سنودن: إنهم ينتهكون خصوصية الجميع على هذا الكوكب

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
20680
عدد القراءات

2018-07-11

ترجمة وإعداد: مدني قصري


أجرى مؤسس ومدير "WikiTribune"، جيمي ويلز، مؤخراً، مقابلة مع الموظف السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، إدوارد سنودن، الذي كشفت تصريحاته السابقة عن برامج مراقبة عالمية، تدير العديد منها وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، بالتعاون مع الحكومات وشركات الاتصالات الأخرى.

هذه المقابلة جرت بينهما عن طريق "السكايب"، بين لندن وموسكو التي أصبح فيها سنودن منذ ما كشف عنه من أسرار، لاجئاً في روسيا وغير قادر على العودة إلى الولايات المتحدة، خوفاً من المقاضاة، وقد تطرّق الحوار للتجسّس الجماعي، والصحافة، والتسريبات والمخاطر على الحياة الخاصة المرتبطة بمنصات الإنترنت، مثل؛ الفيسبوك، ناهيك عن وكالات الأمن التي تمتص اتصالاتنا.

خصوصية الجميع على الكوكب متاحة

سنودن: لا أحكم بالقول إن كانت "ويكيليكس" قد فعلت الشيء الصحيح أو الخطأ

لنبدأ بسؤالك عما هو موقفك من منظمات مثل "ويكيليكس" التي تكشف مخابئ لمعلومات هائلة؟

لا أحكم بالقول إن كانت "ويكيليكس" قد فعلت الشيء الصحيح، أو الشيء الخطأ؛ لأنّني أعتقد أنّ هذا النوع من التجارب مهمّ، يجب علينا أن نرفض الأساليب التقليدية (الأرثوذكسية).

نحن في حاجة إلى التشكيك في الافتراضات التي تقول إنّ ما نقوم به حالياً، والوضع الراهن، هو أفضل ما في جميع العوالم الممكنة، وأنه أفضل ما يمكننا القيام به، بدل ذلك، نحن نختبر مبادئنا بشكل متكرر وبطرق مختلفة، وما فعلته هو أن رأيت أن في قلب حكومة الولايات المتحدة، بدأت وكالة الأمن القومي تنتهك الدستور بطريقة غير مسبوقة، ودون تمييز.

اقرأ أيضاً: جوليان أسانج.. قرصنة اللعب مع الكبار

إنّهم يقومون بجمع سجلات الهواتف، والتسجيلات على الإنترنت، وكل المعلومات عن المعاملات الخاصة بالأنشطة الخاصة بالأشخاص: التفاصيل الأكثر خصوصية وسرية من حياتهم اليومية، بغضّ النظر عما إذا كانوا مجرمين أم لا، ومن معرفة ما إذا كان هناك أيّة مشكلة للاشتباه في تورّطهم في أي خطأ كان.

بدل ذلك، طوّروا هذا النموذج الجديد.

هذا النموذج أسموه "اجمع كلَّ شيء" (The Guardian)؛ حيث يجمعون كلّ ما يمكنهم جمعه عن كل شخص بريء، لذلك لديهم أطنان من المعلومات حول خصوصية كل شخص على هذا الكوكب، بحيث يمكنهم بعد ذلك فرزها في وقت لاحق، والتنقيب فيها عن طيب خاطر، في حال أيقظت اهتمامهم بك، إذا أصبحت مثيراً للاهتمام سيلجؤون إلى جهاز معاودة زمن المراقبة؛ حيث يمكنهم الرجوع إلى الوراء عبر الزمن، بحسب نوعٍ المحتوى، وحجم المحتوى، في أيّ مكان كان، من ثلاثة أيام إلى حوالي خمسة أعوام.

"لم نعد مواطنين بقدر ما صرنا مجرد موضوعات"

نحن نصوّت حتى نعبّر بوضوح عن اختياراتنا السياسية

ما رأيك، ما هي عواقب هذا النوع من جمع البيانات على العلاقة بين المواطنين والحكومة؟

في النهاية، الحقيقة هي أن الرأي العام الأمريكي قد ضلِّل بطريقة مثيرة للاهتمام حقاً؛ لأنه عندما نفكر في الديمقراطية، وعندما نفكر في نظام حكومتنا، فإن كل ديمقراطية قائمة على مبدأ واحد، وشرعية حكومته تنبع من موافقة المحكومين (Dictionary.com).

نحن نصوّت حتى نعبّر بوضوح عن اختياراتنا السياسية، لتوجيه مستقبل الحكومة، لكنْ إذا كذبوا علينا، وفهمنا الكيفية التي تجري بها العمليات الحكومية، وفهمنا أن ما تفعله الحكومة نيابة عنا وضدنا، ليس صحيحاً، وإذا صوّتنا وفق هذه المقدمات، فإنّ ما يحدث هو أننا بدأنا في فقدان مكاننا على طاولة الحكومة، فأصبحنا موضوعات أكثر منّا مواطنين.

ما هي مخاوفك حول نمط المراقبة التي انخرطت فيها الولايات المتحدة بقوة؟

بحكم حاجتها إلى تطوير القدرة على معرفة ما يفعله الأعداء المحتملون، فقد طوّرت حكومة الولايات المتحدة قدرة تكنولوجية تسمح لها بمراقبة الرسائل التي تمر عبر الأجواء (The Guardian) . وهذا أصبح ضرورياً الآن، ومهمّاً للولايات المتحدة، ونحن ننظر إلى الخارج إلى أعداء حقيقيين، أو أعداء محتملين، يجب أن نعرف، في الوقت نفسه، أنّه في أيّ وقت يمكن أن تنقلب هذه القدرة ضدّ الشعب الأمريكي، وأنّه ما من مواطن أمريكي سيمتلك خصوصيته؛ أي حياته الخاصة، هذه هي القدرة على مراقبة كلّ شيء، المحادثات الهاتفية والبرقيات، أياً كانت. لن يكون هناك أيّ مكان للاختباء إذا أصبحت هذه الحكومة يوماً طاغية، إذا استولى دكتاتور على السلطة في هذا البلد.

إنّ القدرة التكنولوجية التي قدّمها مجتمع الاستخبارات للحكومة قد تمنح لها فرض الاستبداد التام، ولن تكون هناك أيّة طريقة للرد، إنّها الهاوية التي لا خلاص منها.

محكمة سرّية

تبعت المحكمة السرية المؤسسات التي كانت تنتهك القواعد بإساءة فهمها واستخدامها

يبدو أنّ الناس يعتقدون أنّ مراقبة الأفراد هي تطوّر حديث، لكنّ التاريخ أظهر لنا أنّ الحكومة الأمريكية تحقّق منذ فترة طويلة في الأشخاص الذين تعدّهم تهديدات لها.

بعد مرور يومين فقط على تقديم مارتن لوثر كينغ خطابه "لديّ حلم"، قرّر مدير مكتب التحقيقات الفدرالي للاستخبارات الداخلية "FBI"، بأنّ مارتن لوثر كينغ هو أكبر تهديد للأمن القومي للولايات المتحدة، حدث هذا في السرّ، ولم نكتشفه إلا بعد أعوام فقط، في لجنة الكنيسة.

اقرأ أيضاً: وزير الخارجية الأمريكي متهم بانتهاك القانون الاتحادي

لكنّ هذا تطورٌ طبيعي في مصالح استخبارات غير خاضعة للرقابة، ودون عوائق في أيّ بلد، هذه ليست مشكلة أمريكية فقط؛ لقد رأينا هذا بالفعل يحدث في بلدان أخرى، السؤال، إذاً، مرّة أخرى: ما العمل؟ نحن في حاجة إلى نظام من الضوابط والكوابح والتوازنات، كانت الفكرة وراء هذه القضية الهائلة هي إنشاء محكمة سرية، تقوم في الأساس بإصدار أوامر بإجراء تحقيقات حول الاستخبارات، كما كانت الحال بالنسبة إلى التحقيقات الجنائية التقليدية.

من المفترض أنها محكمة متخصصة تستوعب كل الصعوبات الحالية، والجميع فيها يحصلون على أذونات، فلن يكون هناك أيّ خوف من حدوث تسريبات، ولفترة معيّنة كان هذا النظام يسير على ما يرام، لكن المشكلة هي أنه ابتداءً من السبعينيات، عندما أصبحت الطلبات المقدَّمة إلى هذه المحكمة، قليلة، وهي طلبات خطيرة للغاية، بدأت المؤسسات التي كانت تنتهك القواعد، في فهم كيفية إساءة استخدام نظام هذه القواعد، وهكذا تبعتها المحكمة السرية.

الرؤساء يرفضون تدخل مجلس الشيوخ

سنودن: لدينا 535 عضواً في الكونغرس، لكن 20 فقط منهم لديهم الحق في الاطلاع

ما هو، إن وجِد، الدور الذي يلعبه الكونغرس في كل هذا؟

لا يسمح للعديد من أكبر منتقدي المراقبة في الكونغرس، بالمشاركة في الجلسات حول مراقبة الاستخبارات، لدينا 535 عضواً في الكونغرس، لكن 20 فقط من هؤلاء الأشخاص لديهم الحق في الاطلاع على هذه الأنواع من برامج المراقبة الوطنية، وهنا تكمن المشكلة المركزية. لديك كادر، رئيس لا يريد أن يخضع للمراقبة، ومرة أخرى، ليس لأنّه سيئ، لكن لأنّ هذا ما يفعله كلّ رئيس، الرؤساء لا يريدون أن ينظر أعضاء مجلس الشيوخ فيما يفعلونه، ولا يريدون أن تقول لهم المحاكم ما يمكنهم فعله، وما لا يمكنهم فعله.

اقرأ أيضاً: ضحايا تحرش ترامب يطالبن الكونغرس بالتحقيق معه

لقد رأينا ذلك مؤخراً، مع قرار دونالد ترامب ضدّ المسلمين، والذي بمجرد أن تلقته المحاكم، وعلمت به، وأدركت أنّ لديها دوراً تلعبه، وأصبح بإمكانها أن تقول: "لدينا دورٌ نلعبه هنا"، وقالت بالفعل: "اسمعوا، إننا نفهم ما تحاولون القيام به هنا، لكنّ هذا انتهاك للدستور، ولا يمكنكم فعله". الرؤساء إذاً، يريدون أن يوقفوا الناس، فتقول المحاكم أكثر وأكثر: "نحن آسفون، لا يمكننا مساعدتكم"، حالما تقول الحكومة: "هذا سرٌّ، ولا يمكنكم إثباتُ أنه يحدث بالفعل"، ثم إنّ الكونغرس على مرّ العقود اعتاد على الاعتقاد أنّ أفضل شيء يمكنك القيام به في حملتك الانتخابية هو ألا تنظر للأمور عن كثب، وأن تفتح جيوبك، وهذا النظام أتاح لأكثر من عقد الزمن ظهور شبكة وطنية غير دستورية.

نُقّاد كبار ضد التسريب، أمثال جون ماكين وهيلاري كلينتون، أكدوا أنّ الكشف عن معلومات حساسة يُعرِّض حياةَ الناسَ للخطر، ما رأيك في ذلك؟

لم نرَ حالة واحدة على الإطلاق تم تحديدها من قبل الحكومة، وكان يمكن لشخص ما أن يتأثر بأحد هذه التسريبات، لكن من الناحية النظرية، على الأقل، هذا ممكن. وهذا هو السؤال المركزي: كيف يجب أن نضع في الميزان هذه القرارات الصعبة عندما، من ناحية، تذكرُ أنت المخاطرَ النظرية للصحافة في مجتمع حرّ ومفتوح، ومن ناحية أخرى، تتحدث عن أضرار ملموسة، قابلة لقياس كمّي لسياسة سيئة، وانتهاكات حقوق يتم التحقق من صحّتها بالأدلة؟

الصحافة والإدانة واحد

لا يمكن أن يكون لدينا صحافة حقيقية دون مصادر موثوقة

ما هي الدروس التي يمكن للصحافيين تعلمها مِن هذا؟

كثير من الناس يحبّون عدّ الصحافة والإدانة موضوعين منفصلين، لكن، في الواقع، الموضوع واحد؛ لا يمكن أن يكون لدينا صحافة حقيقية دون مصادر موثوقة، قادرة على أن تقول للصحافيين ما يحتاجون إلى معرفته، بدل أن تقول لهم فقط ما يحقّ لهم معرفته، إمّا من خلال السياسة أو الإجراء، أو الرؤساء، وإما بموجب القانون، إذا كان القانون منتهكاً، وإذا تم انتهاك حقوق الناس، يجب أن يتمكن الصحفيون من الوصول إلى هذه المواد، لكن إذا كان الحديث مع الصحافيين جريمة في حدّ ذاتها؛ فالآن وقد بدأت أنت في إثارة أسئلة حقيقية حول الحقوق: هل يمكنك التأكد من أن ذلك يحدث؟ أعني بذلك أنّه في عالم اليوم، سواء أحببنا ذلك أم لا، فإنّ الصحافة الحقيقية باتت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا، وأنّ هذا الاتجاه ينمو بمرور الوقت، وهذا يعني: نعم، يمكنك الوصول إلى الحقائق، من خلال اعتماد آليات مثل التشفير.

ما هو الفرق الرئيس بين كيفية جمع البيانات الخاصة اليوم، وكيفية جمعها في الماضي؟

لقد كانت المراقبة الجماعية موضوع جدل في الأعوام الأخيرة، وهذا يعني مراقبة دون اشتباه، في حين أنّ الحكومة تسمّيها "الجمع بالجملة" لملفات الناس، دون أن تنشغل بما إذا كانوا قد فعلوا شيئاً، أو لم يفعلوا شيئاً، وهذا أمر غير عادي؛ فهذا ليس أمراً طبيعياً، هو شيء لم يحدث تاريخياً، وليس شيئاً فعلته المجتمعات السابقة.

إنّ وسائل التحقيق التقليدية، التي نعرفها، وتعمل جيداً، على عكس هذا الترصد الجماعي، الذي كان الرئيس أوباما قد راجعه من قبل مفوّضَين اثنين مستقلَّين، وقال كلاهما إنه غير فعّال وبلا طائل.

الخصوصية مصدر كلّ الحقوق الأخرى

يجب أن تكون قادراً على قراءة وتجريب واختبار أفكار جديدة

يبدو أنّ كثيراً من هذا النقاش يستند إلى الاعتقاد السائد، بأنّه إذا لم يكن لديك ما تخفيه، فلا يجب أن تقلق بشأن أيّ تدخل في حياتك الخاصة، ما رأيك في ذلك؟

الخصوصية ليست مسألة شيء تخفيه، هي مسألة حماية، الخصوصية هي مصدر كل الحقوق الأخرى، هي المكان الذي تأتي منه الحقوق؛ لأنّها هي حقّ الشخص لنفسه، الخصوصية هي الحق في حرية الفكر، الخصوصية هي القدرة على حصول الشخص على شيء، أي شيء، لنفسه أو لذاته، لا تعني حرية التعبير الشيء الكثير إذا كنت لا تستطيع أن تكون لك أفكارك الخاصة بك، وكي تكون لك أفكارك الخاصة، تحتاج إلى مساحة آمنة لتطوير تلك الأفكار، لفهم ما تؤمن به حقاً، ثم عليك اختبار هذه الأفكار بشكل انتقائي مع أشخاص تثق بهم، لتحديد ما إذا كانت الفكرة جيدة حقاً أم أنها غباء.

اقرأ أيضاً: فضيحة تهز أركان الكونغرس الأمريكي

إذا كانت كل الأفكار التي عبّرتَ عنها قد التقِطت في حينها، وتم تسجيلها ومتابعتها حتى نهاية حياتك، فلن تنجو أبداً من أدنى الأخطاء التي تكون قد ارتكبتها. إنّ الحرية الدينية والمعتقد، لا معنى لها، فهي لا توجد حقاً، إذا كنت فقط قد ورثتَ معتقدات آتية من عائلتك أو أشخاص من قبلك، أو من الدولة، يجب أن تكون قادراً على قراءة وتجريب واختبار أفكار جديدة، وأن تكتشف ما الذي تمثله حياتك حقاُ بالنسبة إليك.

في الأعوام الأخيرة، رأينا أيضاً أنّ صحفيين في جميع أنحاء العالم مستهدفون بسبب وصولهم إلى مصادر ومعلومات سرية، ما هي الآثار المترتبة على حرية الصحافة؟

حرية الصحافة لا يمكن أن تكون حقيقية ومفيدة، إلا إذا كان بإمكان الصحفيين الاتصال بمصادرهم، في ثقة وسرية، لاطلاعهم على ما يجري بالفعل، وهذا من أعلى المستويات إلى أدنى المستويات في مجتمعنا، الأمر لا يتعلق فقط بأن يكون الصحافي في مأمن من التفتيش والمصادرة التعسفية. ليس مهمّاً أن تقول الحكومة: حسناً، نحن لا نتنصّت على مكالماتك الهاتفية، إذا كان يجمع بالفعل ملفات عنها؛ لأنّ مصادرة هذه الملفات إجراء غير دستوري. مرة أخرى، معجمنا والكلمات التي نستخدمها، والجمل، والملكية الخاصة، تعني شيئاً ينتمي إليك لا للمجتمع، فإذا ألغينا حماية الخصوصية، فإننا نلغي الفردية، ونلغي الأنا، ونقول إننا لا ننتمي إلى أنفسنا، وإننا ننتمي إلى المجتمع، وهذا أمر خطير للغاية؛ لأنه عندما ندخل هذه الحالة الذهنية؛ حيث تصبح الحقوق غير ذات أهمية، لأننا لا نستخدمها الآن، فمن الصعب في هذه الحالة أن نفهم لماذا لدينا حقوق.

الحقوق ليست للأغلبية وليست للأقوياء فهي تتيح لهم أن يشكلوا ويصيغوا قوانيننا إنها لمن هم الأقل قوة

حماية الخصوصية أتاحت للنساء والأقليات تنظيم حملات سياسية للدفاع عن حقوقهن، في كثير من الحالات تم هذا خارج مجال رؤى الدولة.

حرمان النساء من حقهن في التصويت، والقول إنهنّ لا يستطعن التصويت، ليس عدلاً، أياً كان المبرر، فأيّ تقدّم بدأ كفكرة أقلية، رأي أقلية، وهو احترام الحياة الخاصة التي سمحت لهؤلاء الأشخاص بتنسيق وتطوير هذه الأفكار، وتنظيم الأشخاص الذين دعموها، ونشر هذه الأفكار، حتى تصل إلى تلك الكتلة الحساسة التي غيّرت العالم، وجعلت كل واحد منا أكثر حرية، وجعلت حياتنا أكثر عدالة، وجعلت مستقبلنا أكثر استنارة، ودون ذلك، ودون خصوصية، فأنت تخلق، ليس فقط عالماً معادياً للمجتمع، لكنك تخلق عالماً محروماً من الحرية، وأنت لست أكثر أماناً، فحتى في السجن، في أكثر البيئات أمناً التي نمتلكها، يتعرض الناس للاعتداء دائماً، وما يزال الناس يتعرّضون لسوء المعاملة، وما يزال الناس يقتَلون دائماً.

فيما وراء الآثار اليومية لخروقات الخصوصية والأمن تأثير أعمق على حقوق المواطنين كأفراد؛ هل استخلصتَ أيّ استنتاجات في هذا الشأن؟

الحقوق ليست للأغلبية؛ وهي ليست للأفراد ذوي الامتيازات، فالحقوق ليست للأقوياء؛ لأنهم لا يحتاجون إليها، وصولهم إلى التأثير يتيح لهم بلورة الحقوق؛ فهي تتيح لهم أن يشكلوا ويصيغوا قوانيننا، وتسمح لهم بتحديد، وبالتأثير على أداء المجتمع، الحقوق هي لمن هم الأقل قوة، هي للذين ليس لديهم سلطة؛ فهي للأقلية، هي للمختلفين، إنها للضعفاء.


المصدر: courtierenbourse.xyz

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف تتحالف الجماعات الإرهابية والإجرامية في العالم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-20

ترجمة: مدني قصري


"إنّ تجارة السلاح أسهل هنا من أي مكان آخر في العالم. يمكننا الاعتماد على حدود إشكالية والفساد - لا يمكنكم أن تتخيلوا عدد الأبواب التي يمكن فتحها ببضعة آلاف يورو". الرجل الذي صرح بهذا يشير إلى تجارة الأسلحة في البلقان وفي جنوب أوروبا. ماضيه دليل على ما يقوله؛ حيث عمل لفترة طويلة في مهنة الإجرام دون أن يكتشف. والسبب في كون هذه الشبكات الإجرامية ليست تحت المجهر هو أنّ مسألة تهريب الأسلحة إلى أوروبا قضية أكثر تعقيداً وأكثر خصوصية وصعوبة بالنسبة إلى السلطات المحلية.

تسبب صعود ونشاط تنظيم داعش في انفجار التقارير والمقالات والتحقيقات حول كيفية وقوع الأسلحة في أيدي مجموعات أخرى

في السنوات الأخيرة، قيل وكُتب الكثير عن تهريب الأسلحة من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا. لقد تسبب صعود ونشاط تنظيم داعش في انفجار التقارير والمقالات والتحقيقات حول كيفية وقوع الأسلحة في أيدي مجموعة أو أخرى. وقد تم العثور على الأسلحة الكرواتية والبلغارية والروسية والغربية في الأسواق السوداء في الشرق الأوسط؛ حيث إنّ الأسلحة التي تباع رسمياً من قبل مختلف البلدان تسقط بسهولة في القطاع الرمادي، بسبب الفساد أو الهجمات العسكرية ذات النهاية السيئة. لكن، ماذا عن تهريب الأسلحة إلى أوروبا؟
للإرهاب علاقة وثيقة بالجريمة المنظمة

عولمة الحاضر كعوملة الماضي 
إنّ عدد المقالات والبحوث حول هذه المسألة أقل بكثير. تبيّن الاتصالات مع العديد من المصادر حول هذا الموضوع أنّ الشبكات الإجرامية في أوروبا تتطور باستمرار. تشكل هذه الجماعات تحالفات ونقابات مع جماعات إجرامية خارج الاتحاد الأوروبي (EU) وأحياناً تتواصل من خلال وسطاء، مع منظمات إرهابية في الساحل، وآسيا الوسطى وغرب أفريقيا. فالعولمة في شكلها الحديث اليوم لا تختلف عن نسخة القرون الوسطى أو القديمة. واليوم كما كان الأمر بالأمس، تعمل المجموعات الدولية معًا باسم الربح. فاتصالات اليوم وأدوات تبادل المعلومات الجديدة تجعل إنشاء مثل هذه النقابات أكثر ربحية وأكثر صعوبة في توقيفها. ويوجد اليوم ما يمكن تسميته بـ "جريمة دولية" تشير إلى مجموعات في أنحاء مختلفة من العالم، تخلق صلات فيما بينها للتحايل على مختلف العقبات، بما في ذلك القواني التي قد تعيق أعمالها.
عدوانية في الدفاع عن المصالح
من صفات هذه التحالفات الإجرامية الدولية عدوانيتها في الدفاع عن مصالحها؛ فهي تحاول غزو الأراضي والسيطرة على المدن، وفرض الضرائب عندما ترى ذلك ضرورياً. فهذا ملحوظ بشكل خاص في أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، لكن توجد أمثلة مماثلة حتى في جنوب وشرق أوروبا؛ حيث تفرض هياكل المافيا سياساتها، مما يجبر السلطات المحلية على إقامة علاقة تعاونية وفاسدة. هذه التحالفات الإجرامية، بدورها، تشكل أحد مصادر إيرادات الجماعات الإرهابية والعقد الرئيسية في بنيتها التحتية اللوجستية، في نقل العملاء والمال. "لا يهمني إن كان أي شخص عربياً أو كردياً أو فلمنكياً. لقد عملنا مع جميع المجموعات". هكذا يقول عضو بلغاري سابق في هيكل المافيا، "الشيء الوحيد المهم هو احترام القواعد. من المحتمل أن يكون أشخاص مشبوهون قد عبروا طرقنا، لكن هذه ليست مشكلتنا".

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
منذ التسعينيات، تنشر المؤسسات الأوروبية تقارير دورية حول الاتصالات المحتملة بين الجماعات الإرهابية وجماعات المافيا الأوروبية. في عام 2004 ، عندما حدث هجوم مدريد بالقنابل، كان من الواضح أنّه كان بالتحديد بفضل تحالف من هذا النوع، بين المافيا والخلايا الإرهابية؛ حيث تم دفع ما يقرب من 50000 يورو للمنظمي الهجوم. مرة أخرى، فبفضل هذه التحالفات، تُسهم الجريمة المنظمة في البحث عن الأسلحة، والخدمات اللوجستية وفرص السفر. وبهذه الطريقة، تعوّل الجماعات الإرهابية على الهياكل الإجرامية المحلية في أوروبا، للعمل بحرية في القارة. كما قدم هؤلاء المجرمون وثائق مزورة وأسلحة ولوجستيات لخلايا داعش المسؤولة عن الهجمات في باريس وبروكسل في عامي 2015 و2016.
طرق حماية قنوات مرور الأسلحة 
يعود امتزاج الهياكل الإرهابية والمافيا في أوروبا إلى التسعينيات على الأقل. وتشمل هذه الهياكل متطرفين يساريين، مثل حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي جمع الموارد من خلال شبكات إجرامية في أوروبا لحربه ضد تركيا، ومن جماعات اليمين المتطرف، مثل الميليشيات الأرثوذكسية في البوسنة، والتي استفادت جميعها من الوصول إلى السوق السوداء. في كثير من الحالات، يكون التواصل بين الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية، صارماً، وقائماً على قواعده الخاصة. بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، أصبحت هذه القواعد تحظى باحترام أكبر من أجل تجنب اكتشافها من قبل الوزارات العامة. ولعل أحد أهم جوانب هذا التعاون هو إنشاء قنوات مرور، التي تشكل بنداً رئيسياً في الميزانية لجميع هذه المجموعات، وحماية القنوات. حماية القنوات بالتالي موضوع يحظى باهتمام خاص.

دور القاعدة في انتقال المخدرات والأسلحة
على سبيل المثال، شاركت القاعدة بشكل جاد في تأمين دوائر الكارتل الكولومبية التي تنقل الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى البلقان وأوروبا عبر غرب إفريقيا. وتُظهر التقارير الأوروبية أنّ تنظيم القاعدة متورط في تهريب المخدرات والبنادق والأحجار الكريمة، وأنّ له اتصالات في داخل جماعات البلقان والمافيا الإيطالية. فالعمال التنفيذيون للجماعة الإرهابية تحت الأنظار، من ألبانيا والبوسنة إلى هولندا، عبر سويسرا وألمانيا. تحتفظ حركة الشباب، الفرع الصومالي لتنظيم القاعدة، بشبكة واسعة في الدول الاسكندنافية؛ حيث يوجد شتات صومالي كبير، وتتمتع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي باتصالات في إسبانيا؛ بسبب قربها من المناطق التي تعمل فيها المجموعة. من المافيا الإيطالية إلى الجماعات الفوضوية الشيوعية المتطرفة اليونانية، مروراً بحزب العمال الكردستاني، تقيم الجماعات في جميع أنحاء العالم ولاءات وتحالفات تتجاوز الحدود الوطنية، وتوفر قنوات مرور وفرص تمويل. وغالباً ما يتعلق هذا بالاتجار بالمخدرات والأسلحة، سواء كان ذلك بغرض الاغتيالات وفقاً لعقود، أو بالأعمال الإرهابية.

اقرأ أيضاً: جرائم جديدة لميليشيات الحوثي الإرهابية..
"السياسيون يستفيدون من أعمالنا. لقد قدمنا هدايا في العديد من المناسبات"، هكذا قال عضو سابق آخر في المافيا في صربيا. تعمل مجموعته في بلغاريا ومقدونيا وألبانيا وإيطاليا. وهو نفسه كثيراً ما يتجنب الاعتقال بسبب مشاكل إدارية. في الواقع، الإدارة واحدة من المشاكل التي تعيق التحقيقات؛ فالأخطاء في المستندات، أو حتى عدم تبادل المعلومات بين الدول الأوروبية، تسمح لهذه المجموعات بتطوير أنشطتها دون قلق.
نوعان من التحالفات
في هذا السياق، يجب تحديد نوعين من التحالفات التي لها تأثير مباشر على الاتحاد الأوروبي. النوع الأول من التحالف هو التحالفات التي تم إنشاؤها داخل الحدود الأوروبية. لهذا النوع تأثير على أمن الدول الأعضاء، بما في ذلك التآمر لارتكاب أعمال إرهابية. النوع الثاني من التحالفات أنشئ خارج الاتحاد الأوروبي أو على الهامش - البلقان واليونان وصقلية وإسبانيا - وهو أيضاً تهديد لاستقرار الاتحاد الأوروبي. وإذا تحدثنا أكثر عن أوروبا الغربية، فمن الجيد أن نولي اهتماماً لمنطقة لها دور مهم جداً تلعبه في مجال الأمن، ولكن من باب المصلحة الإعلامية: البلقان.
يوغوسلافيا السابقة وبلغاريا شريان رئيسي
وفقاً لتقارير فرونتكس FRONTEX  ويوروبول Europol ، فإنّ دول يوغوسلافيا السابقة وبلغاريا تشكل الشريان الرئيسي الذي تمر عبره كمية كبيرة من المخدرات والأسلحة إلى الدول الاسكندنافية. تعد الحدود اليونانية التركية والحدود الصربية مع رومانيا من بين أكثر النقاط حساسية. على هذه الطرق، التي أنشأتها الجماعات الإجرامية المحلية، يمر أيضاً الإسلاميون من الشرق الأوسط. المشكلة الرئيسية هي أنّه بمجرد دخولهم إلى منطقة شنغن - التي فككت الحدود بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي - يمكن لهؤلاء الأشخاص الوصول إلى أي جزء من أوروبا دون الحاجة إلى القلق من تقديم جواز سفر مزور. فللتحايل والالتفاف على العقبات، تقيم الجماعات الإرهابية اتصالات مع الجماعات الإجرامية في جنوب شرق أوروبا. ولا صلة لهذه الطرق بتدفقات الهجرة أو الاتجار باللاجئين - تستخدم الجماعات الإجرامية أساليبها الخاصة، بما في ذلك رشوة عملاء الحدود.
المافيا خطر أكبر من الإرهاب
بالنسبة ليوروبول Europol ، تطورت هذه المجموعات في ظل الهجمات.

من صفات التحالفات الإجرامية الدولية عدوانيتها بالدفاع عن مصالحها فهي تحاول غزو الأراضي وفرض الضرائب عندما ترى ذلك ضرورياً

أفادت يوروبول، الوكالة الأوروبية للتعاون بين الشرطة الجنائية، مؤخراً أنّ العنف المتزايد من جراء الجريمة المنظمة هو أكبر تهديد لأمن أوروبا؛ حيث يتجاوز الإرهاب والهجرة.
وقال مسؤولون في مؤتمر نظمته مؤخراً الوكالة الإيطالية لمكافحة الاتجار بالبشر ويوروبول ومقرها في لاهاي، إنّ جماعات المافيا من إيطاليا وألبانيا وأوروبا الشرقية، وكذلك عصابات الدراجات النارية، هي الجهات الفاعلة الرئيسية في هذا العنف.
بدأت المجموعات الآسيوية والأفريقية وأمريكا الجنوبية أيضاً في الجريمة المنظمة في أوروبا؛ حيث يتم جمع 110 مليارات يورو في هذا المجال كل عام. وأشارت الوكالات الأوروبية إلى أنّ المزيد والمزيد من هذه المجموعات تعمل معاً.

اقرأ أيضاً: المسماري يحذر: أردوغان سينقل آلاف الإرهابيين إلى ليبيا
وقال جاري ليوكو، رئيس المركز الأوروبي للجريمة المنظمة في يوروبول: "تمثل الجريمة المنظمة حالياً أكبر خطر على الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي".
وفقاً لمتحدثين في المؤتمر المذكور، كانت الجريمة المنظمة "في الظل" في السنوات الأخيرة بسبب موجة من الهجمات الإرهابية وأزمة هجرة كبرى في أوروبا. ومع ذلك، فإنهم يعتقدون أنّ التعاون عبر الحدود يجب الآن أن يعالج هذه المشكلة المتزايدة. في  كانون الأول (ديسمبر)، أعلنت السلطات الأوروبية عن اعتقال حوالي 90 مشتبهاً بهم في المافيا الكالابرية (منظمة إجرامية في إيطاليا تتركز في كالابريا)، في ست دول في أوروبا وأمريكا اللاتينية.
ثمار التحالفات بين المافيا والإرهاب
هذه التحالفات تؤتي ثمارها. تشير التقارير الأوروبية إلى مشكلة متنامية، وإلى روابط تتوثق أكثر فأكثر مع الهياكل الإجرامية للجيل الثالث من الشتات في منطقة البلقان، وخاصة في الدول الاسكندنافية. في عام 2013 ، كشفت الشرطة البلغارية عن قناة لتهريب الأسلحة من بلغاريا إلى السويد وألمانيا. غادرت أسلحة الكلاشنيكوف والذخيرة الآلية مقاطعة ستارا زاغورا، في وسط بلغاريا، عبر نقطة كالوتينا الحدودية، على الحدود الغربية مع صربيا. لم يكن المجرمون خائفين من استخدام حافلة ركاب. لكن على الرغم من عدم وجود دليل على أنّ هذه الأسلحة كانت موجهة للجماعات الإرهابية، إلا أنّ عملية الشرطة أظهرت مدى شبكة تهريب الأسلحة، وهي الأسلحة التي، كما تأكد ذلك في باريس وبروكسل في 2015-2016 ، وفي مدريد قبل خمسة عشر عاماً، يتم استغلالها بسهولة من قبل الإرهابيين.
الشرطة الإسبانيا تكسر قناة للتهريب
هناك دليل إضافي على حجم المشكلة جاء في عام 2017 بفضل أنشطة الشرطة في إسبانيا التي كسرت قناة لتهريب الأسلحة إلى إحدى عشرة دولة أوروبية. حيث تم ضبط 664 قطعة سلاح. وتم القبض على أكثر من 240 شخصاً. وكان بعض المحتجزين من المواطنين الرومانيين والبلغاريين الذين اشتروا تقليد الأسلحة التي حوّلوها إلى أسلحة نارية في المصانع في إسبانيا. فبمجرد أن تصبح جاهزة، تعرض هذه الأسلحة في أوروبا في السوق السوداء. لقد تم ضبط أكثر من 34000 رصاصة وقنبلة يدوية وكاتم للصوت خلال الحملة.
قلق القادة الأوروبيين من تصاعد داعش
أصبحت مشكلة الاتجار بالأسلحة مصدر قلق لدرجة أنّه في نيسان (أبريل) 2018 تم تنظيم اجتماع بين ممثلي الشرطة الأوروبية في العاصمة البلغارية، صوفيا، لمناقشة الخيارات المتاحة لإحباط الاتجار بالأسلحة الصغيرة، والذخيرة إلى أوروبا.

اقرأ أيضاً: "يوم المسجد المفتوح" في ألمانيا لمواجهة دعاة التشدّد والإرهاب
لقد جعل صعود داعش، القادة الأوروبيين يركزون إلى حد ما، على الصلة بين الجريمة المنظمة والإرهاب. لقد اتخذ داعش خطوات مهمة لتنويع موارده المالية. بالإضافة إلى تجارة النفط المتواضعة بالتعاون مع الحكومة السورية، وسعى التنظيم بدوره في بيع المخدرات والأسلحة. لقد أنشأ الجهاديون شبكة من خلال قناة اتصال. كما أقام الجهاديون شبكة من خلال قنوات تمتد من أفريقيا مع وحداتهم في ليبيا ونيجيريا، إلى آسيا، مع فرعهم الأفغاني عبر وحداتهم في اليمن.
أرباح داعش من تهريب الأدوية والأصول المالية
أقامت شبكات داعش على الكتلة القارية لمنطقة أوراسيا، صلات مع نظام توزيع الأدوية الدولي الأوسع نطاقاً، مع عملائها العاملين في نصف الكرة الغربي، في ترينيداد وتوباغو، وفي المكسيك، ومع الكارتلات في كولومبيا، لتأمين عبور المنتجات الصيدلانية عبر المحيط الأطلسي، إلى الصحراء الغربية. بالإضافة إلى تهريب الكوكايين والهيروين، يواصل داعش المشاركة بنشاط في تصدير الآثار من جميع البلدان التي يتواجد فيها، سواء كان معترفاً به فيها أم لا - أفغانستان، سوريا، العراق ، لبنان، مصر، الصومال، اليمن، ليبيا، نيجيريا، الفلبين، الهند.

أقامت شبكات داعش صلات مع نظام توزيع الأدوية الدولي الأوسع نطاقاً مع عملائها العاملين في نصف الكرة الغربي

علينا أن نضيف اتجاهاً جديداً إلى قائمة الأنشطة غير القانونية هذه. فمنذ عام 2017، قام تنظيم داعش بتصدير أصول مالية من العراق وسوريا بقيمة 400 مليون دولار على الأقل. تم سداد حوالي نصف هذه الأموال في شكل استثمارات تجارية قانونية من خلال وسطاء المجموعة الذين ليسوا جزءاً رسمياً من المنظمة نفسها.
في مقابل تحقيق ربح كبير، يلتزم الأفراد والشركات المعنية بإنفاق نسبة مئوية كبيرة من مبيعاتها لملء خزائن  التنظيم. فالجانب الأكثر شيوعاً هو مكاتب الصرافة، ومطاعم الوجبات السريعة التي تحصل على نصيب الأسد من الاستثمارات الجهادية. بالطبع، هذا التكتيك معروف منذ زمن طويل من قبل المنظمات الإرهابية التي طبقته منذ الحرب الباردة في بلدان الشرق والغرب. هذا النشاط بدأ ينتشر منذ عام 1990 وهو جزء من تمويل لجميع المنظمات الرئيسية، بما في ذلك حزب الله والقاعدة.
ناشد الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بمراقبة تورط حزب الله في القارة في قلب الجريمة المنظمة

صلات داعش والقاعدة بالمافيا
إنّ خلاصة ما تم الاتفاق على تسميته بـ "الاتفاقيات الرمادية" لا يحدث فقط في الشرق الأوسط. فما بين عامي 2015 و2017 ، أظهرت سلسلة من تقارير أجهزة الأمن الأوروبية أنّ داعش والقاعدة قد عززا وبشكل كبير صلاتهم مع المافيا المحلية والهياكل غير القانونية في أوروبا باستقطابهم إلى شبكتهم الاقتصادية العالمية. في حين أنّ استيراد المخدرات والأسلحة إلى أوروبا هو عمل أكثر تعقيداً وخطورة مما هو عليه في الشرق الأوسط. يستطيع تنظيم داعش، وفقاً لهذا الخيار، أن يمثل خطراً نسبياً، وقد فعل. يحتاج الاتحاد الأوروبي، وخاصة البلدان المجاورة - إيطاليا واليونان وفرنسا وإسبانيا وبلغاريا - إلى تعزيز مراقبة هياكلهم الإجرامية الداخلية وروابطها الدولية، من أجل تقليل نجاح الجهاديين في هذه المنطقة.
تورط حزب الله
ناشد الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء بمراقبة تورط حزب الله في القارة في قلب الجريمة المنظمة. "أشاهد التلفاز وأقرأ الأخبار - أرى الإجراءات ضد نشاط المنظمة. يمكنني أن أقول لكم إنّ إدراج المنظمة في قائمة الإرهابيين لن يوقف قنوات النشاط والاتجار - فالمنظمة أكثر نشاطاً في أمريكا الجنوبية ومنطقة البلقان، هكذا أكد اتصالٌ لحزب الله في بلغاريا، الذي ساعد المنظمة على بناء شبكات محلية في البلقان في الماضي. في الآونة الأخيرة، انضمت بريطانيا والأرجنتين إلى الدول التي أضافت الجناح العسكري لحزب الله إلى قائمة الجماعات الإرهابية، لكن لا يوجد دليل على أنّ أعضاء المنظمة أصبحوا الآن أقل فعالية.
مسؤولية قطر حول صاروخ  Matra
من بين الأسلحة التي اكتُشفت في حيازة متشددين يمينيين متطرفين، هناك صاروخ جو/جو من طراز Matra ، من صنع فرنسا، وتمتلكه القوات المسلحة القطرية، مما يطرح تساؤلات حول مسؤولية الدوحة في التعامل مع الأسلحة المحصل عليها، واستعمالاتها خلال بيع الأسلحة. يميل الخبراء إلى الاتفاق على أنه من غير المرجح أن تكون قطر قد قدمت الصواريخ مباشرة للنازيين الجدد. ربما انتهى الصاروخ في السوق السوداء التي أتاحت للمجموعة الحصول عليه. على أي حال، فإنّ القضية تؤكد على الفرص المتاحة للمجموعات التي تمتلك الكثير من المال. فالصواريخ وحتى المواد السامة هي في متناول يدها.

شاركت القاعدة في تأمين دوائر الكارتل الكولومبية التي تنقل الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى البلقان وأوروبا عبر غرب أفريقيا

تجدر الإشارة إلى أنّ إمكانية قيام الجماعات المتطرفة المحلية في أوروبا بتطوير شبكات إيصال الأسلحة، تتزايد باستمرار. لقد أظهر استطلاع نشر في بيلينغكات، أجري في أيار (مايو) 2019 ، أنّ هناك بعض الروابط بين الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية والقوميين في البلقان والميليشيات المؤيدة لروسيا في بلغاريا. هذه المجموعات تقيم مراسلات نشطة، بل وتجري تدريبات عسكرية مشتركة. تتمثل إحدى نتائج هذا التعاون في العمل الإرهابي في كرايستشيرش، بنيوزيلندا؛ حيث قتل ناشط يميني خمسين شخصاً في مسجدين محليين. ويمكن رؤية السلاح المستخدم في الهجوم على مقاطع الفيديو الترويجية لمجموعة BNO Shipka القومية البلغارية. باستخدام AR-15s ، التي يتم تصنيعها أيضاً في بلغاريا، تجري التدريبات العسكرية في جبل Strandzha على الحدود بين بلغاريا وتركيا. كل هذا يشير إلى وجود الكثير من النشاط، وشبكة أكبر بكثير مما تخيلته السلطات المحلية.

تحالف المافيا والإرهاب في تجارة الأسلحة

كل هذا يدل على وجود اتجاه مشؤوم. فاليوم، يمكن لأي منظمة أو حكومة قلة تملك المال الكافي، شراء أسلحة، بما في ذلك الأسلحة الثقيلة والذخيرة العسكرية. لن يكون هذا ممكناً دون وجود تحالفات دولية بين الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية والأوليغارشيين في البلدان الاستبدادية. في أمريكا الجنوبية، استخدمت الكارتلات غواصات سوفييتية تباع من قبل عصابات القوقاز والروس. ويحمي تنظيم القاعدة تدفق الكوكايين من البرازيل وكولومبيا في اتجاه غرب أفريقيا. تساعد مجموعات البلقان الإرهابيين على الاستقرار في أوروبا الغربية. ويستخدم داعش العصابات البلجيكية لتوصيل الأموال والأسلحة لمؤيديها. ويزوَّد اليمين المتطرف الإيطالي بالأسلحة من قبل شبكات إجرامية تعمل في الشرق الأوسط وروسيا عبر أوروبا. ويقتل الألبان والصرب منافسيهم في السويد باستخدام بنادق AK-47 المصنوعة في البلقان. الأمثلة على هذا النوع كثيرة.
عجز أجهزة الاستخبارات أمام ابتكارات الجريمة المنظمة
من الصعب مواجهة هذا التهديد. فمن الشروط الأساسية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هو تحسين تبادل البيانات بين أجهزة الاستخبارات التابعة لها، من أجل الحصول على رؤية أفضل حول الشبكات الإجرامية المنظمة التي تجعل العمليات الإرهابية ممكنة. ومع ذلك، ما فتئت سلاسل التحديات تتزايد مع التقدم التكنولوجي. لقد استخدمت القدرات الإلكترونية المتاحة للجهات الفاعلة غير الحكومية لتحييد المؤسسات الحكومية والمالية. فالطائرات بدون طيار التي تم شراؤها على الإنترنت هي اليوم في أيدي جميع الكارتلات والمجموعات الإرهابية تقريباً، مما يمنحها قدرات مراقبة (وربما الهجوم) تفتقر إليها بعض الجيوش. من الواضح أنّ قوات الأمن والاستخبارات في الاتحاد الأوروبي يجب أن تعيد التفكير في أساليب عملها لمنع هذه المجموعة من التهديدات. في الوقت الحالي، تُظهر الجريمة المنظمة مزيداً من الابتكار وأفقاً أوسع، فيما يبدو أنّ الخبراء وأجهزة الاستخبارات لا يزالون عالقين في أساليب التسعينيات.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

eeradicalization.com/fr و lalibre.be/international/

للمشاركة:

أردوغان إذ ينتصر للمال على حساب صحة شعبه

2019-10-16

منذ أن تعرّضت السّيّدة سيفجي جيبتجي للإصابة بالسّرطان قبل تسعة أعوام، صارت منخرطة في معركتين، واحدة ضدّ المرض وأخرى ضدّ الدّولة التّركيّة. جيبتجي (50 عاماً) تعيش في مدينة ديلوفاسي ضمن مقاطعة كوجالي في تركيا، على بعد حوالي 45 كيلومتراً (28 ميلاً) إلى الشّرق من إسطنبول. وتقول إنّ إقامتها هناك هي السّبب الدّقيق وراء معاناتها من سرطان الغدد الّليمفاويّة.

اقرأ أيضاً: "أردوغان".. وتقلبات السياسة التركية

في الماضي، كانت مقاطعة كوجالي عبارة عن امتداد ساحر من الأراضي الرّيفيّة بين بحر مرمرة والبحر الأسود؛ حيث انتشرت بساتين الكروم والخوخ. واليوم، بالرّغم من ذلك، يُفتقَد الكثير من هذا الانسجام الطّبيعيّ. فقد استقرّت أكثر من 2,000 شركة صناعيّة في المنطقة خلال العقود القليلة الماضية، وبين كلّ ثماني شركات تقريباً ثمّة واحدة أجنبيّة، بما في ذلك شركات ألمانيّة مثل باير وسيمنز.

جيبتجي رفعت دعوى ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة لأنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيرات بشأن التّلوث

لقد جعل التّصنيع من كوجالي منطقة مزدهرة، مع عدم وجود منطقة أخرى في البلاد، باستثناء إسطنبول، تتمتّع بناتج محليّ إجماليّ أعلى للفرد. إلّا أنّ هذا التّحوّل قد تسبّب أيضاً في إصابة السّكان بالمرض، وفقاً لما كشفته "دير شبيغل" بالتّعاون مع "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة".

الإلقاء العشوائيّ للنّفايات

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي. فالإفساد قد لحق بالأنهار والتّربة، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ. كما كشفت عيّنات المياه الّتي استخلصتها "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة" من النّهر في ديلوفاسي، وخضعت للاختبار في أحد المعامل الجامعيّة في إسطنبول، عن وجود تركيزات عالية من الحديد والنّيكل والفوسفور، من بين معادن ومواد كيميائيّة أخرى.

يعاني السكان من أمراض مختلفة بسبب التلوث البيئي

وفي عام 2005، كان أنور حمزة أوغلو، وهو أستاذ سابق للطّبّ بجامعة كوجالي، قد اعتمد على دراسة طوليّة لكشف أنّ خطر الوفاة من السّرطان في مسقط رأسه يصل إلى أكثر من ضعفي مثيله في باقي أنحاء البلاد. كذلك، أظهرت دراسة إضافيّة أجراها حمزة أوغلو وفريقه أنّ حليب الأمّ لدى نساء ديلوفاسي يحتوي على آثار من الألمنيوم والزّئبق. وفي عام 2007، أوصت لجنة برلمانيّة تركيّة بإعلان المقاطعة "منطقة كوارث صحّيّة". لكن بالرّغم من التّقارير، استمرّت الحكومة التّركية، برئاسة رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، في فتح المنطقة أمام الصّناعة.

اقرأ أيضاً:  تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

ها هي سيفجي جيبتجي تجلس على كرسيّ بلاستيكيّ أمام منزلها في تلال ديلوفاسي، وتعاني صعوبة في التّحدّث، فيما يمسك زوجها أحمد بيدها. وكانت جيبتجي قد رفعت دعوى قضائيّة ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة (0.16 يورو، 0.17 دولار)، مدعية أنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيراتٍ بشأن التّلوث البيئيّ في مدينتهم. ومن جانبها، رفضت المحكمة الدّعوى.

وتلقي جيبتجي ببصرها نحو المنطقة الصّناعيّة في الوادي أدناه، حيث يجد طريق سريع مساره عبر أبنية سكنيّة شاهقة. والدّخان الكثيف ينجرف نحو السّماء من المداخن. وما من خيار أمام سكّان كوجالي سوى تنفس هذا الهواء السّيئ كلّ يوم.

"كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث"

إسماعيل سامي، وهو مؤسّس منظّمة غير حكوميّة تُدعى "إيكوس-دير"، يستقبل الزوّار في مكاتبه في وسط ديلوفاسي. وشأن العديد من سكّان المدينة، يعاني سامي مشكلات في الجهاز التّنفسيّ. ويتمثّل هدف منظّمته غير الحكوميّة في تعريف النّاس بالتّجاوزات البيئيّة الّتي تقوم بها الشّركات في منطقتهم، وأيضاً تنظيم التّظاهرات. يقول: "كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث. يمكن لأيّ شخص أن يأتي إلى هنا ويُنتِج على حساب صحّتنا".

اقرأ أيضاً:  كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

وكانت الشّركات الأولى في كوجالي قد استقرّت خلال السّتينيات، حيث قَيّمت القرب من إسطنبول وطرق الشّحن الّتي يمكن الوصول إليها بسهولة إلى أوروبا. لكن مع صعود أردوغان إلى السّلطة عام 2003، بدأ دخول التّصنيع إلى المنطقة في التّسارع. وتحوّلت الغابات والحقول إلى مصانع ومستودعات، ومنح أردوغان المليارات في شكل إعفاءات ضريبيّة خلال العقد الماضي للشّركات الّتي استقرّت في المنطقة.

تتمتّع الشّركات في كوجالي بضرائب أقلّ ولديها خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة، بل لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق

اليوم، هناك 13 "منطقة صناعيّة منظّمة" رسميّة في كوجالي، حيث تتمتّع الشّركات ليس فقط بضرائب أقلّ ولكن لديها أيضاً خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة. وفي الواقع، لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق.

باير وسيمنز ليستا الشّركتين الألمانيّتين الوحيدتين في هذه المنطقة الصّناعيّة. فشركات "بي أي إس إف" وثيسنكرب وشركة الغازات الصّناعيّة ليندي تمتلك مصانع في كوجالي. وقد دعمتها منظّمات مثل البنك الدّوليّ والبنك الأوروبيّ للإنشاء والتّعمير بملايين اليوروات. ولا يكاد أيّ شخص يشعر بالقلق الشّديد إزاء العواقب الصّحّيّة على شعب كوجالي، لا سيّما في أوروبا.

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي

مستقبل قاتم

عندما رغبنا في تعليق على القضيّة، صرّحت شركتا "بي أي إس إف" وسيمنز بأنّ مصانعهما في كوجالي تعتمد المعايير البيئيّة العالميّة وتخضع للتّفتيش بشكل منتظم. ووصفت وثيسنكرب منشأتها هناك بأنّها "جديدة ونظيفة نسبيّاً"؛ لأنّها بُنيت فقط في العام الماضي.

الإفساد لحق بالأنهار والتّربة بمقاطعة كوجالي التركية ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ

ويشعر أهل كوجالي بأنّ حكومتهم، إلى جانب الاتّحاد الأوروبيّ، قد تركتهم في مأزق. ويقول طبيب في ديلوفاسي، لا يريد الكشف عن اسمه خوفاً من فقدان وظيفته: "إنّ الهواء سيئ للغاية بحيث يؤدّي إلى معاناة الجميع من المرض، الأطفال والمسنين على حدّ سواء". وتقول هيريي أوديمس، وهي أمّ شابّة تعاني الرّبو: "فقط تخيّل أنّنا نأتي إلى بلدكم، ونبني مصانع ونتسبّب في تلوّث الهواء. لن تسمحوا أبداً بمثل هذا الشّيء".

وتقوم حكومة أردوغان بإخماد الاحتجاجات البيئيّة في كوجالي بانتظام. كما أصبح من الصّعب على سامي، مدير المنظّمة غير الحكوميّة، حشد النّاس للتّظاهر.

ويستمرّ الاستغلال البيئيّ في التّوسّع في المنطقة. فشركة هيدلبرغ للإسمنت تعمل حالياً على بناء مصنع في كوجالي. وسامي يحاول منع المشروع مستخدماً حيلاً إجرائيّة. لكنّه يدرك تمام الإدراك أنّه بالرّغم من أنّه قد يكون قادراً على تأخير تدمير منطقته، فإنّه لن يكون قادراً على منع ذلك.

 

مينا إير أوغلو، دير شبيغل

مصدر الترجمة عن الإنجليزية: https://www.spiegel.de

 

 

للمشاركة:

إرهاصات داعش بين الحرب والخيال والفوضى

2019-10-15

ترجمة: علي نوار


ظهر تنظيم داعش إلى النور بفضل الترويج لنبوءات خيالية مروّعة، ونما هناك في منطقة تسودها جيواستراتيجية الفوضى ويعيش حالة من انعدام الاستقرار وشيوع أجواء الاستقطاب وانهيار الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والثقافية، يغذّي كل ذلك تدخلّات عسكرية أجنبية. ورغم إجهاض الأهداف الإقليمية لهذه الجماعة الإرهابية، لا تزال أفكارها وقدرتها على القتل والتكيّف ضمن الإطار العام قائمة.

اقرأ أيضاً: صُنّاع "داعش" يقطفون الثمار

ركّز مشروع الشر المُلقّب بتنظيم "الدولة الإسلامية" في البداية على بسط سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي كانت تشمل المنطقة الواقعة بين الأندلس- شبه جزيرة إيبيريا- وحتى خراسان- إيران وأفغانستان والهند وإلخ. لكن تقويض التطلّعات التوسعية لهذا التنظيم الإرهابي جاء متمثّلًا في خسارته المدن والقرى التي كانت تخضع له على الأراضي السورية والعراقية واحدة وراء الأخرى. وقفت قرية الباغوز السورية الصغيرة شاهدة على الانهيار الرمزي لـ"الخلافة" في آذار (مارس) 2019، بعد تحرير القرية على يد تحالف (قوات سوريا الديمقراطية) الذي تقوده وتشكّل أغلب قوامه فصائل كردية.

أطلال مسجد النوري في الموصل حيث أعلن البغدادي خلافته عام 2014

ويدين "داعش" بالفضل في ظهوره لما يُعرف باسم "جيواستراتيجية الفوضى": في مسرح تتضارب وتتقاطع فيه مصالح القوى العظمى والمتوسطة حيث تعتاد الدول الكبرى التدخل عسكرياً في دول ذات مقدرات عسكرية أضعف، وصولاً إلى تدمير البنية التحتية العامة- مثل الكهرباء والصحة والتعليم وإلخ- وإحداث خسائر كبيرة بين المدنيين بين قتيل وجريح. لذا لم يكن من قبيل الصدفة إعلان التنظيم الإرهابي قيام "الخلافة" المزعومة في هذا الإقليم. إنّ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والطائفية الدينية المتفشية في كافة أرجاء المنطقة- التي تسكب السياسة النار عليها- وفشل وقمع ثورات الربيع العربي عام 2011 في سوريا وليبيا، لهي أحداث لعبت دوراً رئيساً في تجذير الخلافة الزائفة.

تقترن بداية داعش بصورة زعيمه البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في الموصل بالعراق في حزيران 2014

وتقترن بداية "داعش" بشكل متكرّر بصورة زعيمه أبو بكر البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في مدينة الموصل بالعراق في حزيران (يونيو) عام 2014. لكن من أجل الوصول لجذور هذه الجماعة الإرهابية يجب أن نرجع للوراء عدّة أعوام، وتحديداً مع ظهور تنظيم القاعدة في العراق بقيادة الجهادي الراحل أبو مصعب الزرقاوي. يُعتبر "داعش" تأصيلًا للأفكار والمنهجية التي قام على أساسها تنظيم القاعدة، بخلق آلة رعب وتضخيمها إعلامياً بشكل يؤدّي لتلطيخ سمعة الإسلام بهدف وحيد هو تبرير ممارسات التنظيم الدموية، وكذلك تنصيب نفسه حامياً للإيمان بينما يفرّغه من أي معنى، الأمر الذي ينعكس في حقيقة كون 85% من ضحايا أعمال "داعش" هم من المسلمين.

والآن وبعد تجريد "داعش" من أي أراض كان يسيطر عليها، هل نجحنا بالفعل في إنزال الهزيمة بالفكر الجهادي وتجاوز الأسباب الهيكلية والاجتماعية الثقافية التي ساهمت في صعوده؟ الحقيقة أنّ الإجابة أبعد ما تكون عن الإيجاب.

حرب أهلية في صفوف القاعدة

يعتبر تنظيم القاعدة طليعة الإرهاب الجهادي منذ عقد التسعينيات وعلى رأسه زعيمه الراحل أسامة بن لادن، ويضمّ خلايا وأفرع تعمل على مستوى محلّي في كل مكان يكون له تواجد فيه ويتّسم نشاطه بالعالمية، رغم أنّ كل خلية أو مجموعة فرعية تتميّز بنوع من الاستقلالية. لكن الخلافات الداخلية بين صفوف التنظيم الأم أسهمت في نشوء "داعش".

اقرأ أيضاً: هل سيكون داعش ورقة ابتزاز جديدة بيد أردوغان؟

وفي 1999 أسّس الأردني أبو مصعب الزرقاوي تنظيم (التوحيد والجهاد) بهدف إقامة دولة إسلامية في البلد العربي، رغم أنّ الأمر انتهى به نشطاً بشكل أساسي في العراق المجاور. كانت رؤية الجهادي الأردني تجاه صور الجهاد أكثر أصولية إلى حد بعيد من تلك التي كان يتبنّاها بن لادن وقيادات القاعدة، ما أدّى لظهور خلافات ونزاعات فكرية مع هذا التنظيم منذ 1999. ورغم ذلك وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2004 أقسم الزرقاوي الولاء لبن لادن، وظهر تحت قيادته (تنظيم القاعدة في العراق).

عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم لنشر جميع صور العقاب والإعدام بجودة ذات بصمة سينمائية احترافية

قبل قيادته لتنظيم القاعدة في العراق، كان الزرقاوي قد أمر ونفّذ أعمالًا إجرامية ضد المدنيين المسلمين، الشيعة منهم على وجه الخصوص. كانت هذه الممارسات تتستّر بغطاء أيديولوجي من منطلق فكرة أنّه من أجل إقامة الخلافة فيجب القيام بتطهير الأمّة من الداخل. وبعد تولّيه زعامة القاعدة في العراق، استمرّ الزرقاوي في هذه الأفعال، الأمر الذي جلب عليه وبال التوبيخ من قيادات تنظيم القاعدة. فقد بعثوا إليه برسائل يطالبونه فيها بالتخفيف من حدّة أسلوبه والتركيز على جمع الدعم الشعبي من أجل إقامة الخلافة لاحقاً على المدى البعيد، وهو الهدف الذي كان من الواضح أنّ القيادي الجهادي الأردني لم يكن يتبنّاه تماماً؛ حيث كان يعتبر أنّ الخلافة يجب أن تقوم في أقرب وقت ممكن ثم سيأتي التأييد الشعبي فيما بعد عن طريق السيطرة الشديدة على المجتمع وحملات التطهير.

الطموحات الأولية الخيالية للخلافة التي أرادها داعش

وفي حزيران (يونيو) 2006، وقبيل نجاح أبو مصعب الزرقاوي في تحويل فكرته الخاصة بإعلان قيام "دولة إسلامية"، جرى قتله على يد القوات الأمريكية. لكن قبل مصرعه بأشهر، كان تنظيم القاعدة في العراق قد اندمج مع خمسة تنظيمات أخرى لينشأ ما يُسمّى بـ(مجلس شورى المجاهدين). وبعد مرور أربعة أشهر من مقتل الزرقاوي، تحوّل التنظيم إلى ما سيصبح فيما بعد (الدولة الإسلامية في العراق) تحت قيادة أبو عمر البغدادي- وهو ليس الزعيم الحالي أبو بكر البغدادي- وأبو أيوب المصري. وبدءاً من هذه اللحظة، نشأت توتّرات كثيرة بين تنظيم القاعدة الأم وفرعها العراقي، رغم عدم انفصالهما رسمياً بعد. وباءت محاولة (الدولة الإسلامية في العراق)- الذي كان بالكاد يسيطر على أراضي- بإنشاء خلافة في 2010 بالفشل حين أسقطت الولايات المتحدة زعيميه الاثنين. وفي نفس ذلك العام تحديداً قفز إلى الصورة زعيم "داعش" الحالي أبو بكر البغدادي.

اقرأ أيضاً: واشنطن بوست: مخيم الهول السوري قد يسقط في يد داعش

مع وجود البغدادي على رأس تنظيم مستقلّ عملياً عن (القاعدة)- رغم أنّ قيادات الأخيرة كانوا ما زالوا يعترفون بالبغدادي زعيماً لـ(الدولة الإسلامية في العراق)- واستغلالًا لحالة الفوضى التي حدثت عام 2011 جراء الحرب الأهلية في سوريا، حاول (القاعدة في العراق) توسيع نطاق نفوذه إلى سوريا. كانت الذريعة هي الانضمام إلى فرع (القاعدة) في سوريا المعروف باسم (جبهة النصرة) بحيث تصبح قيادة التنظيم في العراق تسيطر أيضاً على فرع التنظيم في سوريا، وبالتالي إعلان إنشاء "دولة إسلامية" في العراق وسوريا. رفض قادة تنظيم القاعدة فكرة الدمج هذه، ورأوا أنّ كل فرع يجدر به العمل بصورة مستقلة، كما أنّ زعيم (جبهة النصرة) محمد الجولاني رفض هو الآخر هذه الفكرة. إلّا أنّ تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق) نجح في توسيع نطاق نفوذه إلى الداخل السوري، وصولاً حتى إلى إدماج عناصر من (النصرة). وفي عام 2014 وبعد أعوام من التوتّر والنزاع مع الفرع العراقي وعبر رسالة، أعلن زعيم (القاعدة) أيمن الظواهري انشقاق (داعش) عن تنظيمه. وفي ذلك العام خرج البغدادي ليذيع للعالم نبأ قيام دولته ونصب نفسه خليفة.

احتراف دعاية الرعب

تستهدف كل جماعة جهادية إقامة دولة إسلامية. لذا لا يزال تنظيم (القاعدة) يسير على أفكار منظّرين مثل أبو مصعب السوري- الشهير بلقب مصطفى ست مريم-. ففي كتابه (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية)، يعتبر السوري أنّ الخط الذي يجدر بتنظيم القاعدة السير عليه يجب أن يكون إقامة دولة إسلامية، مروراً قبل ذلك بالجهاد المدعوم شعبياً. ورغم أنّه يشترك في هدف إنشاء دولة إسلامية، لكن تنظيم داعش لا يتبنّى استراتيجية السوري في تحقيق الأهداف.

أراد الزرقاوي إقامة الخلافة في أقرب وقت ثم ضمان التأييد الشعبي لاحقاً عن طريق السيطرة على المجتمع وحملات التطهير

فبتصعيده لوتيرة العنف والرعب، يتبيّن أنّ "داعش" يرتكز في أفكاره إلى مسار القيادي الإرهابي الأردني الزرقاوي والمنظّر الجهادي أبو بكر ناجي وكتابه (إدارة التوحّش). والأخير يرى الكثير من المحلّلين أنّه بمثابة كتاب (كفاحي) الذي ألّفه الزعيم النازي الراحل أدولف هتلر، بالنسبة للجهاديين.

ورغم إبراز ناجي أهمية اكتساب التأييد الشعبي عن طريق توفير الخدمات العامة، لكن كتابه يؤكّد أنّ الاستراتيجية الواجب اعتمادها لإقامة دولة إسلامية تعتمد على الهيمنة عن طريق الاستخدام غير المحدود للعنف. وخلافاً للقاعدة، فإنّ "داعش" لم يكترث لمسألة إذا كان يحظى بدعم المسلمين المحلّيين، وكان جلّ ما يهتم به هو غزو الأراضي وإعلان إقامة خلافة في أقرب وقت ممكن اعتماداً على العنف. وانطلاقاً من هذا الأساس، أقدم "داعش" وأفرع أخرى وتنظيمات موالية للقاعدة على تحدّي قياداتها بمحاولات فاشلة لإعلان دول إسلامية وأهم الأمثلة على ذلك هو جماعة الشباب بالصومال عام 2008، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية باليمن عام 2012، وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بمالي عام 2013.

أراضي العراق وسوريا التي سيطر عليها داعش حتى عام 2016

سار "داعش" على أفكار ناجي والزرقاوي، لينجح منذ إعلان خلافته عام 2014 في التمدّد وإثارة الرعب على مستوى العالم عن طريق نزاع مسلّح كان يُبثّ أحياناً بشكل مباشر عبر الإنترنت. ووصل الأمر لدرجة أن سيطر داعش خلال عامي 2014 و2015- الفترة الذهبية بالنسبة له- على أراضي تفوق مساحة دولة مثل النمسا، وتشمل مدناً يقطنها 100 ألف نسمة مثل الرقة في سوريا، أو حتى مليون نسمة مثل الموصل بالعراق. في هذه الأراضي ارتكب "داعش" كافة أنواع الفظائع سواء الصلب أو بتر الرأس أو الإغراق أو بتر الأطراف. كانت هذه العقوبات القاسية توقّع بحق من يُضبط بينما يدخّن أو يحتسي الكحول أو يستمع للموسيقى أو يشاهد مباريات لرياضات غربية. بينما عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم بنفسه، مثل مجلتي (دابق) و(رومية) ووكالة الأنباء (أعماق)، لنشر جميع صور العقاب والإعدام بتقديم وجودة سمعية بصرية رفيعة المستوى ذات بصمة سينمائية احترافية. يُضاف إلى كل ذلك الترويج ونشر دعاية جهادية عبر قنوات عدة على تطبيق (تيليجرام) وشبكة (تويتر) للتدوينات المصغّرة ومواقع اجتماعية أخرى.

اقرأ أيضاً: الإخوان وداعش.. أيهما أخطر على أوروبا؟

ولعل الدافع وراء إضفاء هذا القدر من الاحترافية على قنوات بث الرسائل الجهادية ظهرت منذ العدد الأول من مجلة (دابق)، الصادر في تموز (يوليو) 2014. فقد أفرد هذا العدد مساحة كبيرة منه لتعديد مميزات العيش تحت إدارة الخلافة، بما فيها رواتب مغرية والسبايا اللاتي سيكنّ تحت طوع المقاتل. وهنا تبرز النبوءات الخيالية التي أرسى عليها "داعش" خلافته: الرؤية الكوارثية التي تتكهّن بقرب نهاية الزمان. وقبلها سيأتي المهدي المنتظر لإنقاذ المسلمين ويقودهم في مواجهة الصليبيين بمنطقتي دابق (سوريا) وأعماق (تركيا)، لذا دعا التنظيم هؤلاء الذين يرغبون في النجاة يوم الحساب بالانخراط في صفوفه. ولأجل منح الأمر مزيداً من الملحمية، حملت أولى مطبوعات "داعش" تحديداً اسمي هاتين المنطقتين.

غزو العراق: جيوسياسة الفوضى

لا يعُد توسّع "داعش" في الأراضي السورية والعراقية وسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في دول أخرى مثل ليبيا- حيث تمكّن التنظيم عام 2015 من الاستحواذ على ما يزيد عن 200 كلم من السواحل الليبية- من قبيل الصدفة على الإطلاق. فقد حافظ التنظيم على أراضٍ واسعة؛ حيث استفاد بشكل كبير من الفرص التي أتيحت كنتيجة لجيوسياسة الفوضى، أو بمعنى آخر، الدول الفاشلة الغارقة في بحور العنف والطوارئ الإنسانية. وكانت حالة غياب الاستقرار هذه راجعة في جانب إلى التدخّلات العسكرية التي حدثت بداعي "إحلال السلام" في الدول التي تشهد وجود أنظمة استبدادية، الأمر الذي استوجب بالتالي وضع خطط للإغاثة الإنسانية والدعم الاجتماعي السياسي من قبل الفاعلين الديمقراطيين المحليين خلال الفترة التالية للعمليات العسكرية.

الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش

وفي السياق ذاته، فإنّ الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش. ففي أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بنيويورك، بدأت حرب إعلامية تقودها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج دبليو بوش، الذي دأب على التأكيد بوجود أسلحة دمار شامل في العراق. وتحت هذه الذريعة الزائفة، سقط نظام الدكتاتور العراقي الراحل صدام حسين بعد أسابيع قليلة من دخول القوات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة إلى البلد العربي. حوّل هذا التدخّل العراق إلى دولة فاشلة، ليسهّل بالتالي توافر الظروف كي يجد الزرقاوي، وبعده البغدادي، تربة خصبة للصعود. بعدها بأعوام، تسبّبت الفوضى في ليبيا إثر التدخّل العسكري الغربي ومقتل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، في تكرار نفس المشهد بالدولة المغاربية.

اقرأ أيضاً: أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟

خلال مرحلة غزو العراق- التي شهدت مصرع آلاف المدنيين- حفلت السجون بوسائل تعذيب بشعة كانت تُمارس بشكل مُمنهج. التحق الكثير من السجناء الذين تعرّضوا لسوء المعاملة والإهانات داخل السجون العراقية فيما بعد بصفوف "داعش" أو تنظيمات جهادية أخرى مثل "القاعدة". يُعتبر (أبو غريب) و(بوكا) أشهر السجن العراقية؛ حيث هيمن شعور الإحباط والإذلال والذي زرع بذور الكراهية والتي تحوّلت بدورها إلى أصولية جهادية لدى الكثير من المُعتقلين. كان سجن بوكا، الذي يلقّبه الكثير من الجهاديين بـ"المدرسة"، يضمّ عدداً كبيراً من قيادات والمتعاطفين وعناصر الجماعات الجهادية، والذين نجحوا خلال فترة حبسهم في تجنيد أفراد آخرين وبناء ما سيصبح لاحقاً تنظيم داعش. كان أبو بكر البغدادي نفسه محبوساً في هذا السجن، حيث أجرى اتصالاته لوضع الهيكل الذي سيقوم على أساسه التنظيم.

أمسى الاستياء الشعبي الذي تلا الغزو الأمريكي، صراعاً طائفياً بين السنة والشيعة، تغذّيه القرارات السياسية التي تتّخذها القوات المحتلّة التي جاءت عقب التدخّل العسكري الكارثي بنوري المالكي- شيعي المذهب- على رأس السلطة عام 2006. تُرجم ذلك إلى أوضاع أسوأ بالنسبة للسنّة من العراقيين، الذين اضطروا للتخلّي عن السلطة وعانوا انقطاعات مستمرة في التيار الكهربي فضلًا عن غياب الخدمات العامة وصعوبات أخرى. على جانب آخر، تزايدت وتيرة الهجمات التي تستهدف الشيعة والتي كان ينفذّها تنظيم القاعدة- سنّي المذهب-. ومن شمال العراق تحديداً، مسقط رأس صدام حسين وحيث يسيطر شعور بالظُلم، انبثق تنظيم داعش. نظراً لأنّ الكثير من سكّانه تعرّضوا للتعذيب والإهانة داخل السجون الأمريكية على الأراضي العراقية، وليس مستغرباً أنّ عدداً كبيراً من كبار مسؤولي نظام صدام راودهم السخط تجاه فقدان السلطة ليقرّروا الانخراط في صفوف الجماعات الإرهابية، بل وتولّوا مناصب قيادية فيها.

سوريا أرض خصبة لداعش

مع بداية الثورة السورية عام 2011، ومع قُرب إسقاط الأسد- خاصة بعد رؤيته لرؤساء إقليميين آخرين يغادرون الحُكم مثل بن علي في تونس ومبارك في مصر-، نفّذ الرئيس السوري مناورة من أجل الحفاظ على صورته أمام المجتمع الدولي كخيار أقل سوءاً، وصولاً إلى النجاح في الحصول على دعم روسيا. وفي مستهل الاحتجاجات، أطلق رئيس سوريا سراح مئات السجناء الأصوليين، الذين انخرطوا في صفوف تنظيمي "جبهة النصرة" و"داعش" للقتال. هذا السياق، وعلاوة على قمع المعارضة الديمقراطية السورية، كان سلاحاً ماضياً استغلّه تنظيم البغدادي في العراق كي يمدّ هيمنته إلى سوريا حيث تمكّن من السيطرة على مدن بأهمية تدمر والرقة.

خلال مرحلة غزو العراق حفلت السجون بوسائل تعذيب كانت تُمارس بشكل مُمنهج حيث التحق الكثير منهم فيما بعد بصفوف داعش

قد يكون "داعش" قد انهزم بحرمانه من آخر معاقله في الباغوز، لكن لا ينبغي الخلط بين انتزاع الأراضي منه وبين الهزيمة النهائية. من الخطير للغاية هنا التقليل من شأن تنظيم نجح في استقطاب 50 ألف مقاتل ضمن صفوفه ينحدرون من مختلف الأماكن. كما أنّ زعيم التنظيم لا يزال حياً حتى لحظة كتابة هذا المقال، ما يعبّر عن قدرة "داعش" على التكيّف.

لقد كان التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان خلال الثمانينيات والغزو الأمريكي للعراق في 2003، كمدرستين للأصولية والإرهاب بالنسبة للقاعدة وداعش، على الترتيب، والدرس المُستفاد هنا هو مدى الخطر المحيق عند السماح بإطالة أمد نزاعات مسلّحة تعمّق حالة الاستقطاب وانعدام الاستقرار. ربما جرى شنّ الحرب على الإرهاب من المُنطلق العسكري، لكن يجب شنّها أيضاً على مستوى الفكر والثقافة والجوانب الإنسانية كذلك، بصورة تسهم في التعامل مع المشكلات التي تجابهها الدول الفاشلة التي لا تزال جذور وروافد الجماعات الإرهابية حاضرة فيها بعد.


تحليل لعوامل ظهور تنظيم داعش وأسباب انتشاره، لخابيير بلانكو الأستاذ في جامعة سالامانكا الإسبانية والمتخصص في الإرهاب السلفي الجهادي، نشرته مؤسسة (الأوردن مونديال)

مصدر الترجمة عن الإسبانية: https://bit.ly/2kQNmI7

للمشاركة:



الأردن يحبط مخططاً إرهابياً لداعش.. هذه أهدافه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

أحبطت السلطات الأمنية الأردنية مخططاً لتنظيم داعش الإرهابي، كان يقضي بتنفيذ عمليات إرهابية.

وقالت صحيفة "الرأي" الأردنية، في عددها الصادر اليوم؛ إنّ "المخابرات الأردنية كشفت مخططات لخلية مؤيدة لتنظيم داعش، مكونة من 5 أشخاص، كانت تنوي تنفيذ عمليات في الأردن، وألقت القبض على أفرادها، في تموز (يوليو) الماضي".

وكشفت الصحيفة الأهداف التي كانت الخلية تعتزم استهدافها، على غرار الحراسات الأمنية أمام منزل أحد رؤساء الوزراء السابقين، والاستيلاء على أسلحتهم، وذلك كما ورد في لائحة الاتهام بمحكمة أمن الدولة.

المخابرات الأردنية كشفت أنّ الخلية المكونة من 5 أشخاص كانت تعتزم استهداف رجال أمن

كما تشمل قائمة الأهداف: دوريات الأمن العام الموجودة بشكل ثابت على طريق (السلط - السرو)، إضافة إلى "خطف أحد رجال المخابرات وقتله بمنطقة مهجورة وحرق جثته".

وأشارت إلى أنّ الشرطة ألقت القبض على أفراد الخلية، في الأول من تموز (يوليو) الماضي.

وبدأت محكمة أمن الدولة، أمس، بمحاكمة أفراد الخلية؛ حيث عقدت جلسة افتتاحية، ونفى المتهمون ما أسندت إليهم نيابة أمن الدولة من تُهم، وأجابوا بأنّهم "غير مذنبين".

جدير بالذكر؛ أنّ تقديرات رسمية أردنية أطلقت تحذيراً من التنظيم الإرهابي، مؤكدة أنّه ما يزال يشكل خطراً أمنياً ووجودياً على المملكة، وتحديداً من خلال العمليات الحدودية، أو عمليات داخلية عن طريق الخلايا النائمة و"الذئاب المنفردة".

 

للمشاركة:

الهلال الأحمر الإماراتي يحقّق طفرة.. تعرّف إليها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

بلغت قيمة البرامج الإنسانية، والعمليات الإغاثية، والمشاريع التنموية، وكفالات الأيتام، التي نفذتها هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، خارج الدولة، في الفترة من مطلع العام الجاري وحتى أيلول (سبتمبر) الماضي، 338 مليوناً و335 ألفاً و442 درهماً، استفاد منها 8 ملايين و500 ألف و634 شخصاً في عشرات الدول حول العالم.

338 مليون درهم برامج ومساعدات الهلال الأحمر خارج الدولة خلال 9 أشهر

وأكّد الدكتور محمد عتيق الفلاحي، الأمين العام لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي؛ أنّ الهيئة حققت طفرة كبيرة في مجال المساعدات والبرامج والمشاريع الخارجية، بفضل توجيهات ومتابعة الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة رئيس هيئة الهلال الأحمر، وفق ما نقلت "وام".

وقال: إنّ الهيئة انتقلت بنشاطها إلى مراحل متقدمة من التمكين الاجتماعي والعمل التنموي الشامل في الساحات المضطربة، وأصبحت أكثر كفاءة وحيوية في محيطها الإنساني، مشدداً على أنّ مبادرات القيادة الرشيدة عبر الهلال الأحمر ساهمت بقوة في تعزيز قدرات الهيئة الإغاثية واللوجستية وتحركاتها الميدانية، ومكّنتها من التصدي للكثير من التحديات الإنسانية التي تواجه ضحايا النزاعات والكوارث، خاصة النازحين واللاجئين والمشردين.

وأضاف الفلاحي، في تصريح بمناسبة صدور التقرير الدوري للهيئة، والذي تناول البرامج والمشاريع التي تمّ تنفيذها خارج الدولة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري؛ أنّ هناك العديد من العوامل تضافرت وجعلت من الهلال الأحمر الإماراتي، عنصراً أساسياً في محيطه الإنساني، وداعماً قوياً للجهود المبذولة لتخفيف وطأة المعاناة الإنسانية، من أهمها؛ أنّ الهيئة تتواجد في دولة سباقة لفعل الخيرات ومساعدة الأشقاء والأصدقاء، ما جعلها أكثر الدول سخاء في منح المساعدات، وتلبية النداءات الإنسانية الإقليمية والدولية، وذلك بفضل الرؤية الثاقبة لقيادتها الرشيدة التي حرصت على تسخير الإمكانيات لتعزيز جهود التنمية الإنسانية والبشرية في المناطق الهشّة والمهمّشة، بكلّ تجرّد وحيادية، ودون أيّة اعتبارات غير إنسانية، ما عزّز مصداقيتها وشفافيتها لدى الآخرين، إلى جانب دعم ومساندة المانحين والمتبرعين لبرامج ومشاريع الهيئة التنموية والإنسانية".

كما أكّد أمين عام الهلال الأحمر؛ أنّ جهود الهيئة وأنشطتها وتحركاتها، شهدت نقلة نوعية، تمثلت في تنفيذ المشاريع التي تلبي احتياجات المناطق الأقل حظاً من مشاريع التنمية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والمياه والإسكان والبنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية، إلى جانب تعزيز قدرة الضحايا على تجاوز ظروفهم الاقتصادية، واستعادة نشاطهم وحيويتهم من خلال تمليكهم وسائل إنتاج تعينهم على تسيير أمورهم، بدلاً من الاعتماد على المساعدات العاجلة والطارئة، مشيراً إلى أنّ دور الهلال الأحمر يتعاظم سنة بعد أخرى، في التصدي للمخاطر التي تنجم عن الأحداث والأزمات، وتخفيف حدّتها على البشرية.

وأوضح التقرير؛ أنّ إغاثات اليمن واللاجئين السوريين والمتأثرين من الأحداث في ميانمار، والكوارث الطبيعية في جنوب السودان وموريتانيا وملاوي، وموزمبيق، وزيمبابوي، وإيران، وباكستان، وتنزانيا احتلّت مراكز متقدمة في قيمة وحجم الإغاثات المنفذة لصالح المتضررين في تلك الدول، كما قدمت الهيئة إغاثات أخرى لعدد من الدول، مساهمة منها في تخفيف الأضرار التي لحقت بعضها، بسبب الكوارث المتمثلة في الفيضانات والأمطار والزلازل والجفاف والتصحر، إلى جانب دعم القضايا الإنسانية للفئات الأشد ضعفاً أيضاً.

استفاد من المساعدات 8 ملايين و500 ألف و634 شخصاً في عشرات الدول

إلى ذلك تناول تقرير الهلال الأحمر خارج الدولة، المشاريع الإنشائية والتنموية، ومشاريع إعادة الإعمار، وتأهيل البنية التحتية في الدول المنكوبة، والمتأثرة بفعل الكوارث والأزمات، والتي نفذتها الهيئة حرصاً منها على إزالة آثار الدمار الذي خلفته تلك الكوارث والأضرار التي لحقت بالمستفيدين من خدمات تلك المشاريع الحيوية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والمياه والإسكان، والمرافق العامة المرتبطة مباشرة بقطاعات واسعة من الجمهور، وعادة ما تبدأ الهيئة في تنفيذ مشاريعها التنموية في الدول المنكوبة عقب عمليات الإغاثة العاجلة والطارئة للضحايا والمتأثرين.

وتأتي هذه المشاريع كخطوة لاحقة لبرامج الإغاثات الإنسانية للمساهمة في إعادة الحياة إلى طبيعتها في الأقاليم المتضررة، وتوفير الظروف الملائمة لاستقرار المتأثرين والمشردين بفعل تلك الكوارث والأزمات.

وأشار التقرير إلى أنّه استفاد من المشروعات في المجالات التنموية المختلفة، 3 ملايين و500 ألف شخص في 33 دولة شملت اليمن، وأثيوبيا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، والصومال، والسودان، والنيجر، والهند، وإندونيسيا، وأوغندا، وباكستان، وبنين، وتشاد، وتوجو، وسيراليون، وغانا، وقرغيزيا، وكازاخستان، وكينيا، ومالي، وموريتانيا، وفيجي، ولبنان، والمغرب، ومصر، وتنزانيا، وأوكرانيا، وجزر القمر، والفلبين، وكوسوفو، وأفغانستان، وفلسطين، وطاجيكستان.

تجدر الإشارة إلى أنّ العدد الإجمالي للأيتام الذين تكفلهم هيئة الهلال الأحمر بلغ أكثر من 114 ألف يتيم، يتواجدون في 25 دولة حول العالم.

 

للمشاركة:

التحالف يقصف مواقع جديدة لميليشيات الحوثي الإرهابية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

قتل وجرح عدد من مسلحي ميليشيا الحوثي الانقلابية، أمس، بغارات لطيران التحالف العربي في محافظة حجة، شمال غرب اليمن.

وشنّ طيران التحالف عدداً من الغارات الجوية، على تجمعات لميليشيا الحوثي، شرق منطقة الحمراء بمديرية مستبأ وحرض، وفق المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة.

طيران التحالف استهدف تجمعات لميليشيا الحوثي ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفه

وصرّح المركز بأنّ؛ "الطيران استهدف تجمعات لميليشيا الحوثي في قرية "الطينة"، الواقعة على الشريط الساحلي غرب مديرية عبس، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الميليشيا، إضافة إلى تدمير آليات تابعة لها."

بدوره، أعلن الجيش اليمني، مساء الجمعة، مقتل أكثر من مئة مسلح حوثي وإصابة وأسر آخرين في عمليات عسكرية متواصلة منذ أكثر من أسبوع.

وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ قتل سائق شاحنه وأصيب مرافقه، أمس، جراء انفجار عبوة ناسفة من مخلفات ميليشيات الحوثيين، في مديرية التحيتا جنوب محافظة الحديدة، غرب اليمن.

عبوة ناسفة من مخلفات الألغام التي زرعتها الميليشيات الحوثية انفجرت بشاحنة وقتلت السائق وأصابت مساعده

وقال مصدر محلي لوكالات أنباء محلية؛ إنّ "عبوة ناسفة من مخلفات الألغام التي زرعتها المليشيات الحوثية، انفجرت بشاحنة (نوع ديانا)، تابعة لشركة "الزيلعي" للدواجن، في طريق الفازة بمديرية التحيتا، ما تسبَّب بمقتل السائق وإصابة مساعده".

يشار إلى أنّ "المليشيات الحوثية زرعت مئات الألغام والعبوات الناسفة في الطرقات الرئيسية والفرعية في مديريات جنوب الحديدة، قبل تحرير الشريط الساحلي، وقد أسفرت عن سقوط العشرات من المدنيين والعسكريين بين قتيل وجريح".

 

 

للمشاركة:



عرش "السلطان" في "لاهاي"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

نادية التركي
حان الوقت لأن يتحرك المجتمع الدّولي نحو تقديم ملف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

لا حق لهذا الرجل في قتل المدنيين، فقط لأن لهم نزعة انفصالية أو تحررية، فهذا حقهم المشروع، وقمعه بالقصف والسلاح والقوة جريمة إنسانية يجب أن يحاسب فاعلها.

الرئيس الحالم باستعادة أمجاد العثمانيين في منطقتنا العربية جعلت تصرفاته مرعونة مع الداخل والخارج.

ففي تركيا يسجن اليوم ويقمع ويقتل كل من يقف في وجه أردوغان حتى وإن كان خيالا. فقد حدث ذلك بعد انقلاب وهمي صنعه سنة ٢٠١٦ ليستند ويسند عليه كل القمع لحريات الرأي والتعبير. وبين القمع والإرادة يئن الشعب التركي في الداخل والخارج.

لكن بالنسبة لنا عربا ومسلمين علينا عدم السّكوت والتحرك الفوري للحد من المجازر التي يقوم بها أردوغان بين سوريا والعراق وليبيا، الأيديولوجيات الفكرية المسمومة في تونس وباقي دول المنطقة. هو مجرم دولي يجب أن يعرض على لجان التحقيق وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك، ولأمثاله أُسست محكمة "لاهاي".

أكدت منظمة العفو الدولية تورط أنقرة في قتل مدنيين في هجوماتها الأخيرة على سوريا. السؤال الكبير هو بأي حق أصبحت لتركيا كلمة في التفاوض بشأن الأوضاع على التراب السوري؟ نظام أردوغان أثبت خيانته لشعبه وعززه عبر تصرفاته الأخيرة، وتغيير تحالفاته حسب مصالح التوسع وتحقيق حلم الإمبراطورية.

ولولا سياسة "قصر أردوغان" كما سماها زعيم المعارضة كمال أوغلو المعارض التركي الذي سرد في خطاب أخير أن أردوغان هو السبب في كل إحباطات الجمهورية التركية ومشاكلها. ففي حين تعاني البلاد من مشاكل اقتصادية حادة، وتهوي الليرة التركية في سقوط حر وتتنامى البطالة والديون، يواصل الرئيس التركي تجاهل احتياجات شعبه.

وجه المعارض التركي مجموعة من التساؤلات الإنكارية وهنا نتحدث لغويا حول السياسة التي اتبعها "القصر"، أهمها: مَن الذي فتح الطريق أمام السلاح للعبور نحو المقاتلين في سوريا؟ ومَن الذي مهّد لدخول هذا السلاح برا وبحرا وجوا؟

ونضيف على تساؤلات أوغلو: مَن الذي فتح الطريق أمام شباب أمتنا الذين غسلت عقولهم، وتم شراؤهم ببعض الدولارات للعبور نحو سوريا والالتحاق بداعش؟

مَن الذي أحرق قلوب عائلات بأكملها أنفقت عمرها على أبنائها لتراهم في أحسن المراتب، لكن تحولوا إلى وحوش حيوانية في ساحات الموت، وتحولت بناتهن إلى بائعات هوى على أراضي سوريا والعراق مقابل عقد شرعي نحو الجنة المفترضة.

لم يكن للدواعش أن ينجحوا في مخططاتهم، ولم يكن لأرض سوريا أن تقبل أو تبتلع دماء أبنائها وأبناء المسلمين وغير المسلمين من الأبرياء بدون دعم رجب طيب أردوغان.

التدخل التركي في الشأن السوري بشكل مباشر هو ما أوصل البلاد لما عليه الآن، ولم يكن بالإمكان لـ"الثورة السورية" أن تطول ولا لعشرات الآلاف أن يقتلوا لو لم تفتح الحدود التركية لتلعب دورا مزدوجا.

دعمت أنقرة الأردوغانية شرارة "الأحداث" التي شهدتها سوريا في ٢٠١١ بكميات هائلة من الوقود لتأجيجها وتدمير البنية التحتية للبلاد مع سبق الإصرار والترصد. دعم أردوغان المقاتلين، خاصة المرتزقة منهم والمتوافدين نحو سوريا بتسهيل فرص العبور نحو البلاد عبر حدوده، كما دعمهم بالأسلحة والقوات والعتاد.

وفي الوقت نفسه، فتح أبوابه نحو "المعارضين" والمقاتلين ومن ثبت عليهم الإجرام بالعبور نحو تركيا وأعزهم ماديا ومعنويا، وأذل المدنيين الهاربين نحو "ملاجئ" مؤقتة وفرها لهم، ليطالبهم اليوم بالرحيل نحو بلاد لم يبقَ فيها غير أطلال وأرض مثخنة بالدماء. وسيرحل "السلطان" أكيدا وسنرى العدالة الإنسانية تتحقق في "لاهاي".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

نصر الله ولبنان: هيهات منّا الاستقالة!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

مشاري الذايدي

الذي جرى ويجري في لبنان منذ عدة أيام، ليس من النوع الذي يمكن تمريره بسهولة، أو بلهجة اللبنانيين «بتقطع»، بل هو فاصلة بين ما قبل وما بعد، إنه ليس مجرد غضبة من أجل مطالب خدمية بحتة، كما يريد سادة العهد الحالي تصويره، وفي مقدمتهم زعيم حزب الله، حسن نصر الله، وأصدقاؤه من التيار العوني.
لا... الذي نراه، من زخم ومطالب المتظاهرين، هو بالفعل ثورة على كل مؤسسة الحكم اللبناني وثقافة الحكم التي أوصلت البلد إلى الاستسلام لحزب الله، والعمل لصالحه، وتسليم قرار الحرب والسلم له. نعم هذا هو أصل الداء، لأن طرفاً أساسياً من معاناة الاقتصاد اللبناني اليوم هو العقوبات الأميركية والمقاطعة العربية، بسبب انخراط حزب الله في العدوان على الدول العربية، وتغذية الحروب الطائفية، والإسهام الفعّال في خدمة الحرس الثوري الإيراني على مستوى العالم، بل والتخادم المفضوح مع عصابات المخدرات اللاتينية، وخلق روابط اتصال وتنسيق مع تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة»، وغير ذلك كثير من صحيفة لا تسر الناظرين.
الذي ركّب العهد السياسي الحالي في لبنان، هو حزب الله، فهو من جلب الرئيس ميشال عون، لكرسي بعبدا، وهو من سلَّط صهره المستفز جبران باسيل على بقية القوى السياسية، وهو من استهان بزعيم السنة، يفترض ذلك، سعد الحريري حتى أفقده، أعني سعد، الكثير الكثير من مصداقيته، ليس في الشارع السني وحسب، بل لدى كل معارضي حزب الله وأتباعه من العونية.
لذلك حين خرج حسن نصر الله قبل أيام يخطب عن المظاهرات، كان منتظراً منه أن يدافع عن «العهد» وقال بالعامية: «ما تعبوا حالكن، العهد باقي».
بل وجعل التجاوب مع غضب الشارع - بما فيه، بل أوله: الشارع الشيعي - من قبل بعض كتل الحكومة «خيانة»، وربما لو تحمس قليلاً لقال كلاماً آخر، لأنه كان يتكلم بمناسبة أربعين الحسين.
يفترض بثقافة الحزب وطرق تعبئة الجمهور، التركيز على مطالب «المحرومين» و«المستضعفين»، وهذه مفردات أصيلة ومثيرة في خطاب التحشيد الذي تنتمي له ثقافة حزب الله، لكن خطاب المظلومية هذه المرة لا يخدم حاكم لبنان الحقيقي نصر الله، فهو السيد، وهنا لست أعني النسبة فقط للعترة العلوية، بل أعني المراد اللغوي المباشر عن سيد القوم.
جعل نصر الله في خطابه الغاضب الاستقالة من العهد والحكومة خيانة، وكاد يردد المقولة الكربلائية الشهيرة: خيروني بين السلّة والذلّة... وهيهات منا الذلّة، ولكن مع تعديل الهتاف إلى: خيروني بين الحكومة والاستقالة... وهيهات منّا الاستقالة!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

خبراء: الإرهاب والحريات أبرز تحديات رئيس تونس الجديد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

مع قرب بداية عهدة رئاسية جديدة، تدور توجسات في أذهان التونسيين حول العديد من الملفات التي تنتظر رئيس البلاد الجديد، قيس سعيد، وكيفية تعاطيه معها؛ أبرزها الإرهاب وحماية الحريات.

واعتبر خبراء أن كلا من ملف الإرهاب وكيفية ضمان الحريات السياسية والإعلامية والجهاز السري لحركة النهضة هي أولويات حارقة يجب أن تكون على طاولة الرئيس الجديد.

ويخلف قيس سعيد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي عبر انتخابات أقيمت يوم 13 أكتوبر/تشرين الثاني حصل فيها على أكثر من 72% من أصوات التونسيين، مقابل نحو 27% لمنافسه رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي.

ويؤدي الرئيس المنتخب القسم، يوم الأربعاء، أمام البرلمان التونسي، ومن المنتظر أن يلقي خطابا يشرح فيه النقاط الأساسية لتوجهاته الرئاسية خلال السنوات الـ5 المقبلة.

مكافحة الإرهاب
وتعاني تونس في ملف الإرهاب الذي استشرى بالبلاد منذ سنة 2011، وبين الحين والآخر تشهد البلاد عمليات إرهابية كان أحدثها التي ضربت مواقع حساسة في شارع الحبيب بورقيبة ومقر الشرطة العدلية والوحدة المختصة لمكافحة الإرهاب مطلع يوليو/تموز الماضي، وأسفرت عن مقتل رجل شرطة وجرح 7 آخرين.

وأمس الأحد، أعلنت تونس مقتل قيادي في تنظيم القاعدة، وإصابة آخر خلال عملية لمكافحة الإرهاب غربي البلاد.

وقالت وزارة الداخلية التونسية، في بيان، إنها تمكنت من القضاء على أبرز قيادات تنظيم القاعدة بالمغرب العربي المكنى بـ"عوف أبو مهاج" في منطقة فوسانة بمحافظة القصرين.

وأشارت إلى أن الإرهابي يُعَد من أخطر القيادات وأكثرها دموية؛ حيث شارك في العديد من العمليات التي استهدفت الجيش التونسي منذ سنة 2013 وزرع الألغام بجبال محافظة القصرين وشارك في مداهمة المنازل المتاخمة لجبال القصرين.

وتمثل الجبال الوعرة بمحافظة القصرين الواقعة على الحدود المتاخمة للجزائر وفق مراقبين مجالا حيويا لاختباء الإرهابيين منذ سنة 2011، ومنطلقا لأغلب العمليات التي راح ضحيتها مختلف الجنود والعسكريين التونسيين.

عبدالرزاق المناعي، الجنرال المتقاعد في الجيش التونسي، قال: "إن ملف الإرهاب في تونس متشعب ومعقد ويحتاج إلى وضعه ضمن أولويات أي سلطة تحكم تونس".

وأوضح "المناعي"، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن السنوات الـ8 الأخيرة كانت بمثابة الحرب المفتوحة ضد التنظيمات الإرهابية وخاصة منها "كتائب عقبة بن نافع" التابعة لتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي، وتنظيم "جند الخلافة" وهو فصيل متفرع عن داعش.

وأكد أهمية أن تصاحب الخطط العسكرية لمقاومة الظاهرة التوجه إلى إغلاق ينابيع الإرهاب في تونس والمسببات السياسية والاجتماعية.

واعتبر أن الشاغل الأول للرئيس المنتخب قيس سعيد يجب أن يكون ضرورة فك ألغاز موضوع الجماعات الإرهابية في تونس.

وأضاف أن هذه الجماعة تتحرك على مساحة 300 كلم، تمتد شمالا في محافظة بنزرت وصولا إلى محافظة قفصة جنوبا.

ودعا "المناعي" الرئيس المنتخب إلى وضع وثيقة وطنية تلزم بعض الأطراف السياسية بعدم التعاطف أو الدفاع عن المتشددين.

كبح أحزاب التطرف
ويترأس قيس سعيد بحكم الدستور التونسي لسنة 2014 القوات المسلحة والمجلس الأعلى للأمن القومي، وهي وظائف تعطيه صلاحيات البحث في المسائل الجوهرية للأمن التونسي.

ويرى سمير القروي، القيادي بحزب الجبهة الشعبية، أن حركة النهضة تحاول التسويق بالقرب من الرئيس التونسي رغم نفيه في خطابه الانتخابي الارتباط بأي حزب.

وأوضح "القروي"، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن قيس سعيد يجب أن يكون رئيسا لكل التونسيين ويتحلى بالشخصية السياسية القوية لكبح جماح الأحزاب الحاضنة للتطرف والمدافعة عنه.

وحول مضامين الخطاب المنتظر عقب أداء اليمين، أكد "القروي" أن كلا من ملف الإرهاب وكيفية ضمان الحريات السياسية والإعلامية والجهاز السري لحركة النهضة هي أولويات حارقة يجب أن تكون على طاولة الرئيس الجديد.

الحريات.. مخاوف وشكوك
وأشار مراقبون إلى أنه عقب فوز قيس سعيد بغالبية الأصوات في الانتخابات الرئاسية، انطلقت جوقة الإخوان في الدعوة لغلق بعض القنوات الإعلامية المناهضة لها على غرار قناة "الحوار" التونسية وقناة "نسمة".

وتعرض إعلاميو هذه القنوات إلى تهديدات من قِبَل عناصر إخوانية، إضافة لإقدام طلبة تابعين للحركة على الاعتداء بالعنف على مناصري اليسار التونسي بالجامعة.

وكشف الاتحاد العام للطلبة عما يقوم به إخوان تونس من محاولات دائمة للتوغل داخل المؤسسات ومن ثم "أخونة الدولة".

رياض جراد، المتحدث باسم الاتحاد العام لطلبة تونس، قال: "إن حركة النهضة التي أطلقت يد مليشياتها الإلكترونية والميدانية للتكفير والتشويه والاعتداء على معارضي سياساتها تسعى من جهة أولى إلى صرف الأنظار عن تداول موضوع جهازها السري بمختلف أذرعه".

وأضاف في تصريحات لـ"العين الإخبارية": ومن جهة ثانية تسعى إلى توجيه الرأي العام نحو معركة الإعلام والحريات للتغطية على التلاعب الحاصل بمجمل المسار الانتخابي في ظل تواتر المعطيات حول شبهات التزوير عبر استدراج الإعلاميين نحو الدفاع عن أنفسهم بدلا من مواصلة كشف الحقيقة للشعب التونسي.

وأوضح المتحدث باسم الاتحاد لطلبة تونس أن حركة النهضة تعمل على إعادة الأوضاع إلى ما بعد 14 يناير/كانون الثاني 2011، والتي انتعش فيها التطرف والإرهاب بما يسمح بتغلغل "الإسلام السياسى" من جديد في مفاصل الدولة ومواقع القرار، وهو ما يضع عموم التونسيين محل مقايضة على أمنهم مقابل التنازل عن حقوقهم الاجتماعية المتعلقة أساسا بغلاء الأسعار وبطالة الشباب والتنمية العادلة.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية