الشيخ إمام يتحدى التجاهل الرسمي ويشدو بأغنيات خلدها الوجدان الشعبي

لم يدرك الشيخ المعمم أنّ صوت أم كلثوم سوف يبدّل حياته إلى تلك الدرجة، فبعد أن كان قارئاً للقرآن، موظفاً في المقر الرئيسي للجمعية الشرعية، وهي واحدة من أهم الجمعيات الدعوية في القاهرة، وبعد أن تنبأ له القارئ الشيخ محمد رفعت بمستقبل مختلف، غيّر صوت أم كلثوم مسار رحلته، ليصبح الشيخ إمام عيسى، المطرب الذي قضى غالبية عمره في السجن، لمجرد أنه أطلق أغنيات يرثي خلالها أخطاء الأنظمة الحاكمة. ولعل هذا ما جعل الاحتفال بمئويته يمر من دون أي اهتمام يليق بهذه الظاهرة الغنائية المثيرة للجدل.

يوسف القعيد: الشيخ إمام خرج من رحم الهزيمة التي قُدّر لها أن تكون نهاية مرحلة وبداية أخرى

كان الشيخ إمام يسير في اتجاه منزله بحوش قدم، عندما سمع أم كلثوم تغني "ليه تلاوعيني"، نغمات أرسلتها الست عبر أثير الإذاعة، أطربت الشيخ، وهو يمر بجوار دكانة (مزين) بالمنطقة اسمه محمد بيومي، ليتسمر مكانه، وبعد لحظات من وقوفه دعاه (المزين) ليقرأ القرآن على الناس في دكانه، وتلك كانت مهنة الشيخ التي يرتزق منها، لكن وبعد أيام من القراءة صادف أن استمع إليه الشيخ درويش الحريري، الأستاذ في معهد الموسيقى العربية، ومنذ تلك اللحظة لم يتركه الشيخ إمام حتى تعلم منه فنون الموسيقى، وكان ابن الثامنة عشرة في ذلك الوقت.

اقرأ أيضاً: أم كلثوم الصحفية: وجوه متعددة لسيدة الغناء العربي

رحلة عيسى وحياته خلال مائة عام، ربما تكون تأريخاً لمصر التي كانت؛ فقراءة متأنية لرحلة صعود الشيخ، منذ بدايته مع القرآن، مروراً بعمله في الجمعية الشرعية، ثم فصله منها عندما اكتشفوا أنه يسمع القرآن عبر أثير الإذاعة؛ وهي مسألة كان الشيوخ يعتبرونها حراماً في تلك الفترة، ثم انتقاله إلى حوش قدم، وسماعه لأنغام أم كلثوم، التي سلبت لبّ الشيخ، مروراً بحرب حزيران (يونيو) 1967، بين مصر وإسرائيل، وانتفاضة الشيخ مغنياً من كلمات رفيق دربه أحمد فؤاد نجم، جميعها مراحل، قد نفهم منها شيئاً مما حدث!

غيّر صوت أم كلثوم مسار رحلته

الميلاد

في قرية أبو النمرس، التابعة لمحافظة الجيزة، كان مولد الشيخ إمام واسمه الحقيقي إمام محمد أحمد عيسى، عام 1918، لأبوين فقيرين. وفي السنة الأولى من ولادته، فقد بصره، نتيجة علاج عينيه بالطرق الشعبية الخاطئة، من مرض أصابهما، وعندما بلغ الخامسة ذهب إلى الكتّاب لحفظ القرآن الكريم.

اقرأ أيضاً: لماذا يعادي الإسلامويون الموسيقى؟

بيْد أنّ الميلاد الفني الحقيقي للشيخ إمام، كما يشير الروائي يوسف القعيد في تصريح لـ"حفريات"، كان "في الخامس من يونيو (1967)، رغم أنه غنّى قبل هذا التاريخ، ولكن الغناء يختلف عندما يكون المغنّي خارجاً من رحم الهزيمة، مغنياً تحت معطفها، ومن دون هذه الهزيمة المدويّة ما كان يمكن للشيخ إمام عيسى أن يحقق هذه المكانه في قلوب الناس وبهذه السرعة العجيبة".

اقرأ أيضاً: "الزي المقدس".. لماذا أوقفت "الأوقاف" المصرية داعية غنّى لأم كلثوم؟

ويضيف القعيد: "سمعته قبل أن أراه.. وصلني صيته القوي قبل أن ألتقي به، وأتذكر أنني في المرّة الأولى التي سمعته فيها كنت أتجول عند سور الأزبكية قبل إزالته من مكانه الشهير، والذي كان جزءاً من تاريخ مصر الحضاري والثقافي، ومن راديو صغير كان صوته كبيراً، وهو يقول: "جيفارا مات.. آخر خبر في الراديوهات لا طنطنة ولا إعلانات".

غنّى الشيخ إمام لشعراء آخرين غير نجم كما هو شائع

إمام غنى لآخرين غير نجم

واحدة من الأخطاء الشائعة عن الشيخ إمام أنه لم يغن سوى أشعار أحمد فؤاد نجم فقط، وتلك معلومة غير دقيقة يصوبها القعيد: "غنّى الشيخ إمام عيسى لشعراء آخرين غير (نجم)، منهم شاعر فلسطين الشهيد توفيق زيّاد، وشاعر العامية المصري زين العابدين فؤاد، وفؤاد حداد، وفؤاد قاعود، ولكن يبقى مشروعه الفني مرتبطاً بالغناء مع نجم فقط، وهذا هو الأساس والقاعدة التي لا ينفيها أي استثناء".

لقد "كان هذا الكيان ابن اللحظة، جزءاً من ذلك الزخم الذي خرج من رحم هزيمة يونيو، التي قُدّر لها أن تكون نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى في تاريخ مصر".

الناقد شوكت المصري: غياب الاحتفاء المستحق بالشيخ إمام قد يكون سببه طبيعة المحتوى الفني الذي قدمه

ويثير القعيد مسألة مهمة بخصوص مشروع الشيخ إمام الفني، إذ "تبقى القضية الأكثر صعوبة من سواها، هي لماذا تعثّر مشروع الشيخ إمام الفني، ونحن نطرح هذا السؤال من باب حبّنا له. يبدو أنّ الرجل كان صاحب مشروع فني كبير، ولم يكن مجرد مغنٍ أدى بعض الأغاني ومضى، لكن المشكلة أن هذا المشروع لم يصل إلى الناس، فلماذا لم يصل.. وهل كانت هناك عيوب في المشروع نفسه؟".

اقرأ أيضاً: سيد درويش: عبقرية العفوية

ويعتقد القعيد أنّ "مشكلة الشيخ إمام أنّ فنّه ارتبط بمرحلة معينة، وأن غناءه انحصر داخل تيار معين، وفي قلب مجموعة من الناس فقدت قدرتها على التأثير، كذلك لم تكن هناك نقلات فنية ومراحل تطور جوهرية، وربما كان السبب الجوهري هو انهيار الكيان الفني (إمام ونجم). أيضاً لا بد من القول؛ إنّ الجيل الذي حمله في حبّة القلب كانوا شباناً في أواخر الستينيات والنصف الأول من السبعينيات، وهذا الجيل سرعان ما تبعثر وتناثر، وأغلبه هاجر من مصر وتركها ولم يعد".

مرور مائة عام على ميلاد الشيخ إمام

مئوية بلا ضوضاء!

ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشيخ إمام، فتحت باب السؤال حول غياب الاهتمام بدراسة عالمه الفني، أو حتى الاهتمام بتقديم احتفال بمئويته على المستوى الرسمي.

ومن الاستثناءات، التي كسرت القاعدة، احتفالية بمئوية الشيخ إمام بمعرض القاهرة في دورته الأخيرة، ضمن محور المئويات الذي احتفل أيضاً بمئوية الزعيم جمال عبد الناصر والشيخ الحصري.

محمد عفيفي: دراسة تجربة الشيخ إمام ربما تكون ضعيفة في مصر لكن دول المغرب درسته بعناية

وشارك في تلك الاحتفالية، الأستاذ في معهد النقد الأدبي بالقاهرة د.شوكت المصري؛ حيث بيّن لـ"حفريات" أنّ "غياب الاحتفاء المستحق بالشيخ إمام قد يكون سببه طبيعة المحتوى الفني الذي قدمه، وهو ينقسم بدوره إلى أغنيات متعدية للظرف السياسي والتاريخي، نستطيع ترديدها في كل زمان، مثل أغنيات، (مصر ياما يابهية، وبقرة حاحا، واتجمعوا العشاق)، أما الجزء الأكبر فكان مرتبطاً بظرف تاريخي واجتماعي وسياسي، وتلك النوعية من الأعمال عادة لا تتصف بالديمومة، وذلك الكلام ليس تقليلاً من فن الشيخ إمام، لكنها محاولة لفهم سر عدم الاحتفاء أو الدراسة التي يستحقها بالفعل".

ويعزو المؤرخ الموسيقي والأستاذ بقسم النقد الموسيقي بالمعهد العالي للنقد الفني د. زين نصار، عدم دراسة فن الشيخ إمام إلى حساسية الحالة السياسية التي عاشها، موضحاً في تصريح لـ"حفريات" بأنّ الوقت الحالي ممكن لدراسة موسيقاه فى حدود الظرف التاريخي والاجتماعي الذي خرجت فيه".

اقرأ أيضاً: عازفة الفلوت إيناس عبد الدايم وزيرة لثقافة مصر

ويتحفظ رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة د. محمد عفيفي على مسألة عدم دراسة موسيقى إمام، معرباً عن اعتقاده بأنّ "مسألة الدراسة ربما تكون ضعيفة في مصر، لكن دول المغرب العربي قدمت دراسات عديدة لتجربة الشيخ إمام، وذلك عائد لعدة أسباب منها وجود ظواهر في المغرب العربي قريبة الشبه بتجربة الشيخ إمام مثل فرقة "ناس الغيوان". وعندما كنت في باريس فترة التسعينيات كانت شهرة الشيخ إمام هناك ربما أكبر من شهرته في مصر، وقرأت العديد من المقالات والدراسات التي قدمها العرب هناك عن تجربة إمام".

ويتابع عفيفي، في تصريح لـ"حفريات": "الشيخ إمام ورفيقه أحمد فؤاد نجم، ظاهرة ارتبطت بفترة تحولات معينة في الستينيات والسبعينيات، وهي فترة كانت تتصف بنوع من أنواع الكبت، وهو ما سعى إمام ونجم مقاومته وكسره، وأتصور أن موت الشيخ إمام قبل نجم بعشرين عاماً، قد يجيب عن العديد من الأسئلة، فحياة نجم الممتدة حتى الثورة ساهمت في دراسته بشكل أكبر".

الأقسام: