"التفكير فريضة إسلامية" للعقاد: الدين والفكر هداية متبادلة

10210
عدد القراءات

2018-06-28

يعدّ التفكير، وليس التكفير، ضرورة لبقاء وتطور المجتمع المسلم، وقد أبان عباس محمود العقاد في كتابه المهم "التفكير فريضة إسلامية"، أنّ العقلانية وإعمال النظر والنُهى بحثاً عن انفراجٍ لمعضلات الحياة، وتدبر الظواهر من حولنا رغبة في إيجاد الحلول الأنسب للصعاب التي تواجه المجتمع الإسلامي، تعدّ كلها تكليفاً إلهياً لكافة المسلمين وعلمائهم.

ويستطرد العقاد في كتابه: القرآن الكريم يحتفي بالعقل؛ حيث تتكرر ذكر مفردات مثل "يعقل" و"يتفكر"، ومشتقاتهما كثيراً، والرشد يعدّ أعلى درجات العقل من منظور إسلامي، ويصنّف العقل في التصنيفات الإسلامية على عدة مستويات، حسب قدراته في التحليل والتقييم وإصدار الأحكام وحل المشكلات، ويقسم العقل المسلم إلى: عقل مدرك، وعقل حكيم، وعقل رشيد.

تكليف العقل المسلم بدوام التفكير والتبحر في علوم الحياة لا يتوقف إلا إذا أصيب العقل باختلال يمنعه

ويستدل العقاد بشواهد قرآنية تعزز طرحه الفكري؛ حيث يقول إنّ آيات مثل: {أفلا يعقلون}، و{وما يعقلها إلا العالمون}، و{أولي الألباب}، و{يتفكّرون}، و{لعلهم يفقهون} رفعت من قيمة التفكر والتدبر بقوانين الحياة ونواميسها، بحثاً عن حلول تسهل وتيسّر سبل الحياة، وتنتصر على الصعوبات والمعوقات التي تواجه الإنسان على هذه الأرض.

ثم يتابع: إنّ تكليف العقل المسلم بدوام التفكير والتبحر في علوم الحياة، لا يتوقف إلا إذا أصيب العقل باختلال عضوي يمنع عمله وعملياته الذهنية.

غلاف كتاب "التفكير فريضة إسلامية" لعباس العقاد

ثم يوضح العقاد في كتابه، أنّ ما يسمّى بموانع استخدام العقل المسلم ما هي إلا محض خيال وافتراءات، وما يغذي ذلك الاعتقاد الخاطئ هو الأعراف البالية، والبصيرة العمياء، والخوف من المحاولة، ومقاومة حبّ الاستطلاع والاكتشاف.

وجعل العقاد "المنطق" في الباب الأول من مبحثه في ضرورة إعمال العقل المسلم في فنون وعلوم الحياة، ويقول إنّ الأمة الإسلامية، مثل الأمم التي سبقتها، كانت أمة تستخدم العقل في كل مناحي حياتها، إلى أن انتقلت كما انتقل الذين من قبلها إلى مناقشة القشور دون الجوهر، ودخلوا في جدال يثير البغضاء والمشاحنات وإشاعة الخلاف، فضاعوا في التفاصيل الجوفاء.

الغزالي وابن تيمية لم يحرما المنطق بل ناقشا فيه للتصحيح والتنقيح وليس لهدم الأسس المنطقية

ويكشف العقاد سراً تاريخياً هنا؛ أنّ لجوء بعض فقهاء وعلماء الدين المسلمين لفتاوى تحرم الجدل، وعلوم الكلام والمنطق، كان مردّه ما شاهدوه من تخبط العامة في مناقشات ومشاحنات لا طائل منها، ويذكر كذلك رأياً مهماً: أنّ أبا حامد الغزالي، وابن تيمية، لم يحرموا المنطق بل ناقشوا فيه للتصحيح، والتنقيح، وليس مناقشة هدم للأسس المنطقية، أو تفنيداً للأصول، ويورد أقوالاً للغزالي في هذا الصدد تحرّم التقليد، وتعتمد الدرس، والتمحص، والاهتداء بالتفكير السليم من أجل الوصول لحقائق الدين وعلومه، بل إن الغزالي يقول: "المنطق أودعه الله في نفوس خلقه، ومن يلغيه أو يحرّمه يكون كمن يريد أن يلغي الفطرة التي فطر الله الناس عليها".

اقرأ أيضاً: يوسف ربابعة: لن نبدع مادمنا نرفض أي تفكير خارج المألوف

ثم يعرج العقاد في كتابه على ضرورة الفلسفة في حياة الإنسان المسلم، ويقول إنه درس القرآن الكريم، والسنة النبوية، ولم يجد أيّة كلمة تحجر التفكير في شأن من شؤون الفلسفة، أو مذهب من مذاهبها، ما لم تتعارض تلك الفلسفة مع صريح العقيدة، أو تفرق جماعة المسلمين.

ويقدم العقاد فرضية، قد تكون صحيحة إلى حدّ بعيد، في تفسير نكبة بعض الفلاسفة والمفكرين والشعراء المسلمين؛ حيث يقول إنّ الشاعر بشار بن برد، والفيلسوف ابن رشد لم يواجها أوقاتاً عصيبة، وترفض أفكارهما بسبب آرائهما؛ بل بسبب علاقتهما بالسلطة السياسية، التي لم تكن على ما يرام، والدليل أنّ الفيلسوف ابن باجة الذي اتُّهم بالزندقة، كان موضع احترام كبير في دولة المرابطين السلفية، وتقلّد مناصب مهمة منها قاضي مراكش، وكذلك نجد قصة مشابهة من المشرق؛ حيث كان مطيع بن إياس شاعراً متهماً بالزندقة ونشر الخلاعة، لكنّ صداقته بأبي جعفر المنصور قدمت له الحماية من أعدائه وانتقاداتهم طيلة عمره.

تحريم بعض الفقهاء للجدل وعلوم الكلام والمنطق كان مردّه ما شاهدوه من تخبط العامة

ويشيد العقاد، في نهاية مبحثه، في الفلسفة الإسلامية بالفارابي الذي حاول التوفيق بين الدين والفلسفة، ومن ثم يثني على جهود فلاسفة مسلمين مهمين، من أمثال: ابن سينا، وابن رشد.

وفي باب آخر، يشير العقاد إلى الحديث النبوي الذي يقول: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع"، ومن ثم يناقش أهمية العلم في حياة المسلم؛ حيث يقول إنّ العلم الذي يحثّ عليه القرآن الكريم؛ هو جملة المعارف التي يدركها الإنسان بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء، حيّ وغير حيّ، وهذا ما دفع العلماء المسلمين لدراسة الفلك والجغرافيا والهندسة وغيرها من العلوم، ويذكر هنا أنّ كثيراً من الكواكب والنجوم سماها مسلمون، وحدّدوا وصفها وحركاتها، وهذه العلوم كانت مرجعاً أساسياً لنهضة أوروبا العلمية.

اقرأ أيضاً: التفكير "المتدين" كنمط عابر للتيارات الحزبية العربية!

وهناك باب للفنّ الجميل في كتاب العقاد؛ حيث يبين أنّ الإسلام يحلّ الزينة، ويأمر بها حتى في المساجد، وكما تشير آيات كثيرة إلى الجمال والزينة في الحياة المسلمة، كما في الآية: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَاْ} (الكهف: 7)، والآية: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} (الصافات: 6)، و{أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا} (ق: 6)، و{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الأعراف: 31)، ويشير العقاد للحديث في صحيح مسلم: (إنّ الله جميل يحبّ الجمال)، وأهميته في الفنّ الإسلامي.

ليس في عقيدة المسلم ما يصده عن التفكير وإعمال العقل والأخذ بالأفكار الجديدة المجربة الصائبة

وفي الباب قبل الأخير من الكتاب، يتطرق العقاد للاجتهاد في الدين، ويعرّفه بأنه: إعمال العقل في المسائل الفقهية للخروج بإجابات عن الأسئلة الملحة التي تواجه المسلم كل يوم، ويذكر هنا أنّ عمر بن الخطاب، رض الله عنه، اجتهد وأسقط حدّ السرقة في عام المجاعة، وتكلم في هذا الباب أيضاً عن "الاستحسان"؛ وهو ترجيح العقل لأحد الحكمين عن الآخر، لأنّ الراجح أقرب للسبب المشروط في الإجراءات، وعرج أيضاً على المصالح المرسلة، وهي المصالح التي لم تتقيد بنصّ، ولم يسبق لها نظير.

اقرأ أيضاً: عن سفينة تحمل 26 خروفاً و10 من الماعز!

وفي الباب الأخير من كتابه، يميط العقاد اللثام عن حقيقة التصوف؛ حيث يقول: "إنّ مزية الصوفي أنّ إيمانه بالله على أساس الحب، لا على الطمع في الثواب، أو الخوف من الحساب والعقاب. والصوفية نوعان، كما يصنفها العقاد، نوع يقوم على العقل والمعرفة، ونوع آخر يقوم على القلب والرياضة، وذكر هنا: أنّ أشهر علماء المسلمين في الماضي كانوا صوفيين، مثل: أبي حامد الغزالي، ومحيي الدين بن عربي، ويستحضر هنا قولاً فلسفياً عقلياً مهماً للغزالي: "الشكّ أول مراتب اليقين".

ويخلص العقاد إلى القول إنّه ليس هناك في عقيدة المسلم ما يصده عن التفكير، وإعمال العقل، والأخذ بالأفكار الجديدة المجربة والصائبة، وبإمكان الفرد المسلم أن يختار ما يناسبه من عادات وسلوكات طيبة يقتبسها من الأمم الأخرى، ويجعلها جزءاً من حياته اليومية، ويجمل رأيه بعبارة بليغة اختتم بها الكتاب: "الإسلام لبٌّ ووجدان، وتفكير، وإيمان، والدين يهدي إلى الفكر، والفكر يهدي إلى الدين".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الاختلاف الديني وصناعة الطائفية: محاولة لرؤية مغايرة

2019-08-15

يتيح كتاب "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير حول الأقليّة"،  للبروفيسورة الراحلة، صبا محمود، تحدّي الاستقطاب الثنائيّ لفهم المشكلة الطائفيّة في الشرق الأوسط، مدجّجة بحسّ جينالوجيّ وتاريخيّ، يَسبر في كوامن الخطابات المصريّة والعالميّة، فلسفيّيها وقانونيّيها وسياسيّيها، حول مسألة الأقليّات، لا سيّما المسيحيين الأقباط الأرثوذكسيين، والبهائيين بصورة جزئيّة في مصر ما بعد الاستعماريّة.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟

إنّ حجاج الكتاب طريف من نوعه، فلطالما اعتُبر أنّ الشرق الأوسط، في خطابات المحلّلين، مكان تزدحم داخله كلّ هذه الاضطرابات؛ نظراً إلى علمانيّته النّاقصة، ولعدم علمنة قوانين دوله بما يكفي؛ إذ، كما توضّح صبا محمود على مدار كتابها، تُعتبر ما تسميها الكاتبة "العلمانويّة السياسيّة"؛ أمراً نموذجياً تمثّله المجتمعات والدّول الغربيّة أفضلَ تمثيل، بينما تنحرفُ أو تزيغ عنه أو تطبّق "نسخة" منه المجتمعات الشّرق أوسطيّة، وعليه؛ عندما نتعامل مع المجتمعات الشّرق أوسطيّة فإنّما نتعاملُ معها بـ "قياسيّة" على المجتمعات الغربيّة، ونرى كيف تقترب منها أو تحيد عنها.

اقرأ أيضاً: صبا محمود: مايزال العالم قابلاً للنقد والاستجواب

فالحال أنّ المشكلة الدينيّة، سواء تجلّت في مشكلة الأقليّات أو في ظاهرة الإسلام السياسيّ لإثارته مسألة علاقة الدّين بالدّولة، أو في تدابير الدّولة العربيّة ما بعد الاستعماريّة، ومصر على الأخصّ، للمسألة الدينيّة، موضع نقاش وأخذٍ وردّ دائم في الكتابات العربيّة والغربيّة حول الموضوع.

غلاف الكتاب

وتتقاسمُ الكتابةُ العلمانيّة والدينيّة الموضوع نفسه مناصفةً؛ فهو موضوع يَمسّ الشأن العربيّ والإسلاميّ برمّته، بيد أنّ النّقاشات غالباً ما تكون ثنائيّة ومنسّقة إلى متقابلين: هذا في مقابل ذاك، الدينيّ في مواجهة العلمانيّ، والمتعالي في مواجهة المحايث، والقانون في مواجهة الشريعة. هذا الاستقطاب المبنيّ على الثنائيّات ربّما تكمن فيه المشكلة، لا في الموضوع المُناقَش نفسه، بالتالي؛ يمكننا القول: إنّ "المنطق" الذي يحدو النقاشات حول الطائفيّة في العالم العربيّ، ومصر تحديداً، هو منطق القياسيّة: أي الافتراض بأنّ علمانيّتنا مقابل علمانيّة الغرب هي علمانيّة ناقصة.

يعتني الكتاب بإشكاليّة أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ وهي علاقة السياسات الدينيّة والعلمانيّة وإنتاج الطائفيّة

تضع محمود هذا المنطق موضع تحدّ على مسار كتابها، وتحاجج بفهم آخر للعلمانيّة السياسيّة؛ حيث تضعها فيما وراء مبدأ حياديّة الدّولة تجاه الدّين، أو فصل الدّين عنها، أو غيرها من الفهومات الكلاسيكيّة للعلمانيّة السياسيّة، فتَنظر إليها باعتبارها نسقاً للحوكمة، وإعادة ضبْط للحياة الدينيّة والاجتماعيّة، واعتماداً على الإسهامات الباذخة لطلال أسد، تأخذ محمود العلمانيّة السياسيّة كأمر أبعد من هذه الصيغة الكلاسيكيّة، لترى كيف أنّ الدّولة الليبراليّة تُقاسِم الدّول السلطويّة في علمانيّتها، وأنّ العلمانيّة ليست حصراً على الدّول الليبراليّة؛ فهي أيضاً قائمة في أغلب الدّول السلطويّة.

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين
يُصاحب ماركس أيضاً محمود على مدار كتابها، لتثبت -نظرياً وتطبيقياً- أنّ الدّولة الليبراليّة لا تلغي الدّين، إنّما تُخصخصه بالأحرى؛ أي تجعله أمراً خاصاً بالمجال الخصوصيّ، وتعيد تنظيمه، وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة.

يعتني هذا الكتاب المهمّ بإشكاليّة لطالما أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ، ألا وهي علاقة السياسات الدينيّة والسياسات العلمانيّة وإنتاج مشكلة الطائفيّة في بلدان شرق أوسطيّة تزخرُ بأقليّات تعيش في ثناياها، وفي ظلّ أنظمة ما بعد استعماريّة. لقد كان حلّ مشكلة الطائفيّة دائماً جاهزاً وواضحاً، نحو مزيدٍ من العلمنة، ونحو مزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه.

البروفيسورة الراحلة صبا محمود

فهل هذا الحلّ صحيح؟ كما سنرى في هذا الكتاب، فإنّه بالتحديد هو المشكلة ذاتها.

إذ تحاجج صبا محمود بأنّ السياسات العلمانيّة نفسها أنتجت بشكل كبير التفاوت الدينيّ في الدّول القوميّة الحديثة، وتأخذ مصر حالة لدراستها، مع اعتبار للسياق الجيوسياسيّ والعالميّ الذي تحلّل فيه. 

حلّ مشكلة الطائفيّة كان دائماً جاهزاً وواضحاً نحو مزيدٍ من العلمنة ومزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه

في سياق دراستها لحالة الأقليّات في مصر؛ بعد تعقّبها لمسألة الأقليّات في الدّولة العثمانيّة قبل وبعد الإصلاحات العثمانيّة، ودور القوى الغربيّة في تفاقم المشكل، واستغلال هذه المسألة آنذاك للتدخّل في الإمبراطوريّة العثمانيّة باسم "تدخّلات أنسنيّة" لـ "إنقاذ" المسيحيين العثمانيين من الحكم العثمانيّ (الفصل الأوّل)، توضّح محمود كيف أنّ مفهوميْ "حقوق الأقليّة" و"الحريّة الدينيّة" كانا دائماً محلّ نزاع وجدال في السياقات الوطنيّة والعالميّة على حدّ سواء.
وتتبّع جينالوجيّاتهما في القانون الدّوليّ، وفي الجدالات القوميّة بمصر منذ مطلع القرن العشرين حول مكانة الأقباط في الدّولة المصريّة، وكيف أنّ هناك انقساماً في تسمية "الأقليّة" وتنزيلها على الأقباط: فبينما ترفض الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة مثلها مثل الدّولة المصريّة وعديد من النّشطاء الأقباط هذه التسمية، متمسّكةً بمصطلح "أهل الكتاب" القرآنيّ، نظراً لما يوفّره لها من استقلاليّة مليّة على قوانين الأسرة القبطيّة وقوانين الأحوال الشخصيّة، ينادي قطاع آخر من الأقباط باعتناق هذه التسمية؛ لأنّها هي التي ستجلبُ المشكل القبطيّ إلى السّاحة العالميّة (الفصل الثاني)، فإذا كان نضال الأقليّات دائماً موضوعاً على هذين المفهومين الإشكاليين، ويعمل تحت عنوانهما، فإنّ هذا الكتاب يوضّح الطبيعة المشوّشة والمخاتلة للمفهومين، وكيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير. 

يتطرق الكتاب للحديث عن الأقليات ومنها البهائية

وتجادل محمود، بفهم طريف، بأنّ العلمانويّة السياسيّة ليست هي مبدأ حياديّة الدّولة، وإنّما هي إعادة تنظيم الدّولة للحياة الدينيّة على عكس ما يُشاع عنها، ومن ثمّ، تَنظر كيف تحوّل السياسات العلمانيّة الدينَ، وكيف يتواشج الدينيّ والعلمانيّ معاً بموجب الدّولة الحديثة، وهذا يتجلَّى في نقاشها المثمر للغاية حول قوانين الأسرة الإسلاميّة والقبطيّة (الفصل الثالث)، وكيف يتضافر الدّين والجنسانيّة والجنوسة والعلمانويّة في هذه القوانين التي تنتج إرباكاً شديداً في حالة الأقباط بالأخصّ.

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟

لقد حوججَ كثيراً بأنّ قوانين الأسرة هي ميراث من الإمبراطوريّة الإسلاميّة يعوق عمليّة التحديث والعلمنة؛ بل إنّه أمارة على العلمنة غير المكتملة لهذه البلدان، تنقد محمود هذا الفهم بإظهار أنّ ما يُسمّى "قانون الأسرة" لم يكن موجوداً في فقه الشريعة الكلاسيكيّ، وأنّه نتاجٌ حديثٌ تماماً ظهر مع الإصلاحات العثمانيّة، وأنّ العلمانيّ ليس هو الأساس الذي يبقى بعدما يُنحَّى الدّين، إنّما يتضافرُ العلمانيّ والدينيّ -كمقولتين- في ظلّ الدّولة الليبرالية الحديثة.

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي

إنّ الكتاب معنيّ بإنتاج "التفاوت المدنيّ والسياسيّ" في الدّولة الحديثة، هذا التفاوت الذي لطالما نُظِرَ إليه على أنّه موجود، شرق-أوسطياً، بسبب هيمنة المفاهيم والممارسات الإسلاميّة في هذه البلدان والمجتمعات. سوى أنّ الكتاب يتحدّى هذا ليثبت أنّ التفاوت والطائفيّة إنتاجهما موكَلٌ، في جزءٍ كبير منه، إلى الدّولة الليبراليّة الحديثة بما هي كذلك؛ لأنّها مُطاردة بازدواجيّة لا فكاكَ منها: ففي حين تدّعي الحياديّة تجاه الدّين، فإنّه تُنظّمه وتديره وتحدّد ما يجب أن يكونه، وبالتالي تُنتج التفاوت بفعل هذا التدبير الدّولتيّ النابع من سلطتها السياديّة.

يوضّح الكتاب كيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير

يتّضح هذا أشدّ الاتّضاح في حالة البهائيين (الفصل الرّابع) بمصر؛ حيث تدرس محمود التهديد السياسيّ والقانونيّ الذي شكّلته حالة البهائيين على المحاكم المصريّة باعتبار أنّ المعتقد البهائيّ معتقد غير إبراهيميّ في دولةٍ لا تعترفُ إلّا بالدّيانات الإبراهيميّة الثلاث: الإسلام (دين الدّولة، بموجب القانون)، والمسيحيّة، واليهوديّة. وتسبر محمود الأحكام الصادرة بشأنهم فيما يتعلّق بالاعتراف بمعتقدهم وتسجيله على بطاقات الهويّة (ما يُطلَق عليها في مصر "بطاقات الرّقم القوميّ")، والطريف؛ أنّ صبا توضّح التفاوت المُنتَج من قبل الدّولة باعتباره تفاوتاً تتشاركه كلّ الدّول القوميّة الحديثة، لتظهر أنّ ثمّة جينالوجيا عالميّة تتقاسمها السياسات العلمانيّة؛ إذ تقارن قرارات المحاكم المصريّة بقرارات المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان حول عدّة حالاتٍ فصّلتها بالكتاب في فرنسا وسوسيرا وتركيا بخصوص تمييزات دينيّة تعرّضت لها معلّمات لارتدائهنّ الحجاب، أو في حالة لوتسي التي اعترضت على عرض الصليب في المدرسة الحكوميّة؛ نظراً لأنّه ينتهك حريّة أبنائها الدينيّة والفكريّة، تُظهر هذه المقارنة عن جينالوجيا واحدة للعلمانويّة الحديثة، تُنتَج في المحاكم المصريّة على هيئة دينيّة، وفي المحاكم الأوروبيّة على هيئة علمانيّة دينيّة في جوهرها، أي المسيحيّة وقد عُلمِنَت.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

وكما أشارت البروفيسورة كميل روبسيس في مراجعتها لهذا الكتاب؛ فإنّ ماركس الشاب يُصاحب هذا الكتاب، ويتمثّل وجود ماركس هنا، كما نوّهتُ على ذلك في بدء هذه المقالة، في إشارته إلى أنّ الدّولة الليبراليّة لم تلغِ الدينَ، وإنّما خصخصته وعمّقته اجتماعياً على خلاف زعمها المعهود، وبالفعل؛ منذ المقدمة، تشير محمود إلى ماركس بمقالته المعنونة "حول المسألة اليهوديّة" التي يردّ فيها على باور الذي يمثّل قمّة المثاليّة الهيغليّة، ولعلّ من الطريف أنْ يترافق ماركس وطلال أسد في هذا الكتاب: الأوّل يقول باستحكام الدّين في الدّولة الليبراليّة، والثاني يقول إنّ الدينَ نفسه هو مفهوم علمانيّ، لكن وإنْ كان ماركس يقول ذلك ليحدّدَ الدينَ باعتباره "اعتقاداً"؛ فإنّ طلال أسد يقول إنّ مفهمة الدين كـ "اعتقادٍ" هي نفسها تصوّر حداثويّ يَنظر إلى الدين في أبعاده المثاليّة دون استثمار ماديّة الدين الخاصّة؛ لذلك، بحسب أسد، علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين (أي كمنظِّمة للدين في الحياة الاجتماعيّة للمجتمعات والجماعات البشريّة)، وأن ننظرَ للدّين فيما وراء الاعتقاد (أي كممارسة خطابيّة وماديّة)، وسنجدُ ذلك في أثناء هذا الكتاب في مواطن كثيرة لمحمود.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

أمّا الفصل الأخير؛ فيتطرّق إلى أمر نشاز عن الكتاب؛ أي إلى العلمانيّة (secularity) -لا العلمانويّة (secularism)-  وعلاقتها برؤية التاريخ والوحي، وذلك من خلال قراءة نقديّة لرواية "عزازيل"، ليوسف زيدان، والجدالات حولها، مموضعةً إيّاها في سياق القراءة الأنواريّة للدين منذ القرن الثامن عشر.
لقد أثارت هذه الرّواية ضجّة، كما هو معروف، في الوسط المصريّ، نظراً لتعرّضها للنقاش الكريستولوجيّ المتعلّق بطبيعة المسيح.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟
تبيّن محمود أنّ الرواية تقوم على تصوّر إنسانويّ للدّين باعتباره خلْقاً بشرياً، وأنّها مدجّجة بنقدٍ أنواريّ للدّين، وتوضّح أنّ الجدال حولها من قبل رجال الدّين المسيحيين -مثل الأنبا بيشوي- يتقاسم علمانيّة زيدان نفسها؛ فكلا الطرحين يَنظران إلى الكتاب المقدّس كمستودع للحقائق التاريخيّة، غير مفرّقين بين التاريخ التقويميّ والتاريخ المقدّس، وكيف انفصلت "الحقيقة" عن "المعنى" في تفسير الكتاب المقدّس تأويلياً وإبستمولوجياً منذ القرن الثامن عشر.
إنّ هذا الفصل بديع؛ لأنّه يوضّح زاوية أخرى للنّقاش حول هذه الرّواية المهمّة والمثيرة للجدل.

 علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين

ربّما لم تكن الطائفيّة، إذاً، بعد كلّ هذا التطواف، ترتيباً دينياً، بقدر ما هي ترتيب علمانيّ تدفعنا الدّولة الليبراليّة الحديثةُ إليه دفعاً، لإنتاج التفاوت بنيوياً ونسقياً. وسيعلّمنا هذا الكتاب درساً بالغ الأثر؛ فمصطلح الأقليّة نفسه مرّ بترحّلات كثيرة، وهو مصطلح حديث عموماً، ومقاربته عربياً من منظور ما قبل حديث هي خطأ معرفيّ وسياسيّ؛ لأنّنا عندما نتكلّم عن الأقليّات فنحن نتحدّث بالأحرى على أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (كما سيوضح الفصل الأوّل)؛ أي بعد أن استقرّت "الدّولة الحديثة" وتثبّتت، كما أنّ التعامل مع "الطوائف" في الحقبة الإسلاميّة ما قبل الحديثة، لا سيّما العثمانيّ منها، بثنائيّة الأكثريّة-الأقليّة هو ارتكاب للخطأ ذاته، لسببٍ بسيط؛ أنّ التحوّل من الطائفة إلى الأقليّة (وهو عنوان فرعيّ داخل الفصل الأوّل) تحوّل حديث تماماً، وله مستلزمات سياسيّة ومعرفيّة واجتماعيّة هائلة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية

إنّ التفاوت الذي يحدث للأقليّات عموماً -أو ما تسمّيه صبا محمود ببراعة "المكانة المتداعية" التي تحتلّها الأقليّات- في الدّول الحديثة، ليس ناجماً بالأساس عن وجود كُتلة تسمّى الأكثريّة؛ بل عن تدخّل الدّولة نفسها في تنظيم الشأن الدينيّ والاجتماعيّ لحيوات الشعوب بتثبيت نظام أكثرويّ معيّن، بالتالي؛ إذا لم يبدأ النّقاش من الدّولة ودورها في إحداث التفاوت فهو الغبنُ والتيه، ولا مناص من ذلك إن لم نقلب التدابير العلمانيّة على رأسها، لنقول إنّ استحكام "العلمانيّ" في العصر الحديث قد أدخلَ الدينَ في سيرورات التعلمُن بموجب الدّولة ذاتها؛ أي كي تتمكّن الدّولة من إعادة تنظيمه وترتيبه كـ "شأن خصوصيّ" من المفترَض أنّها محايدة تجاهه، في حين أنّها تنظمّه في الواقع، ممّا ينتج التفاوت والتداعي للأقليّات عموماً.

ولذلك؛ فهذا الكتاب، في نهاية المطاف، هو مساءلة للدّولة، لحياديّتها، لادّعائها الدائم بالمساواة؛ وهو، من ناحية أخرى، تهديد للخطابات التي تستنجدُ بالدّولة وتستدعيها لحلّ مأزق التفاوت الدينيّ فيها؛ فكيف يُدعى لحلّ المشكلة مَن تسبّب فيها قبلاً، أي الدولة؟

للمشاركة:

هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي

2019-08-03

أعادت أحداث العنف التي شهدها العالم مؤخراً والتي ارتبطت باسم التنظيمات "الجهادية" الظاهرة "الإسلاموية" إلى صدارة الاهتمام من جديد. واستأثرت دراسة الحركات الإسلامية بنصيب وافر من النتاج الفكري في العقود الثلاثة الأخيرة، سواء عبر المبادرات البحثية الفردية، أو من خلال المؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث العربية والدولية المتخصصة.

إن المشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي

وفي سياق هذا الاهتمام المتزايد يأتي كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية عام 2002. وتأتي أهمية الكتاب من كونه يقدم إحاطة شاملة حول تجربة الحركات الإسلامية سعياً نحو فهم ملابسات نشأتها، وتقييم تجربتها، ورصد أثرها، واستشراف مستقبلها. ومن كونه عملاً جماعياً شارك في إعداده عدد من الأكاديميين المتخصصين في الدراسات الإسلامية؛ حيث ساهم كل باحث منهم بتغطية جانب من تلك التجربة من زاوية تخصصه ورؤيته على مدار 6 فصول متكاملة.

اقرأ أيضاً: "صواب".. موقع تونسي جديد يسعى لتفكيك الحركات الإسلامية

فقدم الباحث عبدالوهاب الأفندي في الفصل الأول "النشأة والمدلول وملابسات الواقع" استعراضاً للظروف والمتغيرات المحلية والعالمية والتحديات الجديدة التي ألقت بظلالها على الواقع الإسلامي، وشكلت الخلفية التاريخية التي ساهمت في ظهور الحركات الإسلامية من واقع أزمة مختلفة نوعياً عن كل الأزمات والانتكاسات السابقة التي مرت بها الأمة.

غلاف كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي"

فلم تتزعزع ثقة الأمة بنفسها كما زعزعتها فترة الهيمنة الأوروبية، وصدمة الحداثة الغربية، وتجربة الاستعمار الجديد. وقد ناقش الأفندي عدداً من الآراء والقراءات التي تصدت لتعريف الحركات الإسلامية وأسباب وملابسات ظهورها وفهم الظروف التي مهدت ورافقت نموها وانحرافها عن الدور الذي رسمته لنفسها. وخلص إلى أنّ "الحركات الإسلامية" هي: تلك الحركات التي تؤمن بشمولية الإسلام  لكل نواحي الحياة والتي تصدت لما تراه جهداً لازماً لتأكيد هذه الشمولية في وجه تراخي المجتمع وتقصير القيادات ومكايد الأعداء، وتدعي لنفسها دور القيادة الأخلاقية للمجتمع.

يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها

ويُفسِر انتشارها في الأرياف وهوامش المدن، والخلفية  الاجتماعية لكوادرها ومؤيديها؛ أنّها نشأت من أزمة مزدوجة: أزمة العلاقة بين "العلمانية الواقعية والإسلامية النظرية" التي تعيشها هذه المجتمعات، والأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي أفضى إليها استبداد الدولة وفشل سياساتها التنموية وعجزها عن مواجهة التحديات الخارجية.

وقد أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية"، الليبرالية منها والاشتراكية والقومية، إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ، ووظيفة اجتماعية لابد أن تجد من يتصدى لها. الأمر الذي يؤكد أنّ الحداثة التي رفضتها تلك الحركات قد تركت ميسمها عليها، فهي نشأت في كنف الحداثة وأزمتها، واستجابة لتحدياتها ورد فعل عليها. وأرادت إيجاد مخرج من تلك الأزمة لكنها انتهت إلى أزمة خلقتها هي بوجودها وعجزها عن تحقيق الحسم.

 أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية" إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ

تشكل أطروحة حسن حنفي في الفصل الثاني "الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة" استمراراً منطقياً لسابقه بتأكيده على أنّ الدين كان باستمرار وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وحركة اجتماعية تعبر عن المضطهدين والمهمّشين ضد قوى الطغيان، ووسيلة لتحرير الأوطان وتوحيد الثقافات. ويرى حنفي أنّ ثمة ثلاثة جذور للإسلام السياسي: جذر قديم يتمثل في الحركات السياسية والفكرية الإسلامية القديمة، سواء نشأت في كنف الدولة أو في معارضتها، وهي كلها نشأت في أجواء السياسة أو بدوافع وغايات اجتماعية سياسية، وجذر حديث تمثل في حركة الإصلاح الديني التي قامت بدافع سياسي كرد فعل على ضعف الخلافة العثمانية ثم انهيارها وعلى احتلال أراضي الأمة وتجزئتها ورداً على تخلف الأمة عن المدنية الحديثة، وخرج معظم الحركات الوطنية من عباءة الإصلاح الديني لكنها انحدرت إلى السلفية بعد فشل تجاربها، ومن هذا الجو المشبع بالروح السلفية تشرب حسن البنّا أفكاره  وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين، الذي خلفه سيد قطب في قيادتها. وجذر معاصر تمثل في فشل دول الاستقلال الوطني "الحديثة" في القيام بمسؤولياتها الدفاعية والسياسية والتنموية وتأرجح وتوتر علاقة تلك الحركات مع حركات الضباط الأحرار، وتبدل مواقعها ما بين المشاركة السياسية في السلطة أو السجون والمعتقلات.

يبني حسن حنفي أطروحته بتأكيده أنّ الدين كان وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي

ومن تضافر هذه الجذور الثلاث، تشكلت شعارات الإسلام السياسي حسب واقع الحركة في كل حال، وهي شعارات سلبية أكثر منها إيجابية وتدل على قدر كبير من الغضب والرفض، والهروب إلى البديل، والبحث عن المنقذ. وتجلت تلك الشعارات في "الحاكمية" و"الإسلام هو البديل" و"الإسلام هو الحل" و"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وهي شعارات تعبر عن تأزم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتذبذب نشاط تلك الحركات وشعاراتها ما بين المشاركة السياسية والعنف من خلال جدل الشرعية واللاشرعية التي حددت علاقاتها مع النظم السياسية القائمة، نظراً لحداثة المجتمعات الإسلامية بالتجربة الديمقراطية.

 

 

ومن هذا الجدل يستشرف حنفي صورة مستقبل الحركات الإسلامية ما بين مزيد من العنف الهدام وبين برنامج يبني ولا يهدم، يحاور ولا يستبعد، ويقوم على توسيع المشاركة السياسية المشروطة بالديمقراطية.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟

تحت عنوان "التطرف والاعتدال لدى الحركات الإسلامية" يناقش عماد الدين شاهين الأسباب والدوافع التي حدت ببعض الحركات الإسلامية لتبني العنف وسيلة ومنهجاً لتحقيق أهدافها، والجهاد طريقاً  لمناهضة ما تسميه الدول الكافرة ومجتمعات الجاهلية. في حين سارت شقيقاتها على نهج الوسطية والاعتدال وتحولت إلى العمل السياسي أو العمل الاجتماعي الإصلاحي وقبلت المشاركة السياسية على أسس الديمقراطية وصناديق الاقتراع.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية

ويشير شاهين  إلى أنّ "التطرف ليس الدين، ولا يقتصر على الحركات الإسلامية وحدها، فثمة تطرف علماني وتطرف حكومي كذلك". كما أنه لا بد من التمييز بين التطرف الفكري الذي يعتبر من طبيعة الحركات التغيرية وثقتها بصحة أفكارها، وبين العنف والعمل المسلح من أجل فرض فكر ما على الآخرين بالقوة العارية. كما يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها المنظمة.

يرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها

ويخلص شاهين إلى أنّ جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب؛ الذي نشأ من عذابات السجون والقهر، وتلقفته فئة من الشباب المهمّش؛ كتعبير عن نقمتها ووسيلة لتغير واقعها المرير في الدول الناشئة بعد الاستقلال، والتي تبنت النموذج "الكمالي" التركي مع تفاوت في تطبيقه بين بلد وآخر؛ حيث يتناقض هذا النموذج  الذي فُرض بالقوة والعنف في علمانيته وتسلطه مع النظام الإسلامي. وقد وجد قطب أنّ المهادنة مع هذا النموذج والسكوت عليه سيمنح الدولة الشرعية التي تحتاجها ويرسخ دعائمها، لذا فقد دعا إلى إزالتها بسائر أنواع القوة وإقامة النظام الإسلامي. وهذه القطبية الحادة بين عنف الدولة وعنف المعارضة لن تفضي إلا إلى مزيد من العنف.

شاهين: جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب

يناقش أحمد الموصللي في الفصل الرابع "رؤية الحركات الإسلامية لمفاهيم الديمقراطية والتعددية السياسية في العالم العربي"، ومدى ملاءمة الفكر الإسلامي المعاصر للديمقراطية والتعددية من خلال استعراض الخطابات الإسلامية المعاصرة حول هذا الموضوع من جهة، وما تروجه وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية حوله من جهة ثانية. ويخلص إلى أنه ورغم المرجعية النصية المشتركة والشعارات المتماثلة في خطاب الحركات الإسلامية، إلا أنه كان هناك دائماً في فكر الحركات الإسلامية خطابان متزامنان: خطاب استئصالي استبعادي وهو لا يقتصر على تلك الحركات وحدها فقط، بل تمارسه أغلبية الأنظمة "العلمانية" في العالم الإسلامي، وخطاب استيعابي ينفتح على مفاهيم التعددية والديمقراطية وقبول الآخر، ويدعو إلى توسيع المشاركة وتوسيع دائرة الحريات السياسية.

السيد: القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة

إلا أنّ بروز الحركات "الجهادية ذات الخطاب الاستئصالي الاستبعادي على الساحة السياسة ودور النظم السائدة ووسائل إعلام مراكز القرار الغربي في إظهاره واستثماره لصالحها قد غيّب الخطاب الآخر ودفعه إلى الظل. ولا بد من البحث دائماً في الظروف التي تفضي بالخطاب الأصولي إلى التشدد والاستبعاد أو المرونة والاعتدال.
ينطلق فواز جرجس في الفصل الخامس في معالجة "دور الحركات الإسلامية في الاستقرار السياسي في العالم العربي" من العلاقة السببية ما بين طبيعة النظام القائم ودور قوى المعارضة وسلوكها. فالمعارضة امتداد طبيعي للثقافة والسلوك السياسي السائد في بلد معين وتعبر خير تعبير عن نوعية العلاقة وطبيعتها بين الدولة والمجتمع.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية

ويرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها، وبادرتها العنف ودفعتها نحو العمل السري والانقلابي والتآمري، مما زاد في غطرسة قيادات الحركات الإسلامية بعد شعورها بالتمكن والقوة فازداد خطابها عنفاً وتصعيداً وتحولت من رد الفعل إلى المبادرة والفعل، مستفيدة من ضعف شرعية النظم وفشل مشروعات التنمية في معظم الدول العربية.

 

 

وقد تغلبت إرادة القوة والسيطرة على منطق التعايش السلمي في تعاطيها وتعاملها مع النظم القائمة، بل ذهبت إلى تهديدهم وتكفيرهم وتحدي المنظومة العالمية بشكل انتحاري ودون حساب أي عواقب. وهذا الإقصاء المتبادل هو ما يفضي إلى عدم الاستقرار السياسي، واستمرار دوامة العنف، ومنع أي عملية تحول ديمقراطي ما لم تنجح الحركات الإسلامية بفك ارتباطها مع التيارات "الجهادية"، وتعلن صراحة رفضها للآليات والوسائل الدموية التي تستخدمها، وتجعل من الاهتمام بهموم المواطن الحياتية وبناء مجتمعات أكثر صلابة وثقافة وقدرة على مواجهة الاستبداد السياسي عملاً أهم من انتهاز نتائج المواجهة بين"الجهاديين"والنظم القائمة للوصول إلى السلطة، وأن تعيد النظر في أفكارها ومناهجها وتستفيد من تجارب غيرها وتكف عن تكرار التجارب الفاشلة.

تجذرت الحركات الإسلامية في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها

يقدم رضوان السيد في الفصل الأخير استخلاصاً حول "مستقبل حركات الإسلام السياسي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية" انطلاقاً من مراجعة وجهات النظر التي تنبأت بقرب نهاية الحركات الإسلامية، بحكم فشلها في الوصول إلى السلطة بالقوة في أي بلد بعد التجربة الإيرانية وتكرار تجاربها المأساوية الفاشلة، وبحكم أنّ القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي للحركات الإسلامية.

ويسعى السيد لتوسيع دائرة الحكم من خلال مراجعة الأصول الفكرية والثقافية لتلك الحركات باعتبارها ليست حركات سياسية فحسب، بل هي حركات إحيائية ذات صبغة دينية قبل أن تصبح السياسة من أولوياتها. وقد تأرجح فكرها وممارساتها ما بين الرفض المطلق إلى المهادنة فالتكيف والقبول مع المتغيرات العالمية الكبرى وكرد فعل عليها أو استجابة لها في كل مرة، وأنّ الحركات الإسلامية قد تجذّرت في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها في المدى المنظور.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: هل انتهى الشكل التقليدي للحركات الإسلامية؟

لكن ذلك رهن بقدرة الفكر الإحيائي الذي تحمله تلك الحركات على التحول من فكر هوية إلى فكر انتماء، وعلى التحرك من الهوية العقدية سريعة التأزم والانكماش إلى الانتماء الحافظ للمشروع عن طريق المشاركة بالعالم. فلم يعد من الممكن اليوم الاستمرار بالحديث عن الغزو الثقافي أو عن المشروع الحضاري العربي أو الإسلامي؛ فالمشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي، وبالإسهام في تغيير العالم وتقدمه، ولم يعد من الممكن تصور وجود جزر معزولة في عصر العولمة.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك حركات الإسلام السياسي في الأصل مشروعاً نهضوياً يحمل في طياته عناصر تغيير حقيقي؟

للمشاركة:

الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟ ‎

2019-07-30

عام 1925؛ نشر العالم الأزهري والقاضي، علي عبد الرازق، كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، مع عنوان فرعي، هو: "بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام"، وهو مشروع نقد موجّه لوجود نظرية، أو تشريع، أو نظام خاص بالدولة في الإسلام.

أثار الكتاب الجدل والمحاكمات ولم يزل صداه يتردّد إلى اليوم دون قراءته من قبل كثير من المؤيدين أو المعارضين

أثار الكتاب الجدل والنقاشات، بل والمحاكمات، ولم يزل صداه يتردّد إلى اليوم، ولأنّ ذلك النمط من الكتب كثيراً ما يتم ذكره دون قراءته، سواء من قبل المؤيدين أو المعارضين، وهو ما يستدعي إعادة الاشتباك مع المضمون.
إنّ الخطوط العريضة لعمل عبد الرازق تتمثل في إنكاره للخلافة، ورفضه إضفاء القدسية عليها، باعتبارها مكوناً من مكونات عقيدة الإسلام، محاولاً البرهنة على كونها نتاجاً/ اختراعاً تاريخياً ودنيوياً خالصاً، وأنّ لا شأن لها بصحيح الدين، فلم تكن يوماً فرضاً إلهياً، ولا واجباً شرعياً. مقارِناً بين قيادة الرسول، صلى الله عليه وسلّم، وزعامة الملوك، ناقداً أدلة الفقهاء على الخلافة، وعلى وجود بناء واضح ومعتمد للدولة في الإسلام، فانتهى إلى التمييز بين الشريعة والسياسة، مُحدِداً وظيفة الأولى برعاية مصالح البشر الدينية، والثانية بجلب وحماية الأغراض والمصالح الدنيوية التي "جعل الله الناس أحراراً في تدبيرها"(1) ودفع المضار.
غلاف كتاب "الإسلام وأصول الحكم"

رسالة لا حكم
يجادل عبد الرازق بأنّه لا يوجد دليل واحد صريح، في الكتاب أو السنّة، يُقرّ بالخلافة، وأنّ مُشرّعيها اتخذوا سبيل القياس، فاستحدثوا مصدرين لسلطة الخليفة هما: سلطان الله تعالى؛ حيث الخليفة حامل الكافة/الناس على مقتضى النظر الشرعي. وسلطان الأمة؛ حيث يضمن منصبه "إظهار الشعائر الدينية، وصلاح الرعية"، وبالتالي اختلفوا حول ما إذا كان وجوب الخلافة عقلياً أم شرعياً؟ واختلفوا ومالوا أكثر إلى أحد دليلي الوجوب وهما:
1- إجماع الصحابة، رضي الله عنهم، والتابعين على تعيين خلفاء بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلّم، ومبادرتهم لبيعة أبي بكر، رضي الله عنه، وأنه قد تمّ في كلّ عصر "تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، على امتناع خلو الوقت من إمام"(2).

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم علي عبدالرازق بتمهيد الطريق للإخوان المسلمين؟
2- من دون خليفة، فإنّه لا يمكن القيام بفرضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإظهار الشرائع الدينية؛ فالخليفة يحفظ الكليات الستّ: الدين والنفس والنسب والعقل والمال والعرض.
يرفض عبد الرازق الدليل الأول، وذلك بحجة استحالة حدوث الإجماع بتلك الصورة النموذجية التي اطمئن لها المُقرّون بحدوثه، فيقول: إنّه "لم يحدث في أيّ عصر أنّ الأمة بجملتها وتفصيلها اشتركت بالفعل في بيعة الإمام واعترفت بها".

يجادل عبد الرازق بأنّه لا يوجد دليل صريح في الكتاب أو السنّة يُقرّ بالخلافة وأنّ مُشرّعيها اتخذوا سبيل القياس

إنه يُسلِّم من حيث المبدأ بإمكان وجود خلافة على أساس البيعة الاختيارية من أهل الحلّ والعقد من المسلمين، والقائمة على رضاهم، لكنّ التاريخ في رأيه يثبت العكس، وهو أنّ "الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وأنّ تلك القوة كانت، إلا في النادر، قوة مادية مسلحة"(3)، حتى وإن لم تكن ظاهرة الوجود بالشكل الكافي في حقبة ما، وذلك لانتفاء الحاجة لاستعمالها، فإنّ المُلك عامة يقوم على القوة، وذلك لأنه يعني السلطة المطلقة، والتي تبلغ المنافسة عليها دوماً الحدّ الذي لا يمكن معه حسمها إلا لصالح الفئة الغالبة غلبة عسكرية، القادرة على إخضاع الآخرين بالقوة، ولا فرق هنا بين أن يكون الواقع التي سَتقرّه وتشكله تلك الفئة  "جارياً على نواميس العقل أم لا، وموافقاً لأحكام الدين أم لا"، فالعامل المشترك إذاً هو الغلب والقهر، وما "الملك إلا التغلب والحكم بالقهر" كما يقول ابن خلدون(4)، ويوافقه عبد الرازق في ذلك.
وإذا كانت الخلافة تعني لدى مُقريّها وراثة النبي، صلّى الله عليه وسلّم، في رياسته الدينية والدنيوية، أي في حكمه بين المسلمين؛ فإنّ حكم النبي، صلى الله عليه وسلّم، لم يكن تغلباً أو قهراً، ولا مُلكاً، أو زعامة سياسية، وإنما هو زعامة النبوة، التي يميزها عبد الرازق عن زعامة المُلْك، فعلى الرغم من أنّ كليهما يتضمنان القوة ونفاذ الرأي والطاعة، إلا أنّ الأولى تمتاز بكونها "تقتضي لصاحبها حقّ الاتصال بكلّ نفس اتصال رعاية وتدبير"، في مقابل زعامة الملك التي هي تصريف مختص بالشؤون الدنيوية، وتصريف الأحوال العامة، ولا شأن لها ببواطن النفس؛ إنه حكم، يُقرّ عبد الرازق بذلك، لكنّه ليس حكم سلطان، ولكنّ حكم نبي مصطفى من الله بتلك القوة، وذلك الكمال الحسي والروحاني والنفسي الذي يؤهله-وحده- لزعامة، وسيادة، وهيبة تملأ القلوب والأنفس، وبالتالي تضمن "حقّ التصريف لكلّ قلب تصريفاً غير محدود"(5) .

اقرأ أيضاً: محاكمة الأزهر للشيخ علي عبدالرازق.. كيف تمّت؟
من العبث إذاً الحديث عن نبيّ دون الحد الأدنى من الزعامة في قومه، أو بين أتباعه؛ لأنّه لا نبوة من دون أتباع، ولا دين من دون طاعة، لكن لا ينبغي مطابقتها بزعامة المَلِك، إنّ ولاية النبي، عليه السلام، على قومه ولاية روحية، ومنبعها إيمان قلب الفرد، على عكس ولاية الحاكم أو الملك المادية، التي تعتمد القوة و"إخضاع الجسم" في المقام الأول وسيلة لها، إنّ ولاية النبي، عليه السلام، هي "إرشاد إلى الله"، بينما ولاية الحاكم "تدبير لمصالح الحياة وعمارة الأرض" (6)، الأولى لله تعالى، والثانية للناس -على اختلافاتهم.

الخطوط العريضة لعمل عبد الرازق تتمثل في إنكاره للخلافة ورفضه إضفاء القدسية عليها
لقد كان القرآن الكريم صريحاً في أنّ حقّ النبي، عليه السلام، على أمته لم يكن "غير حقّ الرسالة"، إنّه يفصل بين مهام الأخيرة، ومهام الحكم؛ لأنّه يمنع النبي من حقّ إكراه الناس على الإيمان بصفته مُوكَلاً بضمان ذلك، أو مسؤولاً "حفيظاً" عنه؛ فهو ليس بحامل الناس على أن يتبعوا دعوته بالقوة، وبالطريقة التي يحمل بها الملوك دعواتهم على الناس، كعبيد عندهم أو ممتلكاً من ممتلكاتهم، فيما لم يستعبد النبي، صلى الله عليه وسلّم، أو يمتلك رقاب الناس، وذلك بنصّ القرآن الكريم نفسه، وبالتالي؛ فإنّ "من لم يكن حفيظاً ولا مُسيطِراً ليس بملك، لأنّ من لوازم الملك السيطرة العامة والجبروت، وسلطاناً غير محدود"(7).
من ثمّ، فإنّ ادعاء سلطة سياسية للخليفة مستمدة من الرسول، عليه السلام، وظيفتها حفظ الكليات الستّ؛ هو ادعاء باطل، حتى ولو ثبت عن الرسول، عليه السلام، ممارسة أمور الحكم والسياسة، فإنّه قد مارسها لتوفير القاعدة الثابتة من الحرية والمساحة الملائمة لنشر الدعوة، فإذا ما توافرت تلك الشروط بشكل مُسبَق، لم تعد به حاجة إلى الحكم. إنّ كلّ عمل حكومي أو مظهر للملك والدولة في سيرة الرسول "لم يكن سوى وسيلة من الوسائل التي كان عليه أن يلجأ إليها لتثبيت الدين وتأييد الدعوة" في بداياتها، وفق تقاليد ذلك العصر الذي ظهر فيه الإسلام، وذلك لضمان ألا يزول.
ذلك ما كان للنبي، عليه السلام، من زعامة، وحكم مشروط بصفته نبياً ورسولاً، وهي وظيفة لا شريك له فيها من الناس تتمثل في "رعاية الظاهر والباطن، وتدبير أمور الجسم والروح"(8)، ويرتبط بخصوصية تلك الوظيفة ما أقرّه الإسلام من "عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات" كان على النبي إقرارها في قومه، والتي تظلّ "شرعاً دينياً خالصاً لله تعالى ولمصلحة البشر الدينية لا غير، وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية أم لا، فذلك مما لا ينظر الشرع السماوي إليه"(9).
إنّ الحكم والقضاء ومراكز الدولة هي "خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى إحكام العقل، وتجارب الأمم"(10).
هكذا نقد عبد الرازق الدليل الثاني، فقد ترك الله للبشر إدارة شؤونهم الدنيوية والاجتماعية، وفق ما توصلوا إليه عبر التجربة، وما اكتسبوه من خبرة وحكمة أخلاقية تحفظ مقاصد الشريعة، دون أن تؤول من وسائلها القديمة ما يُعطّل المقاصد ذاتها.
أما إذا كانت إقامة شعائر الإسلام، وحفظ عقيدته، في حاجة إلى مؤسسة سياسية تحميهما، فإنّ التاريخ يبرهن على العكس، فعند ابن خلدون مثلاً؛ الخلافة المثالية التي يتحدث عنها الفقهاء، وكما يقدّرها ويبجلها ابن خلدون نفسه، قد انتهت منذ عصر هارون الرشيد وبعض أولاده، لتتحول بعد ذلك إلى مُلك بحت، كما هو في ملوك العجم بالمشرق، ليس فيه من حكم النبي شيء، وقد حدث ذلك دون أن يهز من دعائم الإسلام، وأنه لما كانت الخلافة تتداعى في بغداد، وأراضي المسلمين مقسمة إلى دول شبه مستقلة، أو مستقلة بالكامل عنها، فقد استمرت شعائر وأركان الدين رغم ذلك، فإن كان الدين نفسه ليس في حاجة إلى "تلك الأصنام" التي يدعونها خلفاء(11)، كما أنّ الله تعالى "لا يريد لعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة، ولا تحت رحمة الخلفاء"، وإنما نابع من أنفسهم(12)، فكيف للشؤون الدنيوية التي هي محلّ تدبير وتنظيم عملي وواقعي، أن تكون في حاجة إلى الخلافة؟
لقد اكتمل الدين في حياة النبي، عليه السلام، فإذا كان قد أنشأ دولة سياسية بالفعل، فما كان يمنعه من بيان أمرها بوضوح تحقيقاً لذلك الكمال، من دون أن يترك أمرها غامضاً ومبهماً، تاركاً أصحابه وأتباعه في حيرة، وتناحر، حتى قبل أن يتم دفنه؛ فيصلون لاحقاً إلى حدّ الصراع المسلح، وإذا حدث العكس، أي أنّ النبي، عليه السلام، قد أقر نظاماً سياسياً واضح المعالم بالفعل، وذا حصانة مقدسة بقداسة الرسالة نفسها، فلماذا اختلف أوائل أصحابه وأتباعه في ذلك النظام الجلي الواضح؟

الخلافة المثالية التي يتحدث عنها الفقهاء بنظر ابن خلدون انتهت منذ عصر هارون الرشيد وبعض أولاده

يُبرِز عبد الرازق ذلك الغموض والإبهام المتعلق بالدولة في حياة النبي، عليه السلام، عبر حجتين تاريخيتين:
أولًا: الأخبار الواردة عن تولية النبي قضاة (عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهم)، أو عمالاً على الأموال، أو حرّاساً على الأراضي، تلك الأخبار ليست بالقوة أو الاطراد الذي يُرجّح كفة نزعة ذات طابع سياسي متماسك ومتعمد، من أجل التنظيم السياسي لدولة، وأنّه لم يكن في تلك التعيينات "شيء مطرد، وإنما كان يحصل لوقت محدود"، وأنّ ذلك النوع من "أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه"(13)، كما يطول ذلك اللبس ما هو مثبت من تعيين النبي للقضاة، فقد اختلف الرواة مثلاً في تعيين علي، رضي الله عنه، على اليمن، فقال بعضهم إنّه عُيّن للقضاء، وقال آخرون إنّه عُيّن لقبض الزكاة، أما معاذ بن جبل، رضي الله عنه، فقد قيل إنّه عُيّن على اليمن "قاضياً في رأي، وغازياً في رأي، ومعلماً في رأي"(14).
ثانياً: إنّ ترجمات المؤلفين عن الخلفاء كانت متماسكة ومتكاملة فيما يخصّ بيان وحصر عمالهم، وولاتهم، وقضاتهم، وغير ذلك من المسؤولين السياسيين والعسكريين عن الأقطار المختلفة، أما فيما يخصّ النبي، صلّى الله عليه وسلّم، يظلّ ذلك المبحث ضعيفاً، و"مبعثراً غير متسق" لدى المؤلفين أنفسهم، وأن نسقهم فيه لا يتفق مع طريقة بحثهم في بقية العصور(15).
كما يستدل عبد الرازق على ذلك الإبهام، من كلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عقب حادثة السقيفة، حين خطب اعتذاراً من إنكاره خبر وفاة النبي، عليه السلام، في حينه، وقال: "لكنّني كنت أرى رسول الله سيدبّر أمرنا حتى يكون آخرنا"، إذًا؛ فقد كانت وفاة النبي، عليه السلام، وعدم بقائه حتى يتم تدبير أمور المسلمين، أحد مكونات صدمة عمر، رضي الله عنه، الذي كان مطمئناً لبقاء النبي، عليه السلام، فلم ينتظر وصية بخصوص الحكم، لم يضعها النبي بدوره. 

ترك الله الناس أحراراً في تدبير أحوالهم الدنيوية

إعادة اختراع المساوئ
أما عن الأحاديث التي يستند لها مؤيدو الخلافة، والتي تظهر دعوة النبي، عليه السلام، لحفظ البيعة وطاعة الإمام، فإنه بعيداً عن الخوض في صحّتها من عدمها، يصفها عبد الرازق بأنّها وليدة زمانها وبيئتها؛ حيث المجتمع القبلي ما يزال حاضراً بقوة، وبالتالي فإنها دعوة لاحترام السنن والتقاليد السياسية للقبائل العربية (ما عدا تلك التي تخالف الإسلام)، وبأنها تشبه دعوة المسيح لاحترام السلطة السياسية القائمة في زمانه، وأنّ دعوة النبي، عليه السلام، تلك لا توجب بأيّ حال اختراع الشرط نفسه الذي تُحيل إليه، ممثلًا في البيعة والإمام، بالطريقة نفسها التي لا يُوجِب فيها أمره بإكرام السائلين والفقراء اختراع فقراء ومساكين، بدلاً من استئصال شروط الفقر، وقد تحدث الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، في شؤون الرقّ، فهل قصد بحديثه ذلك الإقرار به والرغبة فيه؟ كما أنّ القرآن الكريم يضبط ما يخصّ الطلاق والاستدانة والبيع والرهن وغيرها من الأحكام، لكن ذلك ليس دليلاً على وجوب شيء منها في الدين، أو أنّ لها عند الله شأناً خاصاً(16).
إنّ من المعقول عند عبد الرازق أن يدين العالم أو جزء منه بدين واحد، لكن ليس بحكومة واحدة، إنّ ذلك ليس من الطبيعة البشرية، ولم يقرّه القرآن الكريم كذلك؛ فقد "ترك الله الناس أحراراً في تدبير أحوالهم الدنيوية، على ما تهديه إليه مصالحهم، وأهواؤهم، ونزعاتهم، حكمة لله في ذلك بالغة ليبقي الناس مختلفين"، وليتحقق التدافع بين الأمم، الذي من شأنه إتمام العمران(17)، والخلافة هي التي صادرت ذلك الحقّ من الناس؛ حيث كانت سبباً في انحدار علوم السياسة لدى المسلمين، حتى في ظلّ النهضة المعرفية الضخمة في فروع العلوم الأخرى، وذلك بسبب عدائها للبحث في السياسة، وذلك لخطورة ذلك البحث؛ لأنّه يكشف خصائص وأنواع الحكم، فيجعلها موضوعاً للدراسة والنقد، وكذلك للقبول والرفض، على أسس واقعية.

دين لا دولة، ودولة لا دين

لقد بنى العرب دولتهم، بلا شكّ، على أساس وحدتهم الدينية، لكن الجدالات والصراعات التي أنجبت تلك الدولة، كانت بالأساس سياسية، كما أنّها احتكمت، في المقام الأول، إلى القوة والسيف، كما كانت تفعل حكومات كلّ الأمم في ذلك الوقت.
لا ينكر عبد الرازق دور تلك الدولة في "تحول الإسلام وتطوره"(18)، لكنّها ظلت في رأيه "دولة عربية، أيدت سلطان العرب، وروّجت مصالح العرب" كأمة ناهضة فاتحة، وقد أدرك رجال السقيفة تلك المصالح بوضوح، وقد دار جدالهم على من هو الأقدر على ضمانها، لقد كان جدالاً حول "حكومة مدنية دنيوية"(19)، ونزاعاً في "ملوكية ملك، لا في قواعد دين، ولا في أصول إيمان"(20)، وبالتالي تواجدت المعارضة منذ اليوم الأول، وهو الدليل على أنّ المسلمين في تعاملهم مع الخلافة استحلوا "الخلاف لها، وهم يعلمون أنّهم إنما يختلفون في أمر من أمور الدنيا، لا من أمور الدين، وأنهم إنما يتنازعون في شأن سياسي، لا يمسّ دينهم، ولا يزعزع إيمانهم"(21).
لم تكن القوة وحدها عامل الحسم في حالة أبي بكر، رضي الله عنه، بقدر ما كانت مكانته السامية كأقرب صحابة الرسول، عليه السلام، وسابقته في الإسلام، ما خلق حوله نوعاً من التوافق، غير التام، بل المُهدّد بالزوال في بعض الأحيان، حيث لم يُمتنع وجود تململ، ومعارضة عبرت عنها صراحة "الردة"، ففي رأي عبد الرازق: "نشأ لقب مرتدين لمرتدين حقيقيين عن الإسلام، ثم بقي لقباً لكلّ من حاربهم أبو بكر بعد ذلك، سواء كانوا خصوماً دينيين ومرتدين حقيقيين، أم كانوا خصوماً سياسيين غير مرتدين"(22).

بنى العرب دولتهم على أساس وحدتهم الدينية لكن الجدالات والصراعات التي أنجبت تلك الدولة كانت بالأساس سياسية

بالتالي؛ فقد تمّ ردعهم بالقوة، وقد "كان فيهم من بقي على إسلامه، لكنه رفض أن ينضم إلى وحدة أبي بكر، لسبب ما، من غير أن يرى في ذلك حرجاً عليه، ولا غضاضة في دينه، وما كان هؤلاء، بلا شكّ، مرتدين، وما كانت محاربتهم لتكون باسم الدين، فإن كان لا بدّ من حربهم فإنما هي السياسة، والدفاع عن وحدة العرب، والذود عن دولتهم".
لقد كان تسليم قبائل الجزيرة العربية القيادة لأبي بكر، رضي الله عنه، حدثاً ذا طابع سياسي، بما تضمنه من معارضة، تمثلت في رفض أداء الزكاة، والذي لا يُعد بالضرورة رفضاً للدين، وإنما كان بالنسبة لمعارضي أبي بكر "بديهياً أن يمنعوا الزكاة عنه؛ لأنّهم لا يعترفون به، ولا يخضعون لسلطانه وحكومته"(23)، لاعتبارات قبلية، أو سياسية بشكل عام، رغم ذلك فقد أقرت جماعة من المسلمين لأبي بكر مقاماً دينياً، وانقادوا إلى سياسته على هذا الأساس، ذلك المقام ما كان ينبغي لأحد حيازته دون الرسول، والذي كان نابعاً من "سلطانه الواسع على القلوب والعقول"، ولأنّ القبائل اتبعت الرسول بصفتهم مؤمنين يتبعون نبيهم، وليس كرعية تتبع حاكمها، وبالتالي؛ فإنّ التبعية السياسية القائمة على الإيمان لا تجوز لغير الرسول، صلى الله عليه وسلّم؛ لأنّه تميّز لا شريك له فيها من الناس، وهي "رعاية الظاهر والباطن، وتدبير أمور الجسم والروح"(24).
اتصفت صراعات وحروب ما بعد النبي بالغلاف الديني رغم طبيعتها الدنيوية/السياسية، إضافة إلى استحداث لقب الخليفة، فكانت تلك أسباب الخطأ "الذي تسرب إلى عامة المسلمين، فخيل إليهم أنّ الخلافة مركز ديني، وأنّ من وُلِّي أمر المسلمين، فقد حلّ منهم في المقام الذي كان يحله رسول الله، صلى الله عليه وسلم"(25)، فكانت حجة للملوك والسلاطين، ليستذلوا رقاب الناس، ويلصقوا مكانتهم بمكانة لا تجوز لهم، ولا يدنون منها بشيء، وادّعى منهم لنفسه أنّه ظلّ الله على الأرض، فجعلوا الخلافة جزءاً من العقيدة، وصنماً ينفي عن السياسة صفاتها من التحديث والتجريب، فإنّ شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة، يسميه الفقهاء خلافة، ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء، والواقع أيضاً؛ أنّ صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك، فليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور دنيانا" .


هوامش:

1- الإسلام وأصول الحكم، ص 125.
2  - كتاب المواقف.
3  - الإسلام وأصول الحكم، ص 35.
4  - مقدمة ابن خلدون، ص 132.
5  - المصدر السابق، ص 80.
6  - الإسلام وأصول الحكم، ص 82.
7  - المصدر السابق، ص 85.
8  - من مذكرة عبد الرازق التي ردّ فيها على ملاحظات هيئة كبار العلماء بالأزهر.
9- المصدر السابق.
10  - الإسلام وأصول الحكم، ص 121.
11  - المصدر السابق، ص 47.
12  - المصدر السابق، ص 48.
13  - المصدر السابق، ص 57.
14  - المصدر السابق، ص 56.
15  - المصدر السابق، ص 58.
16  - الإسلام وأصول الحكم، ص 28.
17  - المصدر السابق، ص 91.
18  - المصدر السابق، ص 109.
19  - المصدر السابق، ص 110.
20  - المصدر السابق، ص 116.
21  - المصدر السابق، ص 111.
22  - المصدر السابق، ص 118.
23  - المصدر السابق، ص 115.
24  - من مذكرة عبد الرازق التي ردّ فيها على ملاحظات هيئة كبار العلماء بالأزهر.
25  - الإسلام وأُصول الحكم، ص 119.

للمشاركة:



ماذا وراء تأخير تشكيل المجلس السيادي في السودان؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أعلن المجلس العسكري الانتقالي بالسودان، اليوم، إرجاء تشكيل المجلس السيادي لمدة 48 ساعة، بناءً على طلب من "قوى الحرية والتغيير".

ونقلت وكالة السودان للأنباء "سونا"، عن الفريق الركن شمس الدين الكباشي، رئيس اللجنة السياسية، الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الانتقالي، القول في تصريح صحفي: إنّ "قوى الحرية والتغيير طلبت الإرجاء حتى تتمكن من الوصول إلى توافق بين مكوناتها على قائمة مرشحيها الخمسة لمجلس السيادة، وواجهت قوى إعلان "الحرية والتغيير" حملة انتقادات واسعة في أعقاب الكشف عن مرشحيها لمجلس السيادة، الذي سيتولى الحكم مع القوات العسكرية خلال الفترة الانتقالية الجديدة.

ووفق موقع "سودان تريبيون"؛ فقد أثار الإعلان عن تسمية 5 من الشخصيات موجة رفض كبيرة، طالت عدداً من الكيانات المهنية، التي رأت في اختيار بعض المرشحين نقضاً لقرارات سابقة بعدم مشاركة تجمع المهنيين الذي قاد الحراك الشعبي في السلطة الانتقالية.

كما دعا تجمع المهنيين السودانيين شركاءه في قوى إعلان الحرية والتغيير إلى احترام قرارات التجمع، في وقت قد تؤدي فيه هذه الخلافات إلى تأجيل أداء أعضاء مجلس السيادة اليمين الدستورية.

من المنتظر أن يصل المرشح لتولي منصب رئيس الحكومة الانتقالية عبد الله حمدوك اليوم إلى الخرطوم

وأصدر التجمع بياناً أشار فيه إلى أنّ "المجلس القيادي لقوى الحرية والتغيير عقد اجتماعاً، يوم الجمعة الماضي، للبتّ في الترشيحات النهائية لأعضاء مجلس السيادة؛ حيث قرر المجتمعون إحالة الحسم النهائي إلى لجنة مفوضة، تتكون من 12 عضواً، إضافة إلى عضو واحد مفوض من كلّ كتلة"، وفق ما أوردت "روسيا اليوم".

وتابع البيان؛ أنّ تجمع المهنيين السودانيين رشّح محمد أحمد يوسف الذي اعتذر بعد انتهاء اجتماع المجلس المركزي.

وأشار البيان إلى أنّه؛ في ظلّ اعتذار يوسف، اجتمعت سكرتارية تجمع المهنيين السودانيين مع ممثلي التجمع في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، السبت، وقرّر المجتمعون الامتناع عن تقديم مرشّح، وترك الأمر للجنة المفوضة من قوى الحرية والتغيير.

وأضاف البيان: "اجتمعت اللجنة المفوضة، اليوم، وناقشت موضوع المرشح لمقعد دارفور، ورشحت كلّاً من البروفسور موسى آدم عبد الجليل، والأستاذ طه عثمان إسحاق، وثبت ممثلو التجمع قرار تجمع المهنيين، بعدم مشاركة أعضائه في مجلس السيادة، وامتنع ممثلو التجمع عن التصويت، وقبل حسم الترشيحات تلقت اللجنة اتصالاً من البروفسور عبد الجليل، اعتذر فيه عن شغل المنصب".

وبعد ذلك؛ اتّفق بقية المجتمعين على ترشيح طه باعتباره المرشح الوحيد المتبقي، فأصبح ترشيح طه قراراً يعود للّجنة المفوضة، ورهناً لآلية اتخاذ القرار فيها.

ومن المرجَّح أن يؤدي التراجع بعد رفض مكونات داخل التجمع للمشاركة وخلافات بين مكونات قوى الحرية والتغيير إلى تأجيل أداء اليمين الدستوري لأعضاء مجلس السيادة، اليوم.

هذا وقد كان من المنتظَر أن يصل عبد الله حمدوك، المرشَّح لتولي منصب رئيس الحكومة الانتقالية في السودان، اليوم، إلى الخرطوم، قادماً من أديس أبابا، تمهيداً لأداء اليمين الدستورية.

عبد الله حمدوك

وحمدوك، الذي اتفقت قوى "إعلان الحرية والتغيير" بالسودان على تسميته لرئاسة الوزراء خلال الفترة الانتقالية، هو الأمين العام السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، عمل خبيراً اقتصادياً وخبيراً في مجال إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد والأنظمة الديمقراطية والمساعدة الانتخابية.

وهو حاصل على درجة الدكتوراه في علم الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية في جامعة مانشستر البريطانية.

بدأ عبد الله حمدوك مسيرته المهنية عام 1981؛ حينما انضم للعمل في وزارة المالية حتى عام 1987، ثمّ غادر بعدها إلى زيمبابوي، ليعمل في شركة مستشارين خاصة حتى عام 1995، ومن ثم مستشاراً في منظمة العمل الدولية، حتى عام 1997.

عُيّن بعدها في بنك التنمية الإفريقي في ساحل العاج، والذي بقي فيه لما يقارب الـ 4 أعوام، قبل أن ينضم إلى اللجنة الاقتصادية لإفريقيا، التابعة للأمم المتحدة في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، في عدة مواقع، حتى أصبح نائباً للأمين التنفيذي.

وفي الفترة من العام 2003 حتى 2008، عمل حمدوك في المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، ثم شغل في وقت لاحق منصب كبير الاقتصاديين ونائب الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا، منذ عام 2011.

وبحلول 2016؛ تمّ تعيينه من قبل الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، قائماً بأعمال الأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا.

ومن المقرر أن يصادق مجلس السيادة، أحد أجهزة السلطة خلال الفترة الانتقالية في السودان، على اسم رئيس الوزراء، الثلاثاء المقبل، على أن يؤدي القسم أمام مجلس السيادة ورئيس القضاء.

ووقعت "قوى التغيير" و"المجلس العسكري" الحاكم، أول من أمس، بصورة نهائية على وثيقتَي الإعلان الدستوري والإعلان السياسي لهياكل وتقاسم السلطة في الفترة الانتقالية، واتفق الطرفان على جدول زمني لمرحلة انتقالية من 39 شهراً، يتقاسمان خلالها السلطة، وتنتهي بالانتخابات.

 

 

للمشاركة:

ماذا يحدث في قاعدة مركز الإمام الخميني للفضاء؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

أظهرت صور الأقمار الصناعية لـ "مركز الإمام الخميني للفضاء"، في محافظة سمنان الإيرانية، هذا الشهر، نشاطاً متزايداً في الموقع، مع استمرار التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران.

وتزامن هذا النشاط مع تصريح مسؤول إيراني حول تسليم قمر صناعي قريباً إلى وزارة الدفاع في البلاد، وهذا مؤشر على أنّ محاولة الإطلاق ستجري قريباً، وفق ما نقلت "العربية".

صورة للمركز تظهر نشاطاً متزايداً في الموقع في إشارة إلى اقتراب إجراء محاولة لإطلاق صاروخ

وقال الباحث في مركز "جيمس مارتن" لدراسات حظر الانتشار النووي في معهد "ميدلبري" للدراسات الدولية في مونتيري بكاليفورنيا، فابيان هينز: "قاعدة الإمام الخميني الفضائية عادة ما تكون هادئة تماماً، اطلعنا الآن على صور شاهدنا من خلالها نشاطاً ملحوظاً في مركز التجميع هذا، ينبئ بحدوث شيء في منصة (الإطلاق)".

وأشار هينز إلى أنّ صور الأقمار الصناعية للقاعدة، التي التقطت في 9 آب (أغسطس) الجاري، تظهر النشاط في منشأة واحدة هناك، وقال إنّ هناك صورة أخرى لمنصة إطلاق في المنشأة تُظهر المياه التي يجري إخراجها وتجميعها، ومن المرجَّح أن يكون ذلك مؤشراً على قيام العمال بتهيئة الموقع لعملية إطلاق.

 

للمشاركة:

1500 معلم ومعلمة ضحايا إرهاب الحوثيين.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

قتلت ميليشيات الحوثي الإرهابية أكثر من 1500 معلم ومعلمة، منذ انقلابها على السلطة الشرعية، وإشعالها الحرب قبل أكثر من 4 أعوام.

ميليشيات الحوثي الإرهابية قتلت أكثر من 1500 معلم ومعلمة منذ انقلابها على السلطة الشرعية

وكشفت نقابة المعلمين اليمنيين؛ أنّ قرابة 2400 من العاملين في القطاع التعليمي باليمن تعرضوا لإصابات نارية مختلفة، نتجت عن بعضها إعاقات مستديمة، وفق ما نقلت وكالات أنباء محلية.

بدوره، أكّد المسؤول الإعلامي للنقابة، يحيى اليناعي، في تصريحات صحفية؛ أنّ "الاشتباكات المسلحة في القرى والمدن، والقصف العشوائي على المدارس والمناطق الآهلة بالمواطنين، والتعذيب في أقبية السجون، وزرع الألغام والعبوات المتفجرة في الأحياء السكنية والمزارع والطرقات من قبل عناصر ميليشيات الحوثي، نجم عنه هذا العدد الكبير من الضحايا في صفوف المعلمين".

وأوضح اليناعي؛ أنّ النقابة وثقت 32 حالة اختفاء قسري لمعلمين اختطفتهم ميليشيات الحوثي من منازلهم ومدارسهم ولم يشاهد أي فرد منهم بعد ذلك، كما لم تتلقَّ عائلاتهم أيّة إجابة من الحوثيين بشأن مصيرهم.

أيضاً، لفت إلى أنّ صنعاء تسجل أعلى نسبة من المخفيِّين بواقع "12" حالة، ثم محافظة صعدة بعدد 6 معلمين، اختطفتهم ميليشيا الحوثي عام 2009، أثناء عودتهم من مدينة صعدة وهم يحملون ملابس العيد لأطفالهم، ولم يشاهَدوا بعدها منذ ذلك التاريخ.

نقابة المعلمين وثقت 32 حالة اختفاء قسري لمعلمين اختطفتهم ميليشيات الحوثي من منازلهم ومدارسهم

وقال اليناعي: إنّ ميليشيا الحوثي هدمت 44 منزلاً من منازل المعلمين وسوتها بالأرض باستخدام الألغام، في محافظات "صعدة، عمران، حجة، وصنعاء".

كذلك أشار إلى أنّ "60% من إجمالي العاملين في القطاع التعليمي باليمن، البالغ عددهم 290 ألف موظف، لم يحصلوا على مرتباتهم بشكل منتظم منذ 3 أعوام، وأكثر من 9 آلاف تربوي من المعلمين النازحين لا يتقاضون مرتباتهم شهرياً، ما جعلهم عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية في المعيشة والحياة".

إلى ذلك، دعا المسؤول الإعلامي لنقابة المعلمين اليمنيين، الجهات المختصة والمجتمع الدولي لحماية التربويين في اليمن، وإجراء تحقيقات موثوقة في كافة وقائع القتل والاختفاء والاعتقال ومختلف الانتهاكات الإنسانية بحقّ المعلمين، وتقديم توضيحات علنية بما تمّ إنجازه من التحقيق في هذه الجرائم، وضبط الجناة ومحاكمتهم.

 

للمشاركة:



أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:

النهضة بين وجهها القبيح وأقنعتها الزائفة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

فاروق يوسف

قال لي صديق تونسي معبراً عن يأسه وهو يأس أصيب به عدد غير قليل من المثقفين هناك عبر سنوات الإحباط القليلة الماضية "كل المرشحين للرئاسة غير مقنعين على مستوى الحفاظ على استقلالية مؤسسة الرئاسة".

ولكن تلك القناعة لا تكفي سببا لمقاطعة الانتخابات. كل صوت له ثقله وهو ما لا يجب الاستهانة به أو إغفاله. يبدو الامر مزعجا غير أنه ضروري.

ما يجب التفكير فيه واقعيا هو الدفع بالنتائج لكي تكون سدا يحول دون الانزلاق إلى ما هو أسوأ.

هي فكرة يائسة غير أنها تمثل نوعا من الحل.

فإذا ما كان فوز حركة النهضة في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية هو الأسوأ فإن العمل على منعها من الفوز هو خيار وطني مثالي.

غير أن الخطير في الأمر يكمن في أن حركة النهضة قد اختارت عبدالفتاح مورو وجها علنيا لها لانتخابات الرئاسة وهي ليست ملامة في عدم التصريح بالأقنعة التي دخلت من خلالها السباق الرئاسي.

مرشح النهضة المباشر واحد، غير أن هناك عددا من مرشحيها غير المباشرين الذين سيضمنون لها حرية الحركة داخل الدولة حين يفتحون لها أبواب قصر قرطاج.

تلك هي أشبه بالأحجية التي سيكون على الشعب التونسي القيام بتفكيك عناصرها والتعرف على حقيقة المرشحين قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ذلك لأن "النهضة" قد وزعت دعمها بين عدد من المرشحين، قد لا يكون المنصف المرزوقي أبرزهم بالرغم من أنه يعتقد أنه الأكثر حقا في الحصول على دعمها بسبب ما قدمه لها من خدمات اثناء رئاسته المشؤومة.

وإذا ما كان المرزوقي لا يحظى بشيء من الشعبية بسبب ما تخلل رئاسته الأولى من سلبيات عكست ضعفه وسوء تقديره لمنصبه وانحيازه الرث للإخوان المسلمين بذريعة حماسته للربيع العربي فإن هناك مرشحين آخرين لا يقلون عنه سوءا سيكون ذهابهم إلى قصر قرطاج بمثابة نكبة للشعب التونسي، تتمكن من خلالها حركة النهضة من القبض على مصير البلاد.

لقد قُيض لحركة النهضة أن لا تتعرض لاهتزازات عميقة من داخلها وهو حدث طبيعي بالنسبة للأحزاب الدينية التي تملك القدرة على إخفاء خلافاتها وانشقاقاتها بعيدا عن الأضواء.

وكما يبدو فإن قسم الولاء المقدس يلعب دورا كبيرا في تكريس هيمنة القيادة التي لا يمكن أن تتعرض للنقد العلني الذي لا يقترب منه الانفصاليون. وهو ما استفادت منه حركة النهضة حين أبقت الطرق سالكة بينها وبين أعضائها ومناصريها السابقين.

ولأن الذين قرروا ان يضعوا مسافة بينهم وبين الحركة يؤمنون بأن دعمها لهم سيضمن لهم حظوظا أفضل في الانتخابات فإنهم قد سعوا إلى أن تقتنع الحركة بأنهم يمثلون رصيدا مضمونا لها في مستقبل أيامها.

ذلك التواطؤ لم يعد خافيا على التونسيين.

هناك شخصيات مستقلة ظاهريا ترشحت لمنصب الرئاسة هي في حقيقتها عبارة عن ألغام نهضوية ستنفجر ما أن يستقر بها الحال بعد الانتخابات التي صارت بالنسبة لحركة النهضة عبارة عن مكيدة.

ذلك ما يدفع إلى اليأس.

ولكنه اليأس الخلاق الذي يدفع في اتجاه الحقيقة.

تضلل حركة النهضة الجميع حين تقدم عبدالفتاح مورو باعتباره مرشحها الوحيد فيما تتستر على علاقتها السرية بعدد من المرشحين الذين تراهن على فوز واحد منهم باعتباره مستقلا، غير أنه في حقيقته يمثل ضمانة لها أكثر من مورو الذي تعرف أنه يمثل وجهها القبيح.

سيكون من أسباب شعور الشعب التونسي بالثقة بمستقبله أن يضع يديه على المواقع التي يمكن أن أسميها بـ"مواقع الغدر" في الانتخابات الرئاسية. وهي المواقع التي تتحرك من خلالها حركة النهضة خفية.

وكما أرى فإن الاختبار الحقيقي لمصداقية المرشح لانتخابات الرئاسة سيكون موقفه من حركة النهضة.

لا تنفع في ذلك المواقف الصامتة.

لو كنت تونسيا لصوتً لصالح مَن يقف علنا ضد النهضة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية