تركيب الأطراف صناعة تطوَّرت في سوريا خلال الحرب

1506
عدد القراءات

2018-07-22

للمرة الأولى منذ أكثر من عام، يتمكن عبد الغني من المشي، متكئاً على عكاز معدني يجره أمامه وساقين صناعيين تم انتاجهما في سوريا، بعدما حرمته قذيفة من طرفيه السفليين على غرار عشرات الآلاف من المصابين منذ اندلاع النزاع في 2011.

على مرأى من طفله ذي الشعر الأشقر والملامح الخجولة، يتدرب هذا الطبيب البيطري (48 عاماً) برفقة اختصاصي على خطواته الأولى بعد تركيب الساقين في قاعة العلاج الفيزيائي داخل مركز الأطراف الصناعية التابع للهلال الأحمر العربي السوري في دمشق.

ويقول الرجل ذو البشرة البيضاء والشعر الكث الذي غزاه الشيب “أريد أن أقف على رجلي مجدداً. أبذل جهداً كي أتمكن من خدمة نفسي ومزاولة مصلحتي التي أحبها وهي الطب البيطري” ولإعالة أسرته المؤلفة من زوجة وسبعة أطفال.

في آذار/مارس 2017، وأثناء عودته على دراجته النارية من مهمة تلقيح أغنام قرب مدينة حماة (وسط)، سقطت قذيفة قربه فأصيب وخسر طرفيه السفليين عند أعلى الفخذ.

ويروي عبد الغني وهو يرتدي سروالاً قصيراً وقميصا قطنيا أبيض “بعد إصابتي، شعرت بكثير من اليأس. أصبحت عديم الحركة وأحتاج من يخدمني.. كان ذلك ثقيلاً عليّ”.

ويضيف “بت أشعر بالخجل من ابني كلما رغبت في التوجه الى مكان ما”.

وبمساعدة طبيب في مدينة حماة، تعرف عبد الغني على المركز المدعوم تقنياً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر في دمشق، والذي يستقبل يومياً عشرات مبتوري الأطراف من مختلف المناطق السورية جراء إصابات حرب أو أسباب صحية.

ويأمل عبد الغني في أن يتمكن من السير بمفرده قريباً. ويقول “حالياً أنا في المرحلة الأخيرة، أي مرحلة التركيب والتمارين. أستلم الساقين في غضون أسبوع بإذن الله”.

في القاعة ذاتها، ينتظر العديد من مبتوري الأطراف بينهم كبار في السن وأطفال برفقة أفراد من عائلاتهم، دخول الاختصاصي حاملا ذراعاً أو قدماً تمت صناعتها في الغرفة المجاورة.

صناعة محلية

ويحاول شاب فقد إحدى ساقيه السير بين حاجزين حديدين يتكئ عليهما، من دون أن تفارق ملامح التأثر وجهه. ويجلس رجل آخر بترت ساقاه جراء عارض صحي على كرسي متنقل بانتظار أن يبدأ التدريب. على سرير حديدي فوقه فراش جلدي، تضع معالجة عازلاً مطاطياً على ساق طفل بترت تحت الركبة تمهيداً لتثبيت الطرف الصناعي فوقه.

في غرفة محاذية، ينهمك فنيون مختصون مع مساعديهم في صنع الأطراف وصيانتها باشراف خبير من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وينتهي أحدهم أثناء وجود فريق فرانس برس من صبّ ساق تترك معلقة على آلة حديدية، بعد تذويب مادة بلاستيكية في فرن وتطويعها على قالب من الجص مصنوع وفق القياسات المطلوبة.

على بعد أمتار، يثبت أحد التقنيين رافعة حديدية على طرف يتخذ شكل الفخذ، فوق طاولة عليها قدم داخل حذاء وأدوات مختلفة من منشار ومطرقة وآلات قياس ومفكات.

تحت الطاولات الموزعة في القاعة، وُضعت أشكال عدة من الأطراف العلوية والسفلية تم صنعها بقياسات متعددة، ودوِّنت أسماء المرضى عليها.

ويشير رئيس المركز الدكتور نذير كنعان المتخصص في الجراحة العظمية لفرانس برس الى ازدياد عدد المستفيدين من خدمات المركز الذي بدأ صناعة الأطراف في العام 2010، ثم تطور عمله تدريجياً بعد اندلاع النزاع وانتقل قبل أسابيع الى مقره الحالي.

وارتفع عدد الأطراف التي صنعها المركز من 250 في العام 2014 الى 500 العام الماضي. ومنذ أيار/مايو، يصنع المركز نحو 50 طرفاً في الشهر تقريباً، مع توافد المصابين من مناطق سيطر عليها الجيش بعد معارك عنيفة أبرزها الغوطة الشرقية قرب دمشق.

ويعد هذا المركز الأول من نوعه التابع للهلال الأحمر في سوريا ويقدم خدماته مجاناً للمدنيين الوافدين اليه من محافظات عدة. وتدير اللجنة الدولية للصليب الاحمر مركزاً مماثلاً في مدينة حلب. كما تدعم منظمات دولية مرافق طبية في مناطق خرج سيطرة الحكومة السورية.

"يأتينا محطماً"

ويوضح كنعان أن حالات البتر “ازدادت بسبب الأزمة والحوادث والطلقات النارية والشظايا والألغام” خلال سنوات الحرب.

وبحسب تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية في كانون الأول/ديسمبر، تسببت الحرب التي تشهدها سوريا منذ آذار/مارس 2011 باعاقة دائمة لمليون ونصف مليون سوري، بينهم 86 ألف شخص تسببت اصاباتهم بحالات بتر.

في قاعة التدريب ذاتها، تسير أماني (10 سنوات) برفقة معالجة للمرة الثانية بعد تركيب ساق صناعية لها مرتدية حذاء رياضياً جديداً شريطه زهري اللون.

وتلتزم أماني الصمت بينما تروي خالتها أم سليمان (28 عاماً) لفرانس برس ظروف اصابتها قبل سبعة أشهر. وتقول “خرجَت تلهو قرب المنزل في قريتنا أبو حمام، فانفجر لغم بها تسبب ببتر رجلها من تحت الركبة”.

وسيطر تنظيم الدولة الاسلامية الذي غالباً ما ترك بعد انسحابه من مناطق معينة ألغاما ومفخخات، على هذه القرية الواقعة في دير الزور (شرق) لسنوات قبل أن تطرده منها قوات سوريا الديموقراطية نهاية العام الماضي.

بعد شهر من ترددها الى المركز، تم تجهيز الطرف الخاص بأماني. وتقول خالتها “الحمدلله ستمشي مجدداً”.

وتشكل “أطراف البتر السفلي فوق الركبة وتحتها أكثر أنواع الاطراف التي يتم تصنيعها في المركز″، وفق المشرفة على المركز آيات عز الدين (28 عاماً).

وتضيف الشابة التي ترتدي ثوباً أبيض يحمل شعار الهلال الأحمر السوري “أحياناً يأتينا المريض محطماً نفسياً، ولكن عندما نركّب له الطرف ويقوم بوظائفه الحيوية، يفرح كثيراً”.

عن "أ ف ب" الفرنسية

اقرأ المزيد...

الوسوم:

تركيب الأطراف صناعة تطوَّرت في سوريا خلال الحرب

1506
عدد القراءات

2018-07-22

للمرة الأولى منذ أكثر من عام، يتمكن عبد الغني من المشي، متكئاً على عكاز معدني يجره أمامه وساقين صناعيين تم انتاجهما في سوريا، بعدما حرمته قذيفة من طرفيه السفليين على غرار عشرات الآلاف من المصابين منذ اندلاع النزاع في 2011.

على مرأى من طفله ذي الشعر الأشقر والملامح الخجولة، يتدرب هذا الطبيب البيطري (48 عاماً) برفقة اختصاصي على خطواته الأولى بعد تركيب الساقين في قاعة العلاج الفيزيائي داخل مركز الأطراف الصناعية التابع للهلال الأحمر العربي السوري في دمشق.

ويقول الرجل ذو البشرة البيضاء والشعر الكث الذي غزاه الشيب “أريد أن أقف على رجلي مجدداً. أبذل جهداً كي أتمكن من خدمة نفسي ومزاولة مصلحتي التي أحبها وهي الطب البيطري” ولإعالة أسرته المؤلفة من زوجة وسبعة أطفال.

في آذار/مارس 2017، وأثناء عودته على دراجته النارية من مهمة تلقيح أغنام قرب مدينة حماة (وسط)، سقطت قذيفة قربه فأصيب وخسر طرفيه السفليين عند أعلى الفخذ.

ويروي عبد الغني وهو يرتدي سروالاً قصيراً وقميصا قطنيا أبيض “بعد إصابتي، شعرت بكثير من اليأس. أصبحت عديم الحركة وأحتاج من يخدمني.. كان ذلك ثقيلاً عليّ”.

ويضيف “بت أشعر بالخجل من ابني كلما رغبت في التوجه الى مكان ما”.

وبمساعدة طبيب في مدينة حماة، تعرف عبد الغني على المركز المدعوم تقنياً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر في دمشق، والذي يستقبل يومياً عشرات مبتوري الأطراف من مختلف المناطق السورية جراء إصابات حرب أو أسباب صحية.

ويأمل عبد الغني في أن يتمكن من السير بمفرده قريباً. ويقول “حالياً أنا في المرحلة الأخيرة، أي مرحلة التركيب والتمارين. أستلم الساقين في غضون أسبوع بإذن الله”.

في القاعة ذاتها، ينتظر العديد من مبتوري الأطراف بينهم كبار في السن وأطفال برفقة أفراد من عائلاتهم، دخول الاختصاصي حاملا ذراعاً أو قدماً تمت صناعتها في الغرفة المجاورة.

صناعة محلية

ويحاول شاب فقد إحدى ساقيه السير بين حاجزين حديدين يتكئ عليهما، من دون أن تفارق ملامح التأثر وجهه. ويجلس رجل آخر بترت ساقاه جراء عارض صحي على كرسي متنقل بانتظار أن يبدأ التدريب. على سرير حديدي فوقه فراش جلدي، تضع معالجة عازلاً مطاطياً على ساق طفل بترت تحت الركبة تمهيداً لتثبيت الطرف الصناعي فوقه.

في غرفة محاذية، ينهمك فنيون مختصون مع مساعديهم في صنع الأطراف وصيانتها باشراف خبير من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وينتهي أحدهم أثناء وجود فريق فرانس برس من صبّ ساق تترك معلقة على آلة حديدية، بعد تذويب مادة بلاستيكية في فرن وتطويعها على قالب من الجص مصنوع وفق القياسات المطلوبة.

على بعد أمتار، يثبت أحد التقنيين رافعة حديدية على طرف يتخذ شكل الفخذ، فوق طاولة عليها قدم داخل حذاء وأدوات مختلفة من منشار ومطرقة وآلات قياس ومفكات.

تحت الطاولات الموزعة في القاعة، وُضعت أشكال عدة من الأطراف العلوية والسفلية تم صنعها بقياسات متعددة، ودوِّنت أسماء المرضى عليها.

ويشير رئيس المركز الدكتور نذير كنعان المتخصص في الجراحة العظمية لفرانس برس الى ازدياد عدد المستفيدين من خدمات المركز الذي بدأ صناعة الأطراف في العام 2010، ثم تطور عمله تدريجياً بعد اندلاع النزاع وانتقل قبل أسابيع الى مقره الحالي.

وارتفع عدد الأطراف التي صنعها المركز من 250 في العام 2014 الى 500 العام الماضي. ومنذ أيار/مايو، يصنع المركز نحو 50 طرفاً في الشهر تقريباً، مع توافد المصابين من مناطق سيطر عليها الجيش بعد معارك عنيفة أبرزها الغوطة الشرقية قرب دمشق.

ويعد هذا المركز الأول من نوعه التابع للهلال الأحمر في سوريا ويقدم خدماته مجاناً للمدنيين الوافدين اليه من محافظات عدة. وتدير اللجنة الدولية للصليب الاحمر مركزاً مماثلاً في مدينة حلب. كما تدعم منظمات دولية مرافق طبية في مناطق خرج سيطرة الحكومة السورية.

"يأتينا محطماً"

ويوضح كنعان أن حالات البتر “ازدادت بسبب الأزمة والحوادث والطلقات النارية والشظايا والألغام” خلال سنوات الحرب.

وبحسب تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية في كانون الأول/ديسمبر، تسببت الحرب التي تشهدها سوريا منذ آذار/مارس 2011 باعاقة دائمة لمليون ونصف مليون سوري، بينهم 86 ألف شخص تسببت اصاباتهم بحالات بتر.

في قاعة التدريب ذاتها، تسير أماني (10 سنوات) برفقة معالجة للمرة الثانية بعد تركيب ساق صناعية لها مرتدية حذاء رياضياً جديداً شريطه زهري اللون.

وتلتزم أماني الصمت بينما تروي خالتها أم سليمان (28 عاماً) لفرانس برس ظروف اصابتها قبل سبعة أشهر. وتقول “خرجَت تلهو قرب المنزل في قريتنا أبو حمام، فانفجر لغم بها تسبب ببتر رجلها من تحت الركبة”.

وسيطر تنظيم الدولة الاسلامية الذي غالباً ما ترك بعد انسحابه من مناطق معينة ألغاما ومفخخات، على هذه القرية الواقعة في دير الزور (شرق) لسنوات قبل أن تطرده منها قوات سوريا الديموقراطية نهاية العام الماضي.

بعد شهر من ترددها الى المركز، تم تجهيز الطرف الخاص بأماني. وتقول خالتها “الحمدلله ستمشي مجدداً”.

وتشكل “أطراف البتر السفلي فوق الركبة وتحتها أكثر أنواع الاطراف التي يتم تصنيعها في المركز″، وفق المشرفة على المركز آيات عز الدين (28 عاماً).

وتضيف الشابة التي ترتدي ثوباً أبيض يحمل شعار الهلال الأحمر السوري “أحياناً يأتينا المريض محطماً نفسياً، ولكن عندما نركّب له الطرف ويقوم بوظائفه الحيوية، يفرح كثيراً”.

عن "أ ف ب" الفرنسية

اقرأ المزيد...

الوسوم: