مسرحية "ليلة سقوط طيبة": جدليات القمع والجماهير المُسبّحة بحمد الأنظمة

2714
عدد القراءات

2018-05-16

يبدو المكر ظاهراً في مسرحية "ليلة سقوط طيبة"؛ إذ يجرّ مؤلفها ومخرجها حكيم حرب قدم المتلقي عبر مشهد ساخر باللهجة المحكيّة، متحدثاً عن بعض مقالب الـ "سوشال ميديا" الطريفة ومستعرضاً ثرثرات اجتماعية ومقاطع أغنيات فلكلورية وحديثة من أقطار عربية شتى، مبدداً بهذا رهبة المسرح التي عادة ما تجعل من يرتاده يضيق ويشعر كأنما هو بصدد حِمل ثقيل سيربض على صدره لساعة ونيف.

تضجّ "ليلة سقوط طيبة" بالحركة والأصوات المرتفعة والموسيقى التصويرية المؤثرة والعبارات المحبوكة لغوياً بشكل جيد، وإن كان مؤدّوها قد وقعوا في الفخ النحوي "سكّن تسلم"، ولعلّ حرب هو الأكثر هدوءاً في الأداء ونبرة الصوت، وإن كان أبدى خفة لافتة في مشهد التعذيب ومن ثم مشهد السفينة التي تصارع الموج، ما أخرجه عن جلده كممثل وإنسان، ولو للحظات، ما يجعل المتلقي يبتسم بحزن حين يستمع لعبارته "ما من صحيح إلا ما يكتمه المرء".

حكيم حرب

المرأة في "ليلة سقوط طيبة" ضحية كلا الجلاّدين: السياسة والذكورية، وقد أدّت الدور روند الصالحي بمستوى جيد، مقارنة بعمرها الفتي وتجربتها الغضة، وإن كان المتلقي يتساءل في لحظات عما كان الدور سيصل إليه من مستوى براعة في حال قدمته ممثلة ذات باع أطول في المهنة واعتلاء خشبة المسرح.

 لم يطرح حرب أسطورة أنتيغون من فوق برج عاجي وأوصلها للمتلقي الذي لا يكون بالضرورة عارفاً بالأدب 

الألمعية في "ليلة سقوط طيبة" تكمن في أنّ حرب لم يطرح أسطورة أنتيغون الإغريقية مجرّدة ومن فوق برج عاجي؛ بل نزل بها للمتلقي الذي قد لا يكون بالضرورة دارساً للأدب وعارفاً به، مُسقطاً إياها على الواقع السياسي الراهن، ولعل نقطة الألمعية الثانية تكمن في تركيزه على جزئية لطالما طرحها الروائي الفلسطيني الراحل غسان كنفاني بشكل مباشر وغير مباشر، حين نزع صفة الملائكية عن الضحية بل صوّره -متخذاً الفلسطيني أنموذجاً- بمن يكون قواداً أو عاهراً أو لصاً أو مضطرباً، لكن هذا لا ينفي البتة حقيقة كونه ضحية سياسية.

يُنتظَر من حرب في المرات المقبلة البرهنة على قدرته على التعامل مع حكايات بعيدة قليلاً عن قالب الأساطير والاستناد إليها. حرب الفلسطيني القادم من قريوت/ نابلس، فالزرقاء، قادر على خلق حكايته كفلسطيني في قالب مسرحي، وقادر أكثر على نقل جزء من إرث اللجوء فالثورة فالسلام، ضمن عرض مسرحي مدروس بعناية وعلى سوية عالية كعروضه المستندة للأسطورة؛ ذلك أن ثيمات القمع والتمرد والجماهير التي تُسبّح بحمد الأنظمة والساسة الذين يضعون ذواتهم في مراتب القدسية ويزجّون بمنتقديهم في أقبية وغرف التغذيب والتلاعب بالرواية التاريخية والإعلامية، كلها ثيمات تستدعي القضية الفلسطينية وتجعلها حاضرة نصب العينين طوال العرض، إلى جانب الدول التي عانت من أنظمة قمعية مروّعة وتحديداً سوريا والعراق، على سبيل المثال لا الحصر.

يحمل العمل جدليات ومحاذير شتى في حال طرحه على المنخرطين في النضال الفلسطيني

العمل، الذي عرض سابقاً وأعيد عرضه أمس على مسرح الشمس في عمّان بالذكرى السبعين للنكبة، يبقى السؤال الذي طرحه وتركه قيد التأمل لدى المتلقي يصلح بنسبة مئة بالمئة في حال الصراعات الداخلية بين أبناء الشعب الواحد، لكنه يحمل جدليات ومحاذير شتى في حال طرحه على المنخرطين في النضال الفلسطيني، حتى وإن كان يعز على المتأمل أفواج اليافعين الفلسطينيين الذين يوارون الثرى على إثر العمليات الاستشهادية والفدائية، لكن أحداً لا يملك حتى مجرد النطق بعبارة تحمل تشكيكاً في صحة المعتقد والموقف؛ إذ كل هذه الجدليات ليست أكثر من ترف فكري أمام التغوّل الإسرائيلي على الأرض والانتهاكات التي تتلاحق على مدار الساعة.

يُحسَب لحرب تقديمه هذا العرض ذات مرة في أحد المقاهي الثقافية العمّانية، ما أعاد جدلية هل ينشأ المقهى الثقافي وليد الصدفة والعفوية من خلال نقاشات مرتاديه وتفاعلهم السياسي مع الأحداث التي تُبَث عبر المذياع والتلفاز وهو الأنموذج الذي كان حاضراً في البلاد العربية لعقود طوال، أم النمط المستجدّ الذي يتعمد إسباغ الصبغة الثقافية من خلال ديكورات المقهى وبعض الفعاليات الثقافية المقامة فيه، لكن في الأحوال كلها فإنّ فكرة اصطحاب المسرح للمقهى والمناطق النائية أيضاً تستحق رفع القبعة لحرب، الذي ما انفكّ يجعل المسرح جزءاً يومياً من حياة المواطن العادي؛ بل وحتى النزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟

2019-08-06

تبدو معالجة الكارثة بالكذب مسألةً معقدةً جداً قياساً بالزمن، خصوصاً إذا بقيت آثار تلك الكارثة تتوسع مثل بقعةِ دمٍ على ثوبٍ أبيض كبير معروض على الناس. وهذا بالضبط ما يحاول أن يشير إليه المسلسل الأشهر "تشيرنوبل" الذي أطلقته شبكة "HBO" التلفزيونية في أيار (مايو) الماضي.

أبرز ما يميز القصة يكمن في أن كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة أو نحيا به يصبح مميتاً

وكانت حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل، حظيت بالكثير من التعتيم حين حصولها في السادس والعشرين من نيسان (إبريل) 1986 خلال حقبة الاتحاد السوفييتي، ولعلها كانت أول كارثةٍ كونية نووية من نوعها، مما جعلها تثير الكثير من التساؤلات، خصوصاً أنّ مسألة محاسبة طرفٍ واحد بشأنها، تبدو معقدةً على المدى الطويل، إذا عرفنا أنّ الكثير من الدول تمتلك مفاعلاتٍ نووية، وأنّ مثالاً سيئاً مثل تشيرنوبل، كان ليؤثر على فكرة امتلاكها تلك المفاعلات، فما الذي قدمه المسلسل أيضاً حتى يحظى بكل هذه الشهرة اليوم؟ بعد مرور 34 عاماً على الكارثة.

حادثة التسرب النووي من مفاعل تشيرنوبل حظيت بالكثير من التعتيم

القصة على الشاشة
حلقات المسلسل الخمس التي جاءت في مدةٍ لا تزيد عن خمس ساعاتٍ ونصف الساعة تحبس الأنفاس، بسبب التكثيف العالي الذي تتميز به القصة (السيناريو)، ولعل أبرز ما يميز  القصة يكمن في فكرةٍ مفادها أنّ كل ما نحتاجه يومياً من أجل الحياة، أو نحيا به، يصبح مميتاً. وذلك من خلال عكس المقولة الشهيرة "إنّ كل شيءٍ يتحول إلى سلاحٍ إذا نحن أتقنّا استخدامه"، لكن هذه المرة، كان الفشل في استخدام مصادر الطاقة النووية ووجود سلسلة أخطاء متراكمة سبباً في حصول كارثةٍ مرعبة سببها عدم الإتقان.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن

"إن كل شيءٍ ملوث"، تلك هي العبارة التي تحكم مجريات المسلسل منذ بدايته إلى نهايته، فكل مصدرٍ للحياة كالماء والأنهار والحليب والقمح والخضار والفواكه والأشجار باتت ملوثةً بالإشعاع النووي الذي تسرب من المفاعل رقم 4. وبالنسبة للعامة من أهل المنطقة المحيطة بتشيرنوبل، لم يكن الحدث عادياً، لكنه لم يكن مفهوماً كذلك. فما هو هذا القاتل المتخفي الذي يتسرب إلى كل شيء؟ إنه ليس وحشاً في الحقيقة يمكن مواجهته والتغلب عليه، بل إنه لا يُرى، وبالتالي فإنّ قدرته على القتل لا مثيل لها. ولعل هذه النقطة بالذات تم التركيز عليها في المسلسل، من خلال حديث أحد أبطال المسلسل وهو كبير المحققين "ليغاسوف" الذي يقول إنّ اليورانيوم بمثابة "رصاص" وإنّ كل ذرةٍ منه قاتلة، أما التسرب من المفاعل، فقد بلغ مليارات الذرات.

النيران كانت العدو الوحيد الظاهر فيما التسربب الإشعاعي كان قاتلاً لا يراه أحد

لكنّ هذه النقطة أيضاً، كانت المحور الرئيسي للنقاد في آرائهم حول المسلسل الذي تفوق على أشهر مسلسلات التاريخ مثل "breaking bad" و"game of thrones"، حيث رأى بعضهم أنّ هنالك مبالغة في "تحويل القصة الحقيقية، إلى نوعٍ آخر من الحقيقة، إلا أنّ ذلك غير مهم ما دام صانعو المسلسل اختاروا حقيقةً درامية". بحسب ما جاء في مقالة هنري فونتين بصحيفة "نيويورك تايمز" في 2 حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: "جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان
ويضيف فونتين، أنّ "مشاهد المصابين الملطخين بالدماء لم تكن صالحةً لحادثة تسربٍ نووي، إضافةً إلى أنّ الشخصيات الرئيسية ككبير المحققين وعالمة الفيزياء التي تبحث عن سبب الحادثة هي شخصيات مفتعلةٌ أو مبالغٌ في أدوارها"، هذا إضافةً إلى الدخان الذي كان يغلف مشاهد المسلسل في معظم حلقاته كأنه دليلٌ للمشاهد على (الدمار)، رغم أنّ التسرب الإشعاعي أساس القصة، لا يترك خلفه أي أثر.

اقرأ أيضاً: جدل في الشارع الأردني بعد عرض مسلسل "جن" عبر "نتفليكس"
وبالنسبة للنقاد أيضاً، قال المحرر الثقافي في صحيفة "السبيكتاتور" جيمس ديلنجويل، إنّ تشيرنوبل المسلسل من المؤكد أنه لا يشبه تشيرنوبل الكارثة. فالكارثة الأساسية ربما كانت "الكذب والتعتيم اللذينِ طورا الحادثة إلى كارثةٍ فعلاً، لكن فعلياً، كم عدد القتلى الحقيقيين؟ كم عدد المصابين؟ كم دولةً عرضت التعاون لإنهاء الحادثة؟" وفقاً لمقالته المنشورة في 8 حزيران (يونيو) الماضي. ويقدم الكاتب معلوماتٍ عديدة، من أبرزها أنّ الحادثة لم تتسبب بمقتل مئة شخصٍ حتى، ولم يزد عدد المصابين على ألفي مصاب. لكن المسلسل ناجحٌ جداً بأي حال، فقد داعبت الحادثة خيال عدة أجيالٍ ممن عاصروها أو ولدوا بعدها، لأنها بقيت غامضةً لسنوات. وها هم يرونها عبر الشاشة بطريقةٍ تجعلهم يعيشونها لأول مرة، كأنها الحقيقة الوحيدة التي يعرفونها عن تشيرنوبل.

أبطال المسلسل الأساسيون مبالغٌ في أدوارهم كما رأى بعض النقاد

القصة بين الواقع والخيال
يشير  ديلنجويل في مقالته ذاتها، إلى أنه "بالنسبة للآثار الجانبية التي استمرت على سكان المنطقة، من إصاباتٍ بالسرطانات (سرطان الغدة الدرقية حاصةً) والولادات لأجنةٍ مشوهة، وغيرها من أحداثٍ تالية، فإنها خاضعةٌ لنقاشٍ علميٍ كبير وتساؤلاتٍ عديدة".

داعبت تشيرنوبل خيال العديدين ممن عاصروها أو ولدوا بعدها لأنها بقيت غامضةً وها هم يرونها بطريقة تجعلهم يعيشونها لأول مرة

ومع ديلنجويل، يتفق العديد من النقاد في صحفٍ مختلفةٍ كالغارديان البريطانية مثلاً، بينما وعلى العكس، احتفلت "بي بي سي" بالمسلسل، ورأت أنه يمثل "حقيقة الأمر كما لم يعرفها أحد".
ورغم هذا النقد، يمكن العودة إلى الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش، الحائزة على جائزة نوبل 2015 للسبب ذاته ربما الذي جعل من تشيرنوبل أعظم مسلسلٍ في التاريخ خلال أقل من شهر. ففي أعمالها الروائية، خصوصاً (أصوات تشيرنوبل)، ركزت ألكسيفيتش على إيصال ما أسمته بـ "صوت من لا صوت لهم" وتحويل أولئك الذي كانوا مجرد حجارةٍ مرصوصةٍ في جدار التاريخ، إلى قصص مستقلة بحد ذاتها. فرسمت من خلال روايتها المستندة على شهاداتٍ حقيقية مسجلة لسكان المنطقة حول الحادثة، الآلام التي عاناها هؤلاء، وبصورةٍ محزنةٍ واقعية، ومرعبة أحياناً. حتى إنه "تم قطع أشجار الغابات ودفنها هناك، لأنها ملوثة بالإشعاع".

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
المسلسل، الذي لا بد أنّ مؤلفه "كريغ مازن" تأثر بأليكسيفيتش، تعرض الرواية ذلك الخوف المرعب من الإشعاع، أو متلازمة "الراديوفوبيا" التي كانت تنتشر بين الناس لأول مرةٍ في التاريخ. فلا أحد يشرح للناس والضحايا ماذا يحدث، ولا أحد يقول كيف حدث ما حدث، ولا أحد يهتم بهم اهتماماً كافياً، لأنه لا أحد يعرف إن كان هنالك شيء سينقذهم. كل هذا الذي قالته ألكسيفيتش تمت استعادته نوعاً ما في المسلسل، لكن دون وجود ربطٍ علميٍ واضح حول التلوث الإشعاعي وماهيته وكيف يؤثر على جسد الإنسان.
ولم يوضح المسلسل المدة الزمنية والمسافة الجغرافية لهذا التأثير  الإشعاعي (التي تُعد أقل رعباً أحياناً). بل في الواقع، بالغ في أشياء كثيرة، واستخدم مآسي ضحايا تشيرنوبل كأداة للإشارة إلى المؤسسات المتعفنة في النظام السوفييتي القديم، بينما كان الضحايا هم كل القصة بالنسبة لألكسيفيتش. أما حادثة التسرب وما يشوبها من خفايا علمية وأخطاء تقنية وسياسية، فإنه غالباً لم يكن ممكناً تفادي آثارها لو حدثت في أي بلدٍ آخر.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
وبصورةٍ عامة، ووفقاً للنقاد عموماً، أبهر المسلسل مشاهديه، ومن المؤكد أنّ العديد منهم رأى فيه رسالةً سياسيةً ما، خصوصاً الروس الذين لم يعجبهم المسلسل واعتبروا أنه مملوءٌ بالتلفيقات. لكن التساؤل حول خطر المفاعلات النووية، سواء كانت سلميةً أم عسكرية، يظل هو الأقل حظاً في الاستمرار والتطور كتساؤلٍ عالميٍ مهم على هامش المسلسل. الذي نجح كدراما نجاحاً باهراً، وكل شيء قابل للنجاح، ما دام يدعي تصوير الحقيقة، وجعلها من دمٍ ولحم.

للمشاركة:

أماكن واقعية وشخصيات سحرية: تمرين المكان عند محمد خان

2019-08-05

تُطالعنا، بشاشة سوداء قاتمة، في بداية فيلم إبداعيّ بعنوان "خرج ولم يعد" 1984، للمخرج الراحل، محمد خان، (1942-2016) عبارة، ربّما تمثّل مدخلاً ملائماً للتعاطي مع سينما خان، تقول ببساطة: "ربّما كانت الشخصيّات من الخيال، لكن ثقْ أنّ الأماكن من الواقع". وفي الذكرى الثالثة لرحيل واحدٍ من أهمّ المخرجين على الإطلاق، والمتميّز في حقبةٍ مليئة بمبدعين كبار من أمثاله، يكون الأسى ههنا مضاعفاً بصورة لا تُحتمَل بسبب التدهور الذي تعيشه السينما الرسمية في مصر، والتي كان الراحل خان شاهداً على تقهقرها، لكنّه استطاع وسط هذا الغُثاء أن يصنع في كلّ فيلم صوتاً خاصّاً، وحكايةً لا تمثّل الواقع فحسب، بل تخلقه أيضاً.

اقرأ أيضاً: السينما الجزائرية ومرثيات اليأس السياسي

فبدايةً من عمله الأوّل "ضربة شمس" 1978، وحتى آخر عمل "قبل زحمة الصّيف" 2015، ونحن نجدُ أنّ كلّ فيلمٍ لخان ممزوج بحبكة خاصّة، من تدرّب على سينما خان يعرف تماماً أنّها اللمسة "الخانيّة" التي تضفي على الواقع صفة الشوتّات (Shots)، وكأنّها إضاءة على المكان الحقيقيّ جداً، بقدر إيلامه الشديد، بما يحمله من فوضى وديكتاتوريّة، وعمران مشوّه، ومكان مسلوب يعيشه أشخاص يفقدون ما هو ذاتيّ في سبيل تحصيل لقمة العيش.
"خرج ولم يعد" 1984

الواقعيّة الجديدة.. إعادة مساءلة
المشهور في الوسط السينمائي، وفي أوساط مَن يعتنون بالسينما والتحليل السينمائي، أنّ محمد خان ممّا أُطلق عليه "مدرسة الواقعيّة الجديدة" رفقة المخرجين المُجايلين له؛ عاطف الطيب وداوود عبد السيّد وخيري بشارة. ورغم أنّه لا مشكلة في الإطار العام لهؤلاء المخرجين، والذي يمكن نعته فعلاً بتلك النزعة، إلّا أنّ المشكلة بالتحديد تكمن، ومن ثمّ السؤال الذي أُريد التفكير فيه ههنا، في أنّ هذا التوصيف أحياناً ما يفقد معناه، ويلغي الفوارق التي تميّز كلّ مخرج مُبدع من هؤلاء المخرجين عن بعضهم البعض. وبالتالي، أيّ معنى لواقعيّة جديدة؟ وكيف يمكن أن نلقط الخيط اللامع الذي تميّز به خان داخل هذه المدرسة العريقة، والتي لا شكّ أنّها أخرجت أفلاماً غايةً في الإبداع، عالميّة رغم محليّتها، أو ربّما لعدم اعتراف "العالمي" بما هو محلّي.

كان خان شاهداً على تقهقر السينما في مصر لكنّه استطاع وسط هذا الغُثاء أن يصنع في كلّ فيلم صوتاً خاصّاً

لا شكّ أن محمد خان قد عملَ، في البداية، في وسطٍ مليء بمخرجين مهمّين، وسأركز على هؤلاء المخرجين الذين يُلصق بهم عندما يتمّ ذكره وذكر أعماله، كعاطف الطيّب وغيره. إلّا أنّ مقارنةً بينه وبين الطيّب مثلاً لتوضّح لنا تفاوتاً وتغايراً كبيريْن في مفهوم "الواقعيّة" وفي الشخصيات التي يرسمها كل مخرج.

في واحدٍ من أشهر وألمع أفلام عاطف الطيّب، ألا وهو فيلم "سوّاق الأتوبيس" 1982، سنجدُ الفارق الجليّ بين سينماتين مختلفتين. في "سواق الأتوبيس" تتجلّى ما أسمّيه بـ"الواقعيّة الفجّة" لعاطف الطيّب: الأشخاص حادّون، صارخون في وجه الحكومة والظلم والناس، شخصيّات طيّبة ونبيلة ووطنية تماماً، وأخرى شريرة ولا مجال للخير لديها، غرامٌ بين البطل حسن (الفنان نور الشريف) وميرفت أمين، يضيع من أجل حسابات الواقع الماديّة تماماً.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟

شخصيّات الطيّب فجّون جداً، لا مجال لديهم لبشرية ما، هم إمّا خيّرون أو سيئون عن بكرة أبيهم، وبالتالي أفلام الطيب مزعجة، فهي لا تعطي مساحةً للتفكير مثلاً في الشخصيات: إنّها تجبرك على الانحياز لشخصية دون أخرى، وللانخراط في الواقع كما هو دون رؤية التعقيدات التي تكمن "ما وراء الخير والشر" إذا استعرنا من نيتشه.

 "ضربة شمس" 1978

في مقابل "الواقعيّة الفجّة" هذه للطيّب، هناك واقعيّة محمد خان السحرية، التي ترسمُ شخصيات تشبهنا، شخصيات تخطئ وتصيب، غير منطويةٍ داخل أحلام كبرى، أو في سرديّة وطنويّة مزعجة. ففي "الحريّف" مثلاً، وهو من أجمل أفلام خان التي لم أرد الإطالة بشأنه ههنا لأنه يحتاج لمقال خاصّ به، سنصادف البطل فارس (عادل إمام) شخصاً عاديّاً تماماً، يمارس حياته بكلّ خفّتها ذاتيّاً وبكلّ ثقلها الواقعيّ جداً، والصادق، والأليم. فارس، الحرّيف، هو ذلك العامل العادي الذي يحترف مهنة في الصباح في مصنع أحذية، وفي المساء يحترف لعب الكرة، وهنا رمزيّة كبيرة من محمد خان لا بد من الالتفات إلى ذكائها؛ فالملعب هو الحياة، ورغم أنّ فارس حرّيف فعلاً ومشهور بالكسب الدائم، إلّا أنّه يشعرُ بالخيبة والخسارة الذاتيّة دوماً، وخاسر لعمله وحياته الأسريّة.

يحاول خان ابتكار عالم ذاتيّ لكل شخصيّة بالفيلم مع اهتمام كبير بفكرة المكان التي كان هو نفسه مولعاً بها

ورغم أنّ خان عملَ تحت ظروف واقع مماثل تماماً لمخرجين أمثاله كداوود عبد السيد أيضاً بالإضافة، كما ذكرت، لعاطف الطيب، إلّا أن عبد السيد مختلف عن الاثنين السابقين، قد نحا منحىً مركّباً تميّز به عن كلّ أقرانه في السينما المصريّة؛ تلك الوجوديّة والنزعات الذاتية والخوف من الوحدة ومساءلة السلطة الدائمة والتفكير في قدرات غير عادية للتمكن من العيش في عالمٍ، أو واقعٍ، غير عادي.

ما قصدته من تلك المقارنة هو تفكيك الغموض الذي يكتنفُ هذه التسمية التي تمّ إلحاق الراحل محمد خان بها، ليس دفاعاً عنه ولا كرهاً في المخرجين الآخرين. وإنّما الأمر أنّ لكلٍّ عالماً "عالم حياة"، إذا استعرنا من الفلسفة، خاصاً به، يقوم بصناعته واستلهامه في آنٍ واحد. عوالم خان السينمائيّة رغم أنها واقعة تحت ضغوطات فترة عصيبة مرت بها مصر من تحوّل جذريّ نحو النيوليبرالية وإضعاف المجال العُمّالي، والإفقار الملاصق لكل سيرورات اللبرلة الجديدة، مثله مثل مجايليه تماماً، إلّا أنّه يحاول دائماً ابتكار عالم ذاتيّ لكل شخصيّة في الفيلم، مع اهتمام كبير بفكرة "المكان" التي كان هو نفسه مولعاً بها. ولذا، فأفلام خان هي شخصيات سحريّة بأماكن واقعية، واقعية جداً.

"سوّاق الأتوبيس" 1982

عودة مواطن.. الشهادة على الخراب

لا أحد ممّن يشاهد سينما محمد خان، إلّا ويلمس دائماً عشقه للمدينة، ولتفاصيل المكان. هناك ولع لدى خان في إظهار بيئة العمل الذي يقوم به، ليرفعها إلى درجة من الفانتازيا الواقعية، وكأنّك للمرة الأولى تجترح مشاهدة هذا المكان، رغم أنك تعيش فيه. خان مولع بالمدينة ولما لها من سطوة في البعد النفسيّ. ومع كون خان يظهر لنا القاهرة التي نعرفها، لكننا لا نعرفها في الآن نفسه، إلا أنه متميز عن يوسف شاهين، الذي يخلق مدينة لا تمت لنا بصلة في أغلب أعماله، لا سيما الثلاثية.

خان وضع المصريين أمام ثلاثة خيارات ما تزال إلى الآن ويبدو أنّ ما يتحكم فيها هو الظرف الاقتصادي

رغم هذه الملاحظة العامة والاستباقية، إلا أنني أود التركيز على فيلم خان "عودة مواطن" 1986، والذي أراه من أنضج أعمال خان، هو "الحرّيف". ففي "عودة مواطن"، نحن نلمس البعد الاقتصادي للقاهرة التواقة إلى الكزومبوليتانيّة، وانخراطها في المشروع النيوليبرالي، وما لحق به من تبعات ما يزال الوضع المصري يرزح تحتها.

يعود يحيى الفخراني "شاكر" من دولةٍ خليجيّة "قطر"، بعدما كوّن مبلغاً جيداً من المال، على نية الاستقرار في مصر. ويكون الفيلم هو عبارة عن تغيرات المدينة، الاقتصاد والذوات أنفسهم؛ من خلال رؤية العائد من الخليج، الشخصية المألوفة التي ذهبت في الثمانينيّات لتكوين ثروة صغيرة تضمن لها البقاء في الطبقة الوسطى في مصر حينها.

اقرأ أيضاً: مصر: سينما الغيبوبة إذ تصادر أشواق الإنسان البسيط

ستكون أسرة العائد هي موطن تركيز خان، حيث سيجد أن الفضاء الذي ترك إخوته فيه نفسه قد تغيّر. لا أريد أن أسرد الفيلم. بيد أنني أودّ أن ألمح إلى أنّ خان من خلال الشخصيات التي رسمها، برأيي، رافقتنا إلى يومنا هذا، مع تعديلات زمانية بكل تأكيد.

"الحريّف"

حاول خان في "عودة مواطن" التغلل في البعد الاقتصاديّ وكشف الزيف الذي ميّز تجار العمارات الذين سرقوا، بالتضليل، أمواله على أساس أن يستلم شقة كانت مباعة لعشرة أشخاص غيره. أما أخوه مهدي "أحمد عبد العزيز" فهو فريد في تمثله لدور الشاب الذي يتعاطى أدوية اكتئاب احتجاجاً على الواقع، ويدخن بشراهة، ولا يهتمّ لشيء. حاول خان رسم صورة مهدي على هيئة الخريج الذي لا يجد عملاً "آثار الخصخصة والنيوليبراليّة"، والذي يرفض الزواج لأخته لا لشيء إلا لأن "فكرة الزواج خاطئة حتى ولو معك ملايين. الزمن دا لا يمكن حد يكون فيه مبسوط"، لأننا كمصريين سنصل إلى مئة مليون شخص. "أنت عارف يا شاكر لما نبقى 100 مليون دا معناه ايه؟ إن الناس تاكل بعضها. يرضيك شعب عريق زينا يبقى من أكلة لحوم البشر؟"، يسأل مهدي أخاه شاكر.

واقعيّة محمد خان السحرية ترسمُ شخصيات تشبهنا شخصيات تخطئ وتصيب غير منطوية داخل أحلام كبرى

أما الأخ الثاني إبراهيم "شريف منير" فمتفائل، يحب الحمام الزاجل، الذي سنعرف فيما بعد أنّه يساريّ مثله مثل خاله المسجون السياسيّ السابق، يجد أمانه ووظيفته الاجتماعية في التواصل مع تيار يساري عبر الحمام. ويلفت خان النظر أيضاً إلى البعد التحرري للمرأة في ضوء الشرط المعولم، بحيث ستعيش أخته الكبرى مع عشيقها، وستتزوج أخته الأخرى، وسيودع مهدي في مصحة نفسية يلعب الشطرنج ويرى بعقلانيّة أن المصحّة أكثر راحة من الواقع، وسيُزج بإبراهيم في غياهب أمن الدولة. وستتفكك الأسرة ذات الطبقة الوسطى، ليحتار هذا العائد، شاكر، في فهم الطبيعة الجديدة التي حلّت بالمكان.

إنّ خان وضعنا كمصريين أمام ثلاث خيارات ما تزال إلى الآن، ويبدو أنّها خيارات كلّ ما يتحكم فيها هو الظرف الاقتصادي.

-الشخص العاطل رغم حصوله على شهادة، أو المصحة النفسيّة كأفق من ضيق القاهرة العجوز.

-التمرّد الجذريّ كسبيل حتميّ للسجن.

-العودة إلى الخليج كمجال للعمل وللقبض بالدولار والانخراط في الطبقة الوسطى "الهادئة سياسياً".

ولذا، فالحقيقة أن "عودة مواطن" هو عمل عظيم في أنّه يعبّر عن خرابنا، وعن المدينة المتحولة، التي تأكل من نفسها ومنّا كل يوم شيئاً.

 "عودة مواطن" 1986

"خرج ولم يعد": الريف كفردوس

وفي عمل مميّز آخر لخان، ألا وهو فيلم "خرج ولم يعد" (١٩٨٤)، سنجدُ الثيمةَ نفسها في التركيز على المكان، وخرابه المستمرّ، والبطل الذي ينحدر به الحال يوماً فيوماً، مثله مثل سقف بيته المتهالك الذي وقعِ بالفعل وانهدّ البيت على مَن فيه. في "خرجَ ولم يعد"، يكون عطيّة (الفنان الكبير يحيى الفخرانيّ) موظفاً كلّ طموحه أن يكون مديراً عامّاً في يوم (حلم أبيه الذي مات دون أن يحققه، ووعده شاكر، كما حكى لليلى علوي في الفيلم، بأن يموت مطمئناً بأنّه سيكونه)، وكلّه أمل أن يحصّل شقة ليتزوج الفتاة التي خطبها لسنواتٍ دون جدوى، مما يضطره إلى السفر إلى الرّيف، حيث أصله، ليبيع قطعة الأرض التي كانت ميراثاً حتى يحصّل شقة.

اقرأ أيضاً: داوود عبد السيد: تحويل الأدب إلى السينما "افتراس"

"خرجَ ولم يعد" هو مشهديّة تامّة، وليس فيلماً، هو كاميرا متنقّلة توضّح المعاناة والبؤس غير العاديّ الذي يحياه إنسان مفرط جداً في عاديّته. فبعد وصوله إلى الريف، وحدوث حكايات كثيرة، يقع في حبّ خيريّة (ليلى علوي)، والريف، والعيش في بيت الأكّيل الكبير كمال بك (فريد شوقي) الذي ستكون رمزيّة الأكل الشّره في بيته لها ما لها مما حاول محمد خان بإبداع تصويره.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تصنع السينما إرهابياً حقيقياً؟

الريف ببساطة، في هذا الفيلم، هو الجنّة التي يعود إليّها الإنسان، والمدينة هي الأرض، بكلّ ما عليها. "خرجَ ولم يعد" هو كفرانٌ بالأرض، أو ملل من الإقامة فيها، وضجرٌ من هذا الركام البشريّ والسكانيّ والعمران المتهالك. ويبدو أنّنا لا نعود للقرية أو الريف، بل هي شرط تصوّرنا لحياة أهدأ وأقلّ ظلماً وعنفواناً من المدينة الطائشة والظالمة والتي تتجلّى فيها الفروقات الطبقيّة بشكل مزرٍ.

اقرأ أيضاً: فلسطين عرفت دور السينما منذ مئة عام وأنتجت أفلاماً رغم المآسي

إلّا أنّ المهمّ في هذا الفيلم الجميل جداً هو اكتشاف ما أخذته المدينة منّا، لدرجة أنّ الأكل -حتى ولو بشراهة- هو أمر مستغرب بالنسبة إلى عطيّة القادم من المدينة؛ فالأكل في الريف سلوك دائم، وعاديّ، ويحصل بشكلٍ أليف وحميميّ. بينما المشهد كان مستغرباً بالنسبة إلى عامل مدينيّ قاهريّ لأنّ القاهرة هي كلّ ما ليس ذلك ببساطة. هي العزلة الضروريّة عن الطقوس الجماعيّة هذه مثلاً، وهي سعي لا يهدأ بين المكتب (الوظيفة) والمكان العامّ (الشارع الذي تغمره مياه المجاري) والبيت (الذي سينهدّ عمّا قريب لرثاثة بنائه)، وما بين ذلك كلّه حياة فرديّة مليئة بالبؤس والفقر واللاحميميّة.

اقرأ أيضاً: كيف خدمت السينما أعمال إحسان عبدالقدوس؟

إذا كان خان، الذي أخرجَ لنا كلّ هذه الأفلام العظيمة قد أنجز شيئاً يستحق، وهو فعل الكثير من الأشياء، لا شيء واحد، فهو أنّه درّبنا على رؤية المكان، وعلى الإنصات للشخصيات، والتصالح مع عاديّتنا تماماً، مع هؤلاء الذين يشبهوننا في المقهى والبيت والوظيفة.

للمشاركة:

ما الإشكاليّات التي تواجه اللغة العربية في ظل العولمة؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-08-01

يتّسع الدرس اللغوي اليوم، ليتجاوز معيارية اللغة ونظريات الصرف والنحو (المعيارية) للغة العربية، وأصبح يشمل قضايا مرتبطة بما يعرف بالنقد الثقافي، ومن بينها بحث أثر العولمة والتكنولوجيا، وغيرهما من الظواهر المستجدة على اللغة العربية، في ظلّ مفاهيم علم اللغة الاجتماعي، التي تؤكّد أنّ اللغة هي تعبير وصورة حقيقية لماضي المجتمعات وموروثها، من عادات وتقاليد ومُثل وقيم وأديان، وارتباطها بمفاهيم الهوية والمقدس، وتمظهرها بوصفها عنوان أية أمة.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟

وتكتسب اللغة أهميتها في ميدان الاتصال؛ كونها الأداة الأساسية التي من خلالها يمكن توحيد المفاهيم، الأفكار، ونقل التكنولوجيا وتوطينها، لدرجة أصحبت معها مقولة: "من يستطيع تسويق لغته، بقوة وجدارة، يستطيع أن يسوّق منتجاته وبضائعه"، كما ينظر للغة من حيث قوتها وسيادتها، كونها أحد أبرز مظاهر الاستقلال والحرية.

تشير دراسات إلى أنّ ما بين 3 إلى 4 آلاف لغة ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين بسبب العولمة

إنّ المفاهيم السابقة تعطي مؤشراً واضحاً على واقع اللغة العربية اليوم؛ إذ بفقدانها فقد العربي استقلاله، وهو ما أدركته قوى تعاقبت على استعمار العرب في العصور الحديثة، بدءاً من الجمعية الطورانية التركية في أوائل القرن الماضي؛ التي شكّل "تتريك" العرب واستبدال اللغة العربية بالتركية، جوهر أهداف هذه الجمعية التي قامت على أساس قومي، فيما يتم النظر اليوم لاستخدام القوة الناعمة في تحويل العرب عن لغتهم الأم إلى اللغة الإنجليزية، أحد أبرز مظاهر الغزو الثقافي الغربي، وخاصة الأمريكي، وهي مقاربة، حريّ بالدارسين التوقف عندها، في ظل حقيقة أن هناك الكثير من الولايات الأمريكية (الجنوبية) تتحدث الإسبانية، فيما تتحدث كندا الإنجليزية إلى جانب الفرنسية، ودون أن ينعكس ذلك سلباً على الانتماء الثقافي لسكان أمريكا وكندا، وهو ما يدعو للتساؤل عن حقيقة كون اللغة إحدى أدوات التصدي للخارج.
وفي ظلّ ما يوصف بـ (سطوة) العولمة وعمق تأثيرها؛ فإنّ دراسات موثقة تشير إلى أنّه ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف لغة ستختفي خلال القرن الواحد والعشرين، خاصّة في القارة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: 3 طرق لتطوير مهارات الكتابة باللغة الإنجليزية.. عليك تعلمها
من هنا، فإنّ الدراسة تنطلق من التوقف عند المفاصل الأساسية، التي تشكّل معايير حقيقية يمكن الركون إليها، في استجلاء حقيقة تأثيرات العولمة على اللغة العربية، في ظلّ سيادة رؤية أحادية تزعم أنّ اللغة العربيّة في خطر، وأنّها تخوض حرباً ضروساً بمواجهة العولمة، التي تستهدف اقتلاعها من جذورها، وبالتالي التأثير على القرآن الكريم، وهو الكتاب المقدّس ليس عند العرب فقط، بل عند كلّ المسلمين.
من يستطيع تسويق لغته، بقوة وجدارة، يستطيع أن يسوّق منتجاته وبضائعه

اللغة العربية والعولمة
تهدف هذه الدراسة لاستجلاء آثار العولمة، السلبية والإيجابية، في اللغة العربية، ومدى انتشار لغة الضاد، وتقلّصها أمام اللغات التي تمثل القوى الفاعلة والرائدة في العولمة (الإنجليزية والفرنسية)، وما يوصف بأنّه حرب داخلية تُشنّ من قِبل بعض أبناء اللغة العربية على اللغة الفصحى، بالمطالبة بتقنين اللهجات المحلية في الأقطار العربية، بوصفها واقعاً معيشاً، وبديلاً عن اللغة الفصحى، والشبهات حول ارتباط بين الدعوات بالمستشرفين ودوائر غربية تستهدف الأمة العربية، وتاريخها، ولغتها.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟

تكمن أهمية الدراسة في استجلاء مدى إدراك الباحثين والدارسين في العالم العربي، للجوانب الإيجابية والسلبية للعولمة على اللغة العربية، والوصول إلى خلاصات علمية، تبيّن وفق منهجية الدراسة، حقيقة الأفكار والأحكام والمواقف تجاه هذه القضية، خاصة أنّ غالبيتها تتّخذ موقفاً سلبياً من العولمة، وتنظر لتأثيرات العولمة في اللغة العربية، بأحكام مسبقة، تعكس في جوهرها أبعاداً ثقافية ونفسية تجاه الآخر المستعمر، الذي يستهدف الأمة ولفظها وتاريخها وإرثها الحضاري.

التباكي على اللغة العربية مرتبط بمواقف مسبقة من الآخر، دون تقديم بدائل وحلول للتكيف لا المواجهة

تطرح الدراسات جملة من الأسئلة، بوصفها إشكاليات تواجهه اللغة، وتأمل أنّ الإجابات عليها ستشكل مفاتيح لدراسة الظاهرة، واكتشاف حقيقة هذا التأثير للعولمة على اللغة العربية:
1.  ما هو واقع اللغة العربية، مقارنة مع اللغات الأخرى؟
2.  هل هناك إيجابيات للعولمة، يمكن أن تنعكس إيجاباً على اللغة العربية، من ناحية زيادة انتشارها واستخدام التطبيقات الحاسوبية التي تشكل الأداة الرئيسية للعولمة؟
3.  هل هناك سلبيات للعولمة، تؤثّر في اللغة العربية؟ وهل هناك إمكانية للتعامل مع تلك السلبيات وتقليل آثارها ومخاطرها على اللغة؟

اقرأ أيضاً: علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

تنطلق الدراسة من فرضية أنّ العولمة، وبقوة مظاهرها وأدواتها، أثّرت سلباً في اللغة العربية، رغم أنّ هناك إيجابيات لتلك العولمة، لكن لم يُحسن العرب استخدامها، وذهبوا للتعامل مع العولمة وأداتها التكنولوجية، بما يخدم (الثوابت المقدسة)؛ بدلالة أنّ المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية، يغلب عليه طابع التطرف، وإنتاج (قواميس) جديدة تحفل بخطابات مليئة بالكراهية، ونبذ الآخر، وشيطنته، وأنّ التباكي على اللغة العربية مرتبط بمواقف مسبقة من الآخر، دون تقديم بدائل وحلول للتكيف، لا المواجهة.

اعتمدت الدراسة مقاربة المدخلات والمخرجات؛ أي دراسة ما أدخلته العولمة على اللغة العربية من تأثيرات إيجابية أو سلبية، وكيف تعاملت اللغة العربية، من خلال القائمين عليها والناطقين بها مع بعض المدخلات.

العولمة أثّرت سلباً في اللغة العربية

الفصل الأول: الإطار النظري:
- مفهوم الإشكالية.
- مفهوم العولمة.
- مفهوم اللغة.

الفصل الثاني: مظاهر تأثر اللغة العربية بالعولمة.

الفصل الأول
الإطار النظري
•  الإشكالية.
• العولمة.
•  اللغة.
أولاً: الإشكالية:
الإشكالية في اللغة مشتقة من الفعل (شَكَل)، وقد جاء في مقاييس اللغة لابن فارس: الشين والكاف واللام، معظم بابه المماثلة، تقول هذا شكل هذا؛ أي مثله، ومن ذلك أمر مشكل كما يقال أمر مشتبه؛ أي هذا شابه هذا، وهذا دخل في شكل هذا، ومن باب الشُّكلة: وهي حمرة يخالطها بياض، ويسمّى الدم "أشكل" للحمرة والبياض المختلطين منه.

من أبرز مظاهر تأثير العولمة في اللغة العربية طرح تساؤلات على نطاق واسع حول جدلية العلاقة بين الفصحى والعامية

وفي لسان العرب؛ الشكل بالفتح: الشّبه والمثل، والجمع أشكال وشكول، وخلاصة القول: في المعنى المعجمي لمادة (ش. ك. ل) معان عدة، مشتركها الالتباس والاختلاط.
أما الإشكال، فهو الالتباس، ويطلق على ما هو مشتبه، وفي الموسوعة الفرنسية؛ الإشكالية هي: سمة أو قضية قد تكون صحيحة.
والإشكالية في تبني القضية التي يمكن الإقرار بها بالإثبات أو النفي، أو أنّها تحمل النفي والإثبات معاً، وتستبطن غموضاً وتعدداً في الحلول، وهو ما يميزها عن المشكلة التي تحتمل إجابات مغلقة وحاسمة، قد تكون صحيحة أو خاطئة.
ووفق مفهوم "الإشكالية"، بوصفها القضية التي تحتمل إجابات مفتوحة، قد تحمل النفي والإثبات، ذهب الباحث إلى وصف ما تواجهه اللغة العربية في ضوء العولمة بالإشكالية استناداً لكونها قضية مفتوحة، وأن تأثيرات العولمة على اللغة العربية تؤكد أنّ هناك جوانب إيجابية، لم يتم استثمارها واستخدامها، وهناك سلبيات، يبدو أنّها الأكثر وضوحاً، وكلّ من السلبيات والإيجابيات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمواقف ومقاربات وأفكار مُصدر هذا الحكم أو ذاك، تجاه العولمة والآخر، وهواجسه من العولمة ومخاوفه على اللغة العربية بوصفها لغة مقدسة.

سيطرة الشقّ الاقتصادي في العولمة، جعل غالبية تعريفاتها مرتبطة بهذا الشقّ

ثانياً: العولمة
تتعدّد تعريفات العولمة، وتخلط تلك التعريفات بين العولمة بوصفها مفهوماً، ومظاهرها وأدواتها، وتكاد تركز على الجوانب الاقتصادية، ومفهوم الشركات المعلومة، متعددة الجنسيات، بما يضفي مفهوماً قاصراً لها؛ إذ إنّها تغطي كافة مظاهر حياة المجتمعات: السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والثانية؛ فهي نظام عالمي جديد تقوم على العقل الإلكتروني، والثورة المعلوماتية والاتصالية، والإبداع التقني، دون النظر إلى الحضارات والثقافات والقيم السائدة في المجتمعات والحدود الجغرافية، "وهي كذلك" القوى التي لا يمكن السيطرة عليها من أسواق الدولة والشركات متعددة الجنسيات، التي لا سلطة لأية دولة قريبة عليها.
وذهب آخرون إلى أنّها: "عملية إخضاع العالم بأكمله لأنماط واحدة في السياسة والاقتصاد والثقافة".

اقرأ أيضاً: تعليم اللغة العربية في كندا ثغرة تتسلل منها جماعات الإسلام السياسي
إنّ سيطرة الشقّ الاقتصادي في العولمة، جعل غالبية تعريفاتها مرتبطة بهذا الشقّ، كون انتقال البضائع والسلع، وبمفاهيم السوق الحرّ، تشكّل أبرز عناوين العولمة وتمظهراتها، فيما يتحدث آخرون حول الشقّ السياسي للعولمة؛ كونها وصفة استعمارية جديدة تقضي على مفاهيم السيادة الوطنية للدول، من خلال ترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحريات الأفراد والمجتمعات، وهو ما يعني، بحسب رأيهم، القضاء على السيادة الوطنية لصالح الولاء والانتماء لمؤسسات وأفكار عالمية فوق وطنية.

مقولة: اللغة العربية في طريقها للاندثار مثل كثير من اللغات غير دقيقة

ولكن في المقابل؛ هناك من يبشّر بفوائد العولمة، ومنهم الكاتب الأمريكي (فوكوياما)؛ الذي يرى أنّ العولمة ستقرر شعوب الأرض لتوافق تدريجي لكافة التناقضات بين الشعوب.
ويستند مؤيدو العولمة، ومعارضوها، إلى جملة من المظاهر التي تشكّل نتائج للعولمة؛ حيث يرى المؤيدون أنّها ستعمل على: تقريب الاتجاهات العالمية، وزيادة وإنعاش الاقتصاد العالمي، والإنتاج المحلي للدول، في إطار تنافسية حرة، وحلّ المشكلات الإنسانية؛ كأسلحة الدمار الشامل، والبيئة، والمناخ، وفي المقابل؛ يرى معارضوها أنّها تثبت هيمنة الاقتصاد الأمريكي، والتحكم في قرارات الدول لصالح أمريكا، وتدمر الهويات الوطنية ونسيجها الاجتماعي، وتجعل الدول النامية مكشوفة، من خلال تعزيز الصراعات الإثنية بين شعوبها، وتساعد في انتشار الفوضى والجريمة المنظمة والنزاعات المسلحة.
ومن الواضح أنّ وجهتَي النظر تستبطنان ما يؤيدها وما يرفضها؛ فعلى سبيل المثال: إنّ اقتصاديات الصين والهند والبرازيل المتصاعدة، والمتفوقة، أو المنافسة بقوة لاقتصاديات أمريكيا وأوروبا، تجعل مقاربة أنّ العولمة ما هي إلا سيطرة أمريكية على العالم موضع شكّ، فيما تحوّلت بعض الدول إلى طريق الديمقراطية، بدلاً من الحكم الدكتاتوري الشمولي، كما في ليبيا والعراق، رغم أنّ ديمقراطية هذه الدول ما تزال في مرحلة تحولات عميقة، وقد جهد مفكرون في التمييز بين العولمة والعالمية؛ حيث يقول محمد عابد الجابري: إنّ "العالمية تفتح العالم على الثقافات الأخرى والاحتفاظ بالاختلاف الثقافي والخلاف الأيديولوجي، أما العولمة؛ فهي نفي للآخر، وإحلال للافتراق الثقافي".

ثالثاً: اللغة
يختلف مفهوم اللغة باختلاف نظرة معرفيها وتصورهم لوظائفها؛ فهي عند ابن جنى: "أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم"، وهذا التعريف يؤكد الطبيعة الصوتية للغة، ووظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر. أما تراجر، فتعرفها: بأنّها "نظام من الرموز المتعارف عليها، وهي رموز صوتية متعارف عليها، يتفاعل بواسطتها أفراد مجتمع ما في ضوء الأشكال الثقافية الكلية عندهم".
ويعرفها تشومسكي، صاحب نظرية النحو التوليدي، بقوله: "اللغة مجموعة من الجمل المحددة، أو غير المحددة، يمكن بناؤها من مجموعة محددة من العناصر".
وترتبط اللغة بالعديد من الوظائف، أبرزها: (النفعية، التنظيمية، التفاعلية، الاستكشافية، التخيلية، البيانية، والشعائرية).

اقرأ أيضاً: اللغة وكيفية الإفادة من الحُزم الرّمزية
وبموازاة ذلك؛ ترتبط اللغة ارتباطاً وثيقاً بالمفهوم التواصلي؛ حيث إنّها بنية تعتمد على عدد من المراحل، كما وصفها "جاكبسون"، هي: مرحلة تكوين الرسالة، وإطلاقها من خلال أصوات، وتلقّي تلك الأصوات في المرحلة الثانية من قبل المتلقي، ومن ثم القيام بعمليات تحليل الرموز التي تضمنتها تلك الأصوات بوصفها شيفرات، تحليلاً صرفياً ونحوياً ودلالياً.
من هنا، فإنّ أهمية التعاطي مع المفهوم التواصلي للغة العربية، كون اللغة تحمل رسالة، تحظى بأهمية أكبر في هذه المرحلة، خاصة أنّ اللغات العالمية تطورت بهذا الاتجاه، ما مكّنها من الوصول إلى أوسع القطاعات؛ بمن فيهم غير الناطقين بها أصلاً، مقابل جمود اللغة العربية وتوقفها عند المعنى المعجمي، الذي يمتدّ عمره لأكثر من ألف عام مضى؛ لذا فإنّ التساؤلات حول قدرة اللغة على حمل تلك الرسالة، في ضوء تغول لغات أخرى عليها، بما في ذلك السؤال فيما إذا كان القصور من اللغة ذاتها، أو من القائمين عليها، يبدو مقبولاً اليوم، رغم عدم القدرة على الوصول إلى إجابات شافية.

كافة اللغات الحيّة تواجه التحديات ذاتها، بمستويات متفاوتة

الفصل الثاني
مظاهر تأثّر اللغة العربية بالعولمة

لا تواجه اللغة العربية وحدها التفاعل والتحديات للتعامل مع العولمة؛ حيث إنّ كافة اللغات الحيّة تواجه التحديات ذاتها، بمستويات متفاوتة، تعكس مدى تفهم الناطقين بأيّة لغة، والعلاقة بين أية لغة والعولمة، يحدّدها مستقبل تلك اللغة وتطويرها، واحتمالات بقائها أو تراجعها أو اندثارها، والذي يعكس بالضرورة احتمالات بقاء أو تراجع أو اندثار الناطقين بها، وامتلاك القوة الذاتية والقدرات التقنية والعلمية، تشكّل أدوات مهمة في المواجهة المفترضة بين الأقوى والأضعف، من هنا؛ فإنّ تطوير اللغة العربية وجعلها لغة عصرية أصبح ضرورة مرتبطة بمستقبل الناطقين بها.

اقرأ أيضاً: اللغة الصينية في السعودية
وبعيداً عن الأحكام المسبقة؛ فإنّ للعولمة إيجابيات على اللغة العربية، في إطار العولمة الثقافية التي تهدف إلى الانتقال بالأفكار والثقافة من المحلية إلى العالمية، على أساس الحرية في انتقال الأفكار والقيم والاتجاهات والقيم، رغم أنّ هذه اللغة لم ترتقِ إلى أن تكون لغة عالميّة، لكنّ اللغة العربية استفادت من التقنيات التكنولوجية والوسائل السمعية والبصرية الاتصالية، وتحديداً في تعليم اللغة العربية، كما أسهم انتشار الفضائيات، بما فيها الأجنبية الناطقة باللغة العربية في نشرها، بما تبثّه من برامج ثقافية واجتماعية ومسلسلات مدبلجة، وأصبحت اللغة العربية مطلباً للشعوب والأمم الأخرى، خاصّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001؛ إذ تزايد الإقبال على تعلّم اللغة والثقافة العربية، وازدادت أعداد المعاهد والأكاديميات التي تدرس اللغة العربية لغير الناطقين بها.

تشير توقعات مستشرقين إلى أنّ اللغات العالمية ستندثر باستثناء الإنجليزية والإسبانية والصينية والعربية

ومع ذلك؛ فإنّ تلك الإيجابيات ستبقى مرهونة بظروف محددة تضمن الابتعاد عن التطرف والتعصب، وتنمية الفكر بروح عصرية، يتم خلالها التحرر من الرواسب والأنساق المغلقة، وانفتاح المدارس والجامعات ودور العلم على الآخر، وهو ما يؤشّر إلى صعوبة المهمة؛ كونها مرتبطة بجهات عديدة، رسميّة وشعبية.
أما سلبيات العولمة على اللغة العربية؛ ففي ظلّ سطوة العولمة وجبروتها، بدأت تدخل الكثير من الألفاظ الإنجليزية إلى العربية، ويتم التعامل مها باعتبارها عربية (كنتاكي، ماكدونالدز، ببايز، فاستافود، سوبر ماركت، تلفون، إنترنت، إستراتيجية، أكاديمية، كمبيوتر، تاكسي، ماسج، موبايل، فورمات، ...إلخ)، وشيوع استخدام التقويم الميلادي، حتّى أنّ المركبات والوثائق والصحف والفضائيات جميعها تستخدم الإنجليزية والفرنسية، ويتعدى الأمر ذلك لاستخدام الشباب العربي لغة خاصة أثناء استخدام الإنترنت (عربيزي)، ورغم أنّ كثيرين يربطون استخدام الشباب العربي للغة جديدة بنوازع التمرد الاجتماعي عند هذه الفئة، غير أنّ أحداً لا يقرّ بالمقاربة التي تقول إنّ اللغة العربية، وفي ظلّ حالة "الجمود" وعدم القدرة على تطويرها، بما يجعلها مقبولة، وتزويدها بأسباب القوة لمجاراة العصر، فإنّ الشباب العربي ذهب للبديل الأسهل والذي توفره التكنولوجيا.
كما أنّ الكتابة باللغة العربية من خلال الإنترنت تواجه تحديات في ظلّ عقبات متعددة ومتنوعة، منها: تعدّد صيغ الحرف العربي والكتابة العربية وعلامات الترقيم، كما أنّ ارتباط الكلمات في اللغة العربية بالجذور الثلاثية يُصعّب إدخالها في برامج الكمبيوتر؛ حيث إنّ اللغات الأخرى تعتمد صيغة الفعل أو الاسم المجرور.

اقرأ أيضاً: اللغة الإنجليزية في خطر.. هذا هو السبب
ولعلّ أبرز مظاهر تأثير العولمة في اللغة العربية، تكمن في طرح تساؤلات على نطاق واسع حول جدلية العلاقة بين اللغة الفصحى والعامية ومفاهيم الازدواجية والثنائية في اللغة، وفيما إذا كانت الفصحى عاجزة عن إيصال الأفكار والمعاني للجمهور، وإذا ما كانت الفصحى معقدة وصعبة لدرجة ألّا يستطيع الجمهور فهمها؟ إضافة إلى تساؤلات أخرى مرتبطة بالعلاقة بين اللغة والهوية، وأنّه مع ما يوصف بضياع اللغة العربية؛ فإنّ الهوية الجامعة للأمة معرضة هي الأخرى للضياع.

إنّ فرضية أنّ اللغة العربية مستهدفة في إطار غزو ثقافي في حاجة إلى إعادة نظر

النتائج
إنّ فرضية أنّ اللغة العربية مستهدفة في إطار غزو ثقافي في حاجة إلى إعادة نظر، خاصة أنّها مرتبطة بالعولمة، كما أوضحنا، تلك العولمة التي يواجه مُطلقها المفترض، وهو أمريكا وأوروبا، ذات التحديات التي تواجهها الدول الأخرى؛ إذ يبدو أنّ مقولة: "العولمة (حصان) لم يعد صاحبه قادراً على أن يضبطه بعد فكّ لجامه"، تخطئ بشيء من الموضوعية.

اقرأ أيضاً: اللغة بين نمطين من التفكير.. هل "العربية" استثناء؟
ويبدو أنّ هناك مصداقية في فرضية البحث المتضمنة أنّ آثار العولمة السلبية في اللغة العربية أكبر من آثارها الإيجابية، لأسباب أبرزها: أنّ الناطقين بهذه اللغة، من عرب ومسلمين، هم في آخر سُلّم الأمم في المعرفة والقوة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
أما الإيجابيات؛ فرغم استثمار الأداة التكنولوجية والإنترنت، إلا أنّ ذلك أسهم في شيوع اللهجات العامة، خاصة في البرامج الإعلامية، من مسلسلات وغيرها، غير أنّ الأخطر فيها هو شيوع العامية في برامج الأطفال.
ومع ذلك؛ فإنّ مقولة: "اللغة العربية في طريقها للاندثار، مثل كثير من اللغات"، هي مقولة غير دقيقة، خاصة أنّ تلك اللغة ما تزال هي اللغة الرسمية للدول والحكومات العربية، كما أنّها لغة الدين وخطباء وروّاد المساجد، هذا إضافة إلى توقعات تصدُر عن مستشرقين تشير إلى أنّ اللغات العالمية ستندثر باستثناء (الإنجليزية، الإسبانية، الصينية، والعربية).

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد
إنّ الاعتراف بحقيقة أنّ اللغة بمعياريتها ومعجميتها التي بنيت قبل ألف عام، غير قادرة على الاستجابة لتطورات العصر، تعدّ ضرورة قومية للبدء بالبحث عن حلول فاعلة وقابلة للتطبيق، للحفاظ على اللغة، وإعادة فحص المزاعم حول علاقة اللغة بالمقدس، وإنّ تحديث اللغة العربية لا يعني  استهداف القرآن الكريم، ولعلّ التساؤل المطروح: كيف يمكن فهم القرآن الكريم بالنسبة إلى متلقٍّ لم يعد يفهم هذه اللغة؟ كما أنّ إصرار مجامع اللغة العربية في الدول العربية على الالتزام باللغة العربية الفصحى، وعدم القدرة على توفير بدائل تستجيب لمنطق العصر، مدعاة لإعادة النظر بالقائمين على تلك المجامع، وإنتاج مناهج وطرق جديدة للخروج بحلول توافقية تضمن الاحتفاظ بالمعنى، والتوقف عن اتخاذ موقف معادٍ ورافض للهجات العامية.


المصادر والمراجع:
1.  أبو زعرور، محمد سعيد بن سهو، 1998، العولمة، ط 1، دار البارق، الأردن.
2.  جابري، محمد عابد، 1997، قضايا في الفكر المعاصر، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
3.  حديثي، مؤيد عبد الجبار، 2002، العولمة الإعلامية، ط 1، الأهلية للنشر، عمان – الأردن.
4.  حسين، عدنان السيد، 1998، نظرية العلاقات الدولية، منشورات الجامعة اللبنانية.
5.  الجناوي، مصطفى محمد، واقع لغة الإعلام المعاصر، دار أسامة للنشر، عمان – الأردن، 2011.
6.  خطيب، أحمد شفيق، المواصفات المصطلحية وتطبيقاتها على اللغة العربية، المنظمة العربية للثقافة والفنون، الجامعة العربية، تونس.
7.  عايد، حسن عبد الله، 2004، أثر العولمة في الثقافة العربية، ط 1، دار النهضة، بيروت.
8.  فريحة، أنيس، في اللغة العربية وبعض مشكلاتها، ط 1، دار النهار، بيروت.
9. مجاهد، أسامة أحمد، اللغة والهوية والتفاعل الثقافي، منشورات جامعة القاهرة.
10. ناهدة محمد محمود، اللغة العربية والتحديات، كتاب المؤتمر الدولي الثاني "اللغة العربية في قطر"، دبي، 2013.
11. مرتاض عبد الجليل، اللغة والتواصل، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر.

للمشاركة:



ماذا يحدث في قاعدة مركز الإمام الخميني للفضاء؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أظهرت صور الأقمار الصناعية لـ "مركز الإمام الخميني للفضاء"، في محافظة سمنان الإيرانية، هذا الشهر، نشاطاً متزايداً في الموقع، مع استمرار التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران.

وتزامن هذا النشاط مع تصريح مسؤول إيراني حول تسليم قمر صناعي قريباً إلى وزارة الدفاع في البلاد، وهذا مؤشر على أنّ محاولة الإطلاق ستجري قريباً، وفق ما نقلت "العربية".

صورة للمركز تظهر نشاطاً متزايداً في الموقع في إشارة إلى اقتراب إجراء محاولة لإطلاق صاروخ

وقال الباحث في مركز "جيمس مارتن" لدراسات حظر الانتشار النووي في معهد "ميدلبري" للدراسات الدولية في مونتيري بكاليفورنيا، فابيان هينز: "قاعدة الإمام الخميني الفضائية عادة ما تكون هادئة تماماً، اطلعنا الآن على صور شاهدنا من خلالها نشاطاً ملحوظاً في مركز التجميع هذا، ينبئ بحدوث شيء في منصة (الإطلاق)".

وأشار هينز إلى أنّ صور الأقمار الصناعية للقاعدة، التي التقطت في 9 آب (أغسطس) الجاري، تظهر النشاط في منشأة واحدة هناك، وقال إنّ هناك صورة أخرى لمنصة إطلاق في المنشأة تُظهر المياه التي يجري إخراجها وتجميعها، ومن المرجَّح أن يكون ذلك مؤشراً على قيام العمال بتهيئة الموقع لعملية إطلاق.

 

للمشاركة:

1500 معلم ومعلمة ضحايا إرهاب الحوثيين.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

قتلت ميليشيات الحوثي الإرهابية أكثر من 1500 معلم ومعلمة، منذ انقلابها على السلطة الشرعية، وإشعالها الحرب قبل أكثر من 4 أعوام.

ميليشيات الحوثي الإرهابية قتلت أكثر من 1500 معلم ومعلمة منذ انقلابها على السلطة الشرعية

وكشفت نقابة المعلمين اليمنيين؛ أنّ قرابة 2400 من العاملين في القطاع التعليمي باليمن تعرضوا لإصابات نارية مختلفة، نتجت عن بعضها إعاقات مستديمة، وفق ما نقلت وكالات أنباء محلية.

بدوره، أكّد المسؤول الإعلامي للنقابة، يحيى اليناعي، في تصريحات صحفية؛ أنّ "الاشتباكات المسلحة في القرى والمدن، والقصف العشوائي على المدارس والمناطق الآهلة بالمواطنين، والتعذيب في أقبية السجون، وزرع الألغام والعبوات المتفجرة في الأحياء السكنية والمزارع والطرقات من قبل عناصر ميليشيات الحوثي، نجم عنه هذا العدد الكبير من الضحايا في صفوف المعلمين".

وأوضح اليناعي؛ أنّ النقابة وثقت 32 حالة اختفاء قسري لمعلمين اختطفتهم ميليشيات الحوثي من منازلهم ومدارسهم ولم يشاهد أي فرد منهم بعد ذلك، كما لم تتلقَّ عائلاتهم أيّة إجابة من الحوثيين بشأن مصيرهم.

أيضاً، لفت إلى أنّ صنعاء تسجل أعلى نسبة من المخفيِّين بواقع "12" حالة، ثم محافظة صعدة بعدد 6 معلمين، اختطفتهم ميليشيا الحوثي عام 2009، أثناء عودتهم من مدينة صعدة وهم يحملون ملابس العيد لأطفالهم، ولم يشاهَدوا بعدها منذ ذلك التاريخ.

نقابة المعلمين وثقت 32 حالة اختفاء قسري لمعلمين اختطفتهم ميليشيات الحوثي من منازلهم ومدارسهم

وقال اليناعي: إنّ ميليشيا الحوثي هدمت 44 منزلاً من منازل المعلمين وسوتها بالأرض باستخدام الألغام، في محافظات "صعدة، عمران، حجة، وصنعاء".

كذلك أشار إلى أنّ "60% من إجمالي العاملين في القطاع التعليمي باليمن، البالغ عددهم 290 ألف موظف، لم يحصلوا على مرتباتهم بشكل منتظم منذ 3 أعوام، وأكثر من 9 آلاف تربوي من المعلمين النازحين لا يتقاضون مرتباتهم شهرياً، ما جعلهم عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية في المعيشة والحياة".

إلى ذلك، دعا المسؤول الإعلامي لنقابة المعلمين اليمنيين، الجهات المختصة والمجتمع الدولي لحماية التربويين في اليمن، وإجراء تحقيقات موثوقة في كافة وقائع القتل والاختفاء والاعتقال ومختلف الانتهاكات الإنسانية بحقّ المعلمين، وتقديم توضيحات علنية بما تمّ إنجازه من التحقيق في هذه الجرائم، وضبط الجناة ومحاكمتهم.

 

للمشاركة:

الأزمات تعصف بالقطاع الأكاديمي في تركيا.. من المسؤول؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

يعاني القطاع الأكاديمي التركي جراء سياسة الإقصاء التي اتبعها حزب العدالة والتنمية، والملاحقات الأمنية، بتهم تتعلق بحركة الخدمة والمواقف السياسية.

وكشفت بيانات صادرة عن مركز القياس والاختيار والتنسيب التركي (ÖSYM)، عن خلو 2450 قسماً، بـ 78 جامعة حكومية، من أصل 122 جامعة بعموم البلاد، من أعضاء هيئة التدريس، إما بشكل كلي أو جزئي.

وأكّدت بيانات المركز؛ أنّ "273 قسماً تخلو من الأكاديميين تماماً، سواء كانوا أساتذة، أو أساتذة مساعدين، أو أعضاء هيئة تدريس حاصلين على دكتوراه، كما أنّ هناك 1434 قسماً تخلو من الأساتذة، و743 قسماً تخلو من الأساتذة المساعدين"، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" التركية المعارضة.

مركز متخصص يكشف عن خلو 2450 قسماً بـ 78 جامعة حكومية من أعضاء هيئة التدريس إما بشكل كلّي أو جزئي

ومن بين هذه الجامعات التي تخلو أقسام بها من الأكاديميين، جامعات لها تاريخ عريق، كجامعة العاصمة أنقرة، وجامعتَي البسفور ومرمرة، في مدينة إسطنبول.

ووفق بيانات المركز؛ فإنّ هذه الأقسام الخالية من الأكاديميين بها 14 ألفاً و421 درجة شاغرة، كما أنّ هناك 1694 قسماً، في كلّ واحد منها أقل من 5 أكاديميين، 642 قسماً منها بها 3 أكاديميين فقط، و96 بها أكاديميان، و24 بها أكاديمي واحد لا غير.

ووفق البيانات ذاتها؛ تأتي أقسام التمريض على رأس الأقسام التي تعاني من قلة أعضاء هيئة التدريس؛ إذ يخلو نحو 26 قسماً من أصل 98 من أقسام التمريض من الأكاديميين، فيما تتشكل معظم الأقسام الخالية من أعضاء هيئة التدريس في الكليات الأخرى التي تضمّ طلاباً من الجنسين، وتضمّ 21 قسماً لإدارة البنوك و20 قسماً لإدارة العلاقات الدولية والتجارة.

وأدّى هذا العجز في أعداد الأكاديميين إلى التأثير سلباً على العملية التعليمية في الجامعات، فهناك 10 طلاب لكلّ أستاذ جامعي داخل 1400 قسم، وأكثر من 20 طالباً لكلّ أكاديمي داخل 444 قسماً، وأكثر من 35 طالباً لكلّ أكاديمي داخل 50 قسماً، فضلاً عن أنّ هناك بعض الأقسام التي يوجد بها أكاديمي واحد لكلّ 70 طالباً.

صحيفة "جمهورييت" في تعليقها على هذه البيانات، قالت: إنّ "هذا هو حال جامعاتنا التي يتفاخر نظام أردوغان بافتتاحها دون جدوى من وراء ذلك".

وبحسب عدد من التقارير الدولية، تعاني تركيا من غياب المعايير المحددة لجودة التعليم الجامعي، وعدم وجود قاعدة بيانات موثوقة وموضوعية في هذا الصدد، وذلك إلى جانب عدم مشاركة مجلس التعليم العالي بتركيا في إعداد قاعدة البيانات، رغم أنّه المعني بالكشف عن كلّ بيانات وتفاصيل الجامعات التركية، لكن بدلاً من تقديمه معلومات موضوعية عن الأداء الأكاديمي للجامعات، يعتمد الأتراك على الإعلانات التلفزيونية، واللوحات الإعلانية العملاقة، والأساليب التسويقية، للتعرف أكثر على الجامعات التي ينوون الالتحاق بها.

وكان أردوغان قد أغلق 15 جامعة تركية يعمل فيها 2760 أكاديمياً، بذريعة انتمائها لجماعة رجل الدين فتح الله غولن، المتهم بتدبير المحاولة الانقلابية المزعومة في أنقرة، فضلاً عن اعتقال العديد من الأكاديميين بالتهمة ذاتها أو الاكتفاء بفصلهم من مناصبهم في الجامعات الحكومية والخاصة.

وفي كانون الثاني (يناير) الماضي أيضاً؛ أعلنت إدارة الهجرة والتجنيس الهولندية (IND)؛ أنّ أكثر من ألف أكاديمي تركي تقدموا إليها بطلبات لجوء خلال عام 2018.

 

 

 

للمشاركة:



أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:

النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

فاروق يوسف

قال لي صديق تونسي معبراً عن يأسه وهو يأس أصيب به عدد غير قليل من المثقفين هناك عبر سنوات الإحباط القليلة الماضية "كل المرشحين للرئاسة غير مقنعين على مستوى الحفاظ على استقلالية مؤسسة الرئاسة".

ولكن تلك القناعة لا تكفي سببا لمقاطعة الانتخابات. كل صوت له ثقله وهو ما لا يجب الاستهانة به أو إغفاله. يبدو الامر مزعجا غير أنه ضروري.

ما يجب التفكير فيه واقعيا هو الدفع بالنتائج لكي تكون سدا يحول دون الانزلاق إلى ما هو أسوأ.

هي فكرة يائسة غير أنها تمثل نوعا من الحل.

فإذا ما كان فوز حركة النهضة في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية هو الأسوأ فإن العمل على منعها من الفوز هو خيار وطني مثالي.

غير أن الخطير في الأمر يكمن في أن حركة النهضة قد اختارت عبدالفتاح مورو وجها علنيا لها لانتخابات الرئاسة وهي ليست ملامة في عدم التصريح بالأقنعة التي دخلت من خلالها السباق الرئاسي.

مرشح النهضة المباشر واحد، غير أن هناك عددا من مرشحيها غير المباشرين الذين سيضمنون لها حرية الحركة داخل الدولة حين يفتحون لها أبواب قصر قرطاج.

تلك هي أشبه بالأحجية التي سيكون على الشعب التونسي القيام بتفكيك عناصرها والتعرف على حقيقة المرشحين قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ذلك لأن "النهضة" قد وزعت دعمها بين عدد من المرشحين، قد لا يكون المنصف المرزوقي أبرزهم بالرغم من أنه يعتقد أنه الأكثر حقا في الحصول على دعمها بسبب ما قدمه لها من خدمات اثناء رئاسته المشؤومة.

وإذا ما كان المرزوقي لا يحظى بشيء من الشعبية بسبب ما تخلل رئاسته الأولى من سلبيات عكست ضعفه وسوء تقديره لمنصبه وانحيازه الرث للإخوان المسلمين بذريعة حماسته للربيع العربي فإن هناك مرشحين آخرين لا يقلون عنه سوءا سيكون ذهابهم إلى قصر قرطاج بمثابة نكبة للشعب التونسي، تتمكن من خلالها حركة النهضة من القبض على مصير البلاد.

لقد قُيض لحركة النهضة أن لا تتعرض لاهتزازات عميقة من داخلها وهو حدث طبيعي بالنسبة للأحزاب الدينية التي تملك القدرة على إخفاء خلافاتها وانشقاقاتها بعيدا عن الأضواء.

وكما يبدو فإن قسم الولاء المقدس يلعب دورا كبيرا في تكريس هيمنة القيادة التي لا يمكن أن تتعرض للنقد العلني الذي لا يقترب منه الانفصاليون. وهو ما استفادت منه حركة النهضة حين أبقت الطرق سالكة بينها وبين أعضائها ومناصريها السابقين.

ولأن الذين قرروا ان يضعوا مسافة بينهم وبين الحركة يؤمنون بأن دعمها لهم سيضمن لهم حظوظا أفضل في الانتخابات فإنهم قد سعوا إلى أن تقتنع الحركة بأنهم يمثلون رصيدا مضمونا لها في مستقبل أيامها.

ذلك التواطؤ لم يعد خافيا على التونسيين.

هناك شخصيات مستقلة ظاهريا ترشحت لمنصب الرئاسة هي في حقيقتها عبارة عن ألغام نهضوية ستنفجر ما أن يستقر بها الحال بعد الانتخابات التي صارت بالنسبة لحركة النهضة عبارة عن مكيدة.

ذلك ما يدفع إلى اليأس.

ولكنه اليأس الخلاق الذي يدفع في اتجاه الحقيقة.

تضلل حركة النهضة الجميع حين تقدم عبدالفتاح مورو باعتباره مرشحها الوحيد فيما تتستر على علاقتها السرية بعدد من المرشحين الذين تراهن على فوز واحد منهم باعتباره مستقلا، غير أنه في حقيقته يمثل ضمانة لها أكثر من مورو الذي تعرف أنه يمثل وجهها القبيح.

سيكون من أسباب شعور الشعب التونسي بالثقة بمستقبله أن يضع يديه على المواقع التي يمكن أن أسميها بـ"مواقع الغدر" في الانتخابات الرئاسية. وهي المواقع التي تتحرك من خلالها حركة النهضة خفية.

وكما أرى فإن الاختبار الحقيقي لمصداقية المرشح لانتخابات الرئاسة سيكون موقفه من حركة النهضة.

لا تنفع في ذلك المواقف الصامتة.

لو كنت تونسيا لصوتً لصالح مَن يقف علنا ضد النهضة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية