متى تفلت المجتمعات من ثقبها الأسود؟

6250
عدد القراءات

2018-07-10

يقول الفيزيائيون إنّ الثقب الأسود هو حيز في الفضاء قادر على ابتلاع كل شيء من كواكب ونجوم فتختفي داخله، وهو في أصله نجم غلبت فيه قوة الجذب الهائلة إلى الداخل على قوة النبذ، فتحول إلى هذا الكيان الذي يعجز حتى الضوء نفسه عن الإفلات منه لذلك سمِّي بهذا الاسم.

دعونا نغرد خارج سرب الفيزيائيين؛ ونستعير من هؤلاء العلماء هذا المثير للدهشة، لنجعله عنواناً مجازياً أو رمزياً نصل من خلاله إلى بعض الحقائق في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية المعيشة كل يوم؛ بل كل لحظة من اليوم.

ما هو الثقب الأسود في المجتمعات، الذي يستقطب أجرام الحياة اليومية، ويبتلعها، فتختفي فيه وتتماهى به؟

لطالما صنع الإنسان تماثيل للآلهة وأنسن الأشجار وأضفى عليها قيماً روحية تتجاوز قيمها المادية الملموسة

إن علاقة الإنسان بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالعالم المادي؛ هي علاقة مفاهيم وأفكار وعقائد، وقيم اجتماعية تفضي إلى قيم إنسانية بناءة، تنهض بالمجتمعات إلى مستوى الحداثة والازدهار.

فمنذ أن تكوّن المجتمع البشري؛ وقبل ظهور الأديان، كان للمقدّس حضور كبير في لبّ الحضارات الإنسانية، وكانت تدعم ذاك المقدس الأساطير المبتكرة من الخيال الإنساني والمبدعة إذا صحّ التعبير، فأخذ الإنسان يضفي على المقدّس من الأشياء صفاته الإنسانية، فصنع تماثيل للآلهة، وأنسن الأشجار وأضفى عليها قيماً روحية تتجاوز قيمها المادية الملموسة، وذلك لتقديسها وتأليهها.

تعود أسباب التقديس أو التأليه في ذاك الزمن إلى الخوف من اعتباط الطبيعة وعشوائيتها، وعدم معرفة أسباب الظواهر الطبيعية، ثم أتت الأديان لتكرّس صفة المقدس في ذهنية الإنسان الفردية والجماعية، فصار يذوب بالعشق الإلهي حتى يراوده الشعور بالعدم أمام المقدس: "... ها أنا ذا قد طفقت أتكلم أمام سيدي وأنا تراب ورماد" (التكوين 18-19).

تعود أسباب التقديس أو التأليه قديماً إلى الخوف من اعتباط الطبيعة وعشوائيتها وعدم معرفة نواميسها

هذا الشعور منشؤه الخوف من المجهول، الذي يلفّه الغموض والإبهام، فمع الحركة المتواصلة للزمن والخروج من عالم المثولوجيا اهتدى الإنسان بأنوار العقل والمنطق والثورات العلمية التي أدخلت على المجتمعات ذهنية جديدة جعلت الإنسان يسبح في عالم الفكر والبحث والاستقراء، ويحكم على الأشياء بالعقل والمنطق.

إلاّ أنّ بعض المجتمعات لا تزال تسير القهقرى، في مسار ارتجاعي نحو الماضي، ولا تزال تحت تأثير الأسطورة إلى الوقت الراهن حتى أنّها أخذت تضفي صورة المقدّس على الإنسان، كتأليه الحاكم وتقديسه، وتخليده، واجترار الماضي وإسقاطه على الحاضر وعدم التفكير العقلي والعملي في المستقبل، فكل ما هو موروث مقدس وغير قابل للنقد أو التجديد، وكل ذي سلطة هو إله أو مؤلَّه، حتى لو بلغ أقصى درجات الاستبداد والاستغلال.

هل الخوف من الأقوى لا يزال يبني أعشاشه في ذاكرة الشعوب الجمعية إلى الوقت الراهن، وهل يصعب على تلك الشعوب هدم الأسطورة ونقد المقدّس عن طريق العقل والفكر المتجدد، وهل وجود المقدس أكثر أهمية من الوجود الإنساني؟

بعض المجتمعات تسير القهقرى في مسار ارتجاعي نحو الماضي وماتزال تحت تأثير الأسطورة إلى الوقت الراهن

إنّ المفاهيم الكامنة في اللاوعي الجماعي لدى جميع الشعوب، تستند إلى نموذج أصلي وأسطورة وشعيرة، حسب تصنيف مؤرِّخ الأديان مارسيا إلياد، كأساطير الخلق الأول المتداولة لدى مختلف الجماعات والشعوب، وقد كان ابتكار هذه النماذج دليلاً على عظمة التفكير وخصب الخيال وقدرتهما على نسج الحكايات وتجسيدها وعجنها بالمقدس أو المدنس.

وقد آلت هذه الحال بالشعوب، التي لا تزال تحت تأثير تقديس المكان والزمان وتقديس الطغاة، إلى نوع من الحروب والنزاعات المستمرة بين الطوائف والملل؛ أي بين الإنسان والإنسان، فلم تكن خبرة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بالعرب قليلة حين قطع الشجرة التي عقدت تحتها بيعة الرضوان، خشية أن تصبح مكاناً مقدساً لديهم.

الأديان التي احتفت بالروح وأنكرت الجسد كرّست نظماً اجتماعية كان يجب أن تتآكل مع سيرورة الزمن

هذه البُنى الذهنية التي وصلت بين السماء والأرض، لم تكن فقط حالة خيالية أو مثالية، إنما هي قوة باطنية جمعت بين المتناقضات الكونية؛ فالطقوس الممارَسة منذ أقدم العصور من أجل المقدّس تنطمس ضمنها معالم الإنسانية، فتتطابق تبعاً لتكرارها مع النموذج الأصلي والأسطورة والشعّيرة.

لكن مارسيا إلياد يختلف مع هذه الطقوس ويجعل منها تجديداً لكل المفاهيم السابقة، ليكون كلّ من الفرد والجماعة محور الكون، في حيّز التناقض الذي تنتفي فيه عوامل التنافر والتناحر بين الثنائيات المتناقضة، وحيث يكون التواصل بين جميع مستويات الكون ممكناً، ما طمح إليه إلياد هو أن يكون الإنسان إنساناً متكاملاً روحاً وجسداً، لكن الأديان التي احتفت بالروح وأنكرت الجسد، لا بل قدّست الروح ودنّست الجسد، كرّست نظماً اجتماعية كان يجب أن تتآكل مع سيرورة الزمن.

النظم التي ترفض التجديد والابتكار أصبحت ثقباً أسود يستقطب المتماهين بالماضي والمستمتعين باجترار التخلف والاستبداد

تلك النظم لا تقبل التجديد والابتكار، والتي أصبحت ثقباً أسود يستقطب المتماهين بالماضي والمستمتعين باجترار التخلف والاستبداد؛ فالخوف من الحاكم جعله إلهاً لا يجب المساس بقدسيته، والخوف من الغائب جعل القتل مشرعاً في الدفاع عن قدسيته، فنقص المعرفة والعودة إلى الماضي ساهمت في التباس المفاهيم ومدلولاتها في العلاقة بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم كما ساهمت في تقديس الأفكار والمعتقدات السياسية كالقومية، والاشتراكية والشيوعية وغيرها.

إلى متى سيبقى الماضي يملأ الوجود الإنساني، وكيف ستنتهي الحال بأمم انتهكت جميع الحقوق الإنسانية دفاعاً عن المقدس؟!

اقرأ أيضاً: كارولين إيميكي: الكراهية تطورت وأصبحنا فخورين بالقسوة!

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مدخل إلى فلسفة الدين

2019-11-18

سؤالُ فلسفةِ الدين سؤالٌ فلسفي، والتفكيرُ فيها تفكيرٌ فلسفي، وقراءتُها للدينِ ومعتقداتِه قراءةٌ فلسفية، وبذلك تتميز عن: علمِ اجتماع الدين، وأنثربولوجيا الدين، وعلمِ النفس الديني، وغيرِها من علومٍ تهتم بدراسة الدينِ وتمثّلاتِه في حياةِ الفردِ والجماعة، فكلٌّ من هذه العلوم يدرس كيفيةَ تعبيرِ الدين عن حضورِه في الحياة، والأثرَ والتأثيرَ المتبادلَ الناتجَ عن التفاعلِ بين الدينِ وثقافةِ المجتمع ونمطِ تمدّنه، وكلُّ هذه العلومِ يدرسُ الدينَ في ضوء مناهجِه ومفاهيمِه وأدواتِه في البحث العلمي، ويتركّز بحثُه على ما يحدثه الدينُ في المجالِ الخاص الذي يدرسه.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني حضور الفلسفة في الفضاء المعرفي السعودي؟
  لا تختصُّ فلسفةُ الدينِ بدينٍ أو فرقةٍ أو مذهب، ولا تسعى للدفاعِ عن معتقداتِ جماعةٍ دينية، كما هي وظيفةُ اللاهوتِ، وعلمِ الكلام، ففي لاهوتِ أيِّ دينٍ يظل اللاهوتي يفكّر تحت سقفِ المعتقد المركزي للدين، ولا يخرج عن إطارِه الكلي مهما كان رأيُه، وفي علمِ الكلامِ الإسلامي يظل المتكلمُ يفكّر تحت سقفِ التوحيد والنبوة، فإن خرج اجتهادُه عن مسلّماتِ الاعتقاد فنفى وجودَ الله وأنكر النبوةَ لم يعد متكلماً.
  أما فيلسوفُ الدين فلا سقفَ يخضع له عقلُه، ولا إطارَ يتحرك ضمنَه تفكيرُه، ولا مسلماتٍ يصدر عنها؛ لأنه لا يقوده إلا العقلُ، ولا ينتج فهمَه للدينِ والمعتقداتِ الدينية أيّةُ سلطةٍ معرفيةٍ تتعالى على العقل، فمنطقُ فهمِ فيلسوفِ الدين للمعتقدات الدينية هو ذاتُه منطقُ فهمِه للوجود والمباحثِ الكلية المعروفةِ في الفلسفة.

لغةُ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" منطقيةٌ واضحة تتسم بالموضوعية والحياد وتهتمّ بالاستدلال

  تبتعد فلسفةُ الدينِ عن الأحكامِ المعيارية، ولا تتبنّى أيّةَ مواقفَ مسبقة، ولا تتحمّس في الانحيازِ لأيّةِ ديانةٍ أو معتقد، فلا يحضر الإيمانُ أو الاعتقادُ بدينٍ معينٍ، بوصفه شرطاً، في تفكيرِ فيلسوفِ الدين، ما يحضر هو العقلُ الفلسفي، من دون أيِّ توصيفٍ أو شرطٍ إضافي يقيّد العقل، أو يملي عليه طريقةَ تفكيره، أو يرسم له حدودَ الأفقِ الذي يتموضع فيه، أو المنطقَ الذي يوجِّه مسارَ تفكيره.

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
  لكن لا يمكننا أن ننكر أثرَ السياقِ الديني لنشأةِ وتطورِ فلسفة الدين، الذي ترك شيئاً من بصمته في أعمالِ فلاسفةِ الدين، فلم تتحرّر دراستُهم للدين من أسرِ أمثلةٍ وقصصٍ ومواعظ الكتابِ المقدّس، وإن كان منطقُ فهمِهم لها مختلفاً بشكلٍ واضحٍ عن منطقِ فهمِ اللاهوتيين، ففيلسوفُ الدين، وإن كان يهودياً أو مسيحياً، لا مرجعيةَ له خارجَ عقله، ولا أيةَ مسلماتٍ تسبقُ تفكيرَه، إلا المسلماتِ المضمرةَ في اللاوعي. يقوده عقلُه الفلسفي ويستند إلى أدلته، وإن انتهت أحياناً تلك الأدلةُ إلى نفي المصدرِ الإلهي للكتابِ المقدّس، وإلى عدمِ قبولِ تفسيرات وتأويلات اللاهوتيين لنصوص هذا الكتاب.
    وكما تختلف فلسفةُ الدين عن اللاهوت، وعلمِ الكلام، وعلمِ اجتماع الدين، وأنثربولوجيا الدين، وعلمِ النفس الديني، تختلف فلسفةُ الدين أيضاً عن علم الكلام الجديد، المتكلّمُ الجديد غيرُ فيلسوف الدين، المتكلّمُ الجديد يؤمنُ بالله والوحي، بغضِّ النظرِ عن اجتهادِه في بناءِ رؤيتِه التوحيدية، وفهمِه للوحي، بصورةٍ لا تطابق رؤيةَ وفهمَ المتكلم التقليدي.
وفي ضوء ذلك لا ينطبق عنوانُ علم الكلام الجديد على كتاباتٍ بحثتْ ظاهرةَ الوحي من منظورٍ مادي لا يؤمن بالله، أو كتاباتٍ ترى الوحيَ بوصفه ظاهرةً أنتجها البشر. كما لا يمكن تصنيفُ أيّةِ كتاباتٍ تنفي المضمونَ الميتافيزيقي الغيبي للوحي على أنها علمُ كلامٍ جديد.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟
  ظهر التفكيرُ الفلسفي في الدينِ وبيانِ ماهيةِ المعتقدات والاستدلالِ عليها مبكراً في الإسلام، كما نقرأ ذلك في آثار الكندي "185 – نحو 256 هـ"، والفارابي "260 – 339 هـ"، وابن سينا "370 – 427 هـ"، وتواصل مع ابن رشد "520 – 595 هـ"، وشيخِ الإشراق السهروردي "نحو 554 – 586 هـ".
   وعلى الرغم من الأثرِ الذي أحدثه موقفُ الغزالي "450 – 505 هـ"، وغيرُه من المتكلمين المناهضين للتفلسف في الدين، لكن العقلَ الفلسفي حاول أن يستفيقَ في أصفهان مع محمد باقر المعروف بمير داماد "960 – 1041هـ" الذي ترسّمَ نهجَ المشّائين ببيانٍ ملتبسٍ غامض، وتلميذِه ملا صدرا الشيرازي "980– 1050هـ"، الذي أنتج فلسفةً مركبةً تتزاوج فيها اتجاهاتٌ متنوعة، وتحيل إلى مصادرَ مختلفةٍ تنتمي إلى: فلسفة ابن سينا المشّائيّة، وفلسفة الشيخِ السهروردي الإشراقية، وعرفانِ محيي الدين بن عربي "558 – 638 هـ"، وتوظف آراءَ بعضِ المتكلمين كالفخر الرازي "544هـ - 606هـ"، بنحوٍ صارت هذه الفلسفةُ وكأنها توليفةٌ لا تأتلف لمقولاتٍ ومواقفَ وآراءٍ شتى، لكن لا يمكن تجاهلُ غزارةِ ما يسودها من تفلسفٍ في الدين، غالباً ما  كان ملا صدرا يستأنف فيه نتائجَ ابن عربي، فيتخذها أسساً ليبني عليها رؤيتَه لله والعالَم، بعد أن يعيد إنتاجَها وتكييفَها لمنطقه، وللغته المتكلّفة التي تفتقر لكثافةِ لغِة ابن عربي، ولا تكتنز بثرائها الرمزي.   

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
كان التفكيرُ الديني في الإسلام ومازال تأسره المقولاتُ الكلامية والمواقفُ الاعتقادية وأحكامُ المدونة الفقهية، وما يشكّل مبادئَ ومقدّماتٍ أساسيةً لتعليم تلك المقولات والأحكام. ولم يتحرّر هذا التفكيرُ من ذلك، ولم ينفتح على بناءِ وعيٍ فلسفي بالدين إلا بمبادراتٍ فرديةٍ لم تتحول إلى تيارٍ للوعي الفلسفي في الدين، وعجزتْ عن اختراقِ جدرانِ معاهدِ التعليم الديني، ذلك أنّ المؤسساتِ الدينيةَ المحافظة، التي تمتلك المشروعيةَ الراسخة، لم تسمح للعقل الفلسفي بالحضور في فضائها، لأنها تدرك ما يمكن أن يحدثه أيُّ ضربٍ من الوعي الفلسفي في الدين من أسئلةٍ عميقة، وما يولّده هذا الوعيُ من نقاشات، لا تضبطها طرائقُ التفكير المعروفة في تلك المعاهد، وتنفلت من أسوار مقولاتِ الكلام والمواقفَ الاعتقادية، فيظل حائراً حيال إجاباتِها، لأنه لم يتسلح بالمنطق الذي يلتقي ومنطقَ تفكيرها، واللغةَ التي تتناغم ولغتَها.

اقرأ أيضاً: تكفير التفكير.. الصحوة والفلسفة
  مازالت معاهدُ التعليم الديني مولعةً بالاحتماء بالتراث، ولاشك أنّ الاحتماءَ بالتراث يعبّر عن حاجة نفسية ومجتمعية توفر للإنسان أمناً هو بأمس الحاجة إليه، في عالَم عاصفٍ تتدفق فيه العلومُ والمعارفُ، وتباغته التقنياتُ الجديدةُ، التي تنهمر كالشلال من خلال وسائل الاتصال اليوم، فتكسر صمتَه وسكونَه، وتُحدِث لديه حالةً من التوتر، لذلك يحرص الإنسانُ على الاحتماء بتراثه، معتقداً أن كلَّ ما يحتاجه في حاضره ومستقبله يمدّه به ذلك التراثُ. وهذه الحاجة هي التي تفرض عليه ممانعةَ أية محاولة لمساءلة التراث، والخوفَ من توظيف الفلسفة والمناهج العلمية الحديثة في فهمه وتحليله ونقده، وتمكّنه من غربلته وعبوره.
  البحثُ الفلسفي في الدين، وتطبيقُ المناهج الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية، وغيرها على الظواهر الدينية هو ما يكفل اكتشافَ أفقٍ للتفكير يمنح الحياةَ الدينية أجملَ معانيها، ويجعلها متناغمةً والإيقاع المعرفي والتقني للعصر، ويمكّنها من الاستجابة للمتطلبات الروحية والأخلاقية الراهنة، وإشباعِ حياةِ الإنسان بالمعنى الذي تحتاجه اليوم.

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
وهذا النوعُ من الدراسة لتعبيرات الدين في الحياة ضرورةٌ يفرضها انسدادُ آفاق التفكير الديني، وإنجازُ معرفةٍ فلسفية وعلمية بالدين، والكشفُ عن تمثلاته الإيجابية والسلبية في الحياة. ذلك أنّ تمثلاتِ الدين ظواهرُ بشرية تعكس كيفيةَ فهمه، وقراءةَ نصوصه وتحققَها في حياة الفرد والمجتمع. وهذا يعني أنّ هذه الظواهرَ مثلُها مثلُ أيةِ ظاهرةٍ بشرية يجب أن تُدرَس في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، مثلما تُدرَس في ضوئها كلُّ ظاهرة فردية ومجتمعية.
  في العقدَين الأخيرَين صدرتْ كتبٌ عديدةٌ تحمل عنوانَ فلسفة الدين، كان بعضُها معطياتٍ مشتتةً لا تحمل من فلسفة الدين إلا العنوان، وكأنّ التأليفَ في هذا الموضوع صار موضةَ هذه السنوات، بعد أن ظلت فلسفةُ الدين مجهولةً لدى دارسي الفلسفةِ والدينِ بالعربية زمناً طويلاً.  كنتُ ومازلتُ أهتمُّ برصدِ ومطالعةِ هذه الكتب، سواء كانت تأليفاً أو إعداداً وتحريراً، وقلّما قرأتُ كتاباً يتناول فلسفةَ الدين بشكلٍ منهجي منتظم، يرسم لمن يريد التخصصَ في هذا الحقل خريطةَ طريقٍ واضحة، ويزوّده بمدخلٍ علمي يوفر عليه الوقتَ والجهد، ويمكّنه من الدخول لفلسفة الدين من أبوابها، ولا يقوده إلى متاهاتٍ لا يدري فيها من أين يبدأ وإلى أين ينتهي.
  أدركتُ قبل أكثر من ثلاثة عقود أنّ بناءَ وعيٍ فلسفي بالدين ضرورةٌ يفرضها تحريرُ التفكير الديني من المدارات المغلقة للتراث، وانفتاحُه على الهموم المعرفية لعالَم الإسلام اليوم، وهو ما دعاني للتفكير جدّياً بتأسيس دوريةٍ تتكفل ذلك، فأصدرتُ مجلةَ قضايا إسلامية معاصرة، وأسّستُ مركزَ دراسات فلسفة الدين بعد عودتي لبغداد، ومنذ تأسيسه حرص هذا المركزُ على بناءِ وعيٍ فلسفي بالدين، وتكثّفت جهودُه حول تأمين هذه الحاجة الملحة، وبادر لتخصيص أكثرِ أعداد مجلة قضايا إسلامية معاصرة للمباحث المحورية في فلسفة الدين، وبموازاتها أصدر المركزُ "موسوعةَ فلسفة الدين"، وهي موسوعةٌ اتسعتْ لاستيعاب إسهاماتِ فلاسفةِ دينٍ ومفكرين وباحثين خبراء في فلسفة الدين، تتعدّد مواطنُهم اللغوية وأديانُهم ومذاهبُهم، لكنهم يلتقون في فهمِ وتحليلِ المعتقداتِ الدينية في أفق فلسفي، ويفكّرون فيما هو مشترَكٌ في الأديان، وعابرٌ للحدود الاعتقادية والإثنية والتاريخية والجغرافية والرمزية.

اقرأ أيضاً: الفلسفة كوصفة طبية
  وفي إطارِ محاولته لبناءِ وعيٍ فلسفي بالدين، تبنّى مركزُ دراسات فلسفة الدين ترجمةَ ونشرَ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين"، الذي أصدرته جامعة أكسفورد قبل ثلاثة عقود تقريباً، لكنه ظل مهملاً كلَّ هذه السنوات، ولم يتعرّف عليه أو يهتمّ به أحدٌ من الباحثين في فلسفة الدين في البلاد العربية، على الرغم من الأهمية الفائقة له، وتوفرِه على ميزات لا نراها مجتمعةً في كتابٍ واحدٍ من الأعمال الصادرة في فلسفة الدين.
  وبحدود اطلاعي على ما كُتِب في فلسفة الدين، فإنّ هذا العملَ هو الكتابُ الأولُ بالعربية الذي يمكن اعتمادُه بوصفه دليلاً علمياً منهجياً في فلسفة الدين، فهو منجمٌ غنيٌ لفلسفةِ الدين والاتجاهاتِ المتنوعة في اللاهوت الغربي، ولم يغفل الإشارةَ إلى اللاهوتِ والعقلِ الفلسفي في الأديان المتنوعة.
  تميّزَ هذا العملُ باستيعابه للكلّيات والموضوعات الأساسية في فلسفة الدين، وبحث كلاً منها بلغةٍ علميةٍ مقتصدة، لا ينهكها فائضٌ لفظي، ولا تضيع في استطراداتٍ مملة، وتتسع لاستيعاب آراء الفلاسفة واللاهوتيين الذين كان لهم إسهامٌ أساسي في فلسفةِ الدين، وصياغةِ موضوعاتها الكلية، وإثراءِ النقاش فيها.

اقرأ أيضاً: فلسفة رايش.. كيف ومتى تخدم الوطنية المفرطة الاستبداد؟
  لغةُ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" منطقيةٌ واضحة، تتسم بالموضوعية والحياد وتهتمّ بالاستدلال، تعرض الآراءَ وتشرحها، وتستعرض الأدلةَ ولا تغفل نقدَها، ولا تنسى بيانَ ومناقشةَ مختلفِ المواقفَ حيالها. لغةٌ تتحدّث عن الدين بأسلوبٍ يظهر فيه للوهلة الأولى المؤلفون وكأنهم يدافعون عن الدين، أو كأنهم من أتباعه. وسيوفر علينا هذا الكتابُ كثيراً من الجهد والوقت الذي يهدره بعضُ معلّمي وتلامذةِ فلسفة الدين، إثر الضياعِ في فوضى كتاباتٍ تتكدّس فيها مفاهيمُ لا تنتظم بمشترَك يوحّدها، على الرغم من تصنيفها على أنها فلسفةُ دين.

تمثلاتِ الدين ظواهرُ بشرية تعكس كيفيةَ فهمه، وقراءةَ نصوصه وتحققَها في حياة الفرد والمجتمع ويجب دراستها في ضوء الفلسفة

   صدرت الطبعةُ الأولى لكتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" سنة 1991، وتلقّاه دارسو فلسفة الدين والقراء باهتمامٍ كبير، وترسّخ حضورُه بموازاة تنامي الاهتمامِ بدراسةِ فلسفةِ الدين في العقود الثلاثة الأخيرة. لذلك تكرّرت طبعاتُه عدّةَ مرات، وواظب مؤلفوه على مراجعته وإثرائه في طبعاته التالية، والطبعةُ التي اعتمدناها في ترجمته العربية هي الطبعةُ الخامسة والأخيرة.
   اعتمد مؤلفو هذا الكتاب طريقةً مدرسيةً في تدوينه، فشفعوا نهايةَ كلِّ موضوعٍ بأسئلة تختصر المباحثَ المحوريةَ الواردةَ فيه، كي تثري النقاشَ عند دراستها. وبغيةَ توسيعِ آفاقِ التعليمِ والفهم للدارس أردفوها بلائحةِ مراجعَ تحيل إلى أهم الكتابات في الموضوع، ورتبوا الموضوعات بصيغة تسمح للمعلّم والتلميذ تناولَ كلٍّ منها بشكل يتيح له الإفادةَ من دون أن يتقيّد بترتيبها في الكتاب، على الرغم من النسق المنطقي الذي انتظم تسلسلُها فيه.
  تأخرت المترجمةُ زهراء طاهر عدةَ سنوات في كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" حتى فرغت من إنجاز الترجمة، لحرصها الشديد على نقل موضوعاتِ الكتاب للعربية بإتقانٍ ووضوح، ودقةٍ لا تخون فيها الكلمةُ العربيةُ المعنى الأقربَ لدلالة الكلمة الإنجليزية. كانت تقرأ بإمعان، وتتحقّق، وتفكر طويلاً قبل أن تترجم، شغلَها انتقاءُ مصطلحاتٍ مازالت لم تستقر في معجم علوم الأديان بالعربية. كانت تبعث لي الفصلَ الذي تفرغ منه، بعد أن تكرّرَ تدقيقَه، فأعمل على مراجعته وتحريره، ليعود إليها مرةً أخرى، وكنا نناقش معا كيفيةَ تكييفِ بعضِ المصطلحات واستعمالِها في النص العربي.
* تقديم كتاب: "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين". يصدر الكتاب قريباً عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، توزيع: دار الرافدين.

للمشاركة:

بغداد تقدح شرارة الربيع الإيراني.. طهران حين تخاف

2019-11-18

العالم اليوم يتقدم بسرعة كبيرة إلى الحرب، إلى أية حرب ممكنة، وكأنّ الحروب أصبحت الفكرة الأكثر جدوى وأهمية واحتمالية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت أزمات ونزاعات وحروباً أكثر من غيرها من مناطق العالم، فلم تعد احتمالات السلام مطروقة ومتاحة كثيراً؛ حيث فقدت شعوب هذه المنطقة قدرتها على الثقة بكل أحاديث السلام ومزاعمه واتفاقياته.

اقرأ أيضاً: هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟
العرب، تحديداً، يستطيعون أن يقدموا أعظم سردية للحرب يمكن لشعب ما أن يقدمها عبر تاريخه الطويل، فقد عانوا ويلات الحروب طويلاً، وما يزالون، حتى قيل عن العرب قول محفوظ في التاريخ: "العرب أمة حرب"، كان لها من الحروب ما لها، وأصبح عليها منها ما عليها، من ويلات وعذابات وخيبات.

منذ انتصرت ثورة الخميني بدأت إيران تنظر إلى العرب على أنّهم لا يخرجون عن إحدى هاتين الصفتين: عدو أو فريسة

وبالعودة إلى موضوعة العنوان "إيران"؛ فهي ذات إرث حربي كبير، مع العرب تحديداً، منذ عصر الخلافة الراشدة، حين قال الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "وددت لو بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا نغزوهم ولا يغزونا"، فبين العرب وإيران تاريخ طويل من الوقائع والغزوات والحروب ونقض العهود؛ فالتاريخ علّم العرب أنّ عهود إيران لا يمكن الوثوق بها، منذ أن نقض "الهرمزان" ثلاثة عهود للعرب، كان العهد الأول قد أعطاه للنبيﷺ، ثمّ نقضه، ودخل في حرب القادسية، ثم عاهد المسلمين ألا يقاتلهم، وأن يدفع الجزية، ثم نقض العهد مرة أخرى ودخل في معركة "سوق الأهواز"، وانتصر عليه جيش الصحابي حُرْقُوص بن زهير السعدي، ثم طلب العهد الثالث فقبل منه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على ألا يقاتل المسلمين، ويبقى في مكانه، لكنّه نقض العهد وغدر للمرة الثالثة.

اقرأ أيضاً:  حلف الإمامية والخمينية في اليمن: حاجة حوثية أم استراتيجية إيرانية؟
ليس مهماً أن نتوغل في التاريخ كثيراً، المهم هو ما يحدث في وقتنا المعاصر، وتحديداً منذ أن انتصرت ثورة الخميني التي أطلق عليها الثورة الإسلامية، عام 1979، حينها بدأت إيران تنظر إلى العرب على أنّهم لا يخرجون عن إحدى هاتين الصفتين "عدو أو فريسة"، وبما أنّ الطابع الذي اكتسبته الثورة الإيرانية هو الطابع الإسلامي، فمن الطبيعي أن يكون العداء مع العرب عداء طائفياً محضاً، مرتبطاً بالدين، ومؤسّساً له في تصانيف الفقه والتعاليم في كتب الشيعة وكتب السنّة، على حدّ سواء.

اقرأ أيضاً: ماذا بقي لإيران في العراق؟
ومع ذلك، ومع أنّ الطابع الديني هو الذي فرض شكل العداء بين الجانبين، إلا أنّ الطابع السياسي ظلّ محشوراً في الزوايا المعتمة، حتى ظهر جلياً وواضحاً وصريحاً منذ حادثة سقوط بغداد، في التاسع من نيسان (أبريل) من عام 2003، حينها وظفت إيران كلّ طاقتها الطائفية في سياق سياسي، فحشرت نفسها في تفاصيل السياسة العربية خاصة في الدول التي فيها ثنائية طائفية بين سنّة وشيعة.
أصبحت إيران تمارس نفوذاً سياسياً قوياً في تلك الدول "العراق وسوريا وإيران" تحديداً، تحول هذا النفوذ بعد اشتعالات المنطقة وأزماتها إلى نفوذ عسكري، ممثلاً في وجود حزب الله في لبنان، ووجود قوات الحشد الشعبي في العراق.
هكذا تنامى النفوذ الإيراني في دول الأزمات العربية، وهكذا أصبحت إيران رقماً صعباً في المعادلة الدولية والمنطقة تحديداً، رغم كلّ العقوبات المفروضة عليها، وعلى رموزها وقادتها، والتي يجري الحديث عنها بشكل متنامٍ، دون أن يتساوق هذا مع نمو الأثر السلبي من هذه العقوبات، فما يمكن قياسه هو أثر التوغّل الإيراني في المنطقة، سياسياً وعسكرياً، أكثر بكثير من القدرة على قياس أثر العقوبات التي من المفروض أن تلجم الغرور الإيراني أو توقف نموه وتصاعد وتيرته.

اقرأ أيضاً: القمع والاغتيالات منهج إيران الثابت تجاه الأقليات
على مستوى الأنظمة العربية القائمة في دول النفوذ الإيراني، فإنّ إيران ما تزال ذات إمكانيات تمدّد وحصد مزيد من النفوذ والسلطة والأثر السياسي، لكن على المستوى الشعبي، تغير الموقف كثيراً منذ أن ثارت جموع العراقيين ضدّ فساد النخب وفساد السلطة وفساد ممثلي الطوائف المتحكمة سياسياً بالعراق، وتغير كذلك، منذ أن ثار اللبنانيون في مسيرات ومظاهرات واحتجاجات عارمة ما تزال مستمرة، يمثل شعارها الكبير "كلن يعني كلن" شكلاً متقدماً من أشكال الرفض والاحتجاج على كلّ تفاصيل السلطة الحاكمة، بمن فيها "حزب الله"، الذي ظلّ دائماً بمنأى عن أيّ قلق أو احتجاج لبناني.
من هنا، تبدو إجابة سؤال: "لماذا على إيران أن تخشى العرب..؟" واضحة؛ باعتبار أنّ العرب اليوم هم شعوب الدول التي امتدت إليها سطوة إيران وسلطة ممثليها، أو من يتبعون لها، ومن يدينون لها بالولاء والطاعة، هم الشعوب الذين لم يعودوا قادرين على أن يروا رأس الفساد ويتجاوزونه.

بعد سقوط بغداد وظفت إيران كلّ طاقتها الطائفية في سياق سياسي، فحشرت نفسها في تفاصيل السياسة العربية

ما يحدث في العراق ولبنان تحديداً، لا يمثل موجة ثانية من موجات الربيع العربي، بل يمثل حالة متقدمة من الرفض أوسع نطاقاً من حالة الرفض للسلطات المحلية المكشوفة للعلن، إنّه رفض لتغوّل إيران واقتحامها العنيد لكلّ تفاصيل الحياة، السياسية والاقتصادية، ما نتج عنه كلّ هذا الفساد، سواء المرتبط بأعيان إيران وتوابعها ووكلائها أو بالأعيان المحليين الذين ينتمون للرأسمالية الجشعة، بغضّ النظر عن أيّ ولاء طائفي آخر.
على إيران فعلاً أن تخشى العرب، كشعوب حية أصبحت قادرة على كشف تفاصيل لعبتها السياسية وتوظيفها لشعارات الدين والممانعة، حتى إن لم تنجح هذه الاحتجاجات في العراق ولبنان، لكنّها مؤشر مهم على أنّ الشعوب ببراءتها السياسية من كلّ تبعات الأيديولوجيات والطائفيات، أصبحت تدرك ما يجب أن تخشاه إيران.
الخشية من الشعوب العربية الحية المنتفضة اليوم ضدّ المشروع الإيراني، تمتدّ من الخارج إلى الداخل الإيراني، المشتعل أيضاً، بالرفض للسياسات التي بقيت ردحاً طويلاً من الزمن سياسات مقدسة، لكنّها اليوم وصلت إلى منحنى خطير للغاية، ربما يشكّل ربيعاً إيرانياً بدأ في بغداد وامتدّ إلى طهران.

للمشاركة:

كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟

2019-11-17

لعلّ الفارق بين المجتمع البدائي والمجتمع الحديث، يدور حول جملة من المعطيات التي تميّز الثاني عن الأول، وهو ما انتبه إليه عالم الاجتماع، هنري ماين، في معرض تحليله لتطور المجتمعات الإنسانيّة، وأبرز هذه المعطيات؛ مفهوم التعاقدية، ومفهوم المكانة التي تؤسس لنوعية الدور الوظيفي للأفراد، وفق القدرات والمهارات الشخصية، بالتالي؛ تتحلل المجتمعات المركزية، التي تقوم على أواصر مثل: القرابة والعرق والدين، لصالح الجماعة الوطنيّة الحديثة، التي تقوم، وفق توصيف دور كايم، على التضامن العضوي الحرّ بين أفرادها.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
من هنا نشأت فكرة الوطن القومي، وتجلّت في التاريخ الحديث، كمحصلة لتطور الجماعة البشرية على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ حيث بدأت الجماعة القبلية/ الدينية في الانحسار تدريجيّاً، لصالح فكرة الدولة القائمة على مفهوم العقد الاجتماعي الذي نظّر له روسو. 

اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد

وسرعان ما تفجّرت الحالة القومية في التاريخ، مع تراجع دور المؤسسة الدينية التقليدية، ليصبح الانتماء لوطن واحد، تجمع بين أفراده مجموعة جديدة من المعايير، مثل: التاريخ المشترك، والتراث الثقافي/ الاجتماعي الواحد؛ فالقومية تنطلق من وجود مكون نفسي جمعي، في محيط جغرافي تحدده قدرة الجماعة المتسقة عضوياً على تحقيق السيادة فيه، وبظهور ألمانيا الموحدة وإيطاليا الموحدة، ظهرت تنظيرات متعددة لفكرة القومية، احتلت فيها العناصر الإثنية واللغوية صدارة المشهد السياسي، الذي وجهت النخبة البرجوازية عناصر التغيير القومي فيه، وهو ما وصل تأثيره إلى المنطقة العربية، مع تراجع نفوذ الإمبراطورية العثمانية، قبيل سقوطها التدريجي.
وسرعان ما تطورت الفكرة القومية، بصورة أكثر شمولية، لتكرس المزيد من العناصر المكونة لفكرة الوطنيّة، التي أدارت ظهرها لفارق اللغة والعرق، لصالح إدارة التنوع في الدولة الواحدة، طالما اجتمعت الجماعة في بقعة جغرافية، اتفقت على بسط سيادتها وتحقيق مصالحها فيها، بالتالي؛ تحللّت مركزيات أخرى متعددة، وظهرت أنماط اقتصادية أكثر تعاونية وميلاً نحو اليسار، عن تلك التي أسّست لها النخبة البرجوازية في مرحلة التأسيس، كما ظهرت الأدوار الفرديّة بصورة أكثر تأثيراً، وهو ما ساعد في انطلاق القدرات الكامنة في الأشخاص.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
في هذا السياق المفاهيمي المفعم بالوطنية القومية، ذات القدرة على الانتشار الشعبي، كان لدى جماعة الإخوان المسلمين تصورات مغايرة، أدارت من خلالها ظهرها لحركة التاريخ، فيما يتعلق بتطور الجماعات البشرية، لتستدعي مركزية الدين في غير موضعها، لابتلاع الدولة الوطنية، وتفكيكها مؤسسيّاً، لصالح جماعة ربانيّة، ادّعت امتلاك نوع رديء من الخلاصيّة المطلقة. 
الأمميّة الدينية ووهم أستاذية العالم
على عكس النزعة الذاتية/ الفردانيّة التي قادت عمليات التحول الاجتماعي في العصر الحديث، والتي سرعان ما بدأت تتشكّل في صورة موجات الوحدة القوميّة في أوروبا، وبلورتها في العالم الثالث حركات التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار، استدعت جماعة الإخوان المسلمين مجموعة من المفاهيم القروسيطيّة، التي تدور في فلك الانتماء لكيان مفارق، هو الدولة الدينيّة المقدسة ذات الأدوار الوظيفية التي انتهت إكلينيكيّاً، وهو ما يعكس حالة من حالات اغتراب الوعي في تيه الصعود الأيديولوجي، بشكل مضاد تماماً لحركة التاريخ، في محاولة لقلب وتطويع الواقع؛ لصالح تصورات سياسية مغلقة، في قوالب مفعمة بالمقولات الدينيّة، ذات الأفق المحدود، والفقر الواضح في عناصرها المكونة.

أودت تصورات الأمميّة الدينيّة والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار

في ذروة صعود المدّ العروبي، الذي جاء كمحاولة لتأسيس شخصيّة قوميّة مستقلة في محيط تلك الوحدة الثقافية، المتسقة عضوياً من المحيط إلى الخليج، بعيداً عن مساعي الهيمنة الغربية التي دشّنها مشروع أيزنهاور، عام 1957، والاستقطاب السوفييتي الحاد، بدءاً من صفقة الأسلحة التشيكية، عام 1955، وفي سياق واحدة من أشرس معارك التحرر الوطني، اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد، وتكفير تيارات نضالية بعينها، رغم وحدة المصير والمعركة، واختلاق نوع آخر من الأمميّة، هي الأمميّة الدينية، رغم صعوبة تخلّق معطياتها أو تشكلها من الناحية السياسيّة، واستحالة هذا الطرح جغرافياً، واللافت أنّ الإخوان الذين حشدوا لمعركة فلسطين، ووظفوها دعائيّاً في إطار الحرب الدينية على اليهود، أداروا ظهرهم لمعركة التحرر الوطني في الجزائر، والتي حمل التيار القومي تبعات دعمها حتى النهاية؛ بل ورأت الجماعة في رموز النضال الأممّي ضدّ الهيمنة الاستعمارية، والرأسمالية الغربية، رموزاً للكفر والإلحاد، رغم ما بذله هؤلاء من تضحيات فائقة.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
وفي الوقت الذي تطوع فيه عشرات الآلاف من دول الكتلة الشيوعية، للقتال في معركة السويس، إبان العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، لم يُسمع للجماعة صوت! وقد تبدو محنة الحظر والسجن التي مرّت بها الجماعة مبرراً لصمتها المريب آنذاك، إلا أنّ موقف شحاتة هارون، اليهودي المصري الذي بعث إبان حرب حزيران (يونيو) 1967، رسالة من سجنه، يطلب فيها التطوع للقتال ضدّ إسرائيل، يفضح الجماعة ويكشف مبرراتها الواهية، لتفسير تخاذلها في واحدة من أبرز المعارك الوطنية.
لقد أودت تصورات الأمميّة الدينيّة، والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار، في دوائر تيه أبدية داخل مدارات المستحيل.
الاقتصاد الريعي وطبقية التنظيم
منذ لحظة التأسيس؛ احتفى الإخوان المسلمون بنمط الاقتصاد الريعي القائم على التجارة، وفق قاعدة "تسعة أعشار الرزق في التجارة"، وكثيراً ما احتفى المرشد الأول حسن البنا بالأثرياء، وسعى إلى التقرّب إليهم، وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة، والمدقِّق في البنية الاقتصادية عند الجماعة، يلاحظ وجود هيكل رأسمالي بدأ بسيطاً، وانتهى كبنية شديدة التعقيد، تراعي في مساقاتها تراتبية طبقية صارمة، متقاربة هرمياً عند القاعدة، شديدة الاتساع صعوداً نحو القمة.

كثيراً ما احتفى المرشد الأول، حسن البنا، بالأثرياء وسعى إلى التقرّب إليهم وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة

ذلك النهج الطبقي، بغطاء ديني لتبرير الفوارق الفجّة، جعل الجماعة في بُعد آخر، بينما الإصلاحات الاقتصادية تكتنف العالم من الشرق إلى الغرب، وقد ظهرت إبان ثورة الشباب عدة تنظيرات سياسيّة أخذت الرأسمالية الغربية، وبشكل متفاوت نحو اليسار، بصعود الأحزاب والتيارات الاشتراكية، وتدشين طروحات الطريق الثالث، والاشتراكية الاجتماعية، مع سنّ قوانين الرعاية الاجتماعية، وحقوق العمال، وغير ذلك من المتغيرات، التي حركت وطورت من كافة النظريات الاقتصادية حول العالم.
وحدها الجماعة ظلّت تدير ظهرها للسياسات الاشتراكية، وتكرس للمزيد من التوجهات اليمينة في بنيتها الداخلية، وهو ما جعل الفجوة تتسع، والقدرة على ممارسة الأدوار الاقتصادية بشكل سياسي تتضاءل، وهو ما تجلّى في مشروعها للنهضة، إبان ثورات الربيع العربي، القائم على المتاجرة في النقد السائل، والهيمنة الرأسمالية على الأنشطة الاقتصادية، وافتقد لأيّ بعد إنساني يدعم الطبقات الفقيرة.

للمشاركة:



أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

اتّهمت الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا الولايات المتحدة وروسيا بمنح تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا، ووصفت أردوغان بأنّه "فاشي العصر"، الساعي إلى توطين "بقايا داعش والنصرة" في بلدهم، بعد أن بات يعتبر سوريا "ولاية عثمانية".

الأكراد يتهمون الولايات المتحدة وروسيا بإعطاء تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا وتوطين بقايا داعش والنصرة

وقالت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في بيان تلته، أمس، في مؤتمر صحفي عقد بمقر دائرة العلاقات الخارجية في القامشلي بريف الحسكة: "اليوم، وبتوافق ضمني من قبل الدولة الأمريكية والروسية، يتعرضون للهجمات والمجازر الوحشية من قبل دولة الاحتلال التركي ومجموعاتها المرتزقة من بقايا النصرة وداعش، وها هم مجدداً يقدمون تضحيات جسام في صدّ هذه الهجمات وتتعرض قراهم ومدنهم ومناطقهم للقصف والدمار"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

الأتراك ارتكبوا جرائم حرب؛ كاغتيالات السياسيين ورجال الدين وقتل النساء والأطفال واستخدام الأسلحة المحرَّمة

وأضاف البيان: "يتم انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب بشكل يومي؛ كاغتيال السياسية هفرين خلف، وراعي الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في قامشلو، الأب هوفسيب بيدويان، إلى جانب والده، كذلك قتل المئات من النساء والأطفال، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً".

ووصف الناطق باسم الإدارة الذاتية، أردوغان، بأنّه "فاشي العصر"، وقال: "تزامناً مع مساعي التغيير الديموغرافي والمجازر التي تتعرض لها مكونات شمال وشرق سوريا، فإنّ الصمت وعدم إبداء موقف واضح من قبل أمريكا وروسيا، وأيضاً زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، غوتريش، يضفيان الشرعية للدولة التركية، ويمنحان فاشي العصر أردوغان المزيد من الجرأة.

الأكراد يناشدون جميع العالم والإنسانية بأن يرفعوا اصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية

ولفت إلى "تهجير مئات الآلاف من الكرد وتوطين عوائل داعش والنصرة، التابعة للجيش الوطني السوري المرتزق، في منازلهم في عفرين وسري كانيه ورأس العين وكري سبي وتل أبيض، أمام أعينهم، كذلك اختطاف المئات من النساء والأطفال الكرد العفرينيين وممارسة النهب والسرقة بأبشع الوسائل".

وناشد الأكراد في بيانهم جميع العالم والإنسانية؛ بأن يرفعوا أصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية، وضدّ الهجمات الاحتلالية على شمال وشرق سوريا، والتغيير الديموغرافي، وأن يظهروا موقفاً تجاه هذه الوحشية.

 

للمشاركة:

الإمارات تعقد صفقة شراء 50 طائرة "إيرباص"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أعلنت الإمارات، اليوم، إبرام صفقة شراء 50 طائرة من طراز "إيرباص" (350 A)، بقيمة 16 مليار دولار.

وذكر بيان صادر عن طيران الإمارات؛ أنّ الشركة "أعلنت طلبية مؤكدة لشراء 50 طائرة "A350-900 XWB"، متوقعة أن يبدأ تسلم هذه الطائرات، التي ستعمل بمحركات "رولز رويس/ XWB"، اعتباراً من أيار (مايو) 2023".

شركة طيران الإمارات يعلن إبرام صفقة لشراء 50 طائرة طراز "A 350" بقيمة 16 مليار دولار

ووقّع الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات، الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، على الصفقة مع الرئيس التنفيذي لإيرباص غيليوم فاوري.

وسوف تتيح طائرات A350"" الجديدة لطيران الإمارات خدمة نطاق واسع من الأسواق الجديدة على مستوى العالم، وبرحلات يصل مداها إلى 15 ساعة طيران انطلاقاً من دبي.

وذكرت "إيرباص"، في بيان منفصل؛ أنّ التكنولوجيا التي توفرها الطائرة تخفّض من تكاليف التشغيل بقيمة 25%، وقيمة مماثلة في معدل حرق الوقود وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ويتكوّن أسطول طيران الإمارات بأكمله حالياً من طائرات حديثة ذات كفاءة عالية من طرازي "إيرباصA 380 "، و"بوينج 777"، وتخدّم الناقلة، انطلاقاً من مركزها في دبي، أكثر من 158 مدينة في القارات الستّ.

وتستضيف دبي على مدار يومين، أحد أكبر معارض الطيران في العالم، بدورته الـ 16، ومن المتوقع ان تعقد صفقات بالمليارات خلاله، يقودها عملاقا صناعة الطيران في العالم: "بوينغ" الأمريكية، و"إيرباص" الأوروبية.

 

للمشاركة:

بريطانيا متّهمة بالتستر على جرائم حرب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

تفتح محكمة الجنايات الدولية أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني في أعقاب بثّ برنامج لـ "بي بي سي" عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد برنامج "بانورما" أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان.

محكمة الجنايات الدولية تفتح تحقيقاً بشأن ارتكاب الجيش البريطاني جرائم حرب في عدة أماكن

وقالت المحكمة إنّها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، لكنّ وزارة الدفاع البريطانية قالت إنّ تلك الادعاءات لا أساس لها.

وأضافت الوزارة؛ أنّها تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أنّ هناك مبرراً لتدخّل المحكمة من جديد في الأمر.

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إنّها ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه "بي بي سي"، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أنّ الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة قد توصلت في السابق إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أنّ قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادّعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

وأشهر تلك القضايا المعروفة؛ قضية بهاء موسى، الذي كان عامل فندق في البصرة، وتوفَّى بعد تعذيبه وضربه على أيدي قوات بريطانية، عام 2003، وأدّت قضيته إلى بدء تحقيق علني، انتهى بالإدانة الوحيدة لجندي بريطاني بجرائم حرب في العراق.

لكنّ برنامج "بانوراما"، بالتعاون مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، كشف معلومات جديدة عن حالات قتل قيل إنّها حدثت في مركز اعتقال بريطاني.

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إنّ قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق؛ إنّه وجد "أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية في البصرة قبل ثلاثة أشهر من قتل بهاء موسى".

"بي بي سي": أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان

وحدثت تلك الحالات في معسكر ستيفن، الذي كانت تديره بلاك ووتش، والكتيبة الثالثة، والفوج الملكي الأسكتلندي، وحقّق الفريق في وفاة رجلين، ماتا خلال أسبوعين متتاليين في شهر أيار (مايو) 2003، وأقرت وزارة الدفاع البريطانية بأنّهما كانا مدنيَّين بريئَين.

وجمع الفريق شهادات من جنود بريطانيين، وموظفين في الجيش، وصفت كيف عُذب الرجلان قبل العثور عليهما ميتين، وقد رُبط رأساهما بكيسَين من البلاستيك.

وقرّر الادعاء العسكري البريطاني هذا الصيف عدم محاكمة أيّ شخص في قتل الرجلَين.

وقال رئيس الادعاء العام السابق، اللورد ماكدونالد، حينما عرضت عليه أدلة "بانوراما": أعتقد أنّه من المذهل عدم توجيه أيّة تهمة لأيّ جندي".

وقالت وزارة الدفاع؛ إنّ "العمليات العسكرية تسير طبقاً للقانون، وهناك تحقيق مكثف في الادّعاءات".

وقال متحدث باسم الوزارة "بي بي سي": إنّ "التحقيقات والقرارات الخاصّة بالمحاكمة مستقلة عن وزارة الدفاع، وتنظر فيها بدقة جهة خارجية، كما تستعين الوزارة بمن يعطيها الاستشارات القانونية المطلوبة".

وأضاف المتحدث: "بعد تمحيص دقيق للحالات المشار إليها، قررت هيئة خدمة الادعاء المستقلة ألا تحاكم أحداً".

 

 

للمشاركة:



صراع قطري تركي في الصومال

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

مارتن جاي

أثارت زيارة وفد حكومي قطري وصل إلى العاصمة الصومالية مقديشو، العديد من التساؤلات. وكان الوفد قد وصل لإجراء محادثات مع مسؤولين صوماليين، تركزت حول العلاقة بين قطر وتركيا، وهل أن تلك العلاقة قوية كما هو معتقد. وتأتي المحادثات في أجواء من التوتر سادت بين الدولتين الحليفتين، فجّرته قناة الجزيرة، إثر بثها أخبارا عن الحملة العسكرية التركية شمال سوريا.

والسؤال هنا هو، هل التراشق بالاتهامات، بين صحيفة “الصباح اليومي” المؤيدة لأردوغان، وقناة “الجزيرة”، مجرد حدث عابر، أم أن خلافات عديدة متراكمة سبقته وأدت إلى خروجه للعلن؟

ينظر إلى هاتين الدولتين، تركيا وقطر، في الشرق الأوسط، بوصفهما دولتين متقاربتين إلى حد التماهي، تربط بينهما مشاريع عسكرية، كما هو الحال في منطقة البحر الأحمر، حيث تقوم قطر ببناء قاعدة عسكرية في جزيرة تابعة للسودان.

ومؤخرا، أيدت قطر قرارا تركيا بالتخطيط للتدخل العسكري شمال سوريا. ولا يمكن أن ننسى الدعم التركي لقطر، بعد مقاطعة الدول الأربعة، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، لها الأمر الذي أدى إلى عزلها عن شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي في صيف عام 2017. وفي هذه الظروف، أهدى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، طائرة فاخرة من طراز بيونغ، فضلا عن استضافة قطر لحوالي 3 آلاف جندي تركي على أراضيها.

الأمثلة التي تؤكد وجود صداقة عميقة وطويلة الأمد بين الدولتين لا حصر لها. فلماذا يتم الآن نشر تقارير سلبية وتسريب الشائعات عن توتر انتاب العلاقة فجأة؟

توتر العلاقات بين أنقرة والدوحة
يتكهن بعض الخبراء في المنطقة، بأن زيارة وزير الخارجية التركي الأخيرة إلى قطر لم تسر على هوى أنقرة. وفي الواقع، لم يكن جوهر الخلاف، الذي تم الإعلان عنه مؤخرا، في وسائل الإعلام التركية والقطرية، بشأن الحملات العسكرية لأنقرة في سوريا، هو السبب.

لكن الدليل على توتر العلاقات يظهر بوضوح من خلال الحادث الذي وقع في الصومال قبل أسبوعين، وهي دولة تمارس فيها كل من قطر وتركيا سيطرتها.

ويتم اختبار العلاقة بين الدولتين في الصومال، حيث بدأ البعض يرى مؤشرات على تفكك تدريجي لهذه العلاقة. ووفقا لمصادر في مقديشو، فوجئ مسؤولون صوماليون بسماع شخصيات قطرية تتحدث بطريقة، وصفت بأنها غير لائقة، عن تركيا، وتقترح على حكومة، محمد عبدالله محمد، إنهاء تعاونها مع أنقرة، وبذل قصارى جهدها لعقد شراكة أكثر جرأة مع قطر. ومع ذلك، هناك القليل من الدلائل التي تشير إلى استجابة النخبة الصومالية لهذه التحريضات.

وعلى العكس من ذلك، انتشر الغضب والاستياء من قطر، التي يعتبرها الكثير من الصوماليين مثيرة للشغب والمشاكل، حيث دأبت على تأليب الأطراف المتقاتلة، محرضة الصوماليين ضد بعضهم. ويقارن الصوماليون ما يحدث اليوم بما حدث مع الأميركيين عام 1993، عندما دفع التحريض الأميركي الطرفين المتقاتلين للاتحاد في مواجهة الأميركيين الراغبين في استعمارهم.

بالطبع، لا ترغب قطر ولا تركيا في السيطرة على البلاد، كما هو حال الأميركيين خلال حادثة كلينتون، التي أضرت بسمعة الأمم المتحدة في أفريقيا لمدة عشر سنوات، إلى درجة وقوفها عاجزة تراقب رواندا وهي تغرق في الحرب بعد عام على أحداث الصومال. لكن ذلك لا ينفي أن لكلا البلدين، قطر وتركيا، أهدافا مختلفة للغاية في الصومال.

وبينما تنظر تركيا إلى القرن الأفريقي كدولة مسلمة تمثل بوابة لها لولوج أفريقيا، والاستثمار بحكمة على علاقة طويلة الأمد، خاصة من خلال تطوير قطاع التعليم ، ولا ترى مانعا في تزويد الصوماليين بالمعدات العسكرية أحيانا، على أساس التزام الحياد، كما تدّعي. تقوم قطر، من جانبها، بلعبة أكبر وأكثر ضراوة، في دعم النظام واستخدام الصومال كموقع لإطلاق أهدافها في المنطقة المجاورة، وليست القارة الأفريقية فحسب، حيث تستثمر قطر في الاستخبارات والجيش، وبالطبع في الموانئ، ومع ذلك، فإن جهودها ليست مدروسة بشكل متقن. وقد وصف أكاديمي بريطاني الزيارة الأخيرة بأنها “صب الملح في الجراح”، في إشارة إلى معارك سابقة يُعتقد أن قطر كانت ترعاها.

أجندات متضادة
ويقول محمد حاجي إنغيرييس، الأكاديمي بجامعة أوكسفورد، إن قطر وتركيا تتحدان”أو يبدو أنهما متحدتان بشأن الأزمة الخليجية، لكن ليس في الصومال. هنا، لكل منهما مصالح تتناقض مع مصالح الطرف الآخر. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أنه لا يتعين عليهما النزاع علنا بشأن هذا الاختلاف. وبدلا من ذلك، يسعى كل منهما إلى تحقيق مصلحته الخاصة دون تقويض الآخر”.

ويبدو أن للقطريين أهدافا قصيرة الأجل في الصومال، في حين لتركيا أهداف طويلة الآجال. لهذا السبب تختلف مقاربتهما وعلاقتهما مع الصوماليين اختلافا جذريا.

ويعتقد خبراء أن دولة الإمارات ستنجح في إخراج قطر من الصومال، بحلول عام 2020، وحينها ستكون الأمور أكثر استقرارا مع وجود الإمارات فقط إلى جانب تركيا. وهذا ما يرجحه إنغيرييس الذي يرى أن قطر “ستفقد نفوذها في السياسة الصومالية، لكن تركيا ستبقى”. هذا لأن معظم الصوماليين ينظرون إلى تركيا بوصفها شريكا محايدا. في هذه الحالة، يتنبأ الكثيرون أن تحل الإمارات محل قطر. ولكن تظل مسألة التعاون بين الإمارات وتركيا مسألة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تربط بين أبوظبي وأنقرة علاقة مثيرة للجدل، وبالتالي فإن أي شراكات يصعب التنبؤ بها.

ولكن عند المقارنة بين قطر والإمارات، لا يوجد أي مجال للشك في موقف الصوماليين. وأوضح نائب صومالي، في موقع مؤثر في الحكومة الفيدرالية، "كيف تستخدم قطر المال للتأثير على المسؤولين الحكوميين، في حين أن الإمارات تعقد علاقة عمل واضحة ومباشرة".

ويقول علي عمر، رئيس أركان الرئيس الصومالي السابق، “قطر جاءت مؤخرا على الساحة الصومالية، وهي على اتصال وثيق بالجماعات الإسلامية، تقدم الدعم السياسي والاقتصادي لها. وليس لدى قطر مشروع واحد ملموس في الصومال، إنها فقط توفر التمويل لكسب أو إفساد السلطة في البلاد. الدعم القطري في الإدارة الصومالية هو مصدر مدمر يُستخدم لإفساد رجال الدين والإعلام والشيوخ وجماعات المجتمع المدني”.

وعلى النقيض، ينظر الصوماليون إلى تركيا بشكل أكثر إيجابية، وهو ما أوضحه علي بكير، المحلل الجيوسياسي الذي يتخذ من أنقرة مقرا له، حيث كانت تركيا في الحقيقة أول من سعى إلى توفير الأمان في البلاد.

ويقول بكير، “تقود تركيا الجهود لدعم الحكومة والشعب الصوماليين وتحقيق الأمن والاستقرار في الدولة التي شتّتتها الحرب قبل حوالي عقد من الزمن”.

وقال بكير لـ”ميدل إيست أون لاين”، “ظهرت قطر في الصومال مؤخرا، لكن دور كل من تركيا وقطر في الصومال متوافق ومكمل في الوقت نفسه”. وإن كان هذا التوافق أمرا مشكوكا فيه.

وكشف بكير لموقع إلكتروني، يتخذ من قطر مقرا له، عن اعتقاده أن الخلاف بين قطر وتركيا، حول قضية شمال سوريا، كان يدور حول الطريقة التي تنظر بها كل دولة إلى وسائل الإعلام الخاصة بها، مشيرا إلى أن تركيا أسيرة لمنابرها الإعلامية الخاصة التي تنشر روايات منحازة، بدلا من أن تلتزم الموضوعية. وكذلك هو الحال مع الشائعات المغرضة التي ينشرها القطريون حول أنقرة.

الأمر كله يتعلق بالحس الصحافي.. صحيفة “الصباح اليومي” التركية، التي قد يظن المرء أن أردوغان ينشرها بنفسه، بسبب الترويج المضحك للزعيم التركي وحكومته، تصف صحافيي الجزيرة بأنهم “فاشلون” يختبئون وراء شعارات الصحافة المستقلة.

كان الأجدر بالصحيفة أن تعمل وفق ما تتوقعه من قناة الجزيرة، وتلتزم هي أيضا بالموضوعية، لا أن تكون واحدة من وسائل الإعلام التركي التابع لجهاز الدولة، يعوزها الحياد والحرفية.

على الرغم من ذلك، لم يصل هذا النزاع إلى مقديشو.

لم يسمع علي عمر، عضو البرلمان، عن الخلاف بين “الصباح اليومي” وقناة “الجزيرة”. هو، مثل العديد من الصوماليين، يميل إلى الجانب التركي بشكل تلقائي، عند الحديث في مثل هذه المواضيع والمقارنة بين الدولتين، وغالبا ما يتخذ موقفا معارضا لقطر.

يقول عمر، “تركيا أكبر وأكثر تقدما. دعمت تركيا الصومال بشكل كبير في وقت الحاجة. كانت زيارة الرئيس أردوغان في عام 2011 بمثابة نقطة تحول بالنسبة إلى الصومال، وأعادت وضعه على الخريطة. قدمت تركيا الدعم الملموس للصومال من خلال بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمكاتب الحكومية ومعسكرات التدريب العسكري. كما عرضت منح للآلاف من الطلاب الصوماليين وطلاب الجيش. تحترم تركيا المؤسسات الرسمية وتتعامل مع الحكومة المركزية فقط”.

في الواقع، قد تتجاوز أهمية تركيا، في الصومال، أهمية قطر، التي، على النقيض، قد تعمل على تدمير أسس المجتمع الصومالي، بدعمها الجماعات المتطرفة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

محمد حبيب: مراجعات الإخوان خادعة تفتقر لمنهج نقدي حقيقي

2019-11-18

أجرى الحوار: سامح إسماعيل


قال النائب السابق للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الدكتور محمد حبيب، إنّ التنظيم مايزال موجوداً بأفكاره، لكنّه تلقى ضربة قاصمة بوصوله إلى الحكم، مؤكداً في حواره مع "حفريات" أنّ خطاب المظلومية ما يزال يسيطر على البنية الذهنية لعناصر الجماعة، في ظلّ عدم القدرة على القيام بمراجعات نقديّة حقيقيّة، وأوضح أنّ الهدف الحقيقي من أيّ حديث حول مراجعات تجرى الآن، هو "الرغبة في الإفلات من السجن؛ لأنّ الجماعة لم تطرح بعد، تجربتها السياسية الفاشلة للنقد الداخلي، وهو ما ينبئ بنهايتها تنظيمياً".

رفضت دعوة للمشاركة في مراجعات الإخوان في السجون لأنني أفهم جيداً أنّها غير حقيقية

وأضاف عضو مجلس الشعب المصري السابق أنّ مفهوم المحنة ما يزال يهمين على عقلية الجماعة، باعتباره شرطاً من شروط اختبار الصلابة، والانطلاق نحو استكمال المسيرة من جديد، و"المحن المتتالية جاءت بسبب الإصرار على السرّية التي كانت عبئاً على التنظيم دون داعٍ؛ لأن الجماعة كانت مخترقة والأمن كان يعرف أدقّ التفاصيل عن أنشطتها".
ويعدّ الدكتور محمد حبيب أحد أبرز القيادات الإخوانيّة؛ حيث شغل أستاذ الجيولوجيا في جامعة أسيوط، منصب النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، كما انتُخب حبيب عضواً بمجلس الشعب المصري، في الفترة بين عامَي  1987 و1990.

اقرأ أيضاً: علاقة الإخوان بفيلق القدس في وثائق مسرّبة
وكان حبيب، ذو الـ 76 عاماً، قد اختير عضواً بمكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1995، وهو العام نفسه الذي أُحيل فيه إلى نيابة أمن الدولة العليا، بتهمة الانتماء لجماعة محظورة، وحكم عليه في القضية رقم 8 لسنة 95 عسكرية عليا، بالحبس خمسة أعوام، وعام 2001؛ تعرَّض للحبس الاحتياطي لمدة عام وثلاثة أشهر، في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2009؛ تقدّم حبيب باستقالته من جميع مواقعه التنظيمية داخل الجماعة، على خلفية الأزمة التي نشبت عقب تصريحه بوجود مخالفات في إجراءات اختيار المرشد الثامن للإخوان المسلمين، محمد بديع.

هنا نصّ الحوار:
ما بعد الإخوان
يجري حالياً استخدام مصطلح "ما بعد الإخوان المسلمين" في المجال التداولي للمشهد السياسي على نطاق واسع؛ فهل انتهت الجماعة فعلاً؟

على المستوى النظري، لا؛ فالتنظيم ما يزال حاضراً في كلّ محافظات ومدن وقرى ونجوع مصر، في الصعيد والوجه البحري، لكنّه بالطبع تلقى من الناحية التنظيمية ضربة قاصمة، أعتقد أنّه لن يبرأ منها، التنظيم سقط في كلّ تناقضاته السياسية، قبل السقوط في الشارع، وقبل الملاحقات الأمنية، ليدخل نفقاً مظلماً لا نهاية له.
ولكن ما مغزى هذا الحضور في ظل تحلّل التراتبية الهرمية، التي كانت شديدة التماسك قبيل الصعود السياسي إبان ثورة يناير؟ 
الأمر الآن يختلف، الصعود السياسي للإخوان المسلمين، دفع كتلة كبيرة من المتحفظين والمتعاطفين معها على السواء، إلى الانضمام لصفوف حزب الحرية والعدالة، وتأييد الجماعة والانخراط في أنشطتها، وهو ما منحها في البداية دفعة كبيرة، تضاءلت تدريجيّاً، ومع السقوط الذي أعقب حالة التخبط السياسي، انفصل هؤلاء مرة أخرى، وابتعدوا تنظيميّاً.
لكن، ماذا عن الكتلة الفاعلة تنظيميّاً داخل الإخوان المسلمين؟
موجودة، لكن اعتراها بعض التغيير، نظراً لطبيعة الظرف السياسي، هم مثلاً أصبحوا حليقي اللّحى، ويقيمون اجتماعاتهم بشكل شديد السرية، وبصورة غير نمطية، وغير منتظمة، في محاولة لقطع أيّ سبيل للمراقبة والاعتقال، يمكنني القول إنّ جسد التنظيم ما يزال موجوداً، لكنّه لم يتحلل رغم توقف القلب عن ضخّ الدماء.

اقرأ أيضاً: كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟
أعتقد أنّ هذه الكتلة سوف تتحين الفرصة، لإعادة بعث الجماعة مرة أخرى، مع أيّ تغير في الموقف السياسي الراهن، لكنّها، كما قلت، تعمل في جزر منعزلة، وتفتقد لأيّة خطط واقعيّة، أو إستراتيجيّة عمليّة.
حقيقة المراجعات

يدور الحديث الآن عن وجود مراجعات بين القيادات السجينة تدعو إلى نبذ العنف، والتبرّؤ من الممارسات السابقة؛ فما رأيك في طبيعة هذا المراجعات؟
لا أعرف طبيعة هذه المراجعات، ولا أصدقها، لكنّني استشهد بمصطفى مشهور، فيما يتعلق بتجربة السجن؛ حيث كان يشبّه السجون بقمائن الطوب، والسجناء بالقوالب التي تتعرض لشدة تشبه الحرارة العالية، وإثرها يتحول البعض إلى طوب أزرق يفقد تماسكه، والبعض يحترق دون أن يفقد صلابته، والبعض الآخر يتفتت كليّاً أو جزئيّاً.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
أي إنّ تجربة السجن تتفاوت، وحالة السجين ومناقشاته مع رفاقه هي التي تحدّد مدى قدرته واستعداده للتحول الفكري؛ فالبشر يختلفون في درجات الفهم والوعي والإدراك، ونوعيّة الاستيعاب والقدرة على التحمل، في عهد السادات قابلت في سجن "طرة" كلّ أنواع البشر؛ من التكفيري الذي يحلل قتل كلّ الناس، إلى الرحيم الذي يحرّم قتل البعوض، ومنذ عامَين؛ طُلبت مني المساهمة في تلك المراجعات، لكنّي رفضت.
ولماذا رفضت؟ أليست هذه مصادرة مسبقة على مدى قدرة الآخرين على انتهاج عقلية نقدية، تمنحهم القدرة على التحول الفكري؟
لأنّني أفهم أنّها مراجعات غير فعّالة، لم تؤسَّس على منهج نقدي حقيقي، والغرض منها هو الخروج من السجن لمواصلة العمل التنظيمي السري، فهي نوع من أنواع التقيّة، تحت وطأة محنة السجن، وأستطيع أن أقول إنّ المراجعات الحالية يشوبها نوع من المرارة، والرغبة في الانتقام.
سابقاً أقدم أعضاء الجماعة الإسلامية على هذا النوع من المراجعات، واستمروا في ذلك النهج بعد الخروج من السجن، فما هي أوجه الاختلاف مع تجربة الإخوان المحتملة؟
الوضع مختلف، الجماعة الإسلامية لم تصل إلى السلطة، ولم تستهلكها شعارات العودة، وخطاب المظلومية، ولم تجد دعماً خارجياً، طبيعة النشأة تختلف، وحتى الممارسات والتطلعات تختلف تماماً، ورغم ذلك تحالف عدد من هؤلاء مع الإخوان عقب ثورة يناير، ولعبوا دوراً في تأجيج خطاب الكراهية والعنف، أمثال عاصم عبد الماجد وعبود الزمر.
العلاقة مع الجماعة الإسلامية

بمناسبة الجماعة الإسلامية؛ كيف كانت طبيعة العلاقة بينها وبين الإخوان المسلمين، في ظلّ وجود تواصل قوي، وقنوات اتصال ممثلة في أسامة حافظ وكرم زهدي، وعدد آخر من شبابها؟
الجماعة الإسلامية نشأت في منتصف السبعينيات في الإسكندرية والقاهرة وأسيوط، في البداية ظهرت كجماعة دينية، تعمل ضمن اللجان الثقافية بالجامعات، وكان يشرف عليها الأساتذة، وكنا في الإخوان على اتصال بعدد من كوادرها، مثل: ناجح إبراهيم، وكرم زهدي، وأسامة حافظ، وعاصم عبد الماجد، وغيرهم، بل وأدخلنا شباب الإخوان إليها، مع الحرص على عدم ضم شبابها إلى الإخوان، حتى لا نمنح الأمن فرصة للتضييق علينا.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
كنت اجتمع بهم كلّ أسبوع ضمن حديث الثلاثاء، الذي استمر على نهج المرشد الأول حسن البنا، وبصحبتي عمر التلمساني وغيره من القيادات، لكن مع ظهور ميل الجماعة إلى العنف، وفي أعقاب التوترات التي جرت في الجامعة، والمصادمات مع الأمن في أسيوط، قررنا قطع الصلة معهم.
هل جاء قرار قطع الصلة مع الجماعة الإسلامية خشية التورط في صدام مع الدولة، أم جاء بناءً على اختلاف في الأيديولوجيا؟
حاولت، أنا ومصطفى مشهور، مناقشة كرم زهدي؛ لإثناء الجماعة الإسلامية عن انتهاج العنف، ولما فشلنا قررنا الابتعاد تماماً عنهم، مع حظر أيّ عضو في الإخوان، في حال اكتشفنا استمراره ضمن صفوفهم، وفقاً لتعليمات واضحة من المستشار المأمون الهضيبي، كان النهج يختلف تماماً بيننا وبينهم، خاصة في ظلّ تواصل المصادمات التي تسببوا فيها داخل الجامعة.
لكن في العام 2007؛ قام طلاب جماعة الإخوان في جامعة الأزهر بعرض شبه عسكري، ألا يمثّل ذلك دليلاً على وحدة النهج مع الجماعة الإسلامية؟

أتذكّر جيداً هذه الحادثة، كانت هناك اشتباكات في جامعة عين شمس بين الأمن وطلاب الإخوان، وتواترت أنباء عن نية الأمن اعتقال عدد من طلاب الإخوان في المدينة الجامعية بالأزهر. 
في هذا الوقت كان خيرت الشاطر هو مسؤول القاهرة في الجماعة، واتخذ قراراً فرديّاً بتكليف طلاب الإخوان بعمل استعراض قتالي داخل جامعة الأزهر، على غرار ما كانت تفعله جماعة حماس في غزة، لإثناء الأمن عن اقتحام المدينة الجامعية، كانت حادثة تعكس مدى غرور الشاطر، ونزوعه إلى التهور والعنف، كان الشاطر يأخذ قرارات خطيرة دون الرجوع إلينا، فقط كان يرجع إلى محمود عزت وطليعة القطبيين، مثل: محمد بديع، ومحمد مرسي.

مغالبة لا مشاركة

هل عبّرت عن موقفك الرافض لهذا الإجراء صراحة رغم موقعك القيادي؟
نعم، وكنت في غاية الضيق، وصرحت علانيّة بأنني أرفض هذا العمل، لكنّ المرشد العام آنذاك، محمد مهدي عاكف، أصرّ على تمريره، وتضامن مع خيرت الشاطر.
كنت صاحب مقولة "مشاركة لا مغالبة"، التي لم يؤخذ بها؛ كيف حدث هذا التحوّل الإستراتيجي، رغم وجود هذا المبدأ المُعلن من قبل؟
مع صعود خيرت الشاطر ومحمود عزت، حدث اختلاف كبير في الأصول والقواعد الإستراتيجية، العام 2009؛ التقيت بمسؤول كبير، بناءً على رغبته، واصطحبت معي محمد مرسي، بناء على رغبة مكتب الإرشاد، رغم تواضعه سياسيّاً، في هذا الاجتماع أكدت أنّ استمرار مبارك في الحكم لا يمثل مشكلة بالنسبة إليّ، فقط طلبت رفع قانون الطوارئ، ومنح الإخوان الفرصة للتحرك بشكل سهل، دون وضع عوائق وسط الشعب، والدعوة لمكارم الأخلاق، وممارسة أعمال المساعدات الإنسانيّة، وأكدت أنّ الجماعة لا تطمع في أيّة حقائب وزارية.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
كان هذا فهمي لطبيعة الجماعة، بعد انتخابات العام 2010؛ هاتفني محمد بديع، وأكّدتُ له على ضرورة محافظة الجماعة على مبدأ مشاركة لا مغالبة، وقتها أبدى اتفاقاً معي، لكنّني تفاجأت بعد ثورة يناير بهذا التحول الخطير؛ حيث انتهج الإخوان سياسة "المغالبة لا المشاركة"، في ظلّ تطلّع خيرت الشاطر لمنصب الرئاسة، وسيطرة القطبيين على الجماعة، وقتها قلت: "هذه نهاية الجماعة"، لأنّها أصبحت سلطة سياسية، منفصلة عن جماهيرها.

كيف يمكن استشراف مآلات التنظيم في ظلّ المحنة الثالثة، التي تبدو سياقاتها مختلفة عما سبقها؟
مفهوم المحنة ما يزال يهمين على عقلية الجماعة، باعتباره شرطاً من شروط اختبار الصلابة، والانطلاق نحو استكمال المسيرة من جديد، والمحن المتتالية جاءت بسبب الإصرار على السرّية.

خيرت الشاطر كان يأخذ قرارات خطيرة دون الرجوع إلينا بل إلى محمود عزت وطليعة القطبيين

كنت أختلف كثيراً مع مبدأ علانية الدعوة وسرية التنظيم، الذي انتهجه مكتب الإرشاد، وجهة نظري كانت تتلخص في ضرورة الشفافية، حتى تتجنب الجماعة ملاحقة الأمن، وفي حقيقة الأمر، كانت السرية عبئاً على التنظيم دون داع، فالجماعة كانت مخترقة، والأمن كان يعرف أدقّ التفاصيل عن أنشطتها، فقط ورطنا مبدأ السرية في انتهاج الكذب، وعرضنا للاعتقال، كنت عضواً في التنظيم الدولي، ونائباً عن المستشار الهضيبي للشؤون السياسية، كنت أجتمع مع دوائر الإخوان في 86 دولة، كنا نجتمع في لندن وإسطنبول وميونخ وفرانكفورت، وكان يسمح لنا بالحركة الكاملة.
اكتشفنا فيما بعد أنّ الاجتماعات كانت مرصودة أمنيّاً، لكنّ عقلية المهيمنين على الجماعة آنذاك، خصوصاً الشاطر وعزت، كانت تصرّ على السرية، رغم عدم جدواها، مثلاً كنت رئيساً للجنة المالية، ومسؤولاً عن تخصيص الموارد مع رشاد بيومي، ومع ذلك كان محمود عزت يخفي عني الأرقام الحقيقية، هذه العقلية لم تتغير، بالتالي؛ ليس هناك أيّ أمل في عودة الجماعة مرة أخرى.

للمشاركة:

خلافات "التحالف" أكبر من تسلّم "الدواعش"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

عبد الوهاب بدرخان

أخيراً وبعد خلافات عكسها الإعلام اجتمع وزراء خارجية دول «التحالف الدولي ضد الإرهاب» قبل أيام في واشنطن، وعلى غير العادة ظهرت الخلافات ولم يعتّم عليها ولم تكن مسألة استرداد مقاتلي «داعش» الأجانب وأفراد عائلاتهم، سوى الجانب الظاهر منها. أما الجوانب الأخرى للخلاف فبقيت بعيدة عن الأضواء، لكنها استحقّت إشارة من الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ينس ستولتنبرغ»، كذلك من منسّق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأميركية «ناثان سيلز»، فكلاهما وصف الوضع في سوريا بأنه لا يزال «هشّاً وصعباً» ويمكن «أن يتغير بلمح البصر». فعلامَ الخلاف إذاً؟ إنه على تقلّبات المواقف الأميركية وعدم وجود تقويم مشترك لمستوى الخطورة التي يواصل تنظيم «داعش» تشكيلها رغم هزيمته وزوال «دولته». لذلك بدت الكلمة الافتتاحية للوزير «مايك بومبيو» عليمةً بمآخذ الحلفاء ومحاولةً الردّ عليها، وإذ تجاهل الجدل حول «الانسحاب الأميركي»، فإنه حرص على تأكيد أن الولايات المتحدة مستمرّة في «قيادة المعركة»، وأن الهدف هو منع التنظيم من استعادة قوّته.
والواقع أن هذا الخطر قائم إذا أوقف «التحالف» حربه أو قلّص من قدراتها، تحديداً بسبب تأخّر الحلّ النهائي للأزمة السورية، ذاك أن آلاف «الدواعش» الذين لم يؤسروا يتوزّعون في مناطق شمال سوريا، خصوصاً في إدلب، ويمكن أن يشكّلوا نواةً لظهور «داعش» التالي. ويبدو أن أجنحة الإدارة في واشنطن استطاعت التوصل إلى صيغة في شأن إعادة الانتشار في شمال سوريا، وبالتالي إقناع الرئيس دونالد ترامب الذي تولّى تسويقها على النحو الذي يريده. فهو حدّد لبقاء نحو ستمئة عسكري هناك مهمة «حماية حقول النفط» وتمكين الأكراد من التموّل باستخدام مواردها، لكنهم يتمركزون في منطقة مفصلية متواصلة مع العراق لمتابعة الضغط على فلول «داعش» ومراقبة تحركات الإيرانيين وميليشياتهم بالقرب من الحدود مع سوريا. لم يشر هذا الترتيب إلى مصير مشاركة دول غربية كفرنسا وبريطانيا في «التحالف» وعناصرها القليلة المنتشرة في تلك المنطقة ولم يُعلن عن انسحابها.
كان أعضاء كثيرون في «التحالف» يريدون مناقشة العملية التركية في شمال سوريا والمخاطر التي تسبّبت بها لـ «الحرب على داعش». والأكيد أن لدى أعضاء «الناتو» الأوروبيين وشركاء عرب في «التحالف» علامات استفهام كثيرة عن مغزى الاتفاقين المنفصلين بين أنقرة وكلٍّ من واشنطن وموسكو، إذ أن نصوصهما المعروفة لم تتبنَّ تزكية مكتوبة لـ «محاربة الإرهاب» كما تقدمها تركيا كهدفٍ معلنٍ ضد الأكراد. لم يتّضح ما إذا كان اجتماع واشنطن استطاع تبديد غموض السياق الذي وُضع التدخّل التركي فيه، أهو مراعاة لضرورات الأمن القومي التركي، أم توسيع مدروس للنفوذ التركي ولتوظيفه لاحقاً في سوريا، أم أن تركيا تستغلّ التنافس الأميركي - الروسي على موقعها؟ في أي حال، يرى الحلفاء والشركاء أن واشنطن لا تبدو مهتمّة بالجوانب المقلقة في السلوك التركي.
ليست مفهومة تماماً أسباب رفض الدول تسلّم «الدواعش» الذين يحملون جنسيتها أو سحبت منهم. فثمة مصيرٌ يجب أن يُرسم لهؤلاء ولنسائهم وأطفالهم، ولعل دولهم حسبت أنهم لن يعودوا أبداً وأن الحرب ستتكفّل بهم، فما العمل الآن وقد نجوا من الموت. الضغط لإبقائهم في العراق أو عند أكراد سوريا ليس خياراً، وقد عرض بعض الدول كفرنسا دفع مساهمة مالية في تكاليف محاكماتهم واحتجازهم «الدائم»، لكن الأعباء والإشكاليات أكبر من أن تُعالج بهذه الطريقة، خصوصاً بالنسبة إلى الأكراد. كانت واشنطن الأكثر إلحاحاً على حلّ هذه المعضلة، ومع أن عدد رعاياها الراغبين في العودة قليل إلا أنها لم تقدّم نموذجاً في سرعة استردادهم. بدهي أن التعقيدات القانونية للمشكلة كثيرة، وكان يفترض أن تستبقها الدول بالتشاور لوضع الحلول المناسبة.
عندما قاربت المعارك ضد «داعش» نهايتها سارعت الدول إلى التنسيق في ما بينها لإجلاء عملائها الذين أرسلوا لاختراق التنظيم استخبارياً، وها هي تتلكأ الآن في تسلّم المقاتلين وتجازف بجعلهم «قنبلة موقوتة» تستولد الجيل التالي من «داعش». لم ينسَ أحد أن هذا التنظيم ولد عملياً في سجون العراق. قد يكون هذا الهاجس دفع أنقرة إلى حسم الجدل والبدء بترحيل الأجانب المعتقلين لديها إلى دولهم غير الراغبة بعودتهم لكن المضطرّة للتعامل مع الأمر الواقع. روسيا وحدها مهتمّة ومتعجّلة لتسلّم الذين هم من تابعيتها أو من الدول التابعة لها ولا تتعذّر بـ «صعوبات» في محاكمتهم والحكم عليهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية