حمد الجاسر: أول طالب سعودي في كلية الآداب بالقاهرة

5156
عدد القراءات

2018-07-17

مسيرة غنية وحافلة بالعطاء تلك التي ميزت رحلة "علّامة الجزيرة العربية"، حمد الجاسر، ليغدو رمز النهضة الثقافية والأدبية في الجزيرة العربية خلال القرن العشرين.
ذلك الطفل الذي بدأ مسيرته بتعلّم القراءة والكتابة في كُتّاب القرية، وانتقل بعدها إلى الرياض ومكة ثم إلى القاهرة، لمواصلة مراحل التعليم، استطاع خلال عشرات الأعوام من نشاطه العلمي والتعليمي، أن يصبح رائداً في البحث والصحافة والإعلام على مستوى السعودية ودول الخليج، عبر إسهامه في تطوير وبناء المؤسسات التعليمية والصحفية في المملكة، وتأليف عشرات الكتب في التاريخ والجغرافيا، التي حفظت ووثقت تاريخ وتراث المنطقة ونقلته للأجيال، في مرحلة اتسمت بسرعة التحولات وشدتها.
البداية.. في كُتّاب القرية
في قرية نائية بإقليم "السرّ" غرب نجد، ولد حمد الجاسر العام 1910؛ حيث مولده ونشأته في قرية البرود (شمال غرب الرياض)، التي كان جميع سكانها يمتهنون الفلاحة، وكان أبوه، كسائر أهل القرية، فلاحاً فقيراً. وكان حمد طفلاً هزيل البنية، لم يستطع مساعدة أبيه في الفلاحة، وبعد أن يأس أبوه منه قرر إدخاله كُتّاب القرية، وفيه تعلّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم.

جانب من آثار قرية البرود القديمة كما تبدو اليوم حيث نشأ حمد الجاسر

إماماً ومعلماً
عندما بلغ حمد من العمر عشرة أعوام، وبعدما رأى منه أبوه نجابة وحرصاً على العلم، ذهب به إلى مدينة الرياض، أكبر مدن نجد آنذاك وعاصمة المملكة السعودية، وكان ذلك العام 1920؛ حيث أودعه عند قريب له من جهة أمه، كان يطلب العلم هناك، فواصل تعليمه عنده، وتعلم مبادئ العلوم الشرعية من فقه وعلم التوحيد.
غير أنّ قريبه توفي بعد عامين، فقرر مغادرة الرياض، وبعد عودته إلى القرية لم يلبث أبوه أن توفي، فكفله جده، وكان إمام مسجد القرية الوحيد، وصار يساعد جده في الإمامة فينوب عنه أحياناً، ثم أصبح معلماً لصبيان القرية في الكُتّاب.

اقرأ أيضاً: حسين مروّة.. وُلد شيخاً ومات طفلاً برصاص الحقد الطائفي
وفي رمضان عام 1926، انتدب الجاسر إلى البادية ليكون مرشداً دينياً لفخذ من قبيلة عتيبة تدعى "الحَوَاما"، فكان يصلي بهم ويعلمهم أمور دينهم، وكان ينتقل معهم في البادية، وقد أثارت هذه الرحلات عنده الاهتمام بحفظ التراث الشفوي والأنساب لدى القبائل.
وفي العام 1927 ذهب الجاسر إلى الرياض مجدداً، وهذه المرة استقر فيها لطلب العلم على مشايخها، فقرأ على الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، قاضي مدينة الرياض للحضر، وعلى الشيخ سعد بن حمد بن عتيق قاضي مدينة الرياض للبادية. وحفظ ودرس المتون الأساسية، في علوم اللغة والشرع، كـ "الآجرومية"، و"الأصول الثلاثة"، و"ملحة الإعراب"، ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

ارتحل الجاسر إلى الرياض لطلب العلم على مشايخها

من نجد إلى الحجاز
وفي السنة التالية كان المعهد الإسلامي السعودي قد افتتح في مدينة مكة بالحجاز، وهو من أولى المؤسسات التعليمية النظامية في المملكة، وكان الجاسر قد ذهب إلى مكة قاصداً الحج، ولكنه قرر البقاء والالتحاق بالمعهد، وبالتحديد في قسم القضاء الشرعي.
هناك استفاد من الاتصال بوجوه النخبة الثقافية الحجازية، من الأساتذة الموجودين آنذاك في المعهد، كمحمد حسن عواد، وعبد القدوس الأنصاري وغيرهم، الذين كانوا قد اطلعوا واتصلوا بالثقافة والفكر الحديث؛ حيث كانت الصحف المصرية تصل يومياً إلى مكة، وكان لها تأثير ثقافي مهم.
وبعد تخرجه من المعهد، عُيّن العام 1934 مدرساً في ينبع، على ساحل البحر الأحمر، وبعد سنتين عُيّن مديراً للمدرسة التي كان يعمل بها، ثم عين قاضياً في مدينة ضبا شمال الحجاز.
إلى القاهرة
لم يرغب الجاسر بالاستمرار في سلك القضاء، وقرر الاستمرار في مسيرة العلم، فترك الوظيفة والتحق بالبعثات السعودية، وسافر إلى مصر؛ حيث التحق بكلية الآداب بجامعة الملك فؤاد، وكان ذلك في العام 1937.
وكان السائد آنذاك أن يتم ابتعاث الطلبة السعوديين إلى الجامع الأزهر أو إلى دار العلوم، وهما المؤسستان المعروفتان بالاتجاه المحافظ والتراثي، ولكن الجاسر اختار كلية الآداب في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة اليوم)، والتي كانت ذائعة الصيت آنذاك، ومعروفة باتجاهها الحداثي؛ حيث كانت تزدحم فيها أسماء العديد من كبار الأدباء والمفكرين وفي مقدمتهم: طه حسين، وابراهيم مصطفى، وأحمد أمين، ومحمد شفيق غربال. وكان طه حسين قد أوصى شخصياً بقبول الجاسر في الكلية بعد اختباره. وقد تركت الدراسة في جامعة الملك فؤاد أثراً كبيراً عند الجاسر؛ حيث كانت فرصة للاتصال بالمنهجيات والمذاهب والاتجاهات الفكرية الحديثة.

أوصى طه حسين شخصياً بقبول الجاسر في كلية الآداب

العودة إلى الوطن
وبعد أن نشبت الحرب العالمية الثانية أواخر العام 1939، أمر الملك عبد العزيز بإعادة جميع الطلبة المبتعثين من مصر؛ حيث كانت مصر آنذاك لا تزال تحت إدارة بريطانيا، التي كانت طرفاً أساسياً في الحرب. فرجع الجاسر من القاهرة إلى مكة، ولم يستقر بها طويلاً، فسافر إلى الرياض، ثم انتقل إلى الأحساء في شرق المملكة، حيث اشتغل هناك معاوناً لمدير المدرسة السعودية بالهفوف. وفي العام 1949 عينته الحكومة رئيساً لمراقبة التعليم بمدارس الظهران. ثم عاد إلى نجد بعد أن اختاره ولي العهد معتمداً لمدارس نجد، قبل أن يصبح أول مدير لكليتي الشريعة واللغة العربية في الرياض اللتين كانتا النواة لإنشاء جامعة الإمام محمد بن سعود.

اقرأ أيضاً: طه حسين: إيمان بانقشاع الظلمة ولو بعد حين
وكانت المملكة في عهد الملك عبد العزيز آل سعود (1932 - 1953)، قد شهدت حركة نهوض وبناء في مختلف المجالات، وخصوصاً خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات؛ حيث تم استقطاب الخبرات والكفاءات العربية والسعودية للمشاركة في بناء المؤسسات، فكان الجاسر من ضمن هذه الكفاءات.
ولم يقتصر الجاسر على تولي المناصب داخل السعودية فقط، وإنما كان عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية في القاهرة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عُمان، وعضواً مراسلاً في مجامع اللغة العربية في كل من دمشق، وعمّان، وبغداد، إضافة إلى عضويته في المجمع العلمي بالهند.

اختاره الملك عبد العزيز ليكون ضمن الكفاءات المساهمة في النهضة التعليمية

رائد الصحافة والنشر
كان الجاسر حريصاً على نشر العلوم والمعارف خارج الأطر الأكاديمية، ما دفعه بدايةً إلى تأسيس مكتبة "العرب"، التي كانت الأولى من حيث تخصصها ببيع الكتب الحديثة، ثم بادر الجاسر إلى تأسيس أول مجلة في الرياض، وهي مجلة "اليمامة"، وكان ذلك العام 1952، وكانت مجلة شهرية، قبل أن تتحول إلى صحيفة أسبوعية ثم يومية، ليكون الجاسر بذلك مؤسس الصحافة في نجد، وكانت اليمامة قد واجهت اعتراضات عديدة من قبل الشيوخ المحافظين، الذين لن يتقبلوا الأفكار والمناهج الجديدة التي أتت بها.

اقرأ أيضاً: علي شريعتي: إنسانية الفكر والإصلاح
كانت "اليمامة" تطبع بدايةً في القاهرة، ولكن عملية الطباعة في مصر ثم نقلها إلى السعودية لم تكن مجدية، فقرر الجاسر إنشاء أول دار للطباعة في السعودية، وكان ذلك في العام 1955.
وفي العام 1965 أسس مجلة الرياض اليومية التي أصبح رئيس تحريرها أيضاً. وفي العام 1966 تطورت اليمامة إلى دار للبحث والترجمة والنشر. وفي العام ذاته، أسس الجاسر مجلة العرب، والتي مزجت الصحافة بالأدب، وتخصصت في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وأنساب قبائلها.

واجهت "اليمامة" الصحيفة الأولى تأسيساً بالرياض معارضة من قبل المحافظين

عشرات الكتب والمؤلفات
كتب الجاسر العشرات من الكتب، وقد انصبّ جلّ اهتمامه على علوم الجغرافيا والتاريخ؛ حيث استفاد من تنقله في أنحاء المملكة في التعرف عن قرب على الأماكن والقبائل المختلفة، وقد وضع في مؤلفاته خلاصة تلك الرحلات والتجارب. وكانت أهمية مؤلفاته التاريخية أنّها وثقت حقبة مهمة من التاريخ السعودي كان يمكن أن تندثر، وخاصة فيما يتعلق بالتراث الشفوي الذي لم يكن يحظى قبله باهتمام ولم يكن يكتب.
وتميزت مؤلفات الجاسر الجغرافية بدمج الأدب بالجغرافيا وتطوير ما عرف بـ "الجغرافيا الأدبية" و"الجغرافيا الثقافية"، فكان مهتماً بالأماكن من حيث الأهمية الأدبية؛ فيذهب مثلاً إلى المعلقات ويبحث في الأماكن التي تذكرها القصائد، وهكذا.
كَتَبَ الجاسر في الجغرافيا: كتاب "المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية". وفي الرحلات: "رحّالة غربيّون في بلادنا"، الذي تقصّى فيه سير بعض الرحالة الغربيين الذين مرّوا بالجزيرة العربية، و"رحلات حمد الجاسر للبحث عن التراث"، و"في الوطن العربي"، و"إطلالة على العالم الفسيح"، و"في شمال غرب الجزيرة".

استفاد من تنقله في أنحاء المملكة في التعرف عن قرب على الأماكن والقبائل المختلفة

وقد حقق عدداً من الكتب الجغرافية، منها: "الأماكن" للحازمي، و"الأمكنة والمياه والجبال" لنصر الإسكندري، و"المغانم المطابة في معالم طابة"، و"الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة" للجزيري، كما قام بتحقيق "معجم البلدان" لياقوت الحموي.
وفي السير والتراجم، كتب الجاسر: "مع الشعراء"، ترجم فيه لبعض الشعراء المجهولين، وترجمة "إبراهيم بن إسحاق الحربي"، وكتابه "ابن عربي موطّد الحكم الأموي في نجد"، وتناول فيه سيرة إبراهيم بن عربي أطول ولاة بني أمية زمناً في ولايته (32 عاماً). وكتب في النسب: "معجم قبائل المملكة العربية السعودية"، و"جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد"، و"باهلة القبيلة المفترى عليها". وكتب في تاريخ البلدان: "بلاد ينبع"، و"مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ".

اقرأ أيضاً: بنت الشاطئ: من ضفاف الهامش إلى آفاق الريادة
وحقق الجاسر كتباً تاريخية عديدة، منها: "رسائل في تاريخ المدينة"، و"البرق اليماني في الفتح العثماني" لقطب الدين النهروالي، و"الإيناس في علم الأنساب" للوزير المغربي، و"معجم الشيوخ" لابن فهد.

من مؤلفات حمد الجاسر

جوائز وأوسمة
نال الجاسر العديد من الجوائز وشهادات التقدير خلال مسيرته الطويلة. كان منها: جائزة الدولة التقديرية في الأدب العام 1984، لإسهامه في إثراء ميادين الفكر والأدب. كما منح وسام التكريم من مجلس التعاون الخليجي العام 1990، وفي العام 1995 منح وسام الملك عبد العزيز عندما اختير الشخصية السعودية المكرمة في المهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية. كما منحته جامعة الملك سعود العام 1996 الدكتوراة الفخرية لما قدمه للساحة الثقافية من عطاء، ولإثرائه المكتبة العربية، وفي ذات العام نال جائزة الملك فيصل للأدب العربي عن موضوع "أدب الرحلات في التراث العربي"، وجائزة "سلطان العويس" الأدبية في الإمارات العربية المتحدة، في مجال الإنجاز الثقافي والعلمي، وجائزة الكويت للتقدم العلمي عن كتابه "أصول الخيل العربية الحديثة".

وفاة علامة الجزيرة
توفي حمد الجاسر العام 2000، عن عمر يناهز التسعين عاماً، في مدينة بوسطن الأمريكية؛ حيث كان يتلقى العلاج. وبعد وفاته أقامت أسرته وتلاميذه مركزاً ثقافياً للحفاظ على تراثه العلمي، وهو مركز يقوم على رصد ما كتبه الجاسر ونشره منذ أن بدأ يمارس الكتابة في الصحف المحلية والعربية، إلى أن وضع مؤلفاته  المتخصّصة.

بعد وفاته أقامت أسرته وتلاميذه مركزاً ثقافياً باسمه

قضى الجاسر أكثر من سبعين عاماً من عمره في البحث والكتابة والتأليف والتحقيق، واستطاع من خلال أبحاثه ومؤلفاته حفظ التراث واستنطاق الجغرافيا في شبه الجزيرة العربية، فاستحق بذلك اللقب الذي أطلق عليه، وعرف به: "علامّة الجزيرة العربية".

اقرأ المزيد...

الوسوم: