدث باسم القضاء إلى أنّه قد تم اعتقال 100 من "قادة المظاهرات".

هل الحركة الحالية جزء من الحركة الطلابية لعام 1999 و"الموجة الخضراء" لعام 2009؟
من الواضح أنّ هذه الحلقة الجديدة لا علاقة لها بالحركة الطلابية لعام 1999، أو بأعمال الشغب والقمع الدموي الذي أعقب الاحتجاجات الهائلة للانتخابات الرئاسية لعام 2009، والتي سمح التلاعب فيها بالنصر الاحتيالي لفائدة أحمدي نجاد. لا تتشابه التركيبة الاجتماعية للمتظاهرين في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 لا مع مطالب الحركات الطلابية لعام 1999 ولا مع رفض المصادرة المدبرة من قبل المرشد وحراس الثورة لانتصار مرشح إصلاحي في 2009.

اقرأ أيضاً: ما سر دعم إيران لحركتي حماس والجهاد؟
نحن أمام وجود انفجار شعبي عبّأ فئات يائسة متواضعة تدهورت ظروفها المعيشية إلى مستوى لا يطاق. إن سكان المناطق الفقيرة في البلاد، والأحياء الفقيرة فيه، هم الذين خرجوا إلى الشوارع. لقد وصلوا إلى القشة التي قصمت ظهر البعير من خلال الإعلان عن زيادة في الوقود والغاز التي ستخنقهم بشكل لا يطاق، مما يهدد وسائط تنقلهم نحو عملهم دون حل بديل، ومع الزيادات الأخرى التي ستدمّرهم. لقد غضب هؤلاء الناس المتواضعون من هذه التدابير التكنوقراطية.

على النقيض من ذلك، من الواضح أنّه في مدينة ضخمة مثل طهران، لم تشارك الطبقة البرجوازية في هذه المظاهرات الاحتجاجية، حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بعواقب العقوبات، في المظاهرات الجارية. هؤلاء الأثرياء يخشون، مثل قادة البلاد، الاضطرابات والعنف التي قد تنجر عنها عواقب وخيمة. باختصار، هذه الطبقة الثرية لا تشعر بأنّها تتأثر بشكل حيوي بالشعارات والمطالب، حتى لو كانت فكرياً تفهم مضمون بعض هذه الشعارات. وصحيح  أيضاً أنّ الطلاب قد تحركوا قليلاً، خاصة في جامعة طهران وأصفهان وشيراز، لكنهم لا يمثلون الجزء الأكبر من المتظاهرين. يمكننا الاعتقاد أنّهم انضموا إلى المواكب المتظاهرة؛ لأنّهم لم يعودوا قادرين، مثل الآخرين، على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

اقرأ أيضاً: المصالحة السعودية الإيرانية.. هل هو سيناريو واقعي؟
لسنا إذن أمام مطلب ديمقراطي ذي أولوية كما كان الحال في عامي 1999 و 2009. إنّه ضرورة اقتصادية ملحّة من أجل العيش والبقاء. لا يطالب المتظاهرون أوّلاً بحرية التعبير، وبالإصلاحات للمجتمع المدني، وبمكانة أفضل للنساء. إنّهم يريدون أن يكونوا قادرين على دفع تكاليف النقل والغذاء والمأوى والأدوية. الإيرانيون غاضبون؛ لأنّهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم: التدخلات في سوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله ومجموعات أخرى ومساعدة حماس إلخ.

اعتمادات مالية لمساجد مهجورة
المتظاهرون يشعرون بالسخط بسبب الإعانات والاعتمادات المالية المقدمة للهياكل الدينية التي يرون وكأنها طفيليات (إيران بلد غالباً ما تكون مساجدها مهجورة خارج المهرجانات الكبرى) ولرجال الدين الذين لا يطيقون إملاءاتهم. إنهم لا يفهمون لماذا يتم تمويل العديد من الهياكل (المؤسسات، منظمات الحرس الثوري) بشكل غير متناسب والتي لا تدفع ضرائب، أو تدفع قليلاً. إنّهم لا يطيقون قضايا الفساد التي يظل مرتكبوها دون عقاب؛ لأنّهم محميون من شخصيات بارزة في النظام. أخيراً، هناك ظاهرة كلاسيكية، وهم السكان البسطاء، خاصة في المقاطعات، الذين يقوضهم الشعور بتخلي السلطة المركزية غير المبالية بأوضاعهم، عنهم، إلا عندما يتعلق الأمر بقمع تعبير سخط الساخطين.

لم تشارك الطبقة البرجوازية في مدينة ضخمة مثل طهران في هذه الاحتجاجات حتى وإن تأثرت ظروفها المعيشية بالعقوبات

إذا كان هؤلاء الساخطون ينتقدون الأمريكيين، فسخطهم لا يكون إلا فيما يتعلق بالعقوبات التي يرونها غير عادلة، والتي هم أول ضحاياها، في حين محظوظو النظام لا يتأثرون بعواقب العقوبات؛ بل ويستفيدون منها. إنهم يأخذون على الدولة سياستها الخارجية المتمثلة في التحدي والتي تؤدي إلى خنق البلد، وبشكل خاص أكثرها فقراً: فهذا الاحتجاج يسير في خط موجة أحداث شتاء 2017/2018 التي ترتبط بها بالعديد من أوجه التشابه وبعض الاختلافات النادرة. وفقاً لمريم سيناي (راديو فاردا)، يمكننا أيضاً مقارنة التطورات الأخيرة بأعمال الشغب في الأحياء الفقيرة في مشهد عام 1992 وإسلامهار، وهي من ضواحي طهران، في عام 1995 عندما أدت إصلاحات الرئيس رفسنجاني إلى زيادة التضخم إلى 50 في المائة.
وفي أحداث 2017/2018؟
كما في كانون الأول (ديسمبر) 2017، فإنّ "الأخبار السيئة" هي التي أشعلت أحداث العنف (2017، ارتفاع أسعار البيض، 2019 زيادة في سعر الوقود والغاز). في كلتا الحالتين، ضخّم اللومُ والانتقادات التي ذكرناها للتو، حجمَ السخط. وبالمثل، فإنّ التعبئة موجودة بشكل أساسي عند المجموعات السكانية المتواضعة، حتى لو اعتبر بعضُ المحللين أنّ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 قد جمع فئات على نطاق أوسع قليلاً. إنّ إلقاء القبض على العديد من النشطاء النقابيين، بما في ذلك سبيده قليان Sepidehh Qolian، قد يوحي بذلك، لكن ليس لدينا ما يكفي من العناصر لتقدير حجم ذلك. لقد ازداد التدهور السريع للاقتصاد منذ فصل الشتاء السابق. إنّ شدة العقوبات (الحد الأقصى من الضغط) منذ الانسحاب الأمريكي، وانهيار الريال، والتضخم الذي يتصاعد بشكل كبير، كل هذا ينذر بالخطر (حوالي 40 ٪ ، ويصل إلى 70 ٪ مع بعض السلع)، أضرت أكثر بالمحرومين ( ارتفاع النسبة المئوية للأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر) ولكنها تُوسّع أيضاً عدد السكان المعنيين.

لذلك ليس من المستغرب أن ينعكس هذا في علم اجتماع المتظاهرين. فكما كان الحال في 2017/2018، فإنّ امتيازات المؤسسات وبعض الهياكل التي ذكرناها للتو أعلاه، تعتبر في نظر الشعب غير محتملة. ولا يُستثنَى المرشد من ذلك. وكما أشار علي فتح الله نجاد في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) في مذكرة من معهد بروكينجز، فإنّ الادعاءات والشكاوى التي رافقت احتجاجات الشتاء السابق لا تزال قائمة.

اقرأ أيضاً: عُمان والكويت والإمارات تتحدث عن "فرصة" دبلوماسية مع إيران.. ما سياقها؟
الأحداث الأخيرة لا تُظهِر أعراضاً عن وجود تنسيق واضح من أي جهة. باختصار، فكما في المشهد السابق، لا يوجد "قائد جوقة" لا في الداخل أو في الخارج، ولا حتى "مؤامرة أجنبية". لا تزال الطبيعة التلقائية للحركات نقطة مشتركة (يمكننا مع ذلك أن نتساءل عن الأعمال العنيفة النادرة من جانب المتظاهرين الذين لم يتضح أصلهم بعد: يائسون، ساخطون أو عملاء محرضون من المحافظين المتطرفين و / أو المصالح الموازية؟). ذكرت مريم سيناء أنّ المحتجين والمعارضين تحدوا الرواية الرسمية للمسؤولية عن أعمال العنف. إنّهم ينسبونها إلى عملاء الحرس الثوري وعملاء "مصالح" في زي مدني.

وفقاّ لها (أي مريم سيناء)، فهم يذكّرون أنّ حراس الثورة مثل الباسيج يمارسون بانتظام "مناورات حضرية" في المدن الكبيرة للتحضير لتحييد وإبطال مفعول المظاهرات. من جانبنا، لا يمكننا أن نحسم هذه القضية. لقد وجدنا أيضاً في الفترة الأخيرة امتناع الإصلاحيين و"المعتدلين" (أتباع روحاني) الذين لم يوافقوا على المطالب الاقتصادية وكانوا، هذه المرة، أكثر تردداً في الانضمام إلى الإجراءات التي تميزت بتجاوزات عنيفة.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني يواجه أخطر أزمة في تاريخه
كما في عام 2017، لم تقتصر الشعارات على المطالبة بظروف معيشية أفضل. لقد وسّع المتظاهرون موضوعات شعاراتهم لتشمل مؤسسات ورؤساء النظام. لم تنجح الثورة في القضاء على الفقر، ومرة أخرى بدأ الشعب هذه المرة يفضح رؤوس النظام دون تمييز، معتدلين كانوا أو "متشددين". إنّه ينتقد روحاني، ولكن خامنئي أيضاً، ولا يتردد في حرق صور الرئيس كمرشد، ويصفه أحياناً كطاغية. سمعنا مرة أخرى: "عار على الطغاة" و"عدُوّنا موجود هنا، وليس في الولايات المتحدة" و"مباركة روح الشاه". هذه الشعارات والأعمال، اليوم كما كان الأمر من قبل، تشكل تحدياً للنظام، وليست مجرد امتداد للسخط الاجتماعي.

تجدر الإشارة إلى أنّ استحضار الشاه لا يعكس حركة جماهيرية تدعو إلى عودة الملكية، على عكس بعض الأوهام على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ولكن حركة تطالب بنهايةٍ شيطانية مطلقة. في الواقع، هاجم غاضبون ساخطون ما يقرب من 9 مقرات دينية ومكاتب صلاة الجمعة في جميع أنحاء البلاد. لقد احتلت الشعارات ضد رجال الدين الذين يهيمنون على البلاد والداعية إلى سقوطهم ("يجب أن يذهب رجال الدين إلى الجحيم")، كما من قبل، حيّزاً مرئيًا في المسيرات. يعتقد بعض المحللين أنّ هذه الهجمات تستهدف بالدرجة الأولى رجال الدين وليس الدين. لا تزال الاستمرارية موجودة في تحدي الالتزامات الإقليمية لإيران: أريد أن أعيش من أجل بلدي وليس لغزة، والمال للبلاد ليس للحرب، إلخ. الأجنبي لا يهم الشعب الذي يريد أن يُهتمّ به.

الإيرانيون غاضبون لأنهم يرون أنّ الأموال تُستخدم لأغراض أخرى لا تهمّهم كالتدخلات بسوريا والعراق واليمن ودعم حزب الله

مقارنة بموجات 2017/2018، يمكننا أن نسجل بعض الاختلافات. لم تكن نقطة الانطلاق مكاناً رمزياً ثابتاً مثل مشهد؛ حيث بدا أنّ إحدى مبادرات المتشددين بدأت لكي تتحدى روحاني في البداية، قبل أن تفلت من مروجيها تماماً.
ثانياً، في عام 2019، استعادت السلطات سريعاً سيطرتها على الموقف؛ حيث أعاق إغلاق الإنترنت التعبئة بشكل كبير. لكن على العكس من ذلك، وفقاً لعلي فتح الله نجاد، فقد ارتفع عدد المتظاهرين الذين قدرتهم الدولة بـ 42000 (وفقاً لوزارة الداخلية) إلى 87000 (وفقاً لجهاز الاستخبارات). هذا المحلل يلاحظ زيادة هائلة للمتظاهرين في شوارع طهران.
لقد ظهر اختلاف آخر ملحوظ: القمع الذي صار أكثر عنفاً؛ فالسلطات تريد أن تخنق هذه الحركة مباشرة قبل أن تتنامى وتعظم. لكن بشكل متماثل، وفقاً لنفس الخبير، أظهر المتظاهرون تصميماً متساوياً؛ حيث واجهوا دون خوف ودون تراجع قوات الشرطة، معبّرين عن غضبهم بشكل أكبر وأعمق بكثير. كانت حملة القمع معقدة بسبب تشتت المتظاهرين. لم يترددوا كثيراً في حرق صور المرشد، لكنهم هاجموا تمثال الإمام الخميني الأيقوني. كما هاجموا بعزم مكاتب الشرطة والباسيجي، ومكاتب أئمة المساجد، والبنوك.

لم تمنع هذه الأعمال القمعية الأكثر عنفاً، حسب المصادر نفسها، أنّ المظاهرات في مجملها كانت سلمية، حتى عندما كانت قوات الأمن تُفرِّقها بقسوة غير عادية. يبقى أنّ هذه الحلقة تترك قلقاً واضحاً حتى في داخل صفوف الجيش، حيث يدرك الموظفون فيه الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها أقاربهم. أخيراً، يبدو أنّ جهات فاعلة جديدة قد ظهرت في هذا المشهد. إضراب البازار، الذي بدأ في ظروف لا تزال غير واضحة، حيث لوحظت اضطرابات كثيرة، وهي ظاهرة يجب رصدها.

ماذا يمكن أن تكون العواقب نتيجة لهذه الحركات؟
سيث جونز Seth Jones ودانيكا نيولي Danika Newlee، وهما مؤلفان (CSIS) لدراسة مقارنة حديثة للاحتجاجات في إيران، لا يؤمنان عموماً بسيناريو انهيار النظام؛ لأن هذه الحركات لا مركزية للغاية، ومصالح الأمن المسؤولة عن القمع قوية جداً. لكنهما يشيران إلى أنّ الإدامة الخطيرة للمظالم تفرض على السلطات العامة أن تأخذها في الاعتبار بسرعة.
يبقى في رأينا، أنّ عوامل داخلية وعوامل خارجية خاصة تضيف عدم يقين إلى أي سيناريو: تطور الأزمة العراقية حيث أصبح الحِملُ الإيراني المهيمن محل خلاف أكثر فأكثر، وبداية محتملة للحوار لتخفيف التوتر مع العربية السعودية.

اقرأ أيضاً: هل تقرر انتفاضة العراق مصير النفوذ الإيراني بالمنطقة؟

لا يمكن للمرء التكهن بإمكانيات التفاوض الناجح بين طهران وترامب في ظل ظروف غامضة لكلا الجانبين، لكن لا شيء مستبعد. إنّ الانسحاب التدريجي لإيران من الاتفاق النووي هو السؤال الذي يطرح نفسه داخلياً (يدفع المتطرفون والباسدران في هذا الاتجاه) وخارجياً على السواء. إنّ مخرجاً كاملاً قد يُعقّد بشكل خطير علاقات إيران مع بقية العالم. إنّ أيّ تحسن محتمل لأي حوار مالي مشروط باعتماد البرلمان الإيراني لقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما في ذلك الانضمام إلى اتفاقية باليرمو، التي طلبتها فرقة العمل المالية لشهر شباط (فبراير) 2020 ، والتي يعارضها المتشددون وحراس الثورة. الباسدران، على وجه الخصوص، يرفضون التخلي عن دعم حزب الله.
الأمر متروك للمرشد لكي يتخذ القرار ويحسم الأمور. هناك حالة عدم يقين رئيسية أخرى: الانتخابات التشريعية القادمة المقرر إجراؤها في الربع الأول من عام 2020. فالأغلبية الحالية، كتلة المحافظين البراغماتيين التابعة لعلي لاريجاني، ومعتدلي روحاني، والإصلاحيون الضعفاء والمنقسمون، متصدعة للغاية لصالح المحافظين الأكثر تشدداً. لا نعرف ما إذا كان علي لاريجاني سيمثل نفسه، في حين يحاول المرشدون، والباسدران، ومتشدّدو النظام، تهميشَ وإقصاء جميع عائلة لاريجاني، بمن فيهم صادق لاريجاني، الرئيس السابق لهيئة القضاء، المتهم بالفساد. كل ذلك في سياق خلَفِ المرشد حيث يمثل الريسي، رئيس السلطة القضائية، الشخصَ المفضل عند خامنئي، دون أن يكون محصناً أمام المنافسين.

في هذه الفترة من عدم اليقين المتعدد، فمن المفارقات أنّه لا يمكن أن نوصي الشركات، مع الحذر الواجب واحترام العقوبات، بالحفاظ على العلاقات مع شركائهم في سياق معقد للغاية. إنّ ندرة اليورو في إيران تزن بثقلها الكامل. بالنسبة للمجموعات المصدرة التي تنتمي إلى القطاعات غير الخاضعة للعقوبات (المنتجات الزراعية، المواد الغذائية الزراعية، الأدوية)، من الضروري مراقبة التنفيذ التدريجي لأداة اينستكس Instex (1) الأوروبية. هذه الأداة لا تستبعد استخدام آليات أخرى غير مصرفية (مثل المقاصة أو إعادة شراء الذمم المدينة، إلخ) التي يعمل عليها مختلف الخبراء. بالنسبة للشركات التي تمتنع عن أي صفقة مع إيران، يُنصح بتطوير علاقات غير رسمية غير تعاقدية (في القطاعات المعفاة)، مثل زيارات الوفود والدورات التدريبية المجانية، إلخ.

اقرأ أيضاً: إيران، العراق، لبنان... المسألة الشيعية
الهدف من ذلك هو الحفاظ على علاقة مستمرة مع المحاورين الإيرانيين حتى يكونوا قادرين على استعادة التعاون والمعاملات في وقت لاحق في المستقبل، وإذا تم تطبيع الوضع على المدى المتوسط، وفي حالة رفع العقوبات. هذه مجرد فرضية، لكن من غير المرجح أن تختفي إيران كدولة صناعية حتى على الرغم من الهزات غير المريحة. لا يمكن قول الشيء نفسه عن جميع دول شبه الجزيرة العربية. ليس من العبث الرهان على مستقبل أمة تمتلك ثاني احتياطي الغاز العالمي.
 


الهوامش:
(1) اينستكس   INSTEXآلية دعم التبادل التجاري : Instrument in Support of Trade Exchanges، هي آلية مالية خاصة (SPV) أسستها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في 31 كانون الثامي (يناير) 2019 لتسهيل التبادل التجاري مع إيران بعملة غير الدولار. يقع مقر الشركة في باريس، فرنسا، ويرأسها المصرفي الألماني بير فيشر المدير السابق لكومرتس بنك، بين عامي 2003 و 2014. في أيار (مايو) 2019، اقتصر استخدام آلية دعم التبادل التجاري على السلع الإنسانية؛ مثل شراء الأغذية أو الأدوية المحظورة..
في 11 شباط (فبراير) 2019، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف أنّ بلاده ستسعى للمشاركة الكاملة في الآلية المشتركة لتسوية الحسابات المالية مع إيران، اينستكس.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

ما هي أفضل الدول في مجال التعليم على مستوى العالم؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

غالبا ما نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي الدولة صاحبة أفضل نظام تعليمي على مستوى العالم؟

لكن ربما تخلو أي إجابة محددة عن ذلك السؤال من الموضوعية، مما قد يجعل "برنامج التقييم الدولي للطلاب" (بي آي إس إيه) مؤشرا جيدا ربما يفيد في التوصل إلى الإجابة المطلوبة.

ويتكون هذا المؤشر من سلسلة من الاختبارات الدولية التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويخضع لتلك الاختبارات، منذ إطلاق البرنامج في عام 2000، طلاب في سن الخامسة عشرة، كل ثلاث سنوات.

وكشفت المنظمة نتائج الاختبارات الأحدث من هذا النوع، التي أُجريت في 2018، والتي أشارت إلى أن الطلاب الصينيين يظهرون أداء فائقا يتجاوز أداء جميع الطلاب من الدول الأخرى في القراءة، والرياضيات، والعلوم.

أرقام قياسية
شاركت 79 دولة وإقليم في هذه الاختبارات، مما يُعد رقما قياسيا. وبلغ عدد عينة الطلاب المشاركين 600 ألف طالب العام الماضي.

وتتكون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 37 دولة، أغلبها دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، واليابان، ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

لكن عدد الدول التي تريد التعرف على مدى ملائمة طلابها للمعايير الدولية في مجال التعليم يتزايد في الفترة الأخيرة.

وأصبحت هذه الاختبارات، التي تصنف الدول حسب متوسط درجات الطلاب في كل دولة، من أدوات القياس المؤثرة في معايير التعليم الدولي، إذ توفر منظورا مختلفا مقارنة بالاختبارات المحلية.

ويدخل الطلاب تحديات حقيقية أثناء هذه الاختبارات، والتي قد تكون في شكل أسئلة تتناول اتخاذ القرارات المالية السليمة، وتحقيق الاستفادة المثلى من المعلومات.

وعلى سبيل المثال، كان هناك سؤال في اختبارات 2018 يقيس مهارات القراءة، مبني على أساس حوار متخيل على أحد منتديات الإنترنت، وفيه يتساءل صاحب مزرعة دواجن عما إذا كان تناول دجاجه للأسبرين آمنا أم لا.

سيطرة أسيوية
كانت الصين هي صاحبة التصنيف الأعلى في ثلاث من الجولات الأربع الأخيرة في هذه الاختبارات الدولية، لكن كان هناك تحفظ بأن مشاركة الصين كانت مقتصرة على مناطق معينة في البلاد.

واستخدمت السلطات الصينية نتائج الاختبار الخاصة بطلاب منطقة شنغهاي فقط في عامي 2009 و2012. كما استخدمت الصين نتائج الاختبارات التي دخلها الطلاب في أربعة ولايات فقط في عامي 2015 و2018.

وقال أندريا شلايشر، مدير التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "في هذه المناطق، أظهر الطلاب الأكثر معاناة من الحرمان الاجتماعي أداء أفضل في القراءة مقارنة بالطلاب العاديين في المناطق التابعة للمنظمة".

وكانت فنلندا هي الدولة صاحبة الأداء الأفضل في النسخ الثلاث الأولى من اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب في أعوام 2000، و2003، و2006، بينما احتلت سنغافورة الصدارة في اختبارات 2015.

وتتصدر دول آسيوية المراكز الأولى في اختبارات هذا البرنامج، وفقا لحساب جميع الدرجات. ويشير التصنيف الحالي إلى أن دولا آسيوية تحتل المراكز الأربعة الأولى في نتائج تلك الاختبارات بينما تعتبر استونيا الدولة غير الآسيوية الوحيدة التي تصعد إلى المراكز المتقدمة.

وألقت النتائج التي توصلت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على مخاوف حيال "الجاهزية للعالم الرقمي".

ووفقا لشلايشر، أظهرت نتائج اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب الأخيرة أن عشرة في المئة فقط من الطلاب المشاركين في الاختبارات من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمكنوا من التمييز بين الحقائق والآراء الشخصية، أثناء قراءة موضوعات غير مألوفة.

رغم ذلك، أشارت النتائج إلى أن الفجوة التعليمية بين الدول المتقدمة والدول النامية ليست كبيرة كما يعتقد البعض.

وأضاف مدير التعليم في المنظمة: "عندما أجرينا مقارنة بين الدول التي حصلت على نفس الدرجات في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب، اكتشفنا أن هناك فجوة واسعة في مستويات الدخل في تلك الدول."

كما كشفت النتائج عن وجود فوارق كبيرة بين أداء النساء والرجال، إذ ثبت أن الفتيات يتفوقن في الأداء على الفتيان في القراءة، ويظهرن تقدما هامشيا عليهم في العلوم (بمقدار نقطتين في المتوسط)، بينما أثبت الفتيان تفوقا على الفتيات في اختبارات الرياضيات ( بنحو خمس نقاط).

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

هدى الحسيني

أهم ما تركته المظاهرات في إيران أنها أبلغت القيادة بأن حاجز الخوف قد تم كسره. بدأت المظاهرات المتقطعة أولاً في العراق، ثم امتدت إلى لبنان، وأدت إلى استقالة رئيسي وزراء البلدين، ثم وصلت إلى شوارع طهران بقوة كبيرة.
وكان قرار اتخذته 3 بلديات منذ نحو 3 أسابيع برفع سعر لتر البنزين بمقدار 5 آلاف ريال، وإدخال نظام الحصص الشهرية المخفضة للوقود، أخرج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، وتحولت المظاهرات العامة الأصيلة والعفوية والتي بدأت بوصفها احتجاجاً مالياً، على الفور إلى معارضة للنظام الذي يستثمر أموال الإيرانيين لترسيخ نفوذه الإقليمي على حساب مواطنيه. في الأسبوع الماضي تعمد «حزب الله» في لبنان نشر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وأعضاؤه يعدّون ملايين الدولارات التي وصلت إلى الحزب من إيران (تقدر بـ75 مليوناً)، كما نشر الحزب شريطاً لأحد أعضائه يقود سيارة وفي داخلها رزم ضخمة من الدولارات وعلى واجهة السيارة صورة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، ويستمع إلى أغنية عراقية تمجّد إيران. وكان الأمين العام للحزب قال في إحدى خطبه إن أزمة الدولار التي تعصف بلبنان لن تطال مقاتليه، فإيران هي البنك الذي لا ينضب، وبالتالي لن يعاني الحزب من أي ضائقة. وليس غريباً أن يكون الشعار الأكثر شيوعاً في المظاهرات الإيرانية: «الموت للديكتاتور»، وهذا زاد من قلق النظام إلى حد كبير.
بدأت المظاهرات في عشرات المدن على امتداد جميع أنحاء إيران، بما في ذلك المدن الرئيسية: طهران، وشيراز، وأصفهان. كان سلاح المتظاهرين الشعور بالإحباط من الاحتجاجات الفاشلة سابقاً، لذلك هاجموا قوات الأمن وأغلقوا الطرقات وأضرموا النار في مئات محطات الوقود والمصارف وقواعد «الباسيج» والكليات الدينية، وأحرقوا صوراً لكبار مسؤولي النظام. لقد أدى اليأس والإحباط والكراهية العميقة تجاه النظام التي عبر عنها الإيرانيون، إلى تغذية الاحتجاجات وزيادة حجمها. ووفقاً لوكالات أنباء عدة؛ شارك نحو 100 ألف شخص في المظاهرات، ومع هذا تجاوز مستوى العنف والمعدل الذي انتشرت به الاحتجاجات، ذلك الذي قوبلت به مظاهرات عام 2018، مما جعلها أكثر المظاهرات الاحتجاجية انتشاراً وأهمية منذ عام 2009. يبدو من هذا أنه كلما أصبح الشعب الإيراني أكثر استعداداً لتنفيذ انقلاب، زاد التطرف في التدابير التي يتخذها النظام لقمع الاحتجاجات والمظاهرات بأي ثمن. وكلما استعرت المظاهرات؛ كان قادة النظام يحاولون استرضاء الشعب. ومع ذلك؛ فإن الإجراءات تتحدث بصوت أعلى من الكلمات. وكعادة الأنظمة الديكتاتورية التي تدّعي أنها لا ترى ما يجري في الشارع، أعلن الرئيس حسن روحاني أن الأمة الإيرانية تمكنت من التغلب على تحدي الاحتجاج، وسارع متحدث باسم الحكومة إلى إبلاغ الإيرانيين بأنه لن تتم الموافقة على زيادة تسعيرة الوقود حتى شهر مارس (آذار) من عام 2020.
في الأيام التي تلت تغيرت النبرة وبدأ زعماء النظام الإدلاء بتصريحات علنية بشأن وحشية الأحداث والخطر التي تشكله على النظام. على أرض الواقع كانت هناك بالفعل تقارير عن ارتفاع أسعار الخبز والحليب في المستقبل القريب، فالوضع الاقتصادي المتدهور في إيران لا يبدو جيداً.
سواء تم فرض تدابير اقتصادية جديدة أم لا، وما إذا كانت المظاهرات تشكل تهديداً حقيقياً للنظام أم لا، فهناك شيء مؤكد تغير في المجتمع الإيراني؛ لقد تم «كسر حاجز الخوف» لدى الإيرانيين، فالجدار الذي كان بمثابة ضبط النفس من تطور الاحتجاجات المدنية حتى الآن، تم هدمه، واستعداد الجمهور الإيراني للاشتباك مع قوات الأمن يعني شيئاً واحداً: لم يعودوا يخافون من الخروج إلى الشوارع.
اتخذ النظام تدابير استثنائية عادة ما تكون مخصصة للأحداث الشديدة، مثل استخدام النيران الحية، وتم نشر كثير من قوات الأمن؛ بما في ذلك قوات «الحرس الثوري» التي تولت القيادة في العمليات إلى جانب القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي و«الباسيج» ووزارة الداخلية. احتجز النظام 7 آلاف مواطن في جزء من محاولاته لقمع الاحتجاجات، وتأثر كثير من جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك إلغاء الدراسة في المدارس والجامعات، وتأجيل المباريات الرياضية، وإغلاق خطوط المترو، وفرض حظر تجول عام.
كما تم حظر الإنترنت والشبكات الخليوية من أجل جعل تنظيم المتظاهرين بين بعضهم بعضاً أمراً صعباً. كانت هذه محاولة أخيرة من قبل النظام لإخماد نيران المظاهرات ولو على حساب تقويض صورته والتسبب في إضرار بالاقتصاد. حتى بعد ادعاء الدولة أنها أعادت الإنترنت، أبلغ كثير من الإيرانيين عن محدودية الوصول إليه، لا سيما المواقع الإلكترونية والشبكات الخليوية. ورغم أن هذا الإجراء المتطرف قد تعرض لانتقادات شديدة من قبل كثيرين، بما في ذلك احتجاج رسمي من قبل 11 عضواً من أعضاء مجلس الشورى، فإن قرار حظر الإنترنت كان له تأثير حاسم على قمع الاحتجاج في أسبوع واحد فقط، ومع ذلك بقي الجمهور الإيراني يطلق صرخة المعركة. فقد وجدت مقاطع فيديو وصور خاصة للمتظاهرين طريقها إلى العالم، حيث أبلغت العالم بالنطاق الهائل للاحتجاج على النظام والعنف الذي استخدمه النظام لتفريق المتظاهرين. وذكرت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان مقتل 143 متظاهراً خلال موجة الاحتجاجات، لكن المنظمة لم تكشف عن القتل الجماعي في ماهشهر حيث أحاط «الحرس الثوري» بالمنطقة وقتل ما بين 40 ومائة متظاهر مسالم أغلبهم من الشباب كانوا لجأوا إلى حقل من قصب السكر، وقيل إنهم أضرموا النيران بالجثث.
حاول النظام التخفيف من عدد القتلى، لكن مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى من وزارة الداخلية أكد مقتل 218 شخصاً «إن لم يكن أكثر». ورغم أن الاحتجاجات لم تخرج عن نطاق السيطرة، فإن العدد الكبير من القتلى قد يشير إلى أن قوات الأمن فوجئت بمدى شدة الأحداث وغضب الشارع.
ربما تراجعت موجة الاحتجاج، لكن ينبغي عدم التقليل من أهمية الانتفاضة العامة، من قبل النظام أو الشعب؛ إذ يشير الغضب الذي عبرت عنه الأحداث الأخيرة إلى شعور الجمهور الإيراني المتزايد بالاشمئزاز تجاه النظام، حتى لو حاول الأخير إيجاد حلول ملتوية لتخفيف الشقاء العام، فالحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حل حقيقي للمعضلة الاقتصادية، ولا توجد وسيلة لتحسين الرفاهية العامة، ما دامت إيران تحت قيادة «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني تواصل محاولة ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
رغم أن النظام ربما يكون استوعب الحساسيات الحالية للجمهور استناداً إلى سلوكه على مر السنين، فإنه من المحتمل أن يحاول الحفاظ على صورة قوته من أجل ردع المحتجين حتى عندما يكون وضعه أضعف مما يبدو عليه. هذا سيؤدي إلى خروج الجماهير مجدداً إلى الشوارع والانضمام إلى «حرب الاستنزاف» ضد النظام، وليس من الواضح من سيخرج منتصراً، مع أن الإيرانيين صاروا يدركون ويرددون أنه لن يكون سلام في إيران أو في الشرق الأوسط، إذا لم تتم إطاحة النظام الذي «يحتل بلادهم» بصورة غير شرعية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية