أئمة المساجد بالجزائر يواجهون خطر سيطرة السلفية

3818
عدد القراءات

2018-07-12

تعيش مساجد الجزائر منذ فترة تحت ضغط كبير عقب تكرار أحداث العنف ضد الأئمة، ما اضطر السلطات إلى تجميد تجديد الجمعيات الدينية في إطار التدخل والتحرّك لاحتواء الأزمة، وهو ما أثار جدلا في الأوساط السياسية والحزبية.

ويتهم أئمة الجزائر الجمعيات الدينية بالتدخل في مهامهم وعرقلتها في ظل غياب قانون خاص يحدد دورها، وهو ما يجعلهم على خلاف دائم معها، أمام مخاوف من محاولة التيار السلفي المتشدد والعودة إلى السيطرة على مساجد الجزائر والتحكم في منابرها.

وأعلن محمد عيسى، وزير الشؤون الدينية والأوقاف تسجيل 93 اعتداء ضد أئمة المساجد منذ عام 2016 حتى اليوم، وقعت خارج المساجد. وقلل محمد عيسى، في نفس الوقت من خطورة هذه الاعتداءات، ووصفها بأنها “غير مقلقة”. وأضاف “الاعتداءات المسجلة غير مقلقة وليست بالخطورة والحدة التي يُروّج لها، حيث يوجد في بلادنا 17 ألف مسجد”.

وأوضح أنّ أغلب الاعتداءات عبارة عن قضايا شخصية، وقعت خارج المساجد أو وقعت بسبب سوء فهم، لافتا إلى أنّ “الأخطر هو تعرّض الإمام إلى اعتداء داخل المسجد دون احترام لقدسية المكان”.

وفي أواخر يونيو الماضي، أصدر محمد عيسى قرارا يقضي بتجميد تجديد الجمعيات الدينية إلى إشعار آخر؛ بحجة أنّها “تشكل خطرا على أئمة المساجد، ومحاولة بعض الجهات (لم يسمها) السيطرة على بيوت الله”.

وأتبع القرار بمنشور على فيسبوك في بداية يوليو جاء فيه ” كانت محاولات اختراق هذه الجمعيات من طرف متشددين قد دفعتنا إلى تجميد تجديد ما انتهت عهدتها من هذه الجمعيات إلى غاية وضع الضمانات الحقيقية التي تحمي السيّد الإمام، وتحفظ كرامته وتصون هيبة مسجده”.

وتابع موضحا “إننا مقتنعون بأن إعادة رسم حدود الصلاحيات بين السيّد الإمام الذي يعتبر المسؤول الأول والأخير عن المسجد، وبين الجمعية الدينية المسجدية باعتبارها هيئة تضطلع ببناء وصيانة وتوسعة المسجد، أصبح أمرا لا بدّ منه حتى لا تتغوَّلَ هذه الجمعيات على الإمام”.

ويأتي قرار الوزارة بتجميد منح الاعتماد للجمعيات الدينية، عقب رواج فيديو نهاية يونيو الماضي على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيه تعرّض شخص للضرب أثناء تنصيب لجنة دينية بمسجد “عمر بن الخطاب” ببلدية “تاجنة” في محافظة الشلف (غرب).

وقدم عدة فلاحي، المستشار السابق بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، أسباب الاعتداء على الأئمة إلى ما أطلق عليه بـ”تغول” للتيار السلفي الوهابي، وصنف الاعتداءات التي يتعرض لها الأئمة مؤخرا إلى ثلاث أصناف، يتمثل الأول: في الاعتداءات التي يتعرض لها الأئمة على مستوى العلاقات الخاصة والناتجة عن نزاعات ومشاكل خاصة بين الإمام أو الإطار الديني مع المواطنين حول قضايا اجتماعية تخص الإمام لافتا إلى أنه يتم تأويلها على أن لها علاقة بالمهمة.

أما الصنف الثاني وهو الخطير ويتعلق بالاعتداء على الإمام بسبب المرجعية الدينية ولأمر يتعلق بالمهنة وهذه الاعتداءات مرتكبة -حسب قوله- من طرف التيار السلفي، مشيرا إلى أن هناك تحريات على مستوى المؤسسات التابعة للشؤون الدينية تؤكد أن أتباع السلفية هم مرتكبو هذه الاعتداءات إلا أن هناك تحفظا حول الأمر وتخوفا من هذا التيار الذي قال إنه أصبح يهدد الإمام وعمال الإدارات التابعة للشؤون الدينية وغيرهم.

ورغم قرار الأوقاف الجزائرية بتجميد منح الاعتماد للجمعيات الدينية، إلا أنها تتعرض لانتقادات مرده عجزها عن حماية الأئمة من المتشددين، ولتمدد الفكر المتطرف بالجزائر، في خطوة تعيد إلى ذاكرة الجزائريين العشرية السوداء الدامية وحربهم الطويلة مع الإرهاب.

واعتبر الفلاحي أن المرجعية الدينية الوطنية غير محصنة من الداخل بسبب ضعف تكوين الإطارات الدينية وتخلف الخطاب المسجدي الذي هيمنت عليه ثقافة الكراهية، التعصب، الغلو، التكفير، العنف والخرافة”.

وتساءل النائب عن حزب “حركة مجتمع السلم” (أكبر حزب إسلامي في الجزائر)، دايرة عبدالوهاب، عمّن سيتولى إدارة وتسيير المساجد، وإتمام بنائها بعد تجميد منح الاعتماد للجمعيات الدينية المسجدية.

ودعا في سؤال شفوي وجهه إلى الوزير، في يوليو الجاري، إلى معالجة مختلف الاختلالات التي تشهدها المساجد؛ بدلا من اللجوء إلى مثل هذه الإجراءات. وقبل أيام، تعرّض أحد الأئمة بمحافظة سكيكدة (شرق) إلى اعتداء من قبل شخص اعتقد أنّه كان “يقصده في خطبة الجمعة”.

وعلى خلفية هذه الأحداث أعلن الوزير محمد عيسى، أنّ وزارة العدل تُحضّر لإدراج بعض المواد القانونية داخل قانون العقوبات لحماية الإمام أثناء تأدية مهامه. وأعلن تشكيل لجنة تحقيق للنظر في قضية الاعتداءات على الأئمة التي تسجل عبر مساجد الوطن، في ظل الشكاوى المتكررة التي تصله من طرفهم.

من جهته، أكّد جلول حجيمي رئيس نقابة الأئمة الجزائريين (نقابة موالية)، وجود اعتداءات على الأئمة بسبب الاحتكاك بين بعض الجمعيات أو مع أشخاص آخرين. وأضاف “التجاوزات التي حدثت اضطرت الوزير من خلال التقارير التي وصلته إلى تجميد تجديد الجمعيات مؤقتا”.

وتابع “حتى يصدر قانون يرتب العلاقة بين والإمام والإرشاد والتوجيه وبين مهام الجمعيات”. واعتبر أنّ القرار صائب من حيث الشكل، ومن حيث المضمون بحاجة إلى إجراءات وكان من الأفضل استشارة تنسيقية الأئمة. وتطرّق حجيمي إلى الاعتداءات الأخيرة، قائلا، إنها “فعل معزول والمجتمع الجزائري محافظ، ولم تكن تحدث في السابق على الإطلاق”.

وأشار إلى أنّ التشبع بأفكار أيديولوجية ساهم في وقوع الاعتداء على الأئمة، وهذا مرفوض تماما.

ويعتقد المراقبون أن الجزائر تشهد عودة إلى مظاهر التطرف وأن السلفية تحن إلى السيطرة على البلاد، أمام انشغال الشارع السياسي بالانتخابات الرئاسية القادمة واهتمام الشارع بغلاء المعيشة والأزمة الاقتصادية الخانقة.

وأرجع عدة فلاحي، ما حدث إلى فشل الوزارة الوصية في تسيير القطاع. وقال فلاحي “ما حدث يعكس عجز الوزير عن تسيير القطاع، ومن المفروض أن يقوم بتسيير جيد لقطاعه والشؤون الدينية بشكل عام”.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: