الأمين البوعزيزي: الحكم باسم الإله أشد نظريات الحكم استبداداً

2017-11-23

قال الباحث التونسي الأمين بوعزيزي: إنّ ما يسمّى "الإسلام السياسيّ" اليوم منخرطٌ في مشاريع جاء الإسلام للإطاحة بها، التسمية الأدق لهذه التيارات؛ هي تيارات تدْيِين السياسة؛ أي الحكم باسم الإله، أو العناية الإلهية، وهي أشدّ نظريات الحكم تخلّفاً واستبداداً، وقد مثّل الإسلام ثورةً معرفيةً وسياسيةً للإطاحة بها، واللحظة التاريخيّة تتطلب اليوم مثقفاً نقدياً مشتبكاً، يمارس دورَين: الملتحم ميدانياً بما يجري من معارك مواطنية اجتماعية (ثورات الحشود المقاومة للاستباحة والإذلال)، والناقد للجلّاد والضحية معاً (المقاوم لأيديولوجيات الهيمنة المعتدية من الدّاخل والخارج)؛ فعلى المثقّف ألّا يبرّر لحظات الارتكاس الماضوي باسم الهويّة، وألّا يقع في فخّ أدوار المخبر المحلي المحرّض على ثقافة شعبه، المحمّل إياها كلّ المصائب.
ورأى البوعزيزي أنّ تجارب "الإسلام السياسيّ" محاكاة للمعتدي، أكثر ممّا هي إبداع، فما يفعله الإسلامويّون مشتقٌّ من جوهر ما يدّعون أنّهم يقاومونه؛ فهم يعيدون إنتاج الواقع تحت راياتهم، وليس لخطابهم أو ممارستهم أيّ جوهر تحرّري، سواء في علاقته بالنصّ المؤسس، أو بقيم العصر.
الأمين بوعزيزي؛ باحثٌ جامعيّ ملحقٌ بالبحوث بالمعهد الوطني للتراث في تونس (قسم الثقافة الشعبية والتراث اللامادي)، حاصل على الإجازة في التاريخ وشهادة الدراسات المعمقة (DEA)، ويعدّ أطروحة دكتوراه في التراث الثقافي، وهو إلى ذلك ناشطٌ في قضايا الحرية والتحرّر، وله دراسات قيد الإعداد، منها: "حقّ الخلف في تدبير زمانهم"، وفي "المسألة الإسلامية".
"حفريات" التقته، فكان هذا الحوار:

*لا ريب في أنّ الإسلام السياسيّ مفهومٌ كسائر المفهومات التي تتأثّر بالتحوّلات التاريخيّة وبالتجارب التي خاضها المؤمنون به، فهل يمكن أن نصل اليوم إلى تحديدٍ دقيقٍ لهذا المفهوم في ظلّ التحوّلات الكبرى التي شهدها هذا التيار؟
- الإسلام السياسيّ: هذا الاجتراح المفهوميّ اجتراحٌ فرنسيّ علمانيّ بمتخيّلات مسيحيّة في تصوّر ماهية الدّين، ومن يطرحون قضيّة الإسلام السياسيّ يستحضرون المسيحيّة في نصّها المؤسّس "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". بعد قرون انتصرت الحداثة على كهنة الكنيسة الذين مارسوا المسيحية السياسية (تدخّل الباباوات في تدبير الشأن العام، ومنافسة القيصر (الأباطرة) في أدوارهم التي تعهّدت المسيحية بعدم التدخل فيها)، ودشنت الحداثة عصرها باستبعاد الدين من المجال العامّ، وأطلقوا على ذلك العلمانية.

لا توجد ثورات؛ بل توجد مسارات ثوريّة، وما يجري في المنطقة العربيّة هو انفجارٌ تاريخيٌّ

القائلون بـ "الإسلام السياسيّ" يستحضرون هذه المعركة التي دارت رحاها في أوروبا، فهي تسميةٌ لها خلفيّاتها العقديّة والسياسيّة تنطلق من تعريف المسيحيّة لنفسها، وما انتصار العلمانية على الكهنوت الكنسي إلّا عودٌ إلى جوهر المسيحية زمن السيد المسيح، وبالعودة إلى النصّ القرآني المؤسّس في الإسلام، نجده قد تدخّل في الشأن العام (المسيحية رسالة تكتفي بالتبليغ المحرّض على الكف عن عبادة البشر/ عبادة الإمبراطور الروماني (le culte impérial) وتنظيم علاقة المؤمن بخالقه، في حين أنّ الإسلام لا يكتفي بالتحريض على الكفّ عن عبادة الحجر والبشر، إنّما نجده، أيضاً، يشرّع لتنظيم المجال العام؛ أي التحريض على مقاومة القيصر، وعدم ترك القيصر يفعل ما يشاء، وعدم محبّة الأعداء (أحبّوا أعداءكم)، إنّما تتوجّب مقاومتهم، ما يجعل من معركة تجريده من مهمّة تدبير الشأن العام محاولةً لتنصيره؛ أي جعله يقف على الحياد في مسألة علاقة القيصر (الحاكم) برعاياه، على الشاكلة المسيحية.

الفاعل الدينيّ في الإسلام

*إذاً؛ ماذا تقترحون من بدائل اصطلاحيّة عن الإسلام السياسيّ؟
-إنّ انطلقنا من تعريف الإسلام لنفسه كونه انتظاماً إبراهيمياً لاستكمال مسيرة تحرير البشر من عبادة البشر والحجر، فالإسلام يتميّز عن المسيحيّة بأنّه لم يقف على الحياد في علاقة البشر بالقيصر، فقد حاول الإسلام تنظيم علاقة الحاكم بالبشر؛ إذ أمر المؤمنين به أن يقاوموا ظلم الحاكم للبشر، وهذا ما سمّته العلمانية لاحقاً "الإسلام السياسيّ"، وكأنّ الفاعل الدينيّ في الإسلام لا يحقّ له التدخّل في الشأن السياسيّ، وإن تدخّل سمّي إسلاماً سياسيّاً، والحال؛ أنّ الإسلام في جوهره سياسيّ، والفاعلون السياسيّون المستندون إلى الإسلام يتّخذونه مرجعيّةً، فهم كسائر الأحزاب التي تتّخذ لها مرجعيّة ماركسيّة أو ليبراليّة، أو أيّة سرديّة مُؤَسّسة، وهو ما يطرح سؤال: إلى أيّ حدّ كانت التيارات الإسلاموية وفيةً لطبيعة النصّ الذي أمر الناس أن يقاوموا القيصر؟ وهل تيارات الإسلام السياسيّ منخرطةٌ في جوهر الرسالة التي يتخذونها مرجعيةً أم يروّجون لمضامين تناقضها؟
ما يسمّى "الإسلام السياسيّ" اليوم في علاقته بهندسة العالم، منخرطٌ في مشروعاتٍ جاء الإسلام للإطاحة بها، فالتسمية الأدق لهذه التيارات هي "تيارات تدْيِين السياسة"؛ أي الحكم باسم الإله أو العناية الإلهية، وهي أشدّ نظريات الحكم تخلّفاً واستبداداً، وقد مثّل الإسلام ثورة معرفية وسياسية للإطاحة بها؛ إذ تعدّ شهادة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" عنوان براءةٍ من كلّ حاكمٍ يستبدّ بالبشر باسم الإله، أو باسم الانتساب إلى أنبيائه، فالقرآن الكريم لم يشرّع أيّ نظام للحكم باسم الله أو باسم الانتساب للنبيّ، مكتفياً بفرض شروطٍ للحكم منتصرةٍ لحقّ البشر في تقرير مصيرهم (إذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل، وعليكم بشورى الناس والمساواة أمام القانون، واشتراط طاعة الحاكم ما دام مستجيباً لهذه الشروط، وإلّا فإنّ الثورة عليه واجبةٌ)؛ إذ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، ما يجعل أيّ بناءٍ، وأيّ نظام حكمٍ يستند إلى قبيلة النبي أو بيت النبي، هو مجرّد نكوصٍ إلى النظم التي حرّض الإسلام على القطع معها، لا على إعادة إنتاجها.
انحراف تيارات "الإسلام السياسي" ليس لممارستها السياسة، فذاك جوهر الإسلام؛ إنّما لانخراطها في تديين السياسة؛ أي الترويج لنظم حكمٍ جاء الإسلام رسالة حريّة لعتق البشر منها، ما يجعلنا نتساءل: ترى هل الإسلامويّون إسلاميّون؟
*ما تقييمكم، إذن، لتجربة الإسلام السياسيّ، انطلاقاً في تحوّلها من الدّعوة والمعارضة إلى السلطة والحكم؟
-عندما انتصرت الحداثة في أوروبا على أنموذج الدولة الإمبراطوري الذي يقوم على حقّ الفتح والغلبة، وميلاد نموذج الدّولة الأمّة الذي يقوم على حقّ السّيادة وتقرير المصير، والانتصار على البابوية التي تفرض نفسها على المجتمع والدولة، حقّقت بذلك انتصار واقع السّيادة الوطنية في مواجهة الإمبراطورية والسيادة الشعبية في مواجهة المؤسسة الكنسية، ومع نهاية الحرب العالميّة الأولى تمت تصفية الإمبراطورية العثمانية (الأطول عمراً في التاريخ)، وإعلان الدّولة الأمة العلمانيّة في تركيا.

إذا كانت أوروبا قد تحرّرت بالعلمانيّة، فالعرب اليوم أيضاً يخوضون معارك التحرّر من إرهاب الطغاة

في رحم هذه التحولات في العلاقات الدولية والنظم السياسية، نشأ ما يعرف بـ"الإخوان المسلمين" في مصر (قلب الوطن العربي)، ونشأتهم، في الحقيقة، هي ردّة فعلٍ على ما جرى، وعدم القدرة على استيعاب تحولاته، خصوصاً أنّ ما تمت هندسته كان على حساب العرب (إعلان سايكس- بيكو، ووعد بلفور)، وهي أجواء تستدعي المقاومة وردع العدوان؛ إذ رأى الإخوان في كلّ ما يجري "مؤامرةً كونيّةً كسرت بيضة الإسلام وأنهت خلافة المسلمين"، وهو مجرّد ردّ فعلِ عاطفي، جعل من أطروحاتهم مجرّد ارتكاسٍ لتجربةٍ تاريخيّةٍ آفلةٍ عجزت عن البقاء في ظلّ تحوّلاتٍ هائلةٍ تعرفها الإنسانية، في ما عرف بزمن الحداثة، ما جعل الإخوان، بمختلف تفرّعاتهم، يقدّمون تضحياتٍ جسيمة، لكنّها تفتقد لمشروعٍ تحرّري حقيقيّ نقيض للعدوان، مكتفين بالانخراط في خوض معارك ضمن المربعات التي رسمها الاستشراق الكولونيالي الذي اختلق مقولة الهوية لتسويق الحداثة، مثلما سوّق مقولات "التخلّف والبدائية والهمجيّة" لتسويق مقولات "التقدّم والتنوير"، لاستباحة المجتمعات المغزُوّة بضميرٍ مرتاحٍ.

الحلول التي يطرحها الإسلاميّون
*وهل يمكن القول: إنّ السؤال الذي طرحه الإسلاميّون على الواقع قد كان سؤالاً أساء أصحابه فهم الواقع؟

-نعم، الحلول التي يطرحها الإسلاميّون هي ردّة فعلٍ لا إبداع فيها؛ فهم لم يدركوا أنّ الإنسانيّة دخلت أطواراً جديدةً تحتاج إلى فقهٍ جديدٍ للواقع، عوضاً عن التشرنق الماضوي المتخيل، ولعلّنا إن قارنّا كيف تعاملت شعوبٌ أخرى مع نفس الأزمة التي عاشها المسلمون، لوجدنا أنّها سلكت سبلاً أخرى إبداعيّةً، وأنتجت مشروعاتٍ فكريةً وفلسفيةً لمقاومة هجمة الهيمنة الأوروبية، بمرحلتيها؛ الكولونيالية والإمبريالية، على بقية العالم.
فأمريكا اللاتينية أنتجت مجموعة "حداثة/ كولونيالية"Modernity) / (Coloniality: فريق من الفلاسفة المنخرطين في عصيان إبستيمولوجي، أمثال:
"والتر ميغنولو (Walter Mignolo)"، و"رامون غروسفوغيل (Ramon Grosfoguel)"، و"أنريك دوسيل (Enrique Dussel)"، و"هانيبال كيخانو (Anibal Quijano)"، لخوض معارك التحرّر المعرفي وتصفية الكولونيالية.
تحرّرٌ معرفيٌّ تجاوز يمين المركز الغربي ويساره، رافضاً التحيّز الإبستمولوجي الذي تمارسه نظريات المعرفة الغربية ضدّاً على غير الأوروبيين، حين وصمتْهُم بـ"البدائيين والهمجيين، والبربريين، والمتخلّفين"، لتبرير الغزو الكولونيالي الذي اكتسح العالم خلال القرن التاسع عشر وما تلاه، وتحررٌ معرفيٌّ يُدرج معارك التحرر الكياني والاقتصادي ضمن مشروعات تحرّرٍ وطنيٍّ شاملٍ.

سيظلّ الإسلامويّون جزءاً من المشكل لا جزءاً من الحلّ. ما لم يدركوا أنّ الإسلام يدعو إلى التقدم

كذا فعل بعض فلاسفة آسيا حين تساءلوا في استنكارٍ للتمركز الغربي المحتكر للعقل: "هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟"، و"هل يقرأ الأوروبيّون؟" (أي هل يقرؤون ما يكتبه غيرهم) حميد دباشي (Hamid Dabashi)، و"هل يستطيع الآسيويون التفكير؟" كيشور محبوباني (Kishore Mahbubani).
وفي الهند؛ نشأت مدرسة التابع (Subaltern Studies) تردّ على ما تسمّيه المفكّرة "سبيفاك جاياتري (Gayatri Chakravorty Spivak)"؛ "العنف الإبستمولوجي" الذي تمارسه المعارف الغربية في حقّ الشعوب والأمم المحتلة من إسكاتٍ ثقافي، مجترحةً مناهج بحثٍ سياقيةٍ للمجتمعات والطبقات والثقافات المضطهدة.
ولعلّ ما يلفت الانتباه المحيّر؛ أنّ كلّ هؤلاء تأثروا بأطروحات المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، صاحب السبق في كتابَيه: "الاستشراق" و"الإمبريالية الثقافية"، في حين تخلو المنطقة العربية من استفادةٍ حقيقيةٍ منه؛ فالإسلامويّون، المعنيّون ظاهراً برفض الإمبريالية الثقافية الغرباوية المسيحانية التي تستفرد بهندسة المعنى في العالم، اكتفوا بالكسل الفكريّ، والحنين إلى تجارب الماضي، فوردت خطاباتهم مغتربةً عن الزمان وعن جوهر نصّ القرآن نفسه؛ إذ طرحوا "الخلافة على منهاج النبوة"، والحال أنّها نظامٌ مشتقّ من البابويّة/ الإمبراطورية، نظام الوصاية على البشر باسم العناية الإلهيّة، ولا يهمّ ساعتها إن ادّعوا أّنهم يتبنّون ما أجمع عليه السلف؛ فالسلف الذي يستدعونه هو فقه الأحكام السلطانية التي كانت أقرب إلى روح زمانهم من جوهر القرآن.
*هل معنى ذلك أنّ الإسلام السياسيّ ظلّ رهين ردّة فعل ولم يستطع أعلامه تأسيس أنساق جديدة؟
-قامت الحداثة على تحرير البشر من كلّ أشكال الاستبداد، وكانت تزهو بانتصار الإنسان، لكن؛ أيّ إنسان؟ إنّها في الوقت الذي نظّرت لتحرير الإنسان، استعبدته وارتبطت بمدّ كولونيالي، فاحتلّت فرنسا الجزائر مثلاً، وهذه الريبة من الحداثة ولّد عند المُعتدى عليهم استجابةً انفعاليةً لدى التيارات الإسلاموية، بدل أن تكون استجابةً إبداعيّةً؛ فالإسلامويّون حاولوا استعادة تجربة من التاريخ تقوم على حقّ الغلبة/ الفتوحات (سيف ومصحف)، في حين أنّ الإنسانية انخرطت، منذ أكثر من قرنٍ، في معارك حقّ تقرير المصير ضد كلّ نزوعٍ هيمنيّ.
كان على التيارات الإسلاموية الانتباه إلى الآية القرآنيّة الكريمة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ، المعبّرة عن جوهر العلاقات الدوليّة القائمة على التعارف الذي يقتضي احترام الوجود، أمّا الفتوحات فكانت من جوهر الزمن الإمبراطوري الآفل، ممّا جعل ما يطرحه الإسلاميون اليوم بعيداً عن التحرّر، وإن اصطدم بضراوة مع الغرب المعتدي.

"هل قرأنا القرآن؟"
*إذاً ما هي أهمّ آليّات تحرير الإسلام من "التسلّط السلطوي" ومن الاختطاف الكهنوتي المغترب في الزمن؟ وكيف يمكن الحفاظ على قيم المواطنة في إطار خطاب أسّسه فقه الطاعة؟

- تساءل المفكّر يوسف الصديق يوماً: "هل قرأنا القرآن؟" ترى هل تَمثّل المسلمون تاريخياً قرآنهم، أم كانوا أقرب إلى روح زمانهم؟
أسّس النبيّ دولة المدينة على أساس الصحيفة (دستورٌ وضعيٌّ في ظلال القرآن)، وبعث رسائل إلى أباطرة زمانه يدعوهم إلى الإسلام بالحسنى، وحرّض عمر بن الخطاب، الخليفة الثاني للمسلمين، رعاياه لاحقاً على تقويم اعوجاجه إن انحرف، لكن منذ خلافة عثمان بن عفّان؛ بدأت روح الزمان تنتصر على روح القرآن، ساعة صرخ عثمان في وجه الثائرين عليه قائلاً: "كيف تنزعوني قميصاً ألبسنيه الله؟"، وهي جملةٌ تمتح من روح نظم الحكم السائدة في زمانه باسم العناية الإلهيّة، يعني النقيض لما أراده القرآن، والنقيض لما دعا إليه عمر بن الخطّاب الذي حرّض رعيّته على تقويمه إن انحرف عن الحكم بالعدل، وأضحى المسلمون، منذ تلك اللّحظة، يحكمون بروح الزمان لا بنصّ القرآن، والإسلامويون اليوم يخلطون بين القرآن والممارسات التاريخيّة للمسلمين؛ لهذا فهم يتخبّطون، فقد أساؤوا لقرآنهم، وضيّقوا على زمانهم، وأصبح من الصحيح تسميتهم "تيارات تديين السياسة" عوضاً عن تسمية "الإسلام السياسي"، التي رام مطلقوها (العلمانية الكولونيالية التبشيرية) تنصير الإسلام؛ أي استبعاده من معركة مقاومة ظلم الحكّام المستبدّين (المتألّهين في الأرض)؛ إذ إنّ شهادة "لا إله إلا الله" هي جوهر رسالة الإسلام.
*في هذه اللحظة التّاريخيّة التي يشهد فيها العالم الإسلاميّ أزماتٍ متعاقبةً؛ ما دور المثقف اليوم في التفاعل مع الإسلام والسياسة؟
-إذا عدنا إلى التعريف الشائع الذي أقرّه "غرامشي" (Antonio Gramsci)؛ ألفينا المثقف العضويّ مثقّفاً قادراً على التواطؤ مع طبقته أو مع أمّته، لكنّ جوهر اللحظة اليوم تحرّري؛ لذلك فإنّها لا تتطلّب مثقفاً عضويّاً يرتكس للتاريخ ليسقط فيما أسميتموه الإسلام السياسيّ، أو يقع في الترويج لدكتاتوريّة البروليتاريا، أو يغرق في التزامٍ قوميّ سلطويّ، حوّل العروبة من رابطة مواطنيّة للخلاص من جحيم الطائفيّة الدينيّة والقبليّة والاثنيّة إلى جحيمٍ جديدٍ.

الإسلامويون اليوم يخلطون بين القرآن والممارسات التاريخيّة للمسلمين؛ لهذا فهم يتخبّطون، فقد أساؤوا لقرآنهم، وضيّقوا على زمانهم

اللحظة التاريخيّة اليوم تتطلب مثقفاً نقدياً مشتبكاً يمارس دورَين: الملتحم ميدانياً مع ما يجري من معارك مواطنية اجتماعية (ثورات الحشود المقاومة للاستباحة والإذلال)، والناقد للجلّاد والضحية معاً (المقاوم لأيديولوجيات الهيمنة المعتدية من الدّاخل والخارج)؛ أي ممارسة النقد المزدوج بعبارة المفكر عبد الكبير الخطيبي)، على المثقّف ألّا يبرّر لحظات الارتكاس الماضوي باسم الهوية (مفهوم اختلقته الحداثة)، وألّا يقع في فخّ أدوار المخبر المحلي المحرض على ثقافة شعبه المحمّل إياها كلّ المصائب.
الإسلامويّون يحملون زفرة المضطهد كيانياً وثقافياً، لكنّ أيديولوجياتهم تَضطهِد ولا تحرُّرَ فيها، والمثقّف النقدي المشتبك ليس من مهماته التحريض على استئصالهم، وليس من مهماته، أيضاً، التواطؤ معهم، فالمثقف النقدي المشتبك هو المنخرط في معارك التحرر بمجتمعه، لا رغماً عن مجتمعه، الفرق بين المثقف النقديّ المشتبك، والمُخبِر المحلي، أو الكمبرادور الثقافي الرثّ.

الثورة والإسلام والإرهاب
*ثمّة، في الأخير، ثالوث تدور في فلكه الأمّة: الثورة والإسلام السياسيّ والإرهاب، فما العلاقة الجدليّة بين هذه المفاهيم؟

-كثيرٌ من التونسيين يطعنون اليوم في الثورة، ويقولون إنّ الثورة في تونس لم تقم، وإنّ الثورة تتطلب قيادةً وتنظيماً ونظريّةً، وهو كلام أيديولوجيّ؛ لأنّ أغلب ما كتب عن الثورات الكبرى في التاريخ دُوّن لاحقاً بأيدِ سلطويّة ظافرة؛ فالثّورة البلشفيّة لم يقم بها الحزب الشيوعيّ؛ بل كانت أشبه بانطلاقة ما حدث في تونس، لكنّ قيادة الحزب الشيوعي الثّورة نحو تلك المسارات الممهورة في تنظيراته أمر آخر، كذا الشأن بالنسبة إلى الثورة الفرنسيّة.
الويلات التي عرفها الروس بعد الثورة كانت مضاعفةً عمّا هي عليه زمن القيصر، وويلات ما بعد الثورة الفرنسيّة في صيرورتها أشنع بكثير ممّا كانت عليه قبلها، فالثورات ليست مباراةً في الرياضة يتصافح في نهايتها المتبارون؛ بل هي كسر لبنية، وأثناء الكسر يغامر النّاس، فإمّا أن ينهزموا ويؤول الأمر إلى إعدامات وأحزان...إلخ، أو أن ينتصروا ويُكتب التاريخ بسرديّة جديدة وخيارات جديدة، هذا ما ندركه إذا نظرنا إلى الثورات المراجِع: الثورة الفرنسيّة الظّافرة، والثورة البلشفيّة التي أسمّيها دوماً الثورة المهزومة إلى حين؛ لأنّ مقولة العدل مقولة لا طعن فيها، وفشل تمرين اسمه الثورة البلشفيّة لا يعني أنّ الناس يئسوا من طوبى العدل.
لا توجد ثورات؛ بل توجد مسارات ثوريّة، وما يجري في المنطقة العربيّة لا تعبّر عنه كلمة ثورة، فما يجري في بلاد العرب هو انفجارٌ تاريخيٌّ أعمق من توصيفه بالثّورة، انفجار فتح ملفّات عالقةً ليس منذ عقود فحسب (بورقيبة والدولة الكولونياليّة)؛ إنّما تطرح الثورة التونسيّة في مداراتها العربيّة مسائل معلّقة منذ قرون، نسترجع، على سبيل المثال؛ اللحظة الرشديّة، ونزاع الفلسفة والشريعة.

ما يجري في بلاد العرب هو انفجارٌ تاريخيٌّ أعمق من توصيفه بالثّورة

أمّا مسألة الإرهاب؛ فيمكن القول فيها: إنّه قد وقع تكثيف هذا المصطلح، ليحيل متخيّله مباشرةً على الإرهاب الذي يمارس باسم الإسلام، وهذا ما أرادوا دفع الناس إليه.
يمكن التعامل مع هذه المسألة من زاويتين:
الزاوية الأولى: إنّ إرهاب الإسلامويّين يجري في أمّة مهزومة؛ لذلك لا بدّ من الحذر في التّفريق بين المقاومة وبين الإرهاب، فالمقاومة؛ دفاعٌ عن الذّات، والإرهاب؛ عدوانٌ على الذات وعلى الآخرين، ولنكن أكثر وضوحاً؛ فهل ما يجري اليوم باسم "داعش" يمتّ بصلة إلى قرآن هذه الأمّة أو إلى ثورات هذه الأمّة؟ هل هي مشروع للمقاومة أم هي مشروع مشتقّ من جوهر العدوان؟
الزاوية الثانية: إنّ توظيف مقولات الإسلام، واعتماد "ابن تيميّة" مرجعيّة لهذه الجماعات؛ هي مجرّد عدّة إيديولوجيّة لتعبئة الشّباب العربيّ في كيمياء شخصّيته يحمل ما يجعله يلبّي نداء الإسلام، لكنّ بعض الخيارات التعليميّة والثقافية الفاشلة جعلته لا يحمل في عقله ما يفرّق به ما يقال حقّاً، وما يقال باطلاً باسم الإسلام؛ لذلك كان من الطبيعيّ أن يسهل التأثير في النّاخبين باسم الإسلام، فمن يتكلّم باسم الإسلام يكون محلّ ثقة بين المسلمين، لكنّ ما أهدته هذه الثورات؛ أنّها حرّرتنا من طوبى الإسلامويين، وقد يستغرب البعض من هذا الموقف، ويتساءلون كيف ذلك؟
فأقول: إنّ ذلك يتجلّى في ثلاث مسائل:
أوّلاً: هذه الحركات "الظاهرة السلفيّة" التي أثبتت الوقائع أنّها أقرب إلى النظم السلطويّة التي ثار ضدّها الناس، إن لم نقل إنّها أحد أذرعها وأجهزتها القمعية لوأد الثورات. لكنّك لو قدمت آلاف المحاضرات والخطب لتقنع الناس بأنّ هؤلاء الدعاة دجّالون ومشعوذون، لما صدّقوك قبل قيام الثورة، بيد أنّ محنة الثورة أهدتنا إحدى ثمراتها، فأغلب الناس استفاقوا في قلب المحنة، وفي قلب الصراع أنّ هؤلاء دجّالون، ومجرّد أذرعٍ قمعيةٍ لدى الطغاة والغزاة.
المسألة الثانية: تتعلّق بنشطاء "الإسلام السياسيّ" الأقرب إلى الديمقراطية الشكلية؛ فقد كان الناس يعتقدون، قبل قيام الثورة، أنّهم أناس يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ الْحِسَابِ، وبمجرّد أن حكموا أفاق الناس على سلطويّتهم، وأيقنوا أنّهم ساسة سلطويّون كغيرهم.
المسألة الثالثة التي أهدتها الثورات لشعوبها: إظهار حقيقة "داعش" و"القاعدة" ومشتقاتها، فلولا الثورات ما أدرك الناس أنّ هذه التنظيمات هي مجرّد شركات أمنيّة (بلاك ووتر)، وهذه الحقيقة ما كنتَ لتقنع الناس بها، ولو ألقيت عليهم ألف خطبة وخطبة، لكنّ الثورات كفتنا كلّ هذا الجهد. فما يحدث اليوم - لا ريب – مؤلم، لكنّ الألم والكلفة الباهظة التي دفعتها الشعوب العربيّة الإسلاميّة هي الكفيلة بتحريرنا من هذه الحركات التي تدّعي الانتساب إلى القرآن، وهي أقرب إلى العدوان.

الألم والكلفة الباهظة التي دفعتها الشعوب العربيّة الإسلاميّة هي الكفيلة بتحريرنا من هذه الحركات التي تدّعي الانتساب إلى القرآن

فإذا كانت أوروبا قد تحرّرت بالعلمانيّة، وأقامت ثوراتها للتحرّر من جرائم كهنة الكنيسة والأباطرة، فالعرب اليوم أيضاً يخوضون معارك التحرّر من إرهاب الطغاة والغزاة والتكفيريين البغاة، وما يجري من ثورات اليوم يسهّل الطريق للحسم في هذه الحركات الإسلامويّة، التي تعلن في ظاهر خطابها التمرّد على العدوان، وإمبرياليّة المعنى وهندسة العالم مسيحيّاً، لكن عندما نتفحّص بدائلها في التنظير، أو في الواقع، نجدها تعيد إنتاج بدائل تشتقّها من جوهر العدوان تحت غطاء شعارات إسلاميّة، أو تحنّ بسذاجة إلى تجربة المسلمين في التاريخ، التي  يفترض أنّ الإسلام حجّة عليها، وليست هي حجّة عليه.
إنّ أهم درس أهدتنا إيّاه الثورات؛ أنّه لا يمكن الانتصار على شمولية هذه التيارات بغير الديمقراطية، أمّا قمعها فيساهم في تجذّرها أكثر؛ فهي التي تساهم وحدها في تطور هذه التيارات، في حين يساهم الاستبداد في انغلاقها أكثر.
في المحصّلة: عندما نسأل: ماذا يفعل الإسلاميّون اليوم في الثورات؟ هل حطّموها وكانوا جزءاً من العدوان عليها، وسهّلوا العدوان عليها، أم هم جزء من زفرة التحرّر فيها؟ للأسف، نجد أنّ ما فعلته التيارات الإسلامويّة، السلميّة منها والعنفيّة والدعويّة، كان أقرب إلى روح السّلطة ومخططاتها، وأبعد عن الواقع الذي يهفو إليه ضحايا السلطة.
الإسلامويون أبعد بكثير عن المنشود الثوري، ولولا محنة الثورات لما أفاق الناس على حقيقة هذه التيارات، وكأنه كان لا بدّ من هذه المحنة ليستفيق النّاس.
*أيّ مستقبل، إذاً، للحركات المتحصّنة بالإسلام التي ترفعه شعاراً لها؟
-ثمة أمام نشطاء هذه الحركات أمران: إمّا أن يلتحموا بالشعار الذي رفعه الفيلسوف "والتر ميغنولو" (العصيان الإبستمولوجي)، للتحرر المعرفي في مواجهة العنف الإبستمولوجي الغربي، وإمّا أن يظلوا جزءاً من تأبيد الواقع؛ إذ لا يوجد سبب وجيه لأن تنتصر اللحظة العولميّة اليوم لوجهة نظر اثنيّة محدودة في المكان والزمان اسمها "الحضارة الغربيّة وإسكات ثقافات أخرى"؛ فالحداثة لا تكون كذلك ما لم تر فيها الشعوب والثقافات كلّها وجهها وإسهاماتها، عوضاً عن إسكاتها ووصمها بالتخلّف والهمجية والطفولية.

ما لم يتم تحويل الإسلام إلى مفهومٍ فلسفيّ مقاومٍ لإمبريالية المعنى، سيظلّ الإسلامويّون جزءاً من المشكل لا جزءاً من الحلّ

فالتمسك بشهادة "لا إله إلاّ الله"، أو الإصرار على عدّ "الإسلام شريكاً في هندسة العالم" ليس نكوصاً عن الحداثة المنتصرة لسيادة الإنسان، إنّما هو صرخة تحرّرية، إذا ما وجدت تيارات مقاومة تستند إلى الإسلام من زاوية الرغبة في التحرّر المعرفيّ، والعصيان الإبستمولوجيّ من إمبرياليّة المعنى ومن الإمبرياليّة السيميائيّة والثقافية الغربية، وغير ذلك كلّه إغراق في الاتّباع والكسل الفكري؛ لذلك نقول: مازال الإسلامويّون طرفاً في تأبيد الواقع، أكثر من أنّهم طرف للتحرّر منه، وإن دفعوا أثماناً باهظة.
إن أراد الإسلامويّون النّصر، وأن يكونوا شركاء في هندسة العالم وشركاء في هذه الثورات، لا بدّ من الإبداع عوضاً عن الاكتفاء بالاتّباع، بيد أنّ الناظر في تجربتهم يلفيهم على عهدهم، لا يزالون يتّبعون الماضي الذين كان ثورياً في زمانه، لكنّ استدعاءه في غير سياقاته إساءةٌ له (إظهاره عاجزاً عن الإجابة عن أسئلة جديدة، وتضييقاً على الحاضر المحتاج إلى أجوبة جديدة)، وهم بذلك جزءٌ من تأبيد الواقع لا تغييره، وإن قدّموا تضحياتٍ جسام.
الإسلامويون يتطورون بإقحامهم نقدياً في الواقع السياسي، وليس باستئصالهم منه، ما لم يتم تحويل الإسلام إلى مفهومٍ فلسفيّ مقاومٍ لإمبريالية المعنى، سيظلّ الإسلامويّون جزءاً من المشكل لا جزءاً من الحلّ. ما لم يدرك الإسلامويّون أنّ الإسلام يدعو معتنقيه إلى التقدم نحوه عوض الحنين إلى تجاربه وتمثّلاته التاريخية، سيظلّون دوماً أعداء لثورات الشعوب؛ لأنّ المستقبل هو هوية الثورات وقبلتها لا الماضي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: