حماس: تهدئة مع إسرائيل حسب الطلب.. أما غزة فلها الله

حماس: تهدئة مع إسرائيل حسب الطلب.. أما غزة فلها الله
16880
عدد القراءات

2018-08-06

بتغريدها الجديد خارج السرب، تسعى حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى ابتعاث شرعية جديدة لها بعيداً عن الشرعية الوطنية المتمثلة في السلطة الفلسطينية؛ حيث تستثمر الحركة المعاناة الجحيمية التي يعاني منها القطاع من أجل عقد هدنة مع إسرائيل تحت شعار التهدئة، وهو استثمار سياسي أكثر منه إنساني أو وطني.

اتفاقيات الهدنة أو التهدئة مع الاحتلال هي سياسة تتخذها حركة حماس لاكتساب شرعيتها كسلطة مستقلة

قطاع غزة المحتل يعاني من أوضاع معيشية صعبة منذ أعوام، يتسبب بها الاحتلال بطبيعة الحال، بينما ظلت "حماس" منذ العام 2006 وما تلاه تخوض حروباً تارةً، وتعقد الهدنات تارةً أخرى، كأنها دولة مستقلة، بينما حال القطاع في تردٍّ مستمر، أما نضال الشعب الفلسطيني هناك، فأصبح ربما، رهيناً لألعاب سياسيةٍ فردية قادتها الحركة، آخرها التهدئة المرتقبة حالياً بين حماس والاحتلال.
هكذا يتم اختزال مطالبات أهل غزة المستمرة منذ شهور بإنهاء الحصار على القطاع، إضافةً إلى المظاهرات السلمية المستمرة لهم، باتفاقياتٍ خارجية تقوم بها حماس خارج إطار الإجماع الفلسطيني المفقود منذ أعوام.

اتفاقيات خارجية تقوم بها حماس خارج إطار الإجماع الفلسطيني

خارج السرب

عشرات اتفاقات التهدئة تمت بين حماس والاحتلال الإسرائيلي، وكانت الحركة في كل مرة تعلن أنّها حققت أهدافها التي كانت تطمح إليها، سواء بعد الحرب الكبيرة الأولى عام 2008، والثانية عام 2014، حيث لحقت خسائر جسيمة بشرية ومادية بالقطاع، وتمت تصفية عددٍ من قادة حماس العسكريين، الذين لا يمكن إنكار نضالهم المتين ضد الاحتلال، لكن قيادة حماس السياسية، كانت تغرد في مكانٍ آخر.
فعلى وقع الانقسام الفلسطيني الذي جاوز عامه الثاني عشر اليوم، كانت حماس تتلقى الدعم وتعقد تحالفاتها بمنطق الدولة المستقلة، دولة بلا وطن، وشعب محاصر، عدا الانفصال المزمن عما تبقى من الجسد الفلسطيني، مما كان يسمح للحتلال كل مرة، الاستفراد بالقطاع وأهله من جهة، وخنق الضفة الغربية من جهةٍ أخرى.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الصفقة الجديدة بين إسرائيل وحماس؟
وبهذا الخصوص، تساءلت صحيفة "القدس" الفلسطينية بتاريخ 4 آب (أغسطس) 2018 عن معنى التفاوض والتهدئة، مبينةً أنه "من غير المنطقي الحديث عن اتفاقيات إسرائيلية مع هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك بمعزل عن الشرعيات الفلسطينية المفترضة لما يحمله ذلك من مخاطر جمّة على الكل الفلسطيني، ولما يعنيه ذلك من محاولات الاحتلال الاستفراد بهذا الطرف أو ذاك، أو محاولاته مع حليفته الكبرى أمريكا تمرير تسويات لا تستجيب للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني".
وغير بعيدٍ عن صحيفة "القدس"، يرى المحلل السياسي الفلسطيني ناجي البطة أنّ "التهدئة بطبيعة الحال لها تكاليف حتى على مستوى الفلسطينيين ولها مستحقات، أبرزها أنها ستفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بشكل كامل، وستطلق الرصاصة الأخيرة على أي تعاون ولو نسبي بين شقي الوطن"، بحسب تقرير "بي بي سي" في 5 آب (أغسطس) 2018.
وتتبدى اتفاقيات الهدنة أو التهدئة مع الاحتلال، باعتبارها سياسة تتخذها حركة حماس لاكتساب شرعيتها كسلطةٍ مستقلة، رغم أنها تنكر وتقزّم تضحيات الشعب الفلسطيني في غزة، لكن الحركة تحاول داخلياً، إدارة النضال الشعبي سياسياً، بما يخدم مصالحها بالأساس.
اعتداء دون مبررات على حفل تأبين الشهيدة رزان النجار

ويمكن التوسل بحادثة تخريب حفل تأبين الشهيدة المسعفة رزان النجار، حين اقتحمت قوات حماس حفل التأبين في الرابع من حزيران (يونيو) الماضي شرق مدينة خان يونس، وقامت بتدمير مكان حفل التأبين، دون إبداء أسباب واضحة، بحسب ما أشار إليه موقع "فلسطين اليوم" في حينه، ورغم أنّ رزان استشهدت خلال مسيرات العودة التي كانت حماس تدعمها إعلامياً، إلا أنّ لها حساباتٍ أخرى كما يبدو، مما يشكل إشارة رمزية، على طبيعة تعامل حماس مع القضية الفلسطينية برمتها.

تفاهمات خارج الوطن
رغم تمركز حركة حماس في قطاع غزة، إلا أنّ سياساتها منذ أعوام، تنعطف تجاه علاقاتٍ وتحالفاتٍ مع دولٍ مختلفة، ربما تسهم في انحرافها عن الطريق المؤدية إلى الوحدة الفلسطينية، وإلى حقوق وحرية الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال.

اقرأ أيضاً: حماس تخرّب حفل تأبين الشهيدة رزان النجار
علاقات متقلبة، شملت دولتي قطر وإيران تحديداً، كان لها دورٌ في تصلب موقف حماس تجاه المصالحة الفلسطينية، ومن ثم وقعت الحركة نفسها أيضاً، في فخ المصالح الخاصة لهذه الدول، التي ترغب دوماً في لعب دورٍ أساسي في المنطقة، حتى لو على حساب القضية الفلسطينية التي ترفع هذه الدول شعار حلها لمجرد الدعاية.

دعم قطر لحماس جعلها تبدو فاعلة خارجياً لكنه عزز الانقسام الداخلي

فمنذ انتهاء حرب عام 2008، عقدت قمة الدوحة، التي قدمت مبلغ "250" مليون دولار لقطاع غزة في حينه، وتبع القمة آنذاك، زيارة أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني للقطاع، حيث عملت الدوحة على توفير غطاء دولي لحماس، مكرسةً المقاطعة بين فتح وحماس، من خلال الاعتقاد التي تولد في حماس من أنها صارت حركة (فاعلةً ولاعباً دولياً) لكنها بقيت غير مؤثرةٍ بقوةٍ فلسطينياً، فلم تنجح بإنهاء الانقسام، ولا في حل مشكلات القطاع المتفاقمة حتى الآن.

اقرأ أيضاً: لماذا تطرح قطر مشروع هدنة بين حماس وإسرائيل؟
الاحتلال الإسرائيلي، يبقى عاملاً أساسياً في تعقيد وضع قطاع غزة وتدمير حياة أهله، لكن أسلوب إدارة حماس للقطاع، يسهم في استغلال الاحتلال للوضع فيه، وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي والدبلوماسي السابق في سفارة فلسطين بلندن، محمد مشارقة على صفحته بموقع فيسبوك:
"حماس قررت (تشيل) بموافقة وضمانات اسرائيلية مصرية وأممية، كنتم تعتقدون أن شيوخ الجوامع لا يتقنون لعبة السياسة ... وغزة خرجت بتدبير من الوزن الكلي السياسي للقضية الفلسطينية".

الانقسام سهّل للاحتلال اتخاذ قراره الأخير بما يسمى قومية الدولة اليهودية وهو قرارٌ يسلب الفلسطينيين حقوقهم

ويضيف مشارقة: "مرر الإسرائيلي قانون الدولة اليهودية، الذي يعتبر حق تقرير المصير مقصوراً على اليهود في (أرض اسرائيل) وتعريفها الواقعي من النهر الى البحر، والضفة الغربية صارت يهودا والسامرة".
ويشير مشارقة إلى مدى تأثير الانقسام على سهولة اتخاذ الاحتلال قراره الأخير بما يسمى "قومية الدولة اليهودية"، وهو قرارٌ يسلب الفلسطينيين حقوقهم، خصوصاً بعد عزل غزة عن الضفة الغربية، وتمرير القانون دون أي فائدة تذكر من العمل الحثيث خارجياً وداخلياً لحركة حماس، التي يبدو أنها تستهدف مصالحها وبقاءها كسلطةٍ على رأس غزة، قبل أي شيء.

يتحدث مشارقة عن دور الانقسام باتخاذ إسرائيل قراراتها الإجرامية

وبالعودة إلى اتفاق التهدئة المحتمل مؤخراً، فإنه وبحسب تقرير "بي بي سي" ذاته، يقبع بانتظار "مصادقة الحكومة الإسرائيلية المصغرة"، حيث يصبح الأمر بيد إسرائيل من حيث الأسلوب، وسيشمل الاتفاق "تبادل جثث وأسرى وإيقافاً للبالونات الحارقة التي قاوم بها شعب غزة لعدة أشهر"، وسقط منه العديد من الشهداء الشباب، الذين وكما يظهر، ذهبوا في سبيل اتفاق التهدئة، وفي سبيل تحقيق اتفاقات (حكومة حماس) المدعومة من هذه الدولة أو تلك، على الأقل، لتكون هنالك حكومة، أما الشعب والوطن، فأمرهما مجهول، أو في ذمة التسويات المصلحية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



متى ظهر مسمى "العرب" في التاريخ؟ وعلى من أطلق؟

2020-01-28

يعدّ مسمى "العرب" اليوم من أكثر مسميات الشعوب شيوعاً في وسائل الصحافة والإعلام؛ فهو يرتبط بتعداد بشري تصل تقديراته إلى نحو (450) مليون نسمة حول العالم، ومع شيوع المسمى وتكراره يتوارى السؤال عن البداية والأصل، وينحصر في خبايا دراسات التاريخ ومكتشفات الآثار، وهنا محاولة للإجابة، ونظرة سريعة على قصة البداية والظهور والاستخدامات الأولى.
العريبي... حلفاء الآراميين
يرجع أقدم ذكر مكتوب لكلمة "العرب" إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وذلك في نقش خاصّ بالملك الآشوري شلمنصر الثالث (858-823 ق.م)؛ حيث يؤرخ النقش انتصارات الملك، ويذكر انتصاره في معركة ضدّ ملك دمشق الآرامي وحلفائه، ومن بينهم "جندب"، ملك العرب، أو ملك "العريبي"، كما يرد وصفه في النقش، ويعود تاريخ المعركة إلى العام (854 ق.م)، وقد وقعت في منطقة "قرقر"، قرب حماه، وأخذت اسمها منها، فعرفت بـ "معركة قرقر".

اقرأ أيضاً: لماذا حرمنا ابن قتيبة من نظرية في الشعر العربي؟!
وتذكر الرواية أنّ الجيش الآشوري غنم من "جندب" ألف جمل، بخلاف الممالك الآرامية، التي يذكر النقش أنّ الآشوريين اغتنموا منها العربات، ما يدلّ على التمييز بين العرب (العريبي) والآراميين من حيث التحضر ونمط العيش، وكوْن مسمى العرب كان مرتبطاً حينها بسكّان البادية، وهي تحديداً البادية المحاذية للآراميين، والتي عرفت لاحقاً بـ "بادية الشام"، الممتدة من شمال الجزيرة حتى نهر الفرات شمالاً.

نقش آشوري يصوّر خضوع الأعداء بعد معركة قرقر للملك شلمنصر الثالث

ملكة عربية في الأسر
واستمرّ تكرار لفظ "عريبي" في النقوش الآشورية، عند الحديث عن الحملات التي كان يشنها القادة الآشوريون على مناطق البادية، ويبرز نصّ من القرن السابع قبل الميلاد، يتحدث عن حملة عسكريّة قادها الملك الآشوري "سنحاريب" (705-681 ق.م) عام (688 ق.م)، وأنّه "أخضع أدومو، معقل بلاد العرب، وحمل آلهتها إلى نينوى (عاصمة آشور)، وأسر ملكتها"، و"أدومو" هو اللفظ الآشوري لـ "دومة الجندل"، عاصمة المملكة المعروفة بـ "مملكة دومة الجندل"، والملكة المذكورة هي "تلخنو" أو "تلهونة" كما يرد في بعض النصوص، حكمت مملكة دومة الجندل في الفترة بين (695 - 688 ق.م)، وكانت قد تحالفت مع البابليين الخارجين على سلطة آشور.

اقرأ أيضاً: فرق تَسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب
وتميّزت مملكة دومة الجندل، وهي المملكة العربية الأولى في شمال الجزيرة العربية، بأنّها قد حكمت من قبل عدد من الملكات، بدايةً من الملكة "زبيبة" (750 - 735 ق.م)، ثم الملكة "شمسي"، ثم الملكة "يثيعة"، ثم "تلخنو"، وعرفت المملكة أيضاً باسم "مملكة قيدار".

الموقع الأثري في دومة الجندل.. عاصمة المملكة العربية الأولى في شمال الجزيرة

في التوراة.. وتوافق مع نصّ آشوري
ويرد في التوراة ذكر "قيدار" ونسله، عند الحديث عن "مملكة قيدار" ومناطقها، والتي تبدو أقرب إلى تحالف قبليّ، وتذكر التوراة أنّ قيدار هو "إسماعيل بن إبراهيم"، وهو "أبو العرب"، بالنسبة للتوراة، والمقصود بـ "القيداريين" تحديداً عرب الشمال، ما قبل ظهور الأنباط.

اقرأ أيضاً: كيف ينظر الفُرس إلى العرب؟
ويأتي الحسم في كون المقصود بـ "قيدار" و"مملكة قيدار" هو "مملكة دومة الجندل"، معقل بلاد العرب، من نصّ خاص بالملك الآشوري، تغلث فلاسر الثالث (745-727 ق.م) يسمي قبائل العرب بـ "قدرو"، في إطار الحديث عن المواجهات مع اتحاد القبائل البدوية المتاخمة لحدود الإمبراطورية الآشورية، وهي التي كانت تعرف بـ "مملكة دومة الجندل"، وقد تمّ استيعاب "مملكة قيدار" (مملكة دومة الجندل) وقبائلها لاحقاً في مملكة الأنباط، بعد صعودها في القرن الثاني قبل الميلاد.

من سيناء والعُلا
وفي موقع "تل المسخوط" الأثريّ بمحافظة الإسماعيلية المصرية، غرب سيناء، عُثر على مكتشفات أثريّة مهمّة، ترجع إلى مدينة "بيت أتوم" (بيتوم)، حيث عُثر على آنية فضيّة، نُقش عليها "قينو بن جشم ملك قيدار"، وهو تأكيد على ما جاء في النصّ التوراتي والنص الآشوري من كون "قيدار" اسم مملكة، وتحديداً المملكة العربية الشمالية، مملكة دومة الجندل، وقد ورد اسم أبو الملك "قينو"، الملك "جشم" في التوراة، وظهر اسم "جشم" أيضاً في النقوش اللحيانية المكتشفة في منطقة "العُلا" (شمال المملكة العربية السعوديّة). ويدل اكتشاف اسم "قينو بن جشم" في تل المسخوط إلى امتداد نفوذ مملكة قيدار (دومة الجندل) إلى سيناء في فترة نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، ويتوافق ذلك مع ما يذكره المؤرخ الإغريقي، هيرودوت (484-425 ق.م)، عندما ذكر أماكن انتشار قبائل قيدار وحدودها، وأشار إلى وصولها شبه جزيرة سيناء.

موقع "تل المسخوط" الأثريّ حيث عثر على نقش يذكر الملك "قينو بن جشم"

في التواريخ الإغريقيّة والرومانيّة
وفي الفترة نفسها التي كتب فيها هيرودوت، كانت مملكة قيدار قد تحولت إلى مقاطعة في الإمبراطورية الأخمينيّة الفارسيّة، وقد أطلق الفرس عليها اسم "العربية الأخمينيّة"، وهو أول اعتماد رسمي لكلمة "عربيّة" في تقسيم سياسي وإداري رسميّ.
ولاحقاً، اشتهر عند المؤرخين الإغريق والرومان تقسيم بلاد العرب إلى ثلاثة أقسام: "العربية السعيدة" (Arabia Felix)، وهي المناطق الجنوبية الغربية من شبه الجزيرة العربيّة (اليمن)، و"العربية الصحراويّة"، وهي الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية، و"العربيّة الصخريّة"، وهي منطقة الحجاز في غرب وشمال غرب شبه الجزيرة العربية، وهي المنطقة التي أقام الأنباط مملكتهم في الجزء الشمالي منها.

تمّ استيعاب مملكة قيدار وقبائلها لاحقاً في مملكة الأنباط بعد صعودها في القرن الثاني قبل الميلاد

وخلال عهد السلوقيين والبطالمة، خلفاء الإسكندر المقدوني في مصر وسوريا، انتعشت مملكة الأنباط وعاصمتها البتراء، مستغلةً الخلافات فيما بينهما، وبعد تمكّن الرومان من إخضاعها مطلع القرن الثاني قبل الميلاد، أطلقوا على المقاطعة الرومانية التي تأسست مكانها اسم "العربيّة البترائيّة" (Arabia Petraea)، واستمرّ هذا الاسم طيلة العصر الروماني.
وفي القرن الأول الميلادي، يذكر المؤرخ اليهودي، يوسيفوس فلافيوس (37-100م)، العرب في مؤلفاته، عند حديثه عن الأنباط، ويسميهم "عرب"، أما المؤرخ الروماني، سترابو (63-23 ق.م)، من القرن الأول قبل الميلاد، فيذكر خبر حملة حاكم مصر الروماني، اليوس غالوس، عام 25 ق.م، بغرض السيطرة على أقاليم الحجاز واليمن وضمّها للإمبراطورية، والتي لم يكلل لها النجاح، فيسمي هذا الأقاليم بـ "بلاد العرب".

حدود مقاطعة "العربيّة البترائيّة" (باللون الأحمر) كما تظهر ضمن الإمبراطورية الرومانية

وهكذا، وكما جرت العادة في التاريخ؛ فإنّ مسميّات وألقاب الأقوام، كما تثبت بالنهاية، تكون في الغالب من إطلاق الشعوب والأقوام الأخرى، في حين تغيب وتندثر الأسماء التي اختارت الأقوام أن تتسمى بها، وهو ما كان في حالة العرب.

للمشاركة:

هل تعاود قطر الاختراق الهجومي للسودان لإحياء العبث الإخواني؟‎

2020-01-28

لم تكن أولى طائرات الشحنة الطبية المقدمة من الهلال الأحمر القطري إلى السودان، الأسبوع الماضي، عملاً يقع في إطار الخير وتعميق أواصر التعاون والأخوّة، أو تضميد جراح السودانيين ومشافاة مرضاهم، بل تأتي في سياق سعي محموم من قبل الدوحة إلى العودة للساحة السودانية عبر أية بوابة. المهم هو تقويض الحكم في السودان، والبحث بالتعاون مع أشلاء جماعة الإخوان المسلمين هناك عن منفذ لطعن الديمقراطية السودانية، وزعزعة الحكومة الوطنية بقيادة عبد الله حمدوك.

اقرأ أيضاً: إخوان السودان يعودون مجدداً للمتاجرة بالشعارات الدينية.. فهل ينجحون؟

وسبقت الشحنة الطبية، التي قالت الدوحة إنّه سيتبعها شحنتان إضافيتان، زيارة مفاجئة قام بها، مطلع الشهر الجاري، رئيس هيئة الأركان القطرية الفريق غانم بن شاهين الغانم، الذي التقى رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، كما اجتمع مع نائب رئيس هيئة الأركان للإمداد السوداني الفريق مجدي إبراهيم عثمان خليل. وذكرت الأنباء أنّ اللقاء تناول "أوجه التعاون العسكري في المجالات المختلفة وسبل تعزيزها". حيث أعرب الغانم عن تطلعه "أن يكون التعاون في المجال العسكري بين البلدين تكاملياً".

 

الغانم يلتقي شخصيات إخوانية

لكنّ الأنباء في أغلبها لم تذكر أنّ الغانم، كما أفادت مصادر عليمة، التقى، سراً، شخصيات سياسية سودانية وأخرى من الإخوان المسلمين في السودان، لتجديد ما وصفته المصادر بـ"التآمر" على الحكومة السودانية، ووضع العصي في دواليبها، وتأجيج الشارع السوداني ضدها، وهذه على الأرجح هي الأهداف الإستراتيجية لعودة قطر إلى السودان مرة من بوابة المساعدات الطبية، وأخرى من نافذة التنسيق العسكري، وهو أمر تدركه جيداً أجهزة الأمن والاستخبارات السودانية، وهي تمارس أقصى درجات اليقظة للحيلولة دون اختراقات قطرية إخوانية تركية للجبهة الوطنية السودانية المحمولة على تأييد شعبي منقطع النظير.

الدوحة تحاول استعادة نفوذها في الخرطوم بعد صفعات متتالية تلقاها المحور القطري التركي بتفكك النظام الإخواني في السودان

وظلت قطر تبحث عن منافذ للعودة مجدداً إلى الساحة السودانية، بعد أن توترت العلاقات بين الخرطوم والدوحة على إثر تحرك قطري لإعادة ترتيب بيت إخوان السودان بالإشراف على اجتماعات مكثفة لتوحيد أحزاب سودانية لها خلفيات إخوانية لإعادة إنتاج النظام الإخواني السابق الذي كان يتزعمه الرئيس المعزول عمر البشير.

ولا تتوقف تدخلات قطر على السودان، بل تشمل باقي أقطار القارة الأفريقية؛ حيث تستثمر قطر التحالف العسكري والدفاعي مع تركيا لاختراق أفريقيا مجدداً، ما دامت لأنقرة هي الأخرى مصالح سياسية واقتصادية في دول القارة، وهي تعتمد فيها أيضاً على القوة العسكرية الصلبة، كما أفاد موقع "ميدل إيست أونلاين".

وانتقلت قطر من سياسة الدفاع والنفي المتواصل للاتهامات بتمويلها حركات الإرهاب والتمرد في عدد من الدول الأفريقية إلى معاودة الاختراق الهجومي، في مسعى لاستعادة النفوذ المنحسر.

 

التخفي وراء المساعدات
ولجأت قطر إلى استحداث أدوات عسكرية، وتكثيف الاستثمارات والتدخلات الإنسانية، والمساعدات الطبية، كأدوات ضغط على الأنظمة الأفريقية، فضلاً عن توظيف التحالف مع تركيا لنقله من سياقه الشرق الأوسطي إلى الأفريقي.

ولجأت قطر إلى استحداث أدوات عسكرية، وتكثيف الاستثمارات والتدخلات الإنسانية، والمساعدات الطبية، كأدوات ضغط على الأنظمة الأفريقية، فضلاً عن توظيف التحالف مع تركيا لنقله من سياقه الشرق الأوسطي إلى الأفريقي.

وليس من قبيل المفارقة أن تسلم قطر 68 مدرعة لدعم الجيش في الصومال أوائل العام الماضي، لا سيما أنّ هذا البلد، الذي يقع في القرن الأفريقي، بات يشكل ساحة تشترك فيها الدوحة مع أنقرة للضغط على مصالح مصر والسعودية والإمارات عبر البحر الأحمر.

اقرأ أيضاً: ما هي المساعي الحقيقية لقطر في السودان؟
وسبق ذلك الحدث بأيام قلائل، وتحديداً في 8 كانون الثاني (يناير) 2019، عقد لقاء بين رئيس الأركان القطري (الذي يخدم الذراع السياسية للدوحة)، ونظيره الكيني في نيروبي، ضمن جولة باتجاه رواندا والسودان وإثيوبيا.
واتسع الاختراق القطري للدول الأفريقية مع تسليم مدرعات أخرى لكل من بوركينا فاسو ومالي في وسط وغرب أفريقيا، خلال عامي 2018 و2019، بخلاف السعي الراهن لصفقة مشابهة مع تشاد بعد أن استعادت الدوحة علاقتها معها في شباط (فبراير) 2018، في أعقاب تسعة أشهر من انضمام نظام انجامينا للمقاطعة العربية.

اقرأ أيضاً: إخوان تونس وإخوان السودان

وتتوالى الأنباء عن المساعي القطرية للعودة للقارة الأفريقية عبر بيع السلاح، في وقت تتهم فيه تقارير غربية الدوحة، بتمويل حركة الشباب المجاهدين في الصومال، بل ودعم معسكرات هذه الحركة في كينيا، ودعم المعارضة التشادية المسلحة، خاصة في جنوب ليبيا، وتأجيج عدم الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي، عبر تمويل تنظيمات وشخصيات من القاعدة في مالي، والتي تمدد فيها العنف الإرهابي العابر للحدود باتجاه النيجر وبوركينا فاسو، بخلاف اتهامات مضافة قبل سنوات بتمويل قادة حركة سيليكا المتطرفة في أفريقيا الوسطى.

 

هل هناك أدلة قاطعة على دعم الدوحة للإرهاب؟

يعني هذا التناقض أنّ الأدلة على اتهام قطر بتمويل الإرهاب في قارة أفريقيا قد يصعب إثباتها بالأدلة القاطعة ومعاقبتها، لأنها تدخل في نطاق علاقات سرية واستخباراتية، وتصدر من شخصيات غير رسمية ووسطاء غير رسميين.

كانت الإمارات والسعودية من الدول السباقة في مساعدة الخرطوم على مواجهة الأزمة الاقتصادية وأزمة نقص الوقود والعملة بالنقد الأجنبي

ربما تدرك بعض الأنظمة الأفريقية، تحت وطأة الضغوط الأمنية والاقتصادية بأنّ عليها اتباع مبدأ التعايش مع الخصوم واحتوائهم بقدر الإمكان للحد من أضرارهم على أمنها، إذا علمنا مثلاً، كما أفاد موقع "ميدل إيست أونلاين" أنّ تسريباً صوتياً كشفته "نيويورك تايمز" في تموز (يوليو) الماضي أظهر تورط الدوحة في دعم عملية إرهابية في بوصاصو، عبر مكالمة بين السفير القطري في مقديشو ورجل أعمال صومالي مقرب من الأمير تميم.
وما يلفت النظر أكثر من ذلك، في تحركات السلاح القطري في دول أفريقيا، أنّ الدوحة من كبار مستوردي السلاح في العالم. والمدرعات القطرية السابق الإشارة لها نتاج تحويل عربات دفع رباعي إلى ناقلات جند على يد شركة ستارك موتور القطرية.
الملاحظ أنّ ثمة اتجاهاً قطرياً متصاعداً عقب المقاطعة العربية للدوحة لتوطين بعض الصناعات العسكرية، مستثمرة في هذا الشأن تحالفها مع تركيا، إذ اتفقت الدولتان على تشييد أول مصنع للعتاد العسكري لتعزيز التعاون الدفاعي، حيث تملك أنقرة قاعدة عسكرية في الدوحة، بخلاف صفقات سلاح خفية تتدفق على قطر وتتضمن مدرعات وطائرات بدون طيار تأتي لها من تركيا.

 

الدوحة تبيع السلاح لدول أفريقية
وينطوي الاتجاه القطري لبيع السلاح لدول أفريقية على عدة أهداف أساسية ترتبط أكثر بمعاودة الاختراق الهجومي لدول القارة، أبرزها غسل سمعة سياسة قطر الخارجية في أفريقيا، والتي تآكلت بفعل اتهامات تصدر من داخل وخارج القارة بتغذية الدوحة لعدم الاستقرار.
كما تسعى قطر الى امتلاك أوراق ضاغطة في المحيط الإقليمي لليبيا من جهة تشاد أو النيجر المرتبطتين بالنزاع الليبي من جهة الجنوب، بما يمكنها من دعم حليفها التركي الساعي للتدخل في غرب ليبيا، عبر الاستفادة من شبكة العلاقات القطرية الاستخبارية الواسعة مع قيادات ميليشياوية وإسلامية في المنطقة.

تعتقد قطر أنّ تزويدها بعض الجيوش الأفريقية بالسلاح قد يساعد سياساتها لتأمين نفوذها، أو توظيفها للضغط على الأنظمة السياسية

تعتقد قطر أنّ تزويدها بعض الجيوش الأفريقية بالسلاح قد يساعد سياساتها لتأمين نفوذها، أو حتى توظيفها للضغط على الأنظمة السياسية عند تغير المواقف ضد توجهاتها في ظل أهمية دور الجيوش في عملية التغيير بدول القارة.
المحاولة القطرية للعودة إلى اختراق الساحة السودانية تأتي بالتزامن مع جهد خليجي لتحصين السودان من الهزات السياسية والتدخلات الخارجية ومساعدته اقتصادياً لتجاوز أزماته.
وكانت الإمارات والسعودية من الدول السباقة في مساعدة الخرطوم على مواجهة الأزمة الاقتصادية وأزمة نقص الوقود والعملة بالنقد الأجنبي إلى جانب ضخ ودائع في البنك المركزي لمساعدته في مواجهة شح السيولة.
ومنحت أبوظبي في نيسان (أبريل) الماضي البنك المركزي السوداني وديعة بقيمة 250 مليون دولار، فيما شكلت تلك الوديعة جزءاً من حزمة مساعدات مشتركة أقرتها الإمارات والسعودية للخرطوم قيمتها 3 مليارات دولار من شأنها أن تساعد السودان على استعادة توازناته المالية وتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب السوداني.
مساعي الدوحة، كما يلاحظ مراقبون، هدفها استعادة نفوذها في الخرطوم بعد صفعات متتالية تلقاها المحور القطري التركي بتفكك النظام الإخواني في السودان مع سقوط نظام البشير.

ولم تجد الدوحة من سبيل للعودة للساحة السودانية إلا بتطبيع العلاقات مع السلطة التي يقودها المجلس السيادي وحكومة عبدالله حمدوك من بوابة الدعم المالي والسياسي بعد فترة فتور في العلاقات.

للمشاركة:

بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

2020-01-27

يمرّ الحراك الشعبي العراقي، المشتعل منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بحالة انقسام شديدة بين متظاهريه، نتيجة انسحاب التيار الصدري (التيار الأكثر شعبية في العراق)، من ساحات الاحتجاج، بناءً على طلب زعيمه مقتدى الصدر، المتهم "بعقد صفقة سياسية" مع الجانب الإيراني لتسوية ملف الحكومة الجديدة، والتي ستكون له فيها "حصة الأسد"، فيما راح المتظاهرون من خارج التيار، ينددون بانسحاب الصدريين المساندين لهم، وإجلائهم لخيمِ اعتصامتهم من ساحة التحرير وسط بغداد، وسائر المحافظات وسط وجنوب العراق.

اقرأ أيضاً: هل نجح الصدر في اختراق الحراك العراقي؟

وردّد الشباب المتظاهر شعاراتٍ نالت من رمزية الصدر، فضلاً عن تصاعد النقد اللاذع له عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية.

وكان زعيم التيار الصدري، قد وجّه، أول من أمس، عتباً شديداً إلى متظاهري "التحرير"، بعدما اتهموه بـ "الخيانة"، جراء مشاركة تياره في تظاهرات الفصائل الموالية لإيران، يوم الجمعة الماضي، المطالبة بإنهاء التواجد الأمريكي في العراق، احتجاجاً على الضربة الأمريكية التي أدّت إلى مقتل قاسم سليماني وأبومهدي المهندس، وطالب الصدر أنصاره بمغادرة ساحات الاحتجاج، ما سبّب حالة من الفوضى الشعبية داخل الحراك. 

اتهامات تطال الصدر بالعودة إلى الحاضنة الإيرانية والتحالف مجدداً مع زعيم تحالف الفتح هادي العامري

الصدر لمتظاهري "التحرير": أنتم مخترقون
ونتيجة للتصعيد الاحتجاجي ضدّه؛ وجّه مقتدى الصدر رسالةً ثانية دعا فيها المتظاهرين إلى "وضع حدّ للاختراقات السياسية الفاسدة لتظاهراتهم".

مقتضى الصدر يبرّر انسحابه من التظاهرات في بلاده باختراقها من قبل الأحزاب "الفاسدة" ويطالب المتظاهرين بـ "تنقيتها"

وخاطب الصدر المحتجين قائلاً: "الإصلاح الشعبي أمر لا بدّ منه وخصوصاً مع تمادي أغلب السياسيين حتى هذه اللحظة، إلا أنّ جلّ ما اهتم به اليوم هو سمعة الثوار الوطنيين، لا سيما أنّ الفساد لا يُدرأ بفساد مثله"، مبيناً أنّ "المهم جلّ المهم، عدم انحراف الثورة من قبل بعض المندسين أصحاب الأجندات الخارجية المشبوهة".

وأكّد في بيانٍ له أنّ "هناك اختراقاً واضحاً من بعض الجهات السياسية الفاسدة للاعتصامات، فلا بدّ من وضع حدّ فوري لذلك"، منبهاً إلى أنّ "التجاوزات الشرعية والاجتماعية لا تعني الحرية؛ بل لا بدّ من طرد كلّ المسيئين بهذا الخصوص".

وبخصوص العلاقة مع إيران، أوضح أنّ "إعلان العداء لكافة دول الجوار بهذه الصورة أمر غير مقبول، رغم أني وإياكم اختلف معهم في الكثير من سياساتهم وتعاملاتهم مع العراق، إلا أنّ العداء لهم لا يصبّ في مصلحة بلدنا، بل نحتاج إلى عمل سياسي نزيه للتعامل معهم، يحفظ للعراق سيادته واستقلال قراره".

"مقتدى لا يمثّل الثورة"
بمجرد مغادرة الصدريين لساحات التظاهر، في بغداد وباقي المحافظات المحتجة، طالت زعيم التيار الصدري حملة انتقاد حادة وصلت حدّ التقليل من شخصهِ ومواقفهِ السياسية، فيما غرّد الكثير الشباب، عبر السوشيال ميديا، تحت هاشتاغ "مقتدى_لا_يمثل_الثورة".

اقرأ أيضاً: نصرالله يقود بإشراف إيراني مصالحة بين الصدر والفصائل الشيعية

وعن ذلك، يقول الناشط المدني لطيف الزيني: "التيار الصدري، بزعيمهِ، أسقط نفسه بنفسه، حينما خان ساحات الاحتجاج، بعد أن عقد حلفاً وطنياً معهم، وأقسم بدماء الشهداء على مواصلة الثورة ضدّ الفاسدين والعملاء داخل السلطة الحالية"، مبيناً أنّ "الصدر تصرّف وفق مزاجه ومصالحه السياسية، لا وفق مصلحة البلاد".

 

 

ويضيف لـ "حفريات": "من حقّ الشباب أن يهاجموا الصدر، لأنّه خذلهم، وكشف ظهورهم لمرمى القناصين ونيران الطرف الثالث المجهول"، مؤكداً أنّ "الصدريين أعادوا تحالفاتهم الطائفية مجدداً، لنيل مكاسب جديدة". 

أما المتظاهر جبار اللامي، فقد علّق على تصرفات الصدر، قائلاً: "الدعوة إلى التظاهر ضدّ القوات الأمريكية خلطت الأوراق وأجبرت المحتجين على الحدّ من مطالبهم في تغيير النظام السياسي، حتى لا يتهموا بالخيانة.. يبدو أنّ سماحة السيد استبدل المتظاهرين بإيران".

النيران تعاود مجدداً
بعد الهدوء النسبي الذي دام نحو شهرٍ كامل، عادت مظاهر العنف من الجانب الحكومي صوب المحتجين في مختلف المدن العراقية، لا سيما العاصمة بغداد ومحافظة البصرة، جنوب البلاد، وتعرضت ساحتا التحرير والخلاني، وسط العاصمة، لإطلاق عيارات نارية، وما يسمى بـ "الدخانيات"، ما أدّى إلى وقوع عدد من الجرحى، ومقتل متظاهر واحد على الأقل.

نقد جماهيري لاذع يواجه مقتضى الصدر بعد قرار انسحابه من التظاهرات.. ومواقع التواصل الاجتماعي تضجّ بتأنيبه ومهاجمته

ويسرد محمد الفلاحي، المعتصم في حديقة الأمة بساحة التحرير، مشهد الاعتداءات الأمنية قائلاً: "أعداد المتظاهرين ارتفع بعد انسحاب التيار الصدري، حيث أقدم جمع غفير من الطلبة والكسبة وأعضاء النقابات لساحتنا"، وأضاف لـ "حفريات": "القوات الأمنية أغلقت ساحة الخلاني المجاورة، لكنّ إصرار شبابنا على السير نحوها، جعل الرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع أولى الأدوات الأمنية".

في حين هاجمت ما يسمى بـ "قوات الصدمة" ساحات الاحتجاج وسط محافظة البصرة، وأحرقت الكثير من خيم الاعتصامِ هناك.

حازم حسين، متظاهر بصري، كشف لـ "حفريات" هوية "قوات الصدمة"، وقال: "هذه القوات هي لفيف من منتسبي الميليشيات التابعة للسلطة، تمّت شرعنتها بحجة مكافحة الانحراف والشغب في المحافظة"، منوهاً إلى أنّ "وظيفة هذه القوات هي محاربة المتظاهرين وقتل تظاهراتهم بمختلف الوسائل والطرق".

انقسام صدري خجول

وفي السياق ذاته، حاول جمع من الشباب الصدري المحتج بثّ رسائل إخوانية لعلّها تردم الفجوة التي أحدثها زعيمهم، بينهم وبين الآخرين في مختلف الساحات.

وكتب الناشط الصدري، معد الدراجي، على صفحته في فيسبوك: "أنا معكم، يا متظاهري التحرير، المعاناة واحدة، القساوة التي واجهناها واحدة، لعن الله السياسة التي تحاول تفرقتنا، نحن نسير في خطّ مصيري واحد، لن نحيد عنه أبداً".

اقرأ أيضاً: الصدر "العربي" في عباءة إيرانية

لكنّ المفاجأة، كانت في تغريدة القيادي الصدري، الشيخ أسعد الناصري، الذي دعا إلى مواصلة التظاهر، في دعوة مخالفة لزعيمه، مقتدى الصدر، ما جعل الأخير يصدر بياناً بحقه مطالباً إياه بخلع عمامته الدينية.

الناصري بدوره أجاب الصدر، وكتب في تغريده له على تويتر: "سأخلع العمامة حباً بالعراق والناصرية والثائرين، أنا مع العراقيين، كنت وما أزال وسأبقى.. أرجو الاستعجال في تصفيتي لأنني اشتقت إلى الشهداء"؛ في إشارة منه إلى توقّع مقتلهِ بأيةِ لحظة.

من جهته، طالب سلام الحسيني، وهو ناشط صدري، بعدم نسيان مواقف الصدريين، وقال: "الجهة الوحيدة التي لم تتلطخ يدها بدماء تشرين هي التيار الصدري، بل إنّ دماءها كانت سائلة كما لو كانت ماءً سبيلاً منذ الأول من تشرين".

القيادي الصدري أسعد الناصري (يسار) يتمرد على قرار زعيمه ويدعو للتظاهر

السيستاني المظلة الوحيدة للمحتجين
يبدو أنّ المرجعية الدينية الشيعية، هي الغطاء الوحيد الذي بات يلتحف به المتظاهرون خشية البطش الحكومي وجماعات تحالفها السياسي المسلح؛ حيث حذّر آية الله علي السيستاني "الأفرقاء السياسيين من المخاطر التي تحيط بالبلد".

بعيد الانسحاب الصدري من ساحات التظاهر... نيران الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع تعود مجدداً

وقال ممثله، أحمد الصافي، في كربلاء: "تشكيل الحكومة الجديدة قد تأخر طويلاً عن المدة المحددة له دستورياً، فمن الضروري أن تتعاون مختلف الأطراف المعنية لإنهاء هذا الملف وفق الأسس التي أشير إليها من قبل، فهذه خطوة مهمة في طريق حلّ الأزمة الراهنة".
وأضاف: "المرجعية الدينية تدعو مرة أخرى جميع الفرقاء العراقيين إلى أن يدركوا حجم المخاطر التي تحيط بوطنهم في هذه المرحلة العصيبة، وأن يجمعوا أمرهم على موقف موحّد من القضايا الرئيسة والتحديات المصيرية التي يواجهونها، مراعين في ذلك المصلحة العليا للشعب العراقي، حاضراً ومستقبلاً، والله ولي التوفيق".
وفيما يتعلق برأي المرجعية أعلاه، يقول أسامة الساعدي، محلل السياسي، لـ "حفريات": "مرجعية السيستاني هي الغطاء الشرعي الوحيد الحامي للتظاهرات"، لافتاً إلى أنّ "الإسلام السياسي الحاكم، يرى في المرجعية عقبة أمام محاولة الانقضاض أو تخوين المحتجين".

للمشاركة:



استجابة إماراتية سريعة للمنكوبين في حريق كراتشي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

قدمت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، مساعدات إغاثية عاجلة للمتأثرين من الحريق الذي شب في مدينة "تين هتين" بكراتشي في باكستان.

وأكد الدكتور الأمين العام لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي، محمد عتيق الفلاحي، في تصريح صحفي نقلته وكالة الأنباء الإماراتية "وام"، أنّ المساعدات جاءت في إطار تضامن الإمارات الدائم مع ضحايا الكوارث والأزمات الطبيعية حول العالم، وضمن المسؤولية الإنسانية التي تضطلع بها الدولة لتحسين الحياة، وتخفيف المعاناة في المناطق والساحات الضعيفة.

وأكد الفلاحي على دور الإمارات التنموي على الساحة الباكستانية، مشيراً إلى أنّ مبادرات الهلال الأحمر الإماراتي العديدة في مختلف الأقاليم الباكستانية تأتي منسجمة مع توجهات الإمارات في الوقوف بجانب الأشقاء في باكستان في كل الأحوال والظروف.

وأضاف أمين عام الهلال الأحمر: "تأتي هذه المساعدات أيضاً استجابة من الهيئة للنداءات الإنسانية العاجلة التي أطلقها أهالي المدينة، الذين فقدوا ممتلكاتهم واحتياجاتهم الأساسية، ويواجهون ظروفاً إنسانية صعبة بسبب ظروف المناخ وبرودة الطقس".

أهالي المدينة يوجهون شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات على ما تقدمه من مساعدات إنسانية

وكان فريق القنصلية العاملة لدولة الإمارات لدي كراتشي، قد توجه للمنطقة التي نشب بها الحريق والذي تسبب في حرق كل الخيام والأكواخ الموجودة في المنطقة وتقطنها 150 أسرة، لتلمس احتياجاتهم وتوزيع مساعدات إغاثية على المئات من السكان الذين يعانون من تدهور أوضاعهم الاقتصادية من قبل.

من جانبهم أعرب أهالي المدينة عن سعادتهم بهذه الحملة الإغاثية العاجلة التي جرت خلال 24 ساعة من الحريق، والتي تعكس سرعة استجابة الهلال الأحمر الإماراتي بالتعاون مع القنصلية العامة لدولة الإمارات ومفوض كراتشي، والتي خففت من معاناة أهالي المنطقة المتضررة، موجهين شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات على ما تقدمه من مساعدات إنسانية ضرورية ترفع عن كاهلهم أعباء الحياة المعيشية اليومية الصعبة.

 

للمشاركة:

السعودية: الإسرائيليون غير مرحب بهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

نفى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، أمس، صدور قرار يتعلق بالسماح للإسرائيليين بزيارة بلاده، وذلك بعد أن أصدرت إسرائيل قراراً يسمح لمواطنيها بالسفر إلى السعودية في حالات معينة.

وأكد بن فرحان فى حوار مع "السي إن إن" أنّ الإسرائيليين غير مرحب بهم في السعودية، مشيراً إلى أنّ العلاقات مع إسرائيل تعتمد على التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

وقال الأمير السعودي: "نحن نشجع بشدة التوصل إلى حل سلمي لهذا النزاع"، وتابع: "وعندما يتم التوصل إلى اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ستكون قضية انخراط إسرائيل في محيطها الإقليمي على الطاولة على ما أعتقد"، على حد تعبيره.

وزير الخارجية السعودي ينفي صدور قرار يتعلق بالسماح للإسرائيليين بزيارة بلاده

وبشأن القرار الذي أصدرته وزارة الداخلية الإسرائيلية والذي يقضي بالسماح لمواطنيها بالسفر إلى السعودية لأداء مناسك الحج والعمرة أو لعقد اجتماعات بين رجال الأعمال، أكد وزير الخارجية السعودي أنّ الإسرائيليين غير مرحب بهم في المملكة.

وقال بن فرحان عن هذا الأمر: "سياستنا ثابتة، لا علاقات لدينا مع إسرائيل ولا يمكن لحاملي الجواز الإسرائيلي زيارة المملكة في الوقت الراهن".

وأضاف وزير الخارجية السعودي، أنّه لم يطلع على خطة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط لذلك فضل عدم الكشف عن رأيه بها.

وقال بن فرحان عن ذلك: "نواصل دعم جميع الجهود الصادقة للتوصل إلى تسوية عادلة، من المهم جداً بالنسبة لنا أن تُحل هذه القضية، ولكن في سياق حصول الفلسطينيين على حقوقهم، وسندعم جميع الجهود التي تثمر عن ذلك".

 

 

 

للمشاركة:

قائد الحرس الثوري الإيراني يهدد أمريكا.. ماذا قال؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

هدد قائد الحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، أمس، الحكومة الأمريكية، ملوّحاً باستهداف قادتها.

وبحسب وكالة أنباء "فارس"، فإنّ حسين سلامي هدد الحكومة الأمريكية "بمواجهة ظروف جديدة لا يمكنهم إدارتها والسيطرة عليها إذا ما استهدفت أحد القادة الإيرانيين، مطالباً واشنطن بالتراجع".

وجاءت تصريحات قائد الحرس الثوري الإيراني رداً على تصريحات رئيس مجموعة العمل الخاصة بإيران في الخارجية الأمريكية براين هوك.

حسين سلامي يهدد الحكومة الأمريكية ويلوّح باستهداف قادتها إذا ما تعرضت لأحد القادة الإيرانيين

وكان براين هوك قد قال، في وقت سابق، خلال تصريح أدلى به لصحيفة "الشرق الأوسط" إنّ قائد فيلق القدس الجديد، إسماعيل قاآني، سيواجه مصير القائد السابق قاسم سليماني، إذا ما قام بقتل أمريكيين أو استهداف مصالحهم.

وتعرضت السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد للعديد من الهجمات الصاروخية خلال الفترة الأخيرة بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني بغارة جوية أمريكية بالمنطقة المحيطة لمطار بغداد.

وتعد المنطقة الخضراء من أكثر المواقع المحصنة أمنياً في العاصمة العراقية؛ إذ تضم عدداً من مراكز القوى في الحكومة ومقر الجيش، بالإضافة إلى السفارة الأمريكية في بغداد.

وكانت قد أنشئت هذه المنطقة بعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق؛ إذ كانت تسمى سابقاً بـ "كرادة مريم" وكانت تحتوي على عدد من قصور الرئيس السابق، صدام حسين

 

للمشاركة:



خطر المحور التركي القطري على الأمن العالمي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

سوسن الشاعر

لن يطول الوقت حتى يلزم المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم من المحور «القطري التركي». وما هذه المماطلة من التيارات اليسارية الغربية المتحالفة مع جماعة «الإخوان المسلمين» لتأخير هذه الخطوة أو منعها، إلا تضييع وقت ومحاولة لإبعاد الأنظار عما تمارسه هذه الجماعة من رعاية للمتطرفين.

وقد بدأ خطر هذا المحور على الأمن الدولي والاستقرار العالمي يهدد أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فعلاً، السلطات التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بدأت تتعرض لضغوط من اجل إدراج «الجماعة» وتصنيفها ضمن "الجماعات الإرهابية"، كما ذكر أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور طارق فهمى في تصريحات لـ«اليوم السابع» إن النواب بالكونغرس الذين يسعون إلى فتح ملف نشاط الإخوان مدعمين بتقارير الخارجية الأمريكية وملفات الاستخبارات الأمريكية التي تحذر من إهمال ملف الجماعة، وعدم وضعه على الأولويات والمطالبة بالكشف عن المسكوت عنه في دوائر محددة تحاول غلق الملف وإنهاء التحقيقات الفيدرالية.

وأشار الدكتور فهمي إلى أن هناك مجلس العلاقات المتخصصة ومركز سابان ومركز التقدم الأمريكي وهي مراكز بيوت خبرة وتهتم بموضوعات الجماعة الإرهابية بدأت في الفترة الأخيرة سلسلة تقارير موجهة بشأن ضرورة التعامل مع حالة الإخوان وحظر الجماعة والنشاط الاقتصادي الكبير في أمريكا ومخالفة القوانين والقواعد الفيدرالية الأمريكية.

الجديد أن التقارير الأمريكية بدأت تبرز الدور القطري والتركي في رعاية هذه الجماعة، وبدأت تتكلم عن خطر هذا المحور على الأمن الدولي، فقد نشر موقع «ناشيونال إنترست» الأمريكي معلومات تفصيلية عن التقرير الذي كتبه اثنان من كبار الباحثين.

ووصف التقرير تركيا وقطر بـ«الأخوين»، اللذين يشاركان في التمويل غير المشروع لتعزيز الأيديولوجيات المتطرفة، وهو الأمر الذي سيحتم على واشنطن استجابة «متعددة الجوانب» لإجبار الدوحة وأنقرة على الحد من سلوكهما «الخبيث».

وأوضح المصدر أن المحور القطري التركي بات يتنافس بقوة على نفوذه في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من العراق إلى ليبيا، ما يعقد الوضع في المنطقة «المضطربة فعلاً».

وأضاف: «بدا التحالف القطري التركي واضحاً بشكل بارز، في أعقاب بدء الأزمة القطرية وقطع عدد من الدول علاقاتها مع الدوحة بسبب دعمها التطرف وتعاونها مع إيران لزعزعة استقرار المنطقة».

وأبرز التقرير الذي نشره الموقع تحت عنوان «الإخوة في السلاح: توحيد المحور التركي-القطري» أن أيديولوجية «الإخوان» هي قلب هذا المحور، الذي ازداد قوة ومتانة بعد صعود رجب طيب أردوغان إلى الحكم.

وتابع: «وفرت تركيا وقطر ملاذات آمنة لمعتنقي هذه الأيديولوجية وقياداتها، ما يشكل انتهاكاً صارخاً للعقوبات الأمريكية والأممية».

كما سلط الضوء على أن أجندة تركيا وقطر المدمرة والمزعزعة للاستقرار «مثيرة للقلق بالنسبة إلى واشنطن»، قائلاً: «الدولتان حليفتان للولايات المتحدة، على الأقل ظاهرياً.. كما أنهما تستضيفان قواعد عسكرية أمريكية مهمة، لكنهما أصبحتا إخوتين في السلاح وفي مشاريعهما المشجعة على الأيديولوجيات المتطرفة».

هذه التقارير تحث الإدارة الأمريكية على اتخاذ خطوات حازمة تجاه هاتين الدولتين، وكما طال الوقت حتى اضطرت الجماعات الغربية اليسارية والليبرالية أن ترضخ وتصنف «حزب الله» ضمن الجماعات الإرهابية، فلن يطول الوقت حتى تقر في النهاية ما يعرفه الجميع أن هذه الجماعة هي جماعة «الإخوان المسلحين» لا جماعة للإخوان المسلمين، وأن أبرز داعمي هذه الجماعة هما دولتا قطر وتركيا وأن هذا المحور بات يشكل خطراً على الأمن العالمي.

عن "البيان" الإماراتية

للمشاركة:

الخلافة الإيرانية وتداعيات مقتل سليماني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

مهدي خلجي

بعد اغتيال قاسم سليماني، انصبّ التركيز بشكل كبير على العمليات الخارجية التي ينفذها "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني. غير أن الفيلق لعب دورا بارزا في الداخل أيضا، لكن مستقبله لم يعد واضحا حاليا. وعلى وجه الخصوص، كان سليماني نفسه في موقع جيد يخوله أن يكون شخصية جامعة توفر الاستقرار ما أن تواجه إيران التحدي المتمثل في تعيين خلف للمرشد الأعلى علي خامنئي.

سليماني كجندي مثالي لخامنئي
بنظر المرشد الأعلى، كان سليماني مثالا يحتذى به حول الطريقة التي ينبغي لقائد عسكري التصرف بها مهنيا وسياسيا. فخامنئي لم يكن يثق بأي قائد بارز آخر، وهذه حقيقة كانت واضحة في المعاملة التفضيلية التي كانت تمنح لسليماني في كثير من الأحيان.

على سبيل المثال، عندما استلم خامنئي السلطة في عام 1989، اعتمد سياسة جديدة تقوم على تحديد مدة الخدمة الفعلية في المراكز العسكرية والسياسية، بما في ذلك المنصب الأعلى في "الحرس الثوري" الإيراني الذي تمّ تحديده بعشر سنوات.

ولم يكن خامنئي يُعتبر خلفا طبيعيا لروح الله الخميني وافتقر إلى المؤهلات الدينية والجاذبية التي كان يتمتع بها القائد المؤسس، لذا كان إعادة تشكيل التسلسل الهرمي العسكري بحذر بين الحين والآخر وسيلة بديلة لتوطيد سلطته وترسيخها.

وحتى اليوم، في وقت يتمتع فيه بصلاحية شبه مطلقة، يساهم تناوب المراكز بين العناصر من ذوي الرتب العليا والمتوسطة في منع القادة من تشكيل دوائر سلطة وتحالفات خاصة بهم.

غير أن سليماني شكّل حالة استثنائية لهذه القيود المفروضة على مدة الولاية، ويُعزى ذلك جزئيا إلى أنه كان ينحدر من مجموعة صغيرة من قادة "الحرس الثوري" الذين كانوا مقربين من خامنئي أكثر من خصومه خلال المرحلة الانتقالية [بعد وفاة] آية الله الخميني. وفي أعقاب تعيين سليماني كقائد لـ "فيلق القدس" في عام 1997، بقي في هذا المنصب إلى حين مقتله بعد أكثر من عشرين عاما.

ولم يكتسب سليماني مكانته المميزة هذه فقط بسبب ولائه لخامنئي منذ البداية وإنجازاته العسكرية اللاحقة. فبخلاف الأغلبية الساحقة من ضباط "الحرس الثوري" الإيراني، تجنّب أيضا الانخراط في الأنشطة الاقتصادية والسياسية، وبدلا من ذلك عاش حياة متدينة بحتة.

وبفضل هذه السمات كان محببا إلى خامنئي الذي غالبا ما أشار إلى الجنرال و "فيلق القدس" الذي يرأسه على أنهما دليل على أن استراتيجية "المقاومة" كانت فعالة أكثر من المقاربة الدبلوماسية التي يفضلها الرؤساء الإيرانيون.

وتميز سليماني بانتهاج هذه الاستراتيجية من دون الإدلاء بتصريحات علنية سواء داعمة للسياسات المتشددة أو مناهضة لمسؤولين منشقين، حتى خلال الدورات الانتخابية الساخنة. وتعذّر على مراكز القوة النافذة التأثير عليه ـ فكان يتلقى الأوامر مباشرة من المرشد الأعلى وكان مسؤولا أمامه فقط، لذا لم يكن مهتما بما أراده رؤساء البلاد أو المسؤولين الآخرين.

فالشخص الوحيد الذي كرّر ولاءه المطلق له بفخر وبشكل متكرر هو خامنئي. وفي المقابل، غالبا ما وصف المرشد الأعلى شخصية سليماني وخدمته بصفات لم تُستخدم لوصف أي قائد آخر.

وتجسّدت هذه المحسوبية المتبادلة أيضا بالطريقة التي توليا بها إدارة السياسة الإقليمية. ففي أوائل 2019، على سبيل المثال، رافق أفراد من "فيلق القدس" الرئيس السوري بشار الأسد من دمشق إلى مكتب خامنئي في طهران دون علم مسبق من الحكومة.

ورد وزير الخارجية محمد جواد ظريف بغضب على استبعاده من الاجتماع وعرض استقالته، لكن تمّ رفضها. وحتى أن الرئيس حسن روحاني نفسه استُبعد من أجزاء من الاجتماع ـ في المقابل، جلس سليماني ورفاقه إلى جانب خامنئي طيلة فترة المحادثات حيث أشاد به المرشد الأعلى والرئيس السوري وأغدقا عليه المدح.

بالإضافة إلى ذلك، وبفضل الحملة الدعائية التي تشنها الدولة والتغطية الإعلامية الغربية، اعتبرت شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني سليماني بطلا، رغم أنه كان يقول صراحة إنه ليس شخصية قومية بل جندي في خدمة الإسلام والنظام. ويُعدّ لقب "البطل القومي" الذي غالبا ما وُصف به لقبا نادرا في اللغة الفارسية، لا يُعطى إلا لشخصيات في الملاحم وعلم الأساطير الفارسي وليس لمسؤولين عسكريين معاصرين.

ومن هذا المنطلق، أصبح سليماني مقدسا من الناحية الأيديولوجية بقدر خامنئي نفسه تقريبا. ولم يكن مسموحا انتقاد سجله أو دوره علنا، كما مالت نخبة النظام إلى التحدث عنه باحترام، وحتى بمحبة، بغض النظر عن تبعياتها الفصائلية. فبنظرهم، كان يتمتع بالمقومات الضرورية لتسهيل عملية صنع القرار والتوصل إلى تفاهم وإجماع في وقت الأزمات ـ وهو شخصية لا مثيل لها يتمتع بسلطة وحكمة كان سيتم قبولها دون أدنى شك من قبل أقرانه العسكريين، والنخبة السياسية وجزء كبير من الشعب.

وتم تعزيز هذه السمعة في السنوات الأخيرة كلما تمّ تكليف "فيلق القدس" بالاضطلاع بدور أكبر على الساحة المحلية. على سبيل المثال، فبعد عجز الحكومة عن التعامل بفعالية مع أزمة الفيضانات التي أصابت البلاد العام الماضي، تدخلت قوات سليماني لتوفير الإغاثة. ونظرا إلى وصفه هذه القوة بأنها هيئة وطنية مكلفة بالعديد من المهام العسكرية وغير العسكرية، سيكون من المثير للاهتمام رؤية ما إذا كانت القيادة الجديدة تشعر مضطرة إلى إعادة توضيع التنظيم وكيف.

ويُعتبر محمد حسين ـ زاده حجازي، النائب الجديد لقائد "فيلق القدس"، شخصية تُجسد هذه المعضلة. فقبل انضمامه إلى "فيلق القدس"، كان له دور مهم في تحويل ميليشيا "الباسيج" إلى قوة قمعية أقدمت بوحشية على قمع احتجاجات "الحركة الخضراء" في عام 2009.

ورغم توليه أدوارا خارجية منذ ذلك الحين، إلا أن خلفيته الإجمالية تتركز بشكل كبير على الأمن الداخلي. يُذكر أن "فيلق القدس" بقي عموما خارج مساعي النظام الرامية إلى قمع الاضطرابات التي شهدتها إيران في الآونة الأخيرة، مثل مقتل المئات لاحتجاجهم على رفع أسعار البنزين. ونتيجة لذلك، تلقى "الفيلق" لوما مخففا بسبب هذا القمع، لكن ذلك قد يتغير.

الخلافة تحتاج إلى شخصية تحافظ على الاستقرار
إن آيات الله الثمانية والثمانين الذين يشكلون "مجلس الخبراء" الإيراني مكلفون بموجب الدستور بتعيين خلف للمرشد الأعلى، لكن هذه المؤسسة تُعرف باعتمادها على جهات فاعلة من الخارج، ولا سيما "الحرس الثوري" الإيراني.

فعادة ما يفوز الأعضاء في انتخابات المجلس بدعم مباشر وتمويل من عناصر "الحرس الثوري"، كما أن علاقاتهم بالأجهزة العسكرية ـ الأمنية أقوى بكثير من جذورهم في المؤسسة الدينية. وبالتالي، لا بدّ من اتخاذ القرار الفعلي بشأن خلف خامنئي المحتمل خارج المجلس.

إن موت سليماني يجعل هذا الوضع أكثر تعقيدا إذ لطالما استبدل خامنئي الولاء لأيديولوجيا النظام بعبادة لشخصه على مرّ السنين. وإذا كان سيغادر الساحة السياسية قريبا، فلن يكون للنخبة المقسّمة إلى عدة فصائل ـ بما فيها "الحرس الثوري" الإيراني ـ سلطة محورية ترسي عليها أساسا جديدا للوحدة الداخلية والشرعية المحلية، مما سيطرح خطرا وجوديا على النظام ككل.

والمفارقة أن خامنئي هو "رجل المؤسسات" الذي يؤمن بالبيروقراطية الحديثة غير المحدودة من أجل إضعاف دور الجهات الفاعلة من الأفراد. ومع ذلك، فإن تركيزه على دعم مجموعة من المؤسسات لا يهدف إلى تمكين هيكليات الحكومة الديمقراطية، بل إضعاف إمكانية إقامة تحالفات مستقلة ومؤسسات ديمقراطية قوية.

واليوم، من الشائع أن يتم تكليف مؤسسات إيرانية بمهام متداخلة مع عدم وجود خيارات للتنسيق مع بعضها البعض أو اعتبار نفسها مسؤولة أمام أي سلطة غير المرشد الأعلى. ويساعد هذا التصميم خامنئي على عزل سلطته عن أي تهديدات محلية، سواء من النخبة أو من الشعب، مما يسمح له بالتمتع بصلاحية قصوى ـ ولكن مع الحد الأدنى من المسؤولية عندما تسوء الأمور.

وأخيرا، إن خطر تركيز الكثير من السلطة بيد خامنئي أمر واضح: ما الذي سيحصل عند رحيله؟ لقد كان سليماني يمثّل سلطة بديلة لا تضاهى، كان شخصا قد منح خامنئي على الأرجح راحة البال بأن النظام قد يحافظ على استقراره متى حان موعد المرحلة الانتقالية.

حتى الأنظمة الاستبدادية تستفيد من وجود مثل صمامات الأمان هذه ـ شخصيات يمكنها تقديم التوجيه خلال أوقات الأزمات وتتوقع الالتزام به دون اللجوء إلى التدابير القسرية. والآن يبدو أن آفاق الخلافة مقلقة على نحو أكبر بالنسبة لطهران، كما أن مستقبل النظام أقل تأكدا.

عن "الحرة"

للمشاركة:

هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

2020-01-28

ترجمة: إسماعيل حسن


استفزازات إيران السابقة واليائسة؛ المتمثلة في الهجوم على ناقلات النفط، والمسّ بتصدير النفط السعودي، والهجوم على السفارة الأمريكية، وإسقاط الطائرات المسيرة، كلّها تدلّ على ضائقة عميقة في ضوء نجاح العقوبات، تهدف إلى جرّ ترامب إلى مواجهة في صيغة تخيف ناخبي تشرين الثاني، وتقنعهم بفكر أوباما، وكأنّ البديل هو بين المصالحة والحرب والكثير من القتلى الأمريكيين، وقد فضّلت الولايات المتحدة عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية مبادر إليها، وتشديد الضغوط في المجال الاقتصادي المؤلم، الذي أثبت نجاعته.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟
بالتوازي؛ بحثت عن خطوة ضارة ومهينة ترمم الردع حيال إيران ومصداقيتها في نظر حلفائها في المنطقة، وقد قدّمت تصفية سليماني خليطاً متكاملاً، لدولة هشّة أكثر من أيّ وقت مضى، ولدى الولايات المتحدة الأدوات لضربها دون الدخول في مواجهة برية مكثفة، هذا النظام جدير باللجم والإضعاف والردع وتقويض أساساته، لقد صالحه أوباما في اتفاق وعد بهدوء مؤقت، بالضبط حين كان الإيرانيون في حاجة إلى مثل هذا الهدوء، كي يطوروا وسائل إطلاق الصواريخ والرؤوس المتفجرة، في المقابل؛ ترامب يضرب هذا النظام في المكان الأكثر هشاشة، وهي مداخيل الدولة، الأمر الذي يفشل محاولة النظام أن يضمن دفعة واحدة من احتياجاته الإستراتيجية الأساسية الثلاثة، وهي: الهدوء في الداخل، والهيمنة الإقليمية، والنووي.

التحذير ليس نظرياً

التحذير ليس نظرياً، إنما الفعل على أرض الواقع هو ما يؤلم ويوثر، إيران سيطرت في العام الماضي على بضع سفن، أبرزها الناقلة البريطانية "ستينا أمبيرو"، كردّ على خطوة مشابهة من بريطانيا ضدّ سفن إيرانية نقلت النفط إلى سوريا، وبحسب الادعاءات في الغرب، فإنّ إيران تقف أيضاً خلف الهجوم على ميناء الفجيرة، أحد أهم موانئ النفط في الإمارات، وضرب ناقلات نفط في قلب البحر، لم تأخذ طهران المسؤولية عن ذلك، لكنّ الولايات المتحدة نشرت أدلة تدين القوة البحرية التابعة للحرس الثوري بالعودة إلى ساحة الحدث، وكانت ذروة النشاط القتالي الإيراني في المجال البحري، في اعتراض مسيرة أمريكية متطورة فوق المياه الدولية، في شهر حزيران (يونيو) الماضي، في ضوء الأسلوب المختلف للهجمات الإيرانية في الساحة البحرية، يبدو تعاظم قوة إيران في المجال مشوشة بالأساس، فإلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة التي يستخدمونها بشكل سرّي. ما هو مهم أن نفهمه حول القوة البحرية الإيرانية؛ أنّها في واقع الأمر تتألف من قوتين منفصلتين تماماً؛ فإلى جانب سلاح البحرية الإيراني الرسمي الذي يحوز كمية كبيرة من السفن، حتى إن كانت قديمة في قسم منها، فثمة قوة بحرية سرّية للحرس الثوري، وفي أساسها تحوز أسطولاً كبيراً ومجهولاً من القوارب الصغيرة والغواصات، وتستهدف تنفيذ أعمال هي على حافة السياسة أو في واقع الأمر إرهابية.

رغم الخطابة الحماسية

الكاتب أبراهام بن تسفي يقول: "رغم الخطابة الحماسية، اختارت الزعامة الإيرانية بعد ضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية نقل رسالة تقول إنّ النظام ليس في نيّته أن يقترب حالياً من شفا الهاوية، وبالفعل، إن كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة بين خصمين لدودين، ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة في تصعيد غير منضبط، بالتالي؛ هو يحاول أن يجد التوازن المناسب بين رغبته في أن يبثّ تصميماً والتزاماً بالردّ على التصفية، وبذلك يواصل السير في المسار العنيف الذي شقّه سليماني، وبين تطلعه في الوقت نفسه لمنع ترامب من أن يردّ ردّاً عسكرياً واسعاً وأليماً، من شأنه أن يقوض قدرته على الحكم في عصر من العقوبات المحتدمة وموجات احتجاج من الداخل.

يرى الكاتب عوديد من خلال الرؤية الحالية للأحداث أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني

نقطة التوازن التي اختيرت بعد اغتيال سليماني، أنّ ترامب أراد إمساك العصا من الطرفين؛ فمن جهة أعلن زيادة العقوبات واستمرار سياسة ضغط الحدّ الأقصى على طهران، رغم أنّها حققت، حتى الآن، نتائج معاكسة لما وعد به، وحولت إيران إلى دولة أكثر عدائية ومارقة أكثر من السابق. ومن جهة أخرى؛ طلب ترامب من حكام إيران الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، وفي تل أبيب، بلا شك، تمّ تسجيل انتقاد متزايد؛ عندما أمعن ترامب في مدح صفقته، رغم أنّ النار على القوات الأمريكية كانت سابقة وكانت تجاوزاً واضحاً للخط الأحمر؛ ففي الماضي كان من يدورون في فلك إيران هم من يهاجمون أهدافاً أمريكية، إلا أنّهم ركّزوا على جبهة القتال العراقية ولم يتجاوزوها، من هذه الناحية يدور الحديث عن تبادلية معينة بين تصفية سليماني والهجوم الإيراني بالصواريخ، وقد وقعت العمليتان في الساحة ذاتها، وتضمنتا ناراً صاروخية، ولما كان غياب سليماني عن الساحة هو ضربة سياسية عملياتية واعتبارية قاضية بالنسبة إلى الحكم الإيراني، واضح أيضاً الجهد الدعائي للمبالغة في وصف حجم الردّ، وصبّ معانٍ بعيدة الأثر فيه.

هجوم للاستهلاك الإيراني المحلي

مع ذلك، وبالنسبة إلى العديد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، الحاليين والسابقين، لم  يعلقوا كثيراً على الضربات الصاروخية الإيرانية التي أطلقها الحرس الثوري على قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار، غرب العراق، أو قاعدة أربيل العسكرية في كردستان العراق، إذ يقول الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق لموقع "ديفنس" الدفاعي الأمريكي: إيران كانت لديها خيارات عدة، لكنّ هذا الاختيار الذي نفذته في النهاية يرجع إلى كونه هجوماً مباشراً يصلح للاستهلاك المحلي قبل الدولي، بصرف النظر عن مدى الأضرار التي لم يسببها، يمكن عملياً أن يشير إلى فجوة واضحة بين المستوى اللفظي والبعد السلوكي الذي يشهد على حساسية إيرانية للثمن المتوقع على ردّ مغامر وعديم الثبات من جهته.

إلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة بشكل سري

وبالفعل، في المرحلة الحالية على الأقل، أمامنا استخدام لقوة إيرانية شديدة، بالنسبة إلى إيران على يقين بأنّ ضربات أمريكا موجعة بكل الأحوال، فعندما حاولت إيران أن تنتقم تجنبت الوقوع في حرب شاملة تهدّد وجودها في المنطقة، وفي أغلب الظنّ أثّر تهديد ترامب السابق للردّ الإيراني على تراجع إيران في ضرب أهداف حيوية مأهولة، من شأنها أن توقع خسائر بشرية، وفي هذا السياق؛ استهدفت تصريحات ترامب بعد الردّ الإيراني الفاشل فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية.
وبالتزامن مع ذلك؛ عمّت المظاهرات الشعبية أرجاء المدن الإيرانية، التي طالبت الخميني بالرحيل؛ حيث غرّد الرئيس ترامب في هذا الإطار برسالة عبر تويتر إلى الإيرانيين، داعماً بالوقوف إلى جانبهم في الاحتجاجات المطالبة برحيل النظام الفاسد، وهذا لربما من شأنه أن يؤجج الأوضاع ويجعلها أكثر تدهوراً داخل إيران، وأن يؤثر في طبيعة الدعم للحلفاء في المنطقة، نتيجة تأزم الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ومع ذلك يفهم من تصريح الرئيس أيضاً؛ أنّه فضلاً عن العقوبات الجديدة التي على الطريق، لا توجد نية للولايات المتحدة لرفع المواجهة إلى مستوى عسكري أعلى؛ إذ إنّ تصريحه تضمن أيضاً أقوالاً متصالحة عن استعداده للتعاون مع الشعب الإيراني ومع قيادته إذا ما هجرت هذه مسارها العدواني والعنيف، ولا ينبغي أن نتجاهل الآثار الكفيلة للعملية الإيرانية لأن تكون على مستوى كوريا الشمالية، وقد رجّحت وسائل إعلام أمريكية متخصصة في شؤون الدفاع؛ أن تكون إيران اختارت أن يكون هجومها بالصواريخ الباليستية لأنّها لا تملك سلاحاً جوياً أو بحرياً قوياً، يمكن أن يجابه قوة السلاح البحري والجوي الأمريكي في المنطقة، لكنّ الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الموجهة هي سلاحها المفضل الذي اختبرته من قبل أكثر من مرة ضدّ داعش والأكراد، وفي اليمن على يد الحوثيين.

موقف روسيا بعد اغتيال سليماني

وفي ظلّ وجود بعض المؤشرات حول إن كانت لدى إيران نوايا في تنفيذ مزيد من الهجمات ضدّ أهداف أمريكية أو إسرائيلية في المنطقة، إلا أنّ دولاً أوروبية أبدت قلقها من نشوب مواجهة عسكرية شاملة؛ إذ كان لدى روسيا قلق كبير من أن تجر عملية اغتيال سليماني المنطقة إلى حرب واسعة؛ حيث حظيت زيارة الرئيس الروسي "بوتين" المفاجئة إلى سوريا، برفقة وزير دفاعه، سيرجيه شويغو، وضباط روس كبار، ولقاؤه بشار الأسد في مقرّ قيادة الجيش الروسي في دمشق، بعناوين عادية في وسائل إعلام الدولتين، فلم تنبئ بالتخوف الحقيقي الذي يسود الكرملين، والشرق الأوسط كله، بعد تصفية سليماني، من أن تشتعل المنطقة في أيّة لحظة، وربما يكون الردّ قد انتهى بالنسبة إلى إيران بضرب قاعدة الأسد في العراق.

اقرأ أيضاً: صحيفة معاريف: من سيضع حداً لعربدة أردوغان؟
وبحسب قول الكاتب والمحلل العسكري، عوديد غرانوت، يمكن لقلق بوتين من وقوع حرب في المنطقة أن يشهد عليه الردّ الروسي المنضبط على التصفية، فإيران وروسيا حليفتان ظاهرياً، ومؤخراً أجرتا مناورات في شمال المحيط الهندي. كان من الممكن أن نتوقع من بوتين توجيه اتهامات شديدة لترامب على الفعلة عديمة المسؤولية التي اتّخذها، وأن يبدي تعاطفاً مع بكاء خامنئي، فيؤيد حقّ إيران في الانتقام، لكنّ كلّ هذا لم يحصل؛ فقد شجب الروس بلهجة هزيلة واكتفوا بمكالمات مواساة للمسؤولين في موسكو مع نظرائهم في طهران.
يجب أن نتذكر أنّ بوتين بطل العالم في العثور على فرص الكسب السياسي، وخبير أيضاً في تشخيص المخاطر، ها هو يشمّ خطراً بعد سليماني، فردّ آخر منفلت العقال من الإيرانيين على اغتيال الجنرال تجاه أمريكيين في الشرق الأوسط، لا بدّ من أنّه سيجرّ ردّ فعل غير متوازن من القوة العظمى الأقوى في العالم، فالمسافة قصيرة إلى الاشتعال الكبير، اشتعال يمسّ بمصالح روسيا أيضاً، في طبيعة الحال يتعلق هذان القلقان لدى بوتين بسوريا التي هي معقله الأساس في المنطقة، القلق الأول في شرق الدولة؛ حيث قوات أمريكية، وإذا ما حاول الإيرانيون المسّ بها فستعمل أمريكا في سوريا، لا في شرق الدولة، بل في كلّ مكان فيه ميليشيات مؤيدة لإيران، وهذا سيحرج القوات الروسية المرابطة في سوريا. القلق الآخر؛ هو من أن تتلقى تلك الميليشيات أمراً من طهران للعمل ضدّ إسرائيل من الأراضي السورية، كجزء من حملة الانتقام على التصفية.

ضرب رموز النظام في دمشق

يفهم بوتين أنّ إسرائيل لن تتجلد على عملية واسعة النطاق ضدّها من خلف الحدود، بل قد تتجاوز خطوطاً حمراء تقررت بين الدولتين؛ كضرب رموز النظام في دمشق، ووفق مصادر روسية أشارت إلى أنّ الزيارة المفاجئة التي قام بها الزعيم الروسي إلى دمشق، كانت محاولة للتأكد من أنّ الأسد يعمل على لجم وتهدئة الميليشيات المؤيدة لإيران في أراضيه؛ فبوتين يريد هدوءاً في سوريا وسيبحث ذلك مع مضيفيه في إسرائيل في الزيارة القريبة التي كانت مخططة مسبقاً، لكنّها أصبحت ذات صلة أكبر من أي وقت مضى بعد تصفية سليماني، كلّ ذلك شريطة ألا يقدم الإيرانيون على أيّ ردّ جديد قبل الزيارة.

إذا كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة للتصعيد

من دمشق واصل بوتين طريقه إلى أنقرة كي يبرد منطقة أخرى، وفي ليبيا ستبدأ في الأيام المقبلة حرب بين المرتزقة الروس المؤيدين لجيش حفتر، والمرتزقة الذين أرسلتهم تركيا لمساعدة الحكومة، وسيحاول بوتين إقناع أردوغان بأنّ معركته خاسرة؛ لأنّ جيش الجنرال سيطر على معظم أراضي الدولة، ومن الأفضل لموسكو وأنقرة التعاون لمنع اشتعال كبير إذا كان ممكناً في المنطقة الأقرب لحدود تركيا، إذا نجح بوتين في مهمة التهدئة، فإنّ ليبيا ستصبح المعقل البحري الثاني لروسيا في حوض البحر المتوسط بعد سوريا.
ويرى الكاتب عوديد، خلال الرؤية الحالية للأحداث من منظوره الشخصي، أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني، ومن حسن الحظّ أنّ إيران لا تمتلك السلاح النووي حتى الآن، وإلا لكانت استخدمته في تفجير العالم من غضبها، في حين أنّ مقتل سليماني نجح في تقليص مخططات التمدّد، فسليماني كانت مهمته توسيع نفوذ إيران ليس على صعيد العراق وسوريا، بل أيضاً في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، ومن هذه الرؤية يجب على العديد من الدول الأوروبية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ألّا تقدم خططاً إستراتيجية تقوم على الدفع نحو إقامة علاقات إيجابية مع إيران، فمثل هذه العلاقات تعطي إيران حرية في التمدّد السرّي، والذي من شأنه في المستقبل أن يشكّل خطراً، وتصعب السيطرة عليه، فإسرائيل تعاملت بمثل هذه الأساليب كثيراً، وهكذا أيضاً تعاملت مع تهديد حماس.
إنّ تعبير سحق رأس الأفعى لم يكن شعاراً شعرياً، بل يمثل إستراتيجية ترتكز على مفهوم مركزي وهو أنّ ما يعدّ تنظيماً أو حتى خلية إرهابية حجمه غير مهم، فقط اقطع رأسه، وبهذا ينتهي التهديد.


مصدر الترجمة عن العبرية: يسرائيل هيوم
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722869
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722485
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722163

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية