حمد الجاسر: أول طالب سعودي في كلية الآداب بالقاهرة

5692
عدد القراءات

2018-07-17

مسيرة غنية وحافلة بالعطاء تلك التي ميزت رحلة "علّامة الجزيرة العربية"، حمد الجاسر، ليغدو رمز النهضة الثقافية والأدبية في الجزيرة العربية خلال القرن العشرين.
ذلك الطفل الذي بدأ مسيرته بتعلّم القراءة والكتابة في كُتّاب القرية، وانتقل بعدها إلى الرياض ومكة ثم إلى القاهرة، لمواصلة مراحل التعليم، استطاع خلال عشرات الأعوام من نشاطه العلمي والتعليمي، أن يصبح رائداً في البحث والصحافة والإعلام على مستوى السعودية ودول الخليج، عبر إسهامه في تطوير وبناء المؤسسات التعليمية والصحفية في المملكة، وتأليف عشرات الكتب في التاريخ والجغرافيا، التي حفظت ووثقت تاريخ وتراث المنطقة ونقلته للأجيال، في مرحلة اتسمت بسرعة التحولات وشدتها.
البداية.. في كُتّاب القرية
في قرية نائية بإقليم "السرّ" غرب نجد، ولد حمد الجاسر العام 1910؛ حيث مولده ونشأته في قرية البرود (شمال غرب الرياض)، التي كان جميع سكانها يمتهنون الفلاحة، وكان أبوه، كسائر أهل القرية، فلاحاً فقيراً. وكان حمد طفلاً هزيل البنية، لم يستطع مساعدة أبيه في الفلاحة، وبعد أن يأس أبوه منه قرر إدخاله كُتّاب القرية، وفيه تعلّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم.

جانب من آثار قرية البرود القديمة كما تبدو اليوم حيث نشأ حمد الجاسر

إماماً ومعلماً
عندما بلغ حمد من العمر عشرة أعوام، وبعدما رأى منه أبوه نجابة وحرصاً على العلم، ذهب به إلى مدينة الرياض، أكبر مدن نجد آنذاك وعاصمة المملكة السعودية، وكان ذلك العام 1920؛ حيث أودعه عند قريب له من جهة أمه، كان يطلب العلم هناك، فواصل تعليمه عنده، وتعلم مبادئ العلوم الشرعية من فقه وعلم التوحيد.
غير أنّ قريبه توفي بعد عامين، فقرر مغادرة الرياض، وبعد عودته إلى القرية لم يلبث أبوه أن توفي، فكفله جده، وكان إمام مسجد القرية الوحيد، وصار يساعد جده في الإمامة فينوب عنه أحياناً، ثم أصبح معلماً لصبيان القرية في الكُتّاب.

اقرأ أيضاً: حسين مروّة.. وُلد شيخاً ومات طفلاً برصاص الحقد الطائفي
وفي رمضان عام 1926، انتدب الجاسر إلى البادية ليكون مرشداً دينياً لفخذ من قبيلة عتيبة تدعى "الحَوَاما"، فكان يصلي بهم ويعلمهم أمور دينهم، وكان ينتقل معهم في البادية، وقد أثارت هذه الرحلات عنده الاهتمام بحفظ التراث الشفوي والأنساب لدى القبائل.
وفي العام 1927 ذهب الجاسر إلى الرياض مجدداً، وهذه المرة استقر فيها لطلب العلم على مشايخها، فقرأ على الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، قاضي مدينة الرياض للحضر، وعلى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق قاضي مدينة الرياض للبادية. وحفظ ودرس المتون الأساسية، في علوم اللغة والشرع، كـ "الآجرومية"، و"الأصول الثلاثة"، و"ملحة الإعراب"، ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

ارتحل الجاسر إلى الرياض لطلب العلم على مشايخها

من نجد إلى الحجاز
وفي السنة التالية كان المعهد الإسلامي السعودي قد افتتح في مدينة مكة بالحجاز، وهو من أولى المؤسسات التعليمية النظامية في المملكة، وكان الجاسر قد ذهب إلى مكة قاصداً الحج، ولكنه قرر البقاء والالتحاق بالمعهد، وبالتحديد في قسم القضاء الشرعي.
هناك استفاد من الاتصال بوجوه النخبة الثقافية الحجازية، من الأساتذة الموجودين آنذاك في المعهد، كمحمد حسن عواد، وعبد القدوس الأنصاري وغيرهم، الذين كانوا قد اطلعوا واتصلوا بالثقافة والفكر الحديث؛ حيث كانت الصحف المصرية تصل يومياً إلى مكة، وكان لها تأثير ثقافي مهم.
وبعد تخرجه من المعهد، عُيّن العام 1934 مدرساً في ينبع، على ساحل البحر الأحمر، وبعد سنتين عُيّن مديراً للمدرسة التي كان يعمل بها، ثم عين قاضياً في مدينة ضبا شمال الحجاز.
إلى القاهرة
لم يرغب الجاسر بالاستمرار في سلك القضاء، وقرر الاستمرار في مسيرة العلم، فترك الوظيفة والتحق بالبعثات السعودية، وسافر إلى مصر؛ حيث التحق بكلية الآداب بجامعة الملك فؤاد، وكان ذلك في العام 1937.
وكان السائد آنذاك أن يتم ابتعاث الطلبة السعوديين إلى الجامع الأزهر أو إلى دار العلوم، وهما المؤسستان المعروفتان بالاتجاه المحافظ والتراثي، ولكن الجاسر اختار كلية الآداب في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة اليوم)، والتي كانت ذائعة الصيت آنذاك، ومعروفة باتجاهها الحداثي؛ حيث كانت تزدحم فيها أسماء العديد من كبار الأدباء والمفكرين وفي مقدمتهم: طه حسين، وابراهيم مصطفى، وأحمد أمين، ومحمد شفيق غربال. وكان طه حسين قد أوصى شخصياً بقبول الجاسر في الكلية بعد اختباره. وقد تركت الدراسة في جامعة الملك فؤاد أثراً كبيراً عند الجاسر؛ حيث كانت فرصة للاتصال بالمنهجيات والمذاهب والاتجاهات الفكرية الحديثة.

أوصى طه حسين شخصياً بقبول الجاسر في كلية الآداب

العودة إلى الوطن
وبعد أن نشبت الحرب العالمية الثانية أواخر العام 1939، أمر الملك عبد العزيز بإعادة جميع الطلبة المبتعثين من مصر؛ حيث كانت مصر آنذاك لا تزال تحت إدارة بريطانيا، التي كانت طرفاً أساسياً في الحرب. فرجع الجاسر من القاهرة إلى مكة، ولم يستقر بها طويلاً، فسافر إلى الرياض، ثم انتقل إلى الأحساء في شرق المملكة، حيث اشتغل هناك معاوناً لمدير المدرسة السعودية بالهفوف. وفي العام 1949 عينته الحكومة رئيساً لمراقبة التعليم بمدارس الظهران. ثم عاد إلى نجد بعد أن اختاره ولي العهد معتمداً لمدارس نجد، قبل أن يصبح أول مدير لكليتي الشريعة واللغة العربية في الرياض اللتين كانتا النواة لإنشاء جامعة الإمام محمد بن سعود.

اقرأ أيضاً: طه حسين: إيمان بانقشاع الظلمة ولو بعد حين
وكانت المملكة في عهد الملك عبد العزيز آل سعود (1932 - 1953)، قد شهدت حركة نهوض وبناء في مختلف المجالات، وخصوصاً خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات؛ حيث تم استقطاب الخبرات والكفاءات العربية والسعودية للمشاركة في بناء المؤسسات، فكان الجاسر من ضمن هذه الكفاءات.
ولم يقتصر الجاسر على تولي المناصب داخل السعودية فقط، وإنما كان عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية في القاهرة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عُمان، وعضواً مراسلاً في مجامع اللغة العربية في كل من دمشق، وعمّان، وبغداد، إضافة إلى عضويته في المجمع العلمي بالهند.

اختاره الملك عبد العزيز ليكون ضمن الكفاءات المساهمة في النهضة التعليمية

رائد الصحافة والنشر
كان الجاسر حريصاً على نشر العلوم والمعارف خارج الأطر الأكاديمية، ما دفعه بدايةً إلى تأسيس مكتبة "العرب"، التي كانت الأولى من حيث تخصصها ببيع الكتب الحديثة، ثم بادر الجاسر إلى تأسيس أول مجلة في الرياض، وهي مجلة "اليمامة"، وكان ذلك العام 1952، وكانت مجلة شهرية، قبل أن تتحول إلى صحيفة أسبوعية ثم يومية، ليكون الجاسر بذلك مؤسس الصحافة في نجد، وكانت اليمامة قد واجهت اعتراضات عديدة من قبل الشيوخ المحافظين، الذين لن يتقبلوا الأفكار والمناهج الجديدة التي أتت بها.

اقرأ أيضاً: علي شريعتي: إنسانية الفكر والإصلاح
كانت "اليمامة" تطبع بدايةً في القاهرة، ولكن عملية الطباعة في مصر ثم نقلها إلى السعودية لم تكن مجدية، فقرر الجاسر إنشاء أول دار للطباعة في السعودية، وكان ذلك في العام 1955.
وفي العام 1965 أسس مجلة الرياض اليومية التي أصبح رئيس تحريرها أيضاً. وفي العام 1966 تطورت اليمامة إلى دار للبحث والترجمة والنشر. وفي العام ذاته، أسس الجاسر مجلة العرب، والتي مزجت الصحافة بالأدب، وتخصصت في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وأنساب قبائلها.

واجهت "اليمامة" الصحيفة الأولى تأسيساً بالرياض معارضة من قبل المحافظين

عشرات الكتب والمؤلفات
كتب الجاسر العشرات من الكتب، وقد انصبّ جلّ اهتمامه على علوم الجغرافيا والتاريخ؛ حيث استفاد من تنقله في أنحاء المملكة في التعرف عن قرب على الأماكن والقبائل المختلفة، وقد وضع في مؤلفاته خلاصة تلك الرحلات والتجارب. وكانت أهمية مؤلفاته التاريخية أنّها وثقت حقبة مهمة من التاريخ السعودي كان يمكن أن تندثر، وخاصة فيما يتعلق بالتراث الشفوي الذي لم يكن يحظى قبله باهتمام ولم يكن يكتب.
وتميزت مؤلفات الجاسر الجغرافية بدمج الأدب بالجغرافيا وتطوير ما عرف بـ "الجغرافيا الأدبية" و"الجغرافيا الثقافية"، فكان مهتماً بالأماكن من حيث الأهمية الأدبية؛ فيذهب مثلاً إلى المعلقات ويبحث في الأماكن التي تذكرها القصائد، وهكذا.
كَتَبَ الجاسر في الجغرافيا: كتاب "المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية". وفي الرحلات: "رحّالة غربيّون في بلادنا"، الذي تقصّى فيه سير بعض الرحالة الغربيين الذين مرّوا بالجزيرة العربية، و"رحلات حمد الجاسر للبحث عن التراث"، و"في الوطن العربي"، و"إطلالة على العالم الفسيح"، و"في شمال غرب الجزيرة".

استفاد من تنقله في أنحاء المملكة في التعرف عن قرب على الأماكن والقبائل المختلفة

وقد حقق عدداً من الكتب الجغرافية، منها: "الأماكن" للحازمي، و"الأمكنة والمياه والجبال" لنصر الإسكندري، و"المغانم المطابة في معالم طابة"، و"الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة" للجزيري، كما قام بتحقيق "معجم البلدان" لياقوت الحموي.
وفي السير والتراجم، كتب الجاسر: "مع الشعراء"، ترجم فيه لبعض الشعراء المجهولين، وترجمة "إبراهيم بن إسحاق الحربي"، وكتابه "ابن عربي موطّد الحكم الأموي في نجد"، وتناول فيه سيرة إبراهيم بن عربي أطول ولاة بني أمية زمناً في ولايته (32 عاماً). وكتب في النسب: "معجم قبائل المملكة العربية السعودية"، و"جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد"، و"باهلة القبيلة المفترى عليها". وكتب في تاريخ البلدان: "بلاد ينبع"، و"مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ".

اقرأ أيضاً: بنت الشاطئ: من ضفاف الهامش إلى آفاق الريادة
وحقق الجاسر كتباً تاريخية عديدة، منها: "رسائل في تاريخ المدينة"، و"البرق اليماني في الفتح العثماني" لقطب الدين النهروالي، و"الإيناس في علم الأنساب" للوزير المغربي، و"معجم الشيوخ" لابن فهد.

من مؤلفات حمد الجاسر

جوائز وأوسمة
نال الجاسر العديد من الجوائز وشهادات التقدير خلال مسيرته الطويلة. كان منها: جائزة الدولة التقديرية في الأدب العام 1984، لإسهامه في إثراء ميادين الفكر والأدب. كما منح وسام التكريم من مجلس التعاون الخليجي العام 1990، وفي العام 1995 منح وسام الملك عبد العزيز عندما اختير الشخصية السعودية المكرمة في المهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية. كما منحته جامعة الملك سعود العام 1996 الدكتوراة الفخرية لما قدمه للساحة الثقافية من عطاء، ولإثرائه المكتبة العربية، وفي ذات العام نال جائزة الملك فيصل للأدب العربي عن موضوع "أدب الرحلات في التراث العربي"، وجائزة "سلطان العويس" الأدبية في الإمارات العربية المتحدة، في مجال الإنجاز الثقافي والعلمي، وجائزة الكويت للتقدم العلمي عن كتابه "أصول الخيل العربية الحديثة".

وفاة علامة الجزيرة
توفي حمد الجاسر العام 2000، عن عمر يناهز التسعين عاماً، في مدينة بوسطن الأمريكية؛ حيث كان يتلقى العلاج. وبعد وفاته أقامت أسرته وتلاميذه مركزاً ثقافياً للحفاظ على تراثه العلمي، وهو مركز يقوم على رصد ما كتبه الجاسر ونشره منذ أن بدأ يمارس الكتابة في الصحف المحلية والعربية، إلى أن وضع مؤلفاته  المتخصّصة.

بعد وفاته أقامت أسرته وتلاميذه مركزاً ثقافياً باسمه

قضى الجاسر أكثر من سبعين عاماً من عمره في البحث والكتابة والتأليف والتحقيق، واستطاع من خلال أبحاثه ومؤلفاته حفظ التراث واستنطاق الجغرافيا في شبه الجزيرة العربية، فاستحق بذلك اللقب الذي أطلق عليه، وعرف به: "علامّة الجزيرة العربية".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق

2019-07-14

بسبب ذلك الجسد الهزيل الذي لم يفارقه الاعتلال، ظل ذلك الطفل ابن الأسرة الكاثوليكية المتدينة، دائم التفكير والتأمل في الأسباب التي تقف وراء هذه الصحة الواهنة، وباحثاً عن إجابات لأسئلة أخرى أشد تعقيداً، لعلّها تبعث في نفسه القلقة تلك الطمأنينة التي طالما تاق لها، وكان لـ"رينيه جينو" أو الشيخ العارف بالله عبد الواحد يحيى، في النهاية ما أراد.

رينيه جينو شاباً

تيه المدارس الروحية

ولد رينيه جينو في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1886، في مدينة بلوا الفرنسية، أنهى دراسة البكالوريا عام 1903، ثم انتقل إلى باريس العام 1904، وسجّل اسمه لدراسة الرياضيات في كلية رولين، العام 1906، ورغم نبوغه اللافت في هذا التخصص؛ فإنّه ترك الكلية ولم يكمل الدراسة فيها، ثم حصل على الليسانس في كلية الآداب من جامعة السوربون، العام 1915، وبعد ثلاثة أعوام بدأ يعد لدرجة الأجريجاسيون (شهادة تؤهل للتدريس بالمدارس الثانوية الفرنسية) في الفلسفة.

انبهار جينو بالغنى الثقافي الباريسي دفعه للانصراف عن دراسة الرياضيات والاغتراف من المذاهب الصوفية المسيحية

لم يلبث أن انجذب جينو إلى مجتمع باريس الذي ضمّ عدداً لا يحصى من أتباع الأفكار والأديان والمذاهب والمعتقدات، هذا الانبهار بعالم مدينة النور دفعه للانصراف إلى المذاهب الصوفية المسيحية التي انشغلت بأسئلة سقوط الإنسان في المادية، بعيداً عن النبع الإلهي المقدس، وكيفية العودة إلى هذا النبع مجدداً.
في هذه الأجواء انجذب الشاب المتدين إلى الطريقة المارتينية؛ التي أشرف عليها الطبيب الفرنسي جيرار انكوز (Gérard Encausse)، تدرّج في تلك الطريقة، حتى وصل إلى أعلى رتبة فيها، ثم تركها لينضم إلى الكنيسة الغنوصية، كما شارك في تأسيس دوريتها الغنوص  (La Gnose)، والكتابة فيها حتى عام 1922.

اقرأ أيضاً: ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل

وبسبب ظمئه الروحي، الذي لم تروِه تلك المعتقدات الغريبة، وملاحظته لعدد من المخالفات والتجاوزات التي سجلها على تلك الطرق؛ اتجه إلى عدة منظمات دينية مسيحية وماسونية، وكان كدأبه مع كلّ جماعة يصل إلى أعلى مكانة ورتبة، ثم يتركها بعد أن يعاوده الظمأ الروحي وشعور الاغتراب عن الحقيقة الروحية التي يصبو إليها، حتى انتهى به الحال بوصف ذلك النمط من الروحانيات بالزائف.

عاد جينو إلى الحياة العامة مجدداً، في أوائل عشرينيات القرن الماضي، تاركاً خلفه تلك المذاهب؛ لينغمس في دراسة المذهب الكاثوليكي، مدفوعاً بقلقه، وباحثاً عن إمكانية وجود صوفية كاثوليكية بتصحيح الانحراف الحادث بها عن طريق ما أسماه "الإدراك".

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أثناء تقلّبه من جماعة دينية إلى أخرى؛ درس جينو الأديان الشرقية القديمة، الهندوسية والبوذية والطاوية، عبر اتصاله بأشخاص ينتمون إلى ما يعرف بأدفيتا فيدانتا (طريقة فلسفية من الطرق الكلاسيكية الهندوسية، لتحقيق الإدراك الروحي، ترى إمكانية تحرر الإنسان في العالم)، كما درس الإسلام، ليصدر بعد هذه التجربة الغنية كتاب "مقدمة لدراسة العقائد الهندوسية" العام 1921، ثم تبعه بكتاب عن فلسفة أدفيتا فيدانتا، بعنوان "الإنسان ومصيره وفقاً للفيدانتا" العام 1925.

نشأ المتصوف الفرنسي في سياق غربي مضطرب

الرحلة إلى الله
نشأ المتصوف الفرنسي، إذن، في سياق غربي مضطرب؛ فشهد في شبابه أحداثاً عظيمة، بلغت ذروتها مع الحرب العالمية الأولى، كما تدهورت أمام عينيه مبادئ التنوير والحداثة تدهوراً حاداً، فكانت الأزمة الحضارية الغربية والحلول الهشة غير الناجزة سببين لبحثه عن مخرج آخر باحثاً عن الحقيقة الميتافزيقية الخالدة، كما أسماها.

أثناء تقلّبه من جماعة دينية إلى أخرى درس الأديان الشرقية القديمة: الهندوسية والبوذية والطاوية ثم الإسلام

تعرّف جينو أخيراً إلى فنان تشكيلي سويدي شهير، تحوّل إلى الإسلام، يدعى جون جوستاف أجيلي (John Gustaf Agelii) أصبح اسمه بعد إسلامه، الشيخ عبد الهادي عقيلي، وكان عقيلي هذا مهووساً بالشيخ محيي الدين بن عربي، وأسّس طريقة صوفية في باريس، العام 1911، تسمى الأكبرية، نسبة إلى طريقة الشيخ محيي الدين بن عربي، وقد ضمّ معه رينيه جينو.

في العام 1912، أثمرت مصاحبة الشيخ عبد الهادي، بإعلان الفتى القلق إسلامه، وكان عمره يناهز السادسة والعشرين، واتخذ اسم "عبد الواحد يحيى" الذي سيرافقه حتى وفاته.

بعد وفاة زوجته الفرنسية سافر جينو إلى القاهرة بحثاً عن نصوص صوفية إسلامية، بمرور الوقت تخلى عن فكرة العودة إلى فرنسا، ليستقر به الحال بجوار مسجد الأزهر، تزوج من بنت الشيخ سلامة الراضي من الطريقة الشاذلية، العام 1934، ثم حصل على الجنسية المصرية العام 1948.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

أسس جينو ما يسمى بالمدرسة التقليدية (Traditionalist)، التي كانت ترى أنّ كلّ المذاهب التراثية التقليدية لها نفس المبادئ الخالدة، وترفض المادة كحدود نهائية أو كلية، للإنسان، وتؤمن بالعالم الغيبي غير المنظور إيماناً غير محدود؛ كان يقول إنّ المعرفة الغيبية والتحقق الذاتي الذي تتضمنه واحدة في كلّ مكان، ولكن هناك مناخ عام للحضارة، يؤدي إلى نوع من الاختلافات البينية، مؤكداً أنّ مناخ الحضارة الغربية غير مهيأ إلى تقبل وإنتاج المعرفة الغيبية هذه، على عكس الحضارة الشرقية، وكان يقصد حضارات الشرق عموماً، بما فيها الهندوسية والطاوية والكونفشيوسية والإسلام.
نقد الغرب روحياً
آمن جينو أنّ الغرب عانى من عدة انقطاعات عقلية وفكرية عن ذلك التراث الميتافزيقي المقدس، ما سبّب له الضياع والشتات الروحي، وأنّ الثورة الغربية العدمية على القيم أزاحت القيم والتقاليد الميتافزيقية، وأحلت محلها الفوضى والقلق الوجودي الدائم، وزاد من حجم الاهتمام بالمادة ومنجزاتها على حساب الروح وتدرّج القيم؛ ففقد القدرة على التمييز بين عتامة المادة ونور الروح، وظهور مشكلات خطيرة، مثل صراع الطبقات الاجتماعية، وتغذية تلك الخلافات، ما أوصل إلى اندلاع حربين عالميتين أودتا بملايين الأبرياء.

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
نقد جينو المذهب التجريبي الكمّي، الذي أسسه بيكون، رغم انبهار الغربيين بمنجزاته التي حققها، واعتبارها علامة فارقة في تاريخ حضارتهم؛ إذ رأى أنّ التجريبية ناجحة فقط في دراسة الجزئيات وإدراكها، لكنها عاجزة تماماً عن إدراك الصورة كاملة؛ فالغرب، كما يقول، مدفوع بالرغبة في التعمية على الفشل الروحي بإنهاك الغربيين عبر حصرهم في مجموعة هائلة من البيانات، بزعم استخدام المناهج العلمية الدقيقة "الوضعية" و"التجريبية".

 لم يشترط جينو الثقافة في المتصوف أو حتى القدرة على القراءة بل ما أسماه ملكات خُلقية

الصوفي والمتصوف
فرّق "الشيخ عبد الواحد يحيى" بين الصوفي والمتصوف؛ فالأخير، كما يرى، اتخذ الطريق بحثاً عن الحقيقة، أما الصوفي فهو من وصل للدرجات العليا، ويستحيل على متصوف حقيقي أن يطلقها على نفسه؛ لأنّ الصوفي الحقيقي هو من امتلك الحكمة الإلهية.
واعتبر جينو التصوف مكوناً رئيسياً في الإسلام، يعود إلى السنن النبوية، وأنّ للطرق الأصيلة سلسلة من الشيوخ يرجع نسبهم إلى الرسول، عليه السلام، والتوصل إلى مبادئ التصوف يتطلب قراءة وفهم القرآن الكريم، والتصوف الإسلامي، بنظره، مذهب ميتافزيقي يضمّ مجموعة من العلوم الموروثة المرتبطة بالمبادئ الميتافزيقية، وهو لا يشترط الثقافة في المتصوف، أو حتى القدرة على القراءة، ولكنّه يشترط نوعاً مما أسماه "ملكات خُلقية"، وأن يرتبط بسلسلة منتظمة في طريقة، وما إن يحصل المريد على الوصل، حتى يبدأ العمل الداخلي المنتظم وصولاً إلى درجة "الهوية العليا" أعلى مراتب التصوف.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

من القاهرة، ظلّ الشيخ عبد الواحد يحيى يراسل مجلة "دراسات نقلية" (Études Traditionnelles)  التي ساهم في تأسيسها حينما كان في باريس، وظلّ يراسل المفكرين ويناظرهم حول مدرسته التقليدية.

في منتصف شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 1950؛ أصيب بعدة قروح، ثم عاودته بعد عام، فانتابتْه تشنجاتٌ حادة، وفي مساء السابع من كانون الثاني (يناير) 1951، جلس في فراشه، محاطاً بأبنائه الثلاثة وزوجته الحامل، وقال بالعامية المصرية: "النَّفَس خِلِصْ!"، وأخذ يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد: "الله.. الله"، ليرحل عن عالمنا عن عمر يناهز الرابعة والستين ويدفن في مدافن الدراسة بالقاهرة، تاركاً 29 كتاباً، وما يزيد على خمسمئة مقال ومراجعات للكتب، دافع فيها عن الإسلام وفلسفته الروحية مثل: ملك العالم أو "القطب"، الشرق والغرب، و"أزمة العالم المعاصر" الذي أعيد طبعه عدة مرات.

للمشاركة:

ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل

2019-07-10

حصل الكاتب البرتغالي، خوسيه ساراماغو، على جائزة نوبل، عام 1998، وكان ربما من أواخر الروائيين الخارجين من رحم السحر والتشاؤم والسخرية بحقّ، وهو الذي أعلن أنّه "ليس على المرء ليموت، إلا أن يوجد في هذا العالم أولاً، وليس عليه ليكون أعمى، إلا أن يوجد في عالمٍ لم يصنع من تفاصيله أي شيء"، فكان وجوده منذ ولادته حتى مماته، اعتراضاً أميناً على مآسي العالم وحروبه وتاريخه، من خلال الكتابة.
نعيش القلق، ونكتب لنقلق!
كلّ الروايات التي كتبها خوسيه ساراماغو (16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1922 - 18 حزيران (يونيو) 2010)، وكلّ ما دوّنه على الورق، مكّنه من بناء عالمٍ كبير، انتقل إليه ليظلّ حياً فيه، بعد أن تلاشى جسده ووعيه من عالمٍ لم يبنه، إنّما فقط، ولد فيه. فالأمر هكذا بالنسبة إلى الكاتب البرتغالي الكبير، الذي قال ذات مرة: "الفرق بين الموت والحياة هو أن يقول أحدهم: كان هنا، والآن لم يعد كذلك".

يصف ساراماغو تفاصيل رواياته بالسخف أي البساطة التي يمكن منها صنع الجمال في مواجهة الأفكار الكبيرة التشاؤمية

تلك المقولة كانت سيئة بالنسبة إلى ساراماغو، بقدر ما كان العالم مجرد هاويةٍ "لم نزل نسير إليها كمجموعةٍ انتحاريةٍ من القوارض"، مثلما كان يقول، وهو لم يكن دافعاً كبيراً ربما، ليبدع ما أبدعه في رواياته المتنوعة، التي اتخذت صفةً تشاؤمية في متنها بصورةٍ عامة، وحملت أشياء وتفاصيل، وصفها مؤلفها بأنّها "سخيفة"؛ أي إنّها بسيطة وصغيرة، لكنّها وحدها التي تصنع الجمال، فيما تتمتع الأفكار الكبيرة بالتشاؤم.
وفي الرواية، لا معنى للزمن أو الوقت، فالعمل لا يشيخ، ولا ينتهي بانتهاء صفحاته، هذا، وكان التعويض الوحيد لساراماغو بعد تجاوزه الثمانين من العمر، وشعوره بأنّ نهاية كلّ يوم، صارت تعد خسارةً لا تعوض، فالإنسان في رأيه، والكاتب بالطبع، يولد، ويعيش، ثم يموت، لا يمكن لأحدٍ تجاوز هذا الأمر العادي الذي يحصل باستمرارٍ وتكرار، مهما كتب المرء، أو حاول تقريباً، فإنّ الموت المفرط الحيوية، لا يمكن له أن يأخذ إجازة، وهل "يعرف الكون أننا كنا هنا ذات يوم، أو هل يعرف مثلاً: أنّ هوميروس كتب الإلياذة؟".

اقرأ أيضاً: معاداة السامية تقلق ألمانيا
ساراماغو ملتزم، بطريقةٍ أو بأخرى، فكتابته لرواية "العمى" أشهر أعماله، كانت إعلاناً منه كما يقول؛ من أجل "عدم التخلي عن جميع أولئك البشر الذين جاؤوا إلى هذا العالم في الظلام". فقد رأى أنّ الكتابة مهنة من أجل تحقيق الوجود، ذلك الغارق في الظلام؛ لذا فإنّ عملية إرجاع الناس إلى العمى في روايته، من خلال المدينة التي يصيبها العمى كمرضٍ معد، ليست سوى عودة إلى الحالة الطبيعية، في عالمٍ قائم، وجد فيه الناس دون أن يضيفوا شيئاً إليه، إنهم عميان في الأصل، يتلمّسون طريقهم وسط الأفكار والأيديولوجيات والسياسات والثقافات والتقاليد القائمة، ونادراً ما يتمكن أحدهم من الإبصار، أي تحقيق شيءٍ من وجوده في هذا العالم.

تعبّر أعمال ساراماغو الروائية عن حاجة الإنسان إلى بناء وجوده لا أن يُفرض عليه

ولذا؛ فإنّ كتابته كانت طريقته من أجل كسب محبة الآخرين، ومن أجل إضاءة بعض الجوانب في جنبات العالم المظلمة، هذا هو الجمال والالتزام في رأي ساراماغو، الذي بدأت شهرته في سنٍّ متأخرة، في سنّ الستين، بعد أن عمل في مهنٍ عديدة، أبسطها صانع أقفال، إلى أن بلغ الخامسة والسبعين، وهو السنّ الذي عثرت فيه نوبل على ساراماغو، الذي ظلّ ملتزماً بقناعاته الشخصية حتى بعد نوبل، وكان قد قال، بعد حصوله على الجائزة، في نهاية تسعينيات القرن الماضي إنّ الجائزة قدمت له فرصةً إضافيةً ليعرفه ملايين القراء. لكنه لا يبحث عن أيّ قارئ، بل إنه يريد "القارئ الذي لا يذعن؛ لأنّ الكاتب الذي يكتب له، ليس مذعناً؛ فهو يعيش القلق، ويكتب إلى القارئ حتى يقلق، وليس لأجل أن يرتاح، فلا حاجة إلى قرّاء خاملين، أو متزمتين، إنني خوسيه ساراماغو، لا أريد أن أعيش أو أكسب من أموال قرّاء كهؤلاء".

اقرأ أيضاً: كيف تواجه ألمانيا معادي السامية في مدارسها؟
ورغم أنّ ساراماغو، كان شيوعياً في جانبٍ من جوانب أفكاره وحياته، إلا أنّه آمن دوماً بأنّ للإنسان حقّه في تقرير مصيره وأسلوب وجوده، وعلى الأقل، كانت الشيوعية بالنسبة إليه الأداة الوحيدة التي عرفها في مواجهة "الرأسمالية"، كما كان يقول، ساراماغو خاض مواجهاتٍ عديدة طوال حياته. ولم تكن مواجهته ضدّ تغول رأس المال هي المواجهة الوحيدة.
المنفى مكتبة
بعد إصداره لروايته "الإنجيل يرويه المسيح"، عام 1991، وكانت تحمل نقداً لاذعاً فلسفياً وسياسياً، للكنيسة الكاثوليكية، ونهجت تلك الرواية أسلوباً يعتمد مطالبةً ضمنية، بأن يسمح للإنسان أن يروي قصته مع الإنسان، ومع الأرض والحياة، دون تدخّل (الإله)، تعرض ساراماغو للنبذ في البرتغال، رغم أنّ رواياته، وحصوله على نوبل، سوف تقدم خدمةً جليلةً إلى اللغة البرتغالية فيما بعد، إلا أنّ وجود حكومةٍ محافظةٍ آنذاك، يرأسها كافاكو سيلفا، تسبّبت بالتضييق على ساراماغو وأعماله، كما منعت تلك الحكومة ترشحه إلى واحدةٍ من أرفع الجوائز الأدبية في بلاده؛ لذا قرّر أن يرحل إلى منفاه، بصحبة زوجته ومترجمته إلى الإسبانية: بيلار ديل ريو؛ حيث انتقل إلى جزيرة "لانزاروث"، وهي واحدةٌ من جزر الكناري، التي تتمتع بحكمٍ ذاتي.

في منفاه الاختياري تمكّن من اختزال العالم في مكتبة

طوال أعوام؛ بقي ساراماغو في لانزاروث، شهرته لم تغيّر آراءه، ولا نمط حياته تقريباً، فعدا زياراته المتنوعة إلى دول العالم، ولقائه بأصدقاء من طينة غابرييل غارسيا ماركيز، ظلّ يعمل، فكتب "سيرة الفيل" و"ذكريات صغيرة"، وباتت أعماله تتسم بسخريةٍ عميقة تنبع من أبسط الأشياء، لتسخر من أكبرها، وعلى الجزيرة، سكن في بيته الواقع على قمة تلّ يطلّ على البحر، وزرع الزيتون هناك، آملاً أن يعيش مدةً أطول ليراه حين يكبر، وبقي رغم شيخوخته، يتخذ موقفاً صلباً من السلطة المستبدة في أيّ مكانٍ كان، فأعرب مراراً عن تضامنه العميق مع فلسطين، ضدّ إسرائيل، غير آبهٍ بما وجِّه إليه من تهمٍ عن (معاداة السامية).

ساراماغو: لا حاجة إلى قرّاء خاملين أو متزمّتين لا أريد أن أعيش أو أكسب من أموال قراء كهؤلاء

وهناك، في منفاه الذي مكّنه من الابتعاد، أخذ يبني مكتبته شيئاً فشيئاً، وهي المكتبة التي سوف تكبر وتتنظم، ثم تتوقف عن النموّ بموت ساراماغو، عام 2010، كانت تلك المكتبة الكبيرة كنزه الوحيد في جزيرته البعيدة، وقد أمضى عمره في تربيتها؛ إنّها العالم الذي أضاف إليه شيئاً مميزاً، هو الكتب، وبالتحديد "الروايات".
خوسيه ساراماغو، بنى بيته على تخوم مكتبته ورواياته، من هناك، اختار أخيراً أن ينظر إلى العالم، من وجهة نظر هو من كتبها، بجرأةٍ وحماسة وسخرية منقطعة النظير، ضدّ كلّ ما يقود إلى الدمار في هذا العالم؛ حيث قال أخيراً:
"الإنسان هو ذلك المرء الذي يقوم دوماً ببناء الوجود، لكنّ هذا لا يمنع أنه يحاول دوماً تدمير كلّ ما بناه".

المراجع:

فيلم وثائقي بعنوان: ساراماغو وبيلار، أنتج في 2006
رواية العمى، ورواية الإنجيل كما يرويه المسيح ورواية ذكريات صغيرة للكاتب ساراماغو

للمشاركة:

علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-07-01

"أبو التعليم في مصر" و"طليعة الأفندية"، وسواها. ليست مجرد صفات بلاغية أو ألقاب، تحمل مبالغات حول شخصية تنتمي إلى النخبة السياسية والثقافية في تاريخ مجتمعها، كما يحدث أحياناً، لكنها في حالة "علي مبارك"، تعني بدقة ووضوح شديدين، أهمية تأثيره ودوره في مجالات حيوية عديدة، ساهم فيها بدرجات متفاوتة، وترك آثاره عليها، في التعليم والصحافة والعمران، وجمع بين عدة اهتمامات كالعلم والفنون، وهندسة المدن، وأنظمة الري والمواصلات، والعمل الوزاري والدور الشعبي، بالإضافة إلى الاطلاع الواسع على التراث، وعلوم العرب القديمة، وفنون الغرب الحديثة.
الهروب من القرية
ولد علي مبارك (1833-1893) في إحدى قرى محافظة الدقهلية، شمال شرق دلتا النيل. وكحال معظم أبناء جيله، التحق بـ "كتاب" القرية، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة، لكنه لم يحتمل الطريقة التقليدية للدراسة والحفظ لدى مشايخ الكتاب، فهرب من قريته أكثر من مرة، حتى تمكن من استكمال مسيرته التعليمية التي بدأها بشغف، ورغبة في التقدم والنبوغ، إذ أمضى ثلاث سنوات في المدرسة التجهيزية، والتي انتقل إليها من مدرسة الجهادية بالقصر العيني، حين التحق بها بعد هروبه، بينما كان في الثانية عشرة من عمره، وهي مدرسة داخلية، يحكمها النظام العسكري الصارم، بيد أنّها ألغيت بعد عام من دخوله إليها.

من المفارقات التي تبعث على الدهشة والحيرة أنّ المتجوّل في شوارع القاهرة لا يجد تمثالاً واحداً لعلي مبارك

وفي مدرسته الجديدة، التي تميزت بخصائص تعليمية عديدة، ونظام تربوي وتعليمي، أكثر حداثة تطوراً ومرونة، اختير مع مجموعة من الطلبة المتفوقين، للالتحاق بمدرسة المهندسخانه، وقد كان المسؤول عنها، المهندس الفرنسي، "يوسف لامبيز"، وخلال خمسة أعوام، هي عمر ما قضاه في تلك المدرسة للدراسة، تعرف على أصول ومبادئ الهندسة والرياضيات، ودرس المعادن وطبقات الأرض والجيولوجيا، حتى سافر في بعثة إلى فرنسا، العام 1845، لدراسة العلوم، حيث اختاره سليمان الفرنساوي، للسفر مع أبناء محمد علي باشا وأحفاده، في البعثة التعليمية التي عرفت باسم "بعثة الأجيال".
ولد علي مبارك (1833-1893) في إحدى قرى محافظة الدقهلية

النهضة التعليمية ومسيرة النبوغ
اقترنت نشأة علي مبارك بالتطور الذي رافق العملية التعليمية في مصر، والتغيرات الجمة التي تعرضت لها، في مسيرة تأسيس الدولة المدنية الحديثة، منذ شرع محمد علي في بنائها، خلال سنوات حكمه، الممتدة من 1805 وحتى العام 1848، إذ شهدت طموحات مؤسس مصر الحديثة في التوسع، وزيادة مساحة نفوذه السياسي والعسكري. لذا، يعد مسار مبارك التعليمي مرتبطاً بمسار الدولة المدنية، وخطواتها في التأسيس والازدهار؛ إذ كان تعليمه من البداية وحتى النهاية مدنياً، كما يشير الناقد الأدبي، الدكتور جابر عصفور، في كتابه: "أعلام التنوير".

اقرأ أيضاً: صبحي غوشة: شمس مقدسية تطل من النافذة العالية
إذاً، ذهب مبارك إلى فرنسا في البعثة التعليمية، بوصفه طالباً مدنياً وليس شيخاً أزهريا معمماً، كحال من سبقوه، سيما رفاعة الطهطاوي.
أمضى مبارك في باريس عامين، قضاهما مع أعضاء البعثة، والتي كان من بين أعضائها الخديوي إسماعيل، والأخير كان الأقرب لمبارك في البعثة، وأضحى مبارك في عهده ناظراً للمعارف العمومية ووزارة الأشغال والسكك الحديدية، بالإضافة إلى إسناد مهمة الإشراف على القناطر الخيرية أثناء تدشينها.
بصمات على البشر والعمران
ومن بين الأدوار المهمة التي قام بها علي مبارك، والتي مازال أثرها قائماً حتى اليوم، هي إنشاء دار الكتب التي أشرف على تأسيسها، وكان أول من وضع لها نظاماً دقيقاً في ما يتصل بعملية المطالعة والمراجعة والنسخ، وتمكن من حيازة نوادر المخطوطات، والمطبوعات، والوثائق، التي كانت متفرقة بين الزوايا والمساجد والبيوت، بالإضافة إلى الكتب المطبوعة التي تزامن وقت طباعتها مع إنشاء مطبعة بولاق، العام 1822، بعد أن ظلت الطباعة العربية تحتكرها مطبعة الآستانة.

اقرأ أيضاً: أحمد لطفي السيد: لا نهضة دون اختلاف
فطن مبارك إلى تأسيس ديوان المدارس، وهي خطوة تعكس رؤية متقدمة وجادة في سبيل تغيير نوعي في العملية التعليمية، ورفع مستواها، عبر أسس علمية سليمة، تراكم المعرفة بشكل منظم؛ حيث من شأن "ديوان المدارس" أن يعنى بتوحيد أنظمة التعليم، وتطويرها، عبر نظام مركزي واحد، مهمته التحديث وبناء المناهج. وفي العام 1871، الذي أنشأ فيه الديوان، أسس "دار العلوم" التي تقوم بتخريج معلمين، يقومون بالتدريس في المدارس المدنية الحديثة، والتي كانت قد بدأت في الانتشار في مصر، في فترة شهدت تصاعد لوتيرة التعليم المدني.
قام بتوسيع شارع محمد علي وميدانه في منطقة وسط القاهرة

الصحافة المدرسية.. طلائع الأفندية
تدين الصحافة المدرسية إلى علي مبارك الذي تفتق ذهنه إليها، في إطار رؤيته لتحديث التعليم، إذ اعتبر أنّ ممارسة الطلبة للصحافة داخل مدارسهم، من شأنها أن تربطهم بالمعرفة الحديثة، وتحرضهم على الثقافة والنقد، والاشتباك مع الواقع وأحداثه وتطوراته في مختلف المجالات، لذا، أنشأ مجلة "روضة المدارس"، في العام 1870.

من بين الأدوار المهمة التي قام بها مبارك إنشاء دار الكتب حيث وضع لها نظاماً دقيقاً للمطالعة والمراجعة والنسخ

ثمة إشارة لافتة إلى دور صاحب مجلة "روضة المدارس"، في تحديث العمران، وتطوير الأحياء والشوارع، والاهتمام بجماليات المدينة التي عاش فيها، وبنفس الدرجة التي سعى فيها إلى تطوير الفكر وتحديث المعرفة، شغف بالتخطيط المدني، وضم أدوات الاتصال والنقل العصرية، ووسائل التحديث، فقام بتوسيع شارع محمد علي وميدانه، في منطقة وسط القاهرة، وميادين الأزبكية وعابدين، وأزال التلال الموجودة بين منطقتي الفجالة وباب الفتوح، وأقام فيها الحدائق.
كما أنشأ جسر قصر النيل الواصل بين القاهرة والجيزة، ونظم المرافق الصحية، فضلاً عن تأسيس مباني البريد، ومحطات السكك الحديدية الحديثة، وتعددت القناطر والجسور التي أسسها، وأشهرها: "ترعة الإسماعيلية والإبراهيمية".

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
ومن المفارقات التي تبعث على الدهشة والحيرة، أنّ المتجوّل في شوارع القاهرة، لا يجد تمثالاً واحداً لعلي مبارك، حتى يخلد دوره الذي ساهم فيه بالكثير تجاه المدينة التاريخية، ويعد صاحب النهضة العمرانية الحديثة بها، وذلك حين أسند إليه، الخديوي إسماعيل، قيادة مشروعه المعماري العمراني، وإعادة تنظيم القاهرة على نمط حديث، فشق الشوارع الواسعة، والميادين، وأسس المباني والعمائر العثمانية الجديدة، وأمد القاهرة بالمياه وأضاء شوارعها بالغاز والمصابيح.

للمشاركة:



هذا ما وصلت إليه مفاوضات السودان..

2019-07-16

أعلن المجلس العسكري الانتقالي في السودان الوثيقة الدستورية المشتركة، والمزمع مناقشتها اليوم، مع قوى إعلان الحرية والتغيير التي تمّ تقديمها للأطراف لدراستها.

وقال المجلس: إنّ "الوثيقة الدستورية المشتركة تمّ إعدادها بواسطة لجنة قانونية مشتركة، تضمّ ثلاثة أعضاء من كلّ طرف"، وفق وكالة الأنباء الرسمية.

المجلس العسكري الانتقالي يوقع اليوم قوى إعلان الحرية والتغيير الوثيقة الدستورية المشتركة

ومن المنتظر أن يعقد اجتماع مباشر بين المجلس العسكري الانتقالي، اليوم، بالخرطوم، بعد تأجيله بناءً على طلب قوى إعلان الحرية والتغيير مهلة 48 ساعة، لإكمال مشاوراتها الداخلية حول وثيقة الإعلان الدستوري.

وتجري جولة التفاوض، التي ينتظر أن تكون حاسمة، وسط حضور دولي وإقليمي لافت؛ حيث استبق المبعوث الأمريكي الخاص للسودان، دونالد بوث، جولة الغد بلقاءات أمس، شملت رئيس المجلس العسكري، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وينتظر أن تمتد إلى قوى الحرية والتغيير لدفع العملية السلمية.

وأثار تأجيل انعقاد جلسة التفاوض بين المجلس العسكري والحرية والتغيير للتوقيع على وثيقة الإعلان الدستوري، مرتين متتاليتين، مخاوف البعض من العودة إلى المربع الأول، لكنّ تحليلات الخبراء جاءت عكس ذلك؛ حيث أكّدت أنّ عملية التسوية سوف تسير بشكل جيد.

أثارت عودة خدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة في السودان صدمة كبيرة لدى الملايين؛ حيث تمّ تداول عدة مقاطع فيديو وصور تظهر "تعاملاً وحشياً" لمسلحين بملابس عسكرية مع المتظاهرين، خلال فضّ اعتصام الخرطوم، في مطلع حزيران (يونيو)، بحسب ما نقلت "فرانس برس".

وجدّدت المقاطع والصور الغضب تجاه المجلس العسكري الحاكم في السودان، خاصة أنّه مع عودة الإنترنت على الهواتف المحمولة، أصبح تداول أشرطة الفيديو أكثر سرعة وانتشاراً.

وكان السودانيون يعتصمون قرب المقر العام للقيادة العامة للجيش، منذ السادس من نيسان (أبريل)، للمطالبة بتغيير النظام السياسي.

فيديوهات وصور لمسلحين بملابس عسكرية يعتدون على متظاهرين يجدد غضب السودانيين

وبعدما أطاح الجيش، في 11 نيسان (أبريل)، بالرئيس عمر البشير، الذي حكم البلاد على مدى ثلاثين عاماً، رفض آلاف المحتجين فضّ الاعتصام، مطالبين بنقل السلطة إلى المدنيين، فيما يتولى مجلس عسكري الحكم منذ الإطاحة بالبشير.

ويذكر أنّ خدمة الإنترنت قطعت في السودان إثر فضّ مسلحين يرتدون زياً عسكرياً الاعتصام، في عملية أسفرت عن مقتل أكثر من مئة متظاهر، وإصابة مئات آخرين بجروح، ويتّهم المحتجون ومنظمات حقوقية قوات الدعم السريع بالهجوم على اعتصام المحتجين.

 

 

للمشاركة:

في ظلّ تعنّت إيران.. هل تنقذ أوروبا الاتفاق النووي؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، أمس؛ إنّ "طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي الذي أبرمته مع القوى العالمية، إذا لم تفِ الدول الأوروبية بالتزاماتها".

منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي

وتقول إيران: إنّ على الدول الأوروبية بذل المزيد لضمان حصولها على المزايا الاقتصادية التي كان يفترض أن تنالها، مقابل فرض قيود على برنامجها النووي، بموجب الاتفاق الذي انسحبت منه واشنطن، العام الماضي.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، عن كمالوندي قوله: "سنقلص التزاماتنا بموجب الاتفاق النووي حتى يفي باقي الموقِّعين بتعهداتهم".

من جهته، أكّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي؛ أنّ بلاده "ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي المبرَم مع القوى الدولية عام 2015، بالقدر نفسه الذي سيلتزم به باقي الموقّعين عليه".

وأضاف موسوي أيضاً، وفق ما ذكرته وكالة "تسنيم" للأنباء؛ أنّ "إيران تتوقع من أوروبا اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق".

في المقابل؛ قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني: إنّ "الأطراف الباقية في اتفاق إيران النووي لا تعدّ مخالفات طهران للاتفاق انتهاكات كبيرة، ولم تشر إلى أيّة نية لتفعيل آلية فضّ النزاع بالاتفاق".

موغريني: الاتفاق النووي مع إيران ليس في وضع جيد لكنّه ما يزال حياً

وأضافت في مؤتمر صحفي، بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "في الوقت الحالي، لم يشر أيّ من أطراف الاتفاق إلى أنّه ينوي تفعيل هذا البند، وهو ما يعني أنّ لا أحد منهم يعدّ في الوقت الحالي، وفي ظلّ البيانات الحالية التي تلقيناها، سيما من الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ أنّ المخالفات انتهاكات كبيرة"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

وأعلنت أنّ "الاتفاق النووي مع إيران، ليس في وضع جيّد، لكنّه ما يزال حياً، ولا يمكن تحديد إن كان في ساعاته الأخيرة".

بدوره، أكّد وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هنت، أنّ الوقت ما يزال متاحاً لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، مضيفاً إلى أنّ بلاده لا تتفق مع الولايات المتحدة، وهي أقرب حلفائها، في طريقة تعاملها مع الأزمة الإيرانية.

وقال هنت للصحفيين، أمس، لدى وصوله إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية، لكن هناك فرصة ضئيلة لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة".

وزير الخارجية البريطاني: ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية

وفي السياق نفسه؛ قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، اليوم: "يجب على أوروبا أن تظلّ موحّدة في محاولة الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني"، مضيفاً أنّ "على طهران العدول عن قرارها بعدم الالتزام ببنود في الاتفاق".

وأوضح لو دريان للصحفيين في بروكسل: "يجب على الأوروبيين الحفاظ على وحدتهم في هذه المسألة".

وأضاف أنّ "قرار إيران بتقليص التزامها بالاتفاق، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي، بمثابة "ردّ فعل سيّئ على قرار سيّئ".

 

للمشاركة:

التحالف يصدّ هجوماً إرهابياً جديداً للحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

أسقطت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، أمس، طائرتيْن مسيّرتيْن أطلقهما الحوثيون من صنعاء باتجاه مدينة خميس مشيط السعودية.

التحالف العربي يسقط طائرتين مسيّرتين أطلقهما الحوثيون باتجاه خميس مشيط

وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "تمكّنت قواتنا، مساء اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرتيْن من دون طيّار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من صنعاء باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بمدينة خميس مشيط"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء "واس".

وأضاف: "عملية الاعتراض والإسقاط للطائرتين المعاديتيْن نتج عنها سقوط الشظايا والأجزاء بأحد الأحياء السكنية، مما نتج عنه تضرّر أحد المباني السكنية بأضرار طفيفة، وبعض المركبات، دون وجود خسائر بالأرواح".

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ "محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، بتعمّد استهداف المدنيين، تعبّر عن إفلاس الميليشيا الإرهابية، ونهجها اللاأخلاقي في مثل هذه الأعمال الإرهابية"، مشيراً إلى أنّ "هذه الهجمات الإرهابية والعدائية المتكررة ممنهجة لاستهداف المدنيين، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يعدّ جريمة حرب."

تضرّر مبنى سكني ومركبات بحي سكني في المدينة إثر سقوط شظايا الطائرات المسيَّرة

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، وتحييد القدرات الحوثية، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية