البنوك الإسلامية: فتوى فقهية أم حيل حسابية؟

3658
عدد القراءات

2018-08-07

سعيد ناشيد


يصعب على المتتبع أن يعثر على تعريف واضح المعالم لما يسميه البعض بالاقتصاد الإسلامي، علما بأنّ معظم مَن كتبوا في الموضوع ليسوا من أهل الاختصاص والتخصص، في حين أن القلة القليلة من الذين يسمّون أنفسهم بخبراء في “الاقتصاد الإسلامي”، لم يكتبوا سوى بخلفية التسويق المبتذل، بحيث كل فكرة تقبل البيع يجب أن تباع فورا دون أدنى حرج، حتى ولو تعلق الأمر بالخرافات والأوهام، حتى ولو تعلق الأمر بالأدعية أو بصكوك الغفران. هنا يكمن المبدأ المؤسس لما يُصطلح عليه باسم “إسلام السوق”.

في كل الأحوال، بوسعنا أن نستعرض خلاصة ما كُتب في موضوع “البنوك الإسلامية” في تقرير مقتضب، وعلى النحو التالي:

عدا اجترار الكلام عن وجوب الزكاة وتحريم الربا، وترديد حكايات ذات صلة بالموضوع، من قصص الأولين إلى أخبار المتأخرين، فإن نصوص من يصطلحون على أنفسهم باسم خبراء “الاقتصاد الإسلامي”، لا تتضمن أي هدف إجرائي واضح الصياغة، قابل للقياس، وله علاقة مباشرة بإنتاج الثروة. اللهم شطحات من يجرؤون على استعادة مسائل الغنائم والجزية والخراج، وما إلى ذلك من أبواب تندرج ضمن فقه الغزوات، والذي يُفترض أن الزمن عفى عنه، أو أنه انقرض، أو هكذا يفترض.

ولأن العالم القديم محرج بكل المقاييس، يجد البعض مخرجا من الحرج في سياسة الهروب إلى الأمام، وذلك عبر الدعوة إلى أسلمة معطيات العالم الجديد، طالما لا حرج منها، من قبيل الدعوة إلى أسلمة الحداثة، والمطالبة بأسلمة العلوم الإنسانية، وانتظار أسلمة البنوك أيضا، إلخ..

في المغرب على سبيل المثال، منذ بداية عمل حكومة حزب العدالة والتنمية، لم يتورع الحسن الداودي، وهو الذي يقدّم نفسه أحيانا كخبير لما يسمى بالاقتصاد الإسلامي، عن تبشير المغاربة بقرب قدوم البنوك الإسلامية التي ستنهي بضربة سحرية كل مشاكل الاقتصاد الوطني. وكانت عيونه وقتها على أموال الخليج تحديدا. وهو ما أوحت به أولى خرجاته الإعلامية في الموضوع.

والآن، بعد أن وصلت أولى طلائع “البنوك الإسلامية” إلى أرض المغرب، يحق لنا أن نطرح السؤال: ما الجديد في تجربة “البنوك الإسلامية”؟ بمعنى، ما المنتوج الجديد الذي تقترحه، أو ما الخدمة الجديدة التي توفرها؟

بعيداً عن الحيل الفقهية التي يمكن تأليفها لكل المناسبات وبلا مناسبة، لم تقم البنوك المسماة بـ”الإسلامية” بإلغاء أرباح الفائدة أو التخفيف منها ولو في سبيل الله مثلا بل ضاعفتها في كثير من الأحيان، مع إجراء تعديلات في الشكليات. وتحديداً ستطرأ تعديلات في العمليات الحسابية، بحيث ستزيد البنوك المسماة بالإسلامية من كلفة التمويل بإضافة عنصر “الشرط الجزائي”، وهو مبلغ إضافي يدفعه الزبون كغرامة عن أي تأخير في الأداء. ولمزيد من التوضيح نقول، إن هذا السلوك لهو النسيئة بعينها، والتي سبق أن أجمع الفقه الإسلامي على تحريمها. ولا بأس بالتذكير بأن المقصود بـ”النسيئة” هو الربا الناجم عن تأجيل الدفع بحسب وجهة نظر الفقه الإسلامي نفسه.

يتعلق الأمر كما يبدو بإباحة فقهاء الإسلام السياسي اليوم لربا النسيئة، بصيغ مفضوحة إلى حد إثارة السخرية، وذلك باعتماد الشرط الجزائي قياسا على حكم فقهي آخر، هو التعزير بالمال، والذي أقره بالفعل الكثير من الفقهاء القدماء، على رأسهم ابن تيمية، الذي يقول في إحدى فتاواه “والتعزير بالمال سائغٌ إتلافاً وأخذاً، وهو جارٍ على أصل أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابهُ أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها”.

على نفس المنوال ذهب الباحث مصطفى الزرقا، إلى جواز تعويض الدائن قضائيا عن تأخر المدين في السداد المؤدي للضرر (مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، العدد 2). كما يؤكد الشيخ عبدالله المنيع بأن عقد الالتزام إن تضمن شرطا جزائيا لقاء المماطلة والذي بقدر فوات المنفعة فهو شرط صحيح واجب الوفاء (مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، العدد 12).

هكذا، وقياسا على التعزيز بالمال الذي أقرّه الفقهاء القدماء، جعل فقهاء الإسلام السياسي اليوم الفائدة المترتبة عن التأخير في أداء أقساط الدين مباحة شرعا بدعوى أنها مجرد نوع من أنواع التعزير بالمال. غير أن التعزيز بالمال في الفقه القديم لم يثبت الكلام عنه في حالة التأخر عن سداد الدين، طالما الجميع كان مدركا بأن الأمر في هذه الحالة سيتعلق بأحد أسوأ أنواع الربا، وهو النسيئة.

بهذا النحو يصبح القياس لعبة بلا ضوابط، مجرد آلية من آليات الخداع المنطقي لدى فقهاء الإسلام السياسي اليوم؛ لأنه يتيح لهم إمكانية أن يبرروا ما لا يمكن تبريره، وأن يجدون لأنفسهم مخرجا، دون أن يجدوا في ذلك حرجا.

لا نجانب الصواب، ولا نتجنى على الوقائع حين نستنتج بأن كل ما تفعله التجارب التي تسمي نفسها بالبنوك الإسلامية هو أنها تختزل الأسلمة في خدمات مصرفية تكلف الزبون المسلم فوائد أكبر من فوائد البنوك التقليدية. وعلى الأرجح سيعطيها هذه المرة بلا شكوى طالما المفعول الديني قد قام بدوره. وقد لا يفطن الزبون إلا بعد فوات الأوان، وقد يرغم نفسه على ألا يفطن، على الأقل حرصا على راحة البال بعد خسارة المال. وفي كل الأحوال، تبقى “الآخرة خير وأبقى”؟


عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حرب إيران التجريبية في مواجهة العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

فاروق يوسف

ما هو مؤكد أن إيران تقف وراء الهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط السعودية. ذلك لا يحتاج إلى جدل فائض.

القول بأنها لم تنفذ الهجوم بنفسها لذلك فهي بريئة فيه الكثير من الغباء والقليل من المراوغة المكشوفة.

فإيران هي التي زودت الجهة التي قامت بتنفيذ الهجمات بالسلاح والخرائط والخبراء وحددت لها ساعة الصفر.

اما أن يتبني الحوثيون في اليمن مسؤولية القيام بالهجوم فذلك ما يدخل في إطار الحرب بالوكالة التي تفتح الطريق في اتجاه عمليات انتحارية قد يتبناها الوكلاء من غير أن يكونوا منفذيها الحقيقيين.

حماية إيران بالنسبة لأتباعها ضرورية مثلما هو ضروري القتال نيابة عنها. فلا بقاء للمشروع الطائفي من غير بقاء إيران. كما أن إيران لن تستطيع تحقيق أطماعها التوسعية من غير وجود أتباع يدينون لها بالولاء في الدول التي تسعى لاختراقها.

علاقة متشابكة ومتداخلة العناصر والمقومات من ذلك النوع تسمح بوقوع أحداث تبدو لأول وهلة غامضة وغير قابلة للتأويل خارج معطياتها الواقعية. غير أن ذلك لا يصح إلا من خلال عقل مبسط ومسطح بل ومغسول عن طريق الضخ الدعائي المبرمج الذي تجيده إيران في بيئة تغلب عليها الخرافة.

صدق البعض عن جهل أعمى أو عن قصد مسبق أسطورة التفوق الحوثي الذي تجلى من خلال الطائرات المسيرة التي يزيد مداها على الألف كيلومتر وتضرب أهدافها بدقة، متناسين أن جماعة الحوثي هم مجرد قبيلة بدائية في تقنيات حياتها وتفكيرها.
تذكر تلك الكذبة بما أشيع قبل سنوات من أن جهاز الاستخبارات الأميركية عثر في البيت الذي قُتل في أسامة بن لادن على دفاتر تحتوي على معادلات لصنع قنبلة نووية.
هناك قدر هائل من السذاجة التي يعرف مروجو تلك الأكاذيب أنها لن تستوي مع العقل السليم، غير أن ذلك لا يعنيهم في شيء ماداموا قادرين من خلالها على الاستفادة من غياب القدرة على التفكير لدى البعض لتمرير حقائق أخرى لم يحن الوقت للكشف عنها.

هذا ما تفعله إيران في ظل تردد المجتمع الدولي في اتخاذ موقف موحد منها باعتبارها الدولة المارقة التي يتجمع حولها إرهابيون، لم يتم تصنيفهم حتى اللحظة باعتبارهم خارجين على القانون يجب أن يُلاحقوا.

ليقل الحوثيون ما يروق لهم. ذلك لا يغير من الحقيقة في شيء. تلك الحقيقة التي تعرفها الولايات المتحدة قبل أن يتم ضرب المنشآت النفطية السعودية. لقد نقلت إيران الكثير من الأسلحة المتطورة إلى اليمن كما أن خبراء عسكريين إيرانيين هم من الذين يشرفون على استعمال تلك الأسلحة. وفي ذلك يمكنني أن أشكك بقدرة الحوثيين على استعمال تلك الأسلحة بأنفسهم.

وكما أرى فإن نظرية إطلاق الطائرات المسيرة من اليمن ستغلب النظرية التي تقول بإن تلك الطائرات جاءت من الشمال أي من إيران أو العراق. وهو ما يلقي بظلال من الشك على خطط احتواء إيران أو تحجيم هيمنتها في المنطقة.

فحتى لو قبلنا بفرضية أن الطائرات المهاجمة كانت قادمة من اليمن فإن الإيرانيين هم الذين برمجوها وأطلقوها وراقبوا مسارها. ذلك يعني أن إيران تتحمل المسؤولية كاملة، من غير التمترس وراء كذبة "الحوثيين".

في حقيقة الأمر فإن إيران بدأت الحرب. وهي حرب ترغب الولايات المتحدة في تأجيلها لا تتعلق بسلامة الشعوب الإيرانية أو السلام في المنطقة بل بالعقل السياسي الأميركي الذي يرغب في الاستفادة من الأزمات من غير أن يسعى إلى البحث عن حلول حقيقية لها.

تسعى إيران إلى الخروج من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي سببتها العقوبات الأميركية وهي في الوقت نفسه لا تفكر في التراجع عن سياساتها التي استدعت نشوب تلك الأزمة.

ذلك ما صار معروفا.

في سياق تلك المعادلة تسعى إيران إلى التذكير بأن في إمكانها أن تؤذي العالم وأن لديها ما يؤهلها للقيام بذلك. وهي محاولة ذات حدين. فهي تؤكد أن إيران صارت تشكل خطرا على العالم ومن وجهة نظر الإيرانيين فإن ذلك سيزيد من نقاطهم حين التفاوض. تفجير ناقلات نفط واحتجاز ناقلة نفط بريطانية والاعتداء على منشآت نفطية حيوية في السعودية، كلها تشير إلى الانتقال بالصراع إلى منطقة الحسم.

بدأت إيران حربها التجريبية التي تأمل من خلالها أن تعود الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي القديم وتنهي العقوبات.

غير أن الفشل الأميركي في ردع إيران سيكون هذه المرة أسوأ من الهزيمة في فيتنام. ستظهر الولايات المتحدة كما لو أنها القوة التي تدعم الخارجين على القانون الدولي.

ذلك ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

أحمد داود أوغلو يكشف فشل الإسلام السياسي من جديد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

إبراهيم الجبين

لم تعد مراقبة تداعي مشاريع الإسلام السياسي في أنحاء العالم أمراً جديداً، بقدر ما تعطي تأكيدات متكررة على أن مشروع الحكم في العصر الحديث لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يرتبط مع أفكار الماضي. فلا يستقيم أن تجدّد آلة السياسة وتبقي آلة الفكر على حالها.

وفي البنية العميقة للأحزاب الإسلامية السياسية يكمن عامل غير قابل لغض النظر أو الإهمال، يشتغل من داخل المؤسسة على تقويضها وهدمها كلما بدت متماسكة وقوية من الخارج، إنه “التفكير المركزي” المشتق من مكانة “الإمام” بحكم أن الهندسة التنظيمية للحزب السياسي الديني تبقى مطابقة لهندسة الجامع.

وفي ظل وجود الإمام الفرد تنتفي الفكرة الديمقراطية من جذورها. ويبدأ تحلل واضمحلال المشروع السياسي كما يحدث اليوم مع حزب العدالة والتنمية التركي الذي كان أحد أعمدته الأساسية رئيس الوزراء السابق المفكر أحمد داود أوغلو.

أعلن داود أوغلو استقالته من حزب العدالة والتنمية، قبل أيام، كاشفا عن أنه سوف يشكل قريبا حزبا سياسيا منافسا، وذلك في مؤتمر صحافي عقده في أنقرة، ليقطع الطريق على قرار تأديبي يعده أنصار صديقه أردوغان بحق داود أوغلو تمهيداً لفصله من الحزب.

غياب الفكر غياب المستقبل
يقول داود أوغلو “إنها مسؤوليتنا التاريخية وواجبنا تجاه الأمة، إنشاء حزب سياسي جديد”. أما اللجنة التنفيذية في حزب العدالة والتنمية فقررت بداية سبتمبر الحالي، إحالة داود أوغلو إلى لجنة تأديبية بسبب انتقاداته المتكررة للحزب وتصريحاته التي أكد فيها أنه انحرف عن مبادئه التي تم التوافق عليها لحظة التأسيس.

جرح كبير يتعرض له الفكر السياسي الذي أعلنه حزب العدالة والتنمية حين يغيب عنه مفكره وعقله الأول داود أوغلو. وهذا يعني أن الحزب تحول من طور الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد إلى طور الحكم المتسلط الطارد للعقول.

وهي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها حركات إسلامية سياسية في بلدان مختلفة، وفي أحقاب مختلفة، لمثل هذا الخروج الحاد لقيادات الصف الأول من صفوفها.

لكن ماذا عن مستقبل تلك الحركات وعلى رأسها اليوم وبين أيدينا حزب العدالة والتنمية الذي كان يزعم أنه التجربة الوحيدة الناجحة في العالم لوصول الإسلاميين إلى الحكم؟

إن موقف القوى الديمقراطية المدنية من الأحزاب الدينية، ليس موقفا مبنيا على الإلغاء وحرمان الآخرين من حقهم في العمل السياسي، لكنه موقف عليم يستند إلى استحالة الدمج ما بين الدين والسياسة والمعرفة المسبقة بأن هذه الطريق طريق مسدودة.

بقي داخل حزب العدالة والتنمية تياران هامان كما يقول المتابعون؛ تيار يقوده داود أوغلو رئيس الحزب السابق، معتمدا على القواعد الشعبية في مختلف الخارطة التركية.

أما التيار الثاني فهو بقيادة علي باباجان، وهو واحد من أهم المؤسسين للحزب، وتولى سابقا حقيبتي الاقتصاد والخارجية، ومعه وزير الداخلية الأسبق بشير أطالاي، ووزير العدل الأسبق سعدالله أرغين، والقيادي الأسبق حسين تشييلك، وبالطبع يختفي خلفهم الرئيس السابق عبدالله غول. ولم يعد أحد يدري من بقي مع الكرسي الحاكم الذي يجلس عليه أردوغان، من غير رجالات السمع والطاعة.

صحيح أن بعض هؤلاء يقللون من أهمية استقالة داود أوغلو، ومنهم الكاتب والمحلل السياسي يوسف كاتب أوغلو الذي يقول لوكالة أنباء تركيا، إن “الحزب ما يزال قويا متماسكا، وشعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هي الرقم الأول على مدى 40 عاما في تركيا”.  إلا أن هذا لا يبدو كلاما مستندا إلى الواقع بقدر ما هو نوع من الرغبة في امتصاص الصدمة.

يتابع كاتب أوغلو إن داود أوغلو “أصبح غير أحمد الذي كنا نكنّ له كل الود والاحترام ونفتخر بدعمه وإنجازاته أثناء وجوده مع الطيب أردوغان طيلة الـ17 عاما في الحياة السياسية للحزب”.

ولكن أوغلو لم يكن يفعل شيئا بعد إقصائه عن الميدان السياسي، وما تغير في الواقع هو خط الفاعلين في ذلك الميدان وعلى رأسهم أردوغان ذاته.

العثمانية ومسار الانحراف

داود أوغلو دأب خلال السنوات الماضية على توجيه انتقادات عميقة وحادة لأردوغان، لاسيما في حقل حرية التعبير المتردية في تركيا، وكذلك في تباطؤ عجلة الاقتصاد، وكان من الذين رفضوا مبكرا إعادة انتخابات بلدية إسطنبول، وسجن رؤساء البلديات الأكراد بتهم الإرهاب.

داود أوغلو صاحب كتاب “العمق الاستراتيجي” الذي كان يعد دستورا فكريا للعدالة والتنمية، ولد في قونية أواخر الخمسينات، ودرس في إسطنبول العلوم الاقتصادية والإدارية والعلاقات الدولية. ويتقن عددا من اللغات منها الإنكليزية والألمانية.

فلسفته كانت تقوم على قراءة المؤثرات الخارجية والتفاعل معها داخليا. وهو صاحب نظرية “صفر مشاكل مع الجيران”. ولطالما قال أوغلو إن “السلام مهم لتركيا لأنه يسمح لها بإظهار نجاحاتها الاقتصادية وتوسيعها”، مركزا على موقع ومكانة تركيا كدولة محورية، وعلى أن هذا الأمر يرتبط بشكل أساسي بإقرار رؤية ديناميكية مؤثرة في السياسة الخارجية.

عمل داود أوغلو حين كان في الحكم على حشد التأييد لمبادرته الخاصة بالتوصل إلى حل سلمي مع الأكراد الذين تفجرت قضيتهم على شكل حرب مستعرة منذ العام 1984. لكن أوغلو طرح السلام بديلا عن الحرب. ثم ما لبث وعاد إلى حديث القوة حين وصف المئات من المعتقلين الأكراد بالإرهابيين في العام 2015. وفي ذات الوقت هاجم معتصمي ساحة تقسيم، في عداء واضح للحق بالتظاهر وفقا للحياة الديمقراطية، ورفض إدانة مجازر الأرمن. إذن ما هو العقل السياسي الذي يصدر عنه داود أوغلو؟ هل هو عقل متغير يتأثر المتحولات على الأرض والمصلحة والكسب لحزبه، أم هو عقل استراتيجي يفارق سابقه؟

وحين ينتقد داود أوغلو حزبه اليوم، فهو لا ينظر إلى الوراء، ولا يرى كيف أنه ساهم في تكريس الفردية في الحكم عبر مواقفه المتناقضة التي كان يعزز فيها السلطة على حساب الديمقراطية، مشاركا في ذلك “الانحراف عن المسار”، الذي يجعله سببا لتقديم استقالته اليوم.

لا يتصور أحد أن العدالة والتنمية في تركيا تتعلق بالمجد العثماني إكراما لدور العثمانيين أنفسهم، وإدراكا للمنجز الذي قدمته الدولة العثمانية بغض النظر عن سلبياتها، بل إن الأمر لا يعدو كونه تعلق بزرع فكرة الخلافة والإمامة التي يحتاجها الإسلاميون في قلب أي تنظيم يؤسسون له.

العثمانية التي ينادي بها داود أوغلو تنطلق من المنطلق الإسلامي السياسي ذاته، مضافا إليها البعد الخارجي الذي يجعلها تتناقض كليا مع قصة “صفر مشاكل”، مذكرة بالهيمنة وامتداد النفوذ.

“إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية. إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا. نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال أفريقيا. والدول العظمى تتابعنا بدهشة وتعجب”. بكم تختلف هذه الكلمات عن رسائل حسن البنا حول الأستاذية، وتقديم النموذج العالمي الذي كان يريد للإخوان تمثيله حين يصلون إلى الحكم؟

كتب داود أوغلو، ذات يوم، إن “جغرافية تركيا تعطيها حالة دولة مركزية فريدة تختلف عن الدول المركزية الأخرى، فعلى سبيل المثال تعتبر ألمانيا دولة مركزية في أوروبا ولكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا وآسيا، وروسيا أيضا دولة مركزية في أوروبا وآسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا، وإيران دولة مركزية في آسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أوروبا وأفريقيا، وبنظرة أوسع فإن تركيا تحتفظ بالموقع الأفضل في ما يتعلق بكونها دولة أوروبية وآسيوية في نفس الوقت، كما أنها قريبة من أفريقيا أيضا عبر شرق البحر المتوسط، ومن ثم فإن دولة مركزية تحتفظ بموقع متميز كهذا لا يمكن لها أن تعرّف نفسها من خلال سلوك دفاعي، ويجب عدم النظر إليها كدولة جسر تربط نقطتين فقط، ولا دولة طرفية، أو كدولة عادية تقع على حافة العالم الإسلامي أو الغرب”.

كان داود أوغلو يتحسّر على ما فقدته تركيا من نفوذ، ويبشّر باستعادته قريبا فيما لو سارت تركيا على نهج العدالة والتنمية، ويقول إن “ما فقدناه بين أعوام 1911 و1923 من الأراضي التي انسحبنا منها سيسترد، وسنلتقي مرة أخرى مع إخواننا في تلك الأراضي بين أعوام 2011 و2023”.

وهكذا تفشل عملية تسويق العثمانية في الداخل التركي بحكم كونها تصطدم مع المصالح المحلية للسكان، ولا تلبي سوى غايات الحزب الحاكم الأيديولوجية، ولعل هذا كان سببا كبيرا في تراجع شعبية العدالة والتنمية، وهو ما عكسته الانتخابات الأخيرة بشكل جلي.

دفاتر الإرهاب

ورّط داود أوغلو حزبه في نظرياته، وهو إذ ينقلب على الحزب اليوم، فهو لم يعلن مرة واحدة انقلابه على تلك النظريات، ومن بينها ما ينعكس على العلاقة مع إيران على سبيل المثال. فدولة مثل تركيا ترفع شعار قائدة العالم السني، تجدها في حالة تحالف وثيق لا تشوبه شائبة مع أكثر دول المنطقة عداءا لدولها؛ إيران الحرس الثوري والميليشيات وحزب الله والحوثي وغير ذلك.

يرى داود أوغلو أن علاقة تركيا وإيران علاقة تبادل للمصالح، مهما تناقضت الأفكار، وهذا يُظهر للمراقبين مفهوما مختلفا للانتهازية السياسية التي يمر منها المشروع الإسلامي السياسي للطرفين في طهران وأنقرة معا. الأمر ذاته الذي رأيناه في تحالف حماس، الإخوانية، المفاجئ مع إيران والنظام السوري، وسط حرب الجهتين على الملايين ممن ترفع حماس شعار الدفاع عنهم.

وضع داود أوغلو نظرياته تلك في عدة مؤلفات من بينها “العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية” الذي يعد الأهم مع كتابه الشهير “العمق الاستراتيجي والأزمة العالمية”.

لكن التناقضات التي خلقتها تلك المزاوجة المستحيلة بين الدين والسياسة، فتحت الباب أمام خلافات جذرية لعل أبرز محطاتها تصريح داود أوغلو الأخير بعد اتهام أردوغان له بالخيانة، حين قال “إن الكثير من دفاتر الإرهاب إذا فتحت لن يستطيع أصحابها النظر في وجوه الناس. إنني أقول لكم الحقيقة”. مؤكدا أن العام 2015، كان يمثل أخطر وأصعب الفترات السياسية في تاريخ تركيا.

ما الذي كان يقصده داود أوغلو في الإشارة إلى “دفاتر الإرهاب”، وهل هي فعلا كما فهمها كثيرون تقتصر فقط على إرهاب حزب العمال الكردستاني أم تشمل علاقة تركيا مع القاعدة وداعش؟

مغادرة داود أوغلو سفينة أردوغان بهذه الصورة تشير إلى أن السفينة باتت مليئة بالثقوب، وأن المسار لم ينحرف وحسب، بل ضاعت البوصلة وانكشف التخبط وأننا على مشارف انهيار جديد لحكم الإسلام السياسي.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

استهداف السعودية بندٌ إيرانيٌّ ثابت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

غسان شربل

استهداف السعودية بندٌ ثابتٌ وقديمٌ على طاولة صاحب القرار في النظام الإيراني الحالي. إنها حقيقة أكدتها الأحداث على مدار عقود. استهداف السعودية ليس قراراً مؤقتاً أو عابراً. إنه خيار يتعلق بطبيعة النظام القائم في طهران ونظرته إلى الآخرين لا سيَّما الدول المجاورة.
حاولت السعودية على مدار عقود استكشاف أي إمكانية لتغيير هذا المسار. التقطت أي إشارة يمكن أن تعدَ بسياسة إيرانية عقلانية أو واقعية. اعتمدت سياسة اليد الممدودة حين تحدث البعض عن واقعية رفسنجاني. وحدث الأمر نفسه لدى شيوع الكلام عن مرونة محمد خاتمي. لم تتردد الرياض في اعتماد سياسة اليد الممدودة حيال أحمدي نجاد. وكانت التطورات تُظهر مرة بعد أخرى أن جوهر السياسة الخارجية موجود في مكتب المرشد لا في مكتب الرئيس. وثمة من وصل إلى حدِّ الاعتقاد بأن الواقعية العابرة التي يبديها الرؤساء أحياناً هي مجرد مساحيق لإخفاء حقيقة النظرة الإيرانية إلى السعودية، وهي نظرة المرشد الذي يأتمن «الحرس الثوري» على تنفيذ السياسات الراسخة في كتابه.
تعاملت السعودية بمسؤولية عالية مع اعتداءات أمنية حصلت على أراضيها أو استهدفت دبلوماسييها ومصالحها في الخارج. سعت إلى منع التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهات علنية تضاعف المخاطر في إقليم متوتر أصلاً. وكانت الرياض تراهن على أن يستنتج أصحاب القرار في طهران أن أوهام القوة مؤذية للجميع وليس فقط للآخرين. وأن لغة العداوة تصبُّ الزيت على النار وتضاعف التوتر المذهبي والسياسي والأمني.
حاولت طهران مراراً إخفاء حقيقة سياستها المعادية للسعودية عبر التحدث عن حسن الجوار والدور المشترك في تأمين الخليج وأمن الطاقة. لكن التحركات على الأرض كانت تدلل سريعاً على أن هذه الدعوات الإيرانية إلى أفضل العلاقات بين دول المنطقة كانت جزءاً من الحرب الإعلامية والدبلوماسية التي لا بدَّ من أن تواكب الحملة المفتوحة على الأرض.
ثمة مشكلة عميقة في العلاقات بين إيران والسعودية. مشكلة حاضرة أيضاً بين إيران وغالبية دول المنطقة والعالم. في عالمنا الحالي تبنى العلاقات بين الدول استناداً إلى مبادئ القانون الدولي والمصالح المتبادلة. لإرساء ذلك لا بدَّ من أن يكون مفهوم الدولة هو الغالب. المشكلة أن إيران تتوكأ على منطق الدولة حين تجد مصلحتها في ذلك لكن جوهر سياستها يبقى كامناً في منطق الثورة التي ترفض العيش ضمن خريطتها وترفض الاعتراف بالحصانة التي يعطيها القانون الدولي لخرائط الآخرين. وما كان الأمر ليشكل معضلة لو أن إيران بنت على أرضها نموذجاً سياسيا أو اقتصاديا جاذباً يمكن استلهامه طوعاً ولا تروِّج له خارج لغة الدبلوماسية والإعلام. لكن الذي حدث هو أن طهران حاولت وبذرائع مختلفة التسلل إلى أراضي الآخرين لفرض قدر من نموذجها، وبما يكفي لجعل الدول المستهدفة تدور في فلكها. هذه الاختراقات القسرية وبوسائل من خارج أصول التخاطب بين الدول المستقلة والسيدة حولت التدخلات الإيرانية نهجاً لزعزعة الاستقرار. لا نحتاج هنا إلى سوق الأمثلة. تزايد النفوذ الإيراني في هذه العاصمة أو تلك لم يؤدِ إلى إشاعة استقرار أو التمهيد لازدهار، بل أدَّى إلى إشاعة التوتر وتجويف الدول من مقوماتها الأساسية وزرع أسباب التوتر في علاقاتها بالعالم.
دول كثيرة، وبينها السعودية، حاولت فعلاً بناء علاقة طبيعية مع إيران. لكن هذه الدول اصطدمت باكتشاف أن الدولة الإيرانية ومؤسساتها ما هي إلا عباءة تتحرك تحتها سياسة الثورة التي تجيز لنفسها اختراق خرائط الآخرين والسعي إلى تبديل التوازنات على أرضهم وفي عواصمهم. والواضح هو أن إيران تتصرف كأنها ثورة تخشى التحول إلى دولة، لأن مثل هذا التحول ينسفُ مشروع الانقلاب الكبير المبني على تصدير الثورة.
في إطار سعيها لتنفيذ برنامج الانقلاب الكبير في المنطقة، اعتبرت إيران السعودية عائقاً كبيراً أمام برنامجها وطموحاتها، عائقاً خليجياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، عائقاً لما تتصف به السعودية من ثقل إسلامي وعربي ودولي. ثقل اقتصادي وسياسي تواكبه شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية مبنية على خيار الاعتدال والتعاون والحضِّ على الحوار والتفاهمات، وهو ما تجلَّى في أدوار الوساطة التي قامت بها في دول عدة. ولهذا السبب بالذات كان تطويق السعودية بنداً ثابتاً على طاولة الصانع الحقيقي للقرار في إيران. اعتبرت طهران الحالية أن إضعاف الحلقة السعودية يشكل مدخلاً ضرورياً للإمساك بقرار المزيد من العواصم أو على الأقل امتلاك القدرة على تعطيل قدرتها على القرار. وكانت الحلقة الأبرز التي كشفت على نحو لا لبس فيه برنامج تطويق السعودية بالميليشيات والجيوش الصغيرة العابرة للحدود بأفرادها أو صواريخها وطائراتها المسيرة، حلقة الانقلاب الحوثي. وأدركت السعودية منذ اللحظة الأولى أن إيران تحاول تحويل الحوثيين وكيلاً دائماً في زعزعة الاستقرار واختراق الخرائط، ولهذا تجاوبت مع نداء الشرعية اليمنية.
واضح أن السعودية مستهدفة بسبب حاضرها واعتراضها على سياسة تحويل خرائط عربية منصاتٍ لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة على أهداف عربية. والسعودية مستهدفة أيضاً بسبب ما يمكن أن يكون عليه مستقبلها في ظل التحول الكبير الذي تعيشه.
في هذا السياق، يمكن فهم العدوان على منشأتي النفط السعوديتين التابعتين لشركة «أرامكو». إنه تصعيد واسع وخطر والبصمات على الرسالة واضحة مهما نفت طهران. يدلُّ هذا التصعيد على مدى التوتر الذي يعيشه النظام الإيراني بفعل سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية. إنه صبٌّ لمزيد من الزيت على نار المنطقة بهدف امتحان الإدارة الأميركية وتذكير واشنطن بقدرة طهران على تهديد إمدادات الطاقة، وجعلها رهينة إضافية في الأزمة المفتوحة. ردود الفعل العربية والدولية الداعمة للسعودية رداً على هذا العدوان تؤكد مرة أخرى حجم الهوة بين قاموس النظام الإيراني وقاموس القانون الدولي. بمضاعفة هذا النوع من الرسائل لا تترك إيران للسعودية إلا خيار توظيف ثقلها العربي والإسلامي والدولي لوضع المزيد من العوائق أمام الانقلاب الإيراني الكبير. وفي هذا السياق تملك السعودية الإرادة والقدرة، علاوة على ترسانة علاقات دولية مبنية على قاعدة دورها في إبقاء أمل الاستقرار والازدهار حياً في المنطقة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:



تفجير يستهدف تجمّعاً للرئيس الأفغاني أشرف غني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

قتل 24 شخصاً، وأصيب أكثر من 30 آخرين، بتفجير استهدف تجمّعاً انتخابياً لرئيس أفغانستان، شمال العاصمة كابول، ولم يصب الرئيس أشرف غني بأذى.

وأشارت قناة "طلوع نيوز" الأفغانية؛ إلى أنّ الانفجار وقع قبيل بدء غني بإلقاء كلمته أمام مؤيديه، بمدينة شاريكار في مقاطعة باروان.

قتل 24 شخصاً وأصيب أكثر من 30 آخرين بتفجير استهدف تجمّعاً انتخابياً لأشرف غني

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية، نصرت رحيمي؛ إنّ التفجير نفّذه انتحاري بدراجة نارية.

وفي وقت سابق؛ ذكر مسؤول محلي أنّ التفجير تسبّبت فيه عبوة ناسفة، تمّ تركيبها أسفل إحدى سيارات قوات الأمن.

وأعلنت حركة طالبان مسؤوليتها عن الانفجار، اليوم الثلاثاء، ولم تعقّب الحكومة رسمياً على الحادث، غير أنّ أصابع الاتهام عادة ما تشير إلى حركة طالبان التي تبنت العديد من العمليات الإرهابية.

وكانت حركة طالبان قد هددت بإحباط الانتخابات الرئاسية، المقررة في 28 أيلول (سبتمبر) الجاري، والتي يخوضها 18 مرشحاً، بينهم الرئيس الحالي ومنافسه الأساسي في الانتخابات السابقة، عبد الله عبد الله.

الانفجار وقع قبيل بدء أشرف غني بإلقاء كلمته أمام مؤيديه لكنّه لم يصب بأذى

وستكون المنافسة الحقيقية في الانتخابات المقبلة بين غني وعبد الله وأتمارا، أما باقي المرشحين فيبحثون عن مكاسب سياسية؛ لأنّ الكتلة التصويتية لكلّ منهم لا تخوّله حتى بالانتقال إلى الجولة الثانية على الأقل.

هذا وقد جرى تأجيل الانتخابات لمرتين؛ حيث كانت مقررة في نيسان (أبريل) الماضي، ثم في تموز (يوليو) الماضي.

 

 

للمشاركة:

المخدرات الإيرانية تعصف بشباب العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

انتشر في الآونة الأخيرة مخدّر "كريستال ميث" الإيراني، بين الشباب العراقي، بشكل ملحوظ، خاصة في العاصمة بغداد ومدينة البصرة.

"نيويورك تايمز" ترصد انتشار مخدر "كريستال ميث" الإيراني بين الشباب العراقي في بغداد البصرة

ورصد تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية؛ أنّ "محافظة البصرة الجنوبية واجهت خلال العام الماضي، إحدى أسوأ الأزمات المتعلقة بالمخدرات، وقد سجن نحو 1400 شخص، معظمهم من الرجال، بتهمة حيازة وبيع المخدرات، الذي يأتي بشكل أساسي من إيران المجاورة".

وأضاف تقرير الصحيفة الأمريكية: "المجتمع والحكومة العراقية غير مستعدين للتعامل مع الأزمة، نظراً إلى أنّها ما تزال جديدة عليهم، باستثناء الحلّ المتمثل في وضع المتورطين في السجون".

وقبل سبعة أعوام، صنّفت الأمم المتحدة العراق على أنّه بلد عبور للمخدرات بشكل أساسي، ما يعني أنّ المخدرات تعبر من خلاله لمنطقة أخرى.

لكنّ هذا تغير الآن؛ إذ أصبح من الممكن شراء مجموعة من المخدرات التي تسبّب الإدمان في العراق، إضافة إلى الحشيش، بحسب تقرير صحيفة "نيويورك تايمز".

وقد بدأت عملية صناعة المخدرات في العراق من خلال الزراعة، وتصنيعها في المختبرات، وفق خبراء الأمم المتحدة والأسر العراقية التي شهدت انتشار الظاهرة.

وذكر التقرير؛ أنّ المخدرات تساهم في زيادة نسبة الفقر في العراق؛ حيث تفقد العائلات جزءاً كبيراً من الدخل الذي يتقاضاه الذكور بسبب الإدمان والسجن.

بدوره، قال قائم مقام مدينة الزبير بمحافظة البصرة، عباس ماهر السعيدي، في تصريح صحفي: إنّ "السلطات الحكومية خجولة للغاية في التعامل مع هذا الوضع".

وأضاف السعيدي: "هم لا يعترفون بالمشكلة بسبب التقاليد الاجتماعية، حتى وسائل الإعلام لا تناقشها".

وتجوب العشرات من فرق التدخل السريع في محافظة البصرة كل ليلة لاعتقال مستخدمي ومتاجري المخدرات؛ حيث تتم إدانتهم وتزدحم السجون بالمئات منهم في زنازين مكتظة.

كثيرون من المتواجدين في السجون بسبب التعاطي يؤكدون أنّ عناصر الحشد الشعبي يعملون مع تجار بالمخدرات

من جانبها، صرّحت رئيسة البحوث في وكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، أنجيلا مي، بأنّ "استخدام وانتشار المخدرات بدأ يظهر في العراق قبل سبعة أعوام".

وأكّدت مي أنّ "خلال ذلك الوقت قامت العصابات بالاتّجار بالمخدرات مع دخول كميات كبيرة من مخدر "كريستال ميث" من إيران؛ حيث يوجد العديد من المختبرات المصنَّعة لهذا المخدر.

كبير قضاة محكمة الاستئناف في البصرة، عادل عبد الرزاق، أشار لـ "نيويورك تايمز"، بأنّ تجار المخدرات يأتون بها من خلال الحدود العراقية، أو عن طريق نهر شط العرب بمحافظة البصرة.

وشدّد السعيدي على أنّ تجار المخدرات قد طوروا أساليب التهريب والاتجار؛ إذ استطاعوا تغيير طرق التهريب التقليدية، بجانب استخدام الطائرات المسيرة وكاميرات المراقبة، واتخاذ مراكز محصنة لهم.

وأضافت صحيفة "نيويورك تايمز"؛ "رغم استحالة إثبات تورّط الحشد الشعبي في تجارة المخدرات، فإنّ كثيرين من المسجونين بسبب التعاطي، يؤكّدون أنّ بعض عناصر الحشد يعملون مع تجار المخدرات وأنّهم على صلة بالحكومة".

ولفت تقرير "نيويورك تايمز" إلى أنّ مخدر "الكبتاغون" قد يكون أشهر المخدرات من حيث الاستخدام في العراق.

يذكر أنّ الكريستال ميث؛ هو من أنواع مخدرات "الأمفيتامين" الخطرة، التي تعمل على تنشيط الجهاز العصبي، ويصنَّع تحت مسمى "الكبتاغون"، وتقول وسائل إعلام؛ إنّ هذا النوع من المخدّر شائع بين المقاتلين في الشرق الأوسط؛ حيث يقول خبراء في مجال المخدرات إن متعاطيه يشعرون بطاقة أكبر، لكنّ المنظمات العالمية تحذّر من خطر هذا النوع من المخدر على الصحة.

 

للمشاركة:

الأمم المتحدة تحذّر من "إبادة جديدة" في بورما

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يعيش حوالي 600 ألف من الروهينغا في بورما تحت تهديد التعرض "لإبادة" جماعية من قبل الجيش البورمي.

وطالب محققو الأمم المتحدة، أمس، بإحالة كبار العسكريين في بورما إلى المحكمة الجنائية الدولية، على ما ارتكبوه من جرائم حرب ضدّ الروهينغا، وفق "فرانس برس".

وقال رئيس بعثة تقصّي الحقائق، مرزوقي داروسمان، في بيان: "التهديد بالتعرض لإبادة ما يزال يحدق بالروهينغا الذين بقوا في بورما"، مضيفاً: "قبل عام أعلنت البعثة اكتشاف "أعمال إبادة" في عمليات تطهير ارتكبت في 2017، أسفرت عن مقتل آلاف الروهينغا".

الأمم المتحدة: 600 ألف من الروهينغا في بورما يعيشون تحت تهديد التعرض "لإبادة" جماعية

وقال كريستوفر سيدوتي، أحد المحققين الأمميين: "في حال لم تتخذ الأمم المتحدة والأسرة الدولية تدابير فعّالة هذه المرة، فستتكرر هذه المأساة المؤلمة، على فضيحة الصمت الدولي أن تنتهي".

وذكرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن بورما، في تقرير: "لدينا أسباب مقنعة للاستخلاص بأنّ الأدلة التي تدفع إلى الاقتناع بأنّ للدولة نوايا بارتكاب إبادة تعززت منذ العام الماضي"، وأنّ "ثمة تهديداً جدياً بوقوع إبادة جديدة".

وقالت البعثة: "ذلك من مسؤولية الدولة، ما يعني أنّه تجب إحالة ملف بورما للمحكمة الجنائية الدولية؛ لتخلفها عن احترام تعهداتها بموجب المعاهدة حول الإبادة، عام 1984، إحدى الأدوات الدولية النادرة المتعلقة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها".

وأفاد المحققون الدوليون الذين لم يسمح لهم بالتوجه إلى بورما بأنّ "هذا البلد يستمر في ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية في أعمال غير إنسانية، تتسبّب بمعاناة كبرى واضطهاد في إطار هجوم معمم ومنهجي ضدّ السكان الروهينغا".

وفرّ 740 ألفاً من الروهينغا من ولاية راخين (غرب بورما)، في آب (أغسطس) 2017، بعد قمع نفذه الجيش في بورما؛ حيث غالبية السكان من البوذيين.

 

 

للمشاركة:



حرب إيران التجريبية في مواجهة العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

فاروق يوسف

ما هو مؤكد أن إيران تقف وراء الهجمات التي تعرضت لها منشآت النفط السعودية. ذلك لا يحتاج إلى جدل فائض.

القول بأنها لم تنفذ الهجوم بنفسها لذلك فهي بريئة فيه الكثير من الغباء والقليل من المراوغة المكشوفة.

فإيران هي التي زودت الجهة التي قامت بتنفيذ الهجمات بالسلاح والخرائط والخبراء وحددت لها ساعة الصفر.

اما أن يتبني الحوثيون في اليمن مسؤولية القيام بالهجوم فذلك ما يدخل في إطار الحرب بالوكالة التي تفتح الطريق في اتجاه عمليات انتحارية قد يتبناها الوكلاء من غير أن يكونوا منفذيها الحقيقيين.

حماية إيران بالنسبة لأتباعها ضرورية مثلما هو ضروري القتال نيابة عنها. فلا بقاء للمشروع الطائفي من غير بقاء إيران. كما أن إيران لن تستطيع تحقيق أطماعها التوسعية من غير وجود أتباع يدينون لها بالولاء في الدول التي تسعى لاختراقها.

علاقة متشابكة ومتداخلة العناصر والمقومات من ذلك النوع تسمح بوقوع أحداث تبدو لأول وهلة غامضة وغير قابلة للتأويل خارج معطياتها الواقعية. غير أن ذلك لا يصح إلا من خلال عقل مبسط ومسطح بل ومغسول عن طريق الضخ الدعائي المبرمج الذي تجيده إيران في بيئة تغلب عليها الخرافة.

صدق البعض عن جهل أعمى أو عن قصد مسبق أسطورة التفوق الحوثي الذي تجلى من خلال الطائرات المسيرة التي يزيد مداها على الألف كيلومتر وتضرب أهدافها بدقة، متناسين أن جماعة الحوثي هم مجرد قبيلة بدائية في تقنيات حياتها وتفكيرها.
تذكر تلك الكذبة بما أشيع قبل سنوات من أن جهاز الاستخبارات الأميركية عثر في البيت الذي قُتل في أسامة بن لادن على دفاتر تحتوي على معادلات لصنع قنبلة نووية.
هناك قدر هائل من السذاجة التي يعرف مروجو تلك الأكاذيب أنها لن تستوي مع العقل السليم، غير أن ذلك لا يعنيهم في شيء ماداموا قادرين من خلالها على الاستفادة من غياب القدرة على التفكير لدى البعض لتمرير حقائق أخرى لم يحن الوقت للكشف عنها.

هذا ما تفعله إيران في ظل تردد المجتمع الدولي في اتخاذ موقف موحد منها باعتبارها الدولة المارقة التي يتجمع حولها إرهابيون، لم يتم تصنيفهم حتى اللحظة باعتبارهم خارجين على القانون يجب أن يُلاحقوا.

ليقل الحوثيون ما يروق لهم. ذلك لا يغير من الحقيقة في شيء. تلك الحقيقة التي تعرفها الولايات المتحدة قبل أن يتم ضرب المنشآت النفطية السعودية. لقد نقلت إيران الكثير من الأسلحة المتطورة إلى اليمن كما أن خبراء عسكريين إيرانيين هم من الذين يشرفون على استعمال تلك الأسلحة. وفي ذلك يمكنني أن أشكك بقدرة الحوثيين على استعمال تلك الأسلحة بأنفسهم.

وكما أرى فإن نظرية إطلاق الطائرات المسيرة من اليمن ستغلب النظرية التي تقول بإن تلك الطائرات جاءت من الشمال أي من إيران أو العراق. وهو ما يلقي بظلال من الشك على خطط احتواء إيران أو تحجيم هيمنتها في المنطقة.

فحتى لو قبلنا بفرضية أن الطائرات المهاجمة كانت قادمة من اليمن فإن الإيرانيين هم الذين برمجوها وأطلقوها وراقبوا مسارها. ذلك يعني أن إيران تتحمل المسؤولية كاملة، من غير التمترس وراء كذبة "الحوثيين".

في حقيقة الأمر فإن إيران بدأت الحرب. وهي حرب ترغب الولايات المتحدة في تأجيلها لا تتعلق بسلامة الشعوب الإيرانية أو السلام في المنطقة بل بالعقل السياسي الأميركي الذي يرغب في الاستفادة من الأزمات من غير أن يسعى إلى البحث عن حلول حقيقية لها.

تسعى إيران إلى الخروج من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي سببتها العقوبات الأميركية وهي في الوقت نفسه لا تفكر في التراجع عن سياساتها التي استدعت نشوب تلك الأزمة.

ذلك ما صار معروفا.

في سياق تلك المعادلة تسعى إيران إلى التذكير بأن في إمكانها أن تؤذي العالم وأن لديها ما يؤهلها للقيام بذلك. وهي محاولة ذات حدين. فهي تؤكد أن إيران صارت تشكل خطرا على العالم ومن وجهة نظر الإيرانيين فإن ذلك سيزيد من نقاطهم حين التفاوض. تفجير ناقلات نفط واحتجاز ناقلة نفط بريطانية والاعتداء على منشآت نفطية حيوية في السعودية، كلها تشير إلى الانتقال بالصراع إلى منطقة الحسم.

بدأت إيران حربها التجريبية التي تأمل من خلالها أن تعود الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي القديم وتنهي العقوبات.

غير أن الفشل الأميركي في ردع إيران سيكون هذه المرة أسوأ من الهزيمة في فيتنام. ستظهر الولايات المتحدة كما لو أنها القوة التي تدعم الخارجين على القانون الدولي.

ذلك ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

أحمد داود أوغلو يكشف فشل الإسلام السياسي من جديد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

إبراهيم الجبين

لم تعد مراقبة تداعي مشاريع الإسلام السياسي في أنحاء العالم أمراً جديداً، بقدر ما تعطي تأكيدات متكررة على أن مشروع الحكم في العصر الحديث لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يرتبط مع أفكار الماضي. فلا يستقيم أن تجدّد آلة السياسة وتبقي آلة الفكر على حالها.

وفي البنية العميقة للأحزاب الإسلامية السياسية يكمن عامل غير قابل لغض النظر أو الإهمال، يشتغل من داخل المؤسسة على تقويضها وهدمها كلما بدت متماسكة وقوية من الخارج، إنه “التفكير المركزي” المشتق من مكانة “الإمام” بحكم أن الهندسة التنظيمية للحزب السياسي الديني تبقى مطابقة لهندسة الجامع.

وفي ظل وجود الإمام الفرد تنتفي الفكرة الديمقراطية من جذورها. ويبدأ تحلل واضمحلال المشروع السياسي كما يحدث اليوم مع حزب العدالة والتنمية التركي الذي كان أحد أعمدته الأساسية رئيس الوزراء السابق المفكر أحمد داود أوغلو.

أعلن داود أوغلو استقالته من حزب العدالة والتنمية، قبل أيام، كاشفا عن أنه سوف يشكل قريبا حزبا سياسيا منافسا، وذلك في مؤتمر صحافي عقده في أنقرة، ليقطع الطريق على قرار تأديبي يعده أنصار صديقه أردوغان بحق داود أوغلو تمهيداً لفصله من الحزب.

غياب الفكر غياب المستقبل
يقول داود أوغلو “إنها مسؤوليتنا التاريخية وواجبنا تجاه الأمة، إنشاء حزب سياسي جديد”. أما اللجنة التنفيذية في حزب العدالة والتنمية فقررت بداية سبتمبر الحالي، إحالة داود أوغلو إلى لجنة تأديبية بسبب انتقاداته المتكررة للحزب وتصريحاته التي أكد فيها أنه انحرف عن مبادئه التي تم التوافق عليها لحظة التأسيس.

جرح كبير يتعرض له الفكر السياسي الذي أعلنه حزب العدالة والتنمية حين يغيب عنه مفكره وعقله الأول داود أوغلو. وهذا يعني أن الحزب تحول من طور الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد إلى طور الحكم المتسلط الطارد للعقول.

وهي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها حركات إسلامية سياسية في بلدان مختلفة، وفي أحقاب مختلفة، لمثل هذا الخروج الحاد لقيادات الصف الأول من صفوفها.

لكن ماذا عن مستقبل تلك الحركات وعلى رأسها اليوم وبين أيدينا حزب العدالة والتنمية الذي كان يزعم أنه التجربة الوحيدة الناجحة في العالم لوصول الإسلاميين إلى الحكم؟

إن موقف القوى الديمقراطية المدنية من الأحزاب الدينية، ليس موقفا مبنيا على الإلغاء وحرمان الآخرين من حقهم في العمل السياسي، لكنه موقف عليم يستند إلى استحالة الدمج ما بين الدين والسياسة والمعرفة المسبقة بأن هذه الطريق طريق مسدودة.

بقي داخل حزب العدالة والتنمية تياران هامان كما يقول المتابعون؛ تيار يقوده داود أوغلو رئيس الحزب السابق، معتمدا على القواعد الشعبية في مختلف الخارطة التركية.

أما التيار الثاني فهو بقيادة علي باباجان، وهو واحد من أهم المؤسسين للحزب، وتولى سابقا حقيبتي الاقتصاد والخارجية، ومعه وزير الداخلية الأسبق بشير أطالاي، ووزير العدل الأسبق سعدالله أرغين، والقيادي الأسبق حسين تشييلك، وبالطبع يختفي خلفهم الرئيس السابق عبدالله غول. ولم يعد أحد يدري من بقي مع الكرسي الحاكم الذي يجلس عليه أردوغان، من غير رجالات السمع والطاعة.

صحيح أن بعض هؤلاء يقللون من أهمية استقالة داود أوغلو، ومنهم الكاتب والمحلل السياسي يوسف كاتب أوغلو الذي يقول لوكالة أنباء تركيا، إن “الحزب ما يزال قويا متماسكا، وشعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هي الرقم الأول على مدى 40 عاما في تركيا”.  إلا أن هذا لا يبدو كلاما مستندا إلى الواقع بقدر ما هو نوع من الرغبة في امتصاص الصدمة.

يتابع كاتب أوغلو إن داود أوغلو “أصبح غير أحمد الذي كنا نكنّ له كل الود والاحترام ونفتخر بدعمه وإنجازاته أثناء وجوده مع الطيب أردوغان طيلة الـ17 عاما في الحياة السياسية للحزب”.

ولكن أوغلو لم يكن يفعل شيئا بعد إقصائه عن الميدان السياسي، وما تغير في الواقع هو خط الفاعلين في ذلك الميدان وعلى رأسهم أردوغان ذاته.

العثمانية ومسار الانحراف

داود أوغلو دأب خلال السنوات الماضية على توجيه انتقادات عميقة وحادة لأردوغان، لاسيما في حقل حرية التعبير المتردية في تركيا، وكذلك في تباطؤ عجلة الاقتصاد، وكان من الذين رفضوا مبكرا إعادة انتخابات بلدية إسطنبول، وسجن رؤساء البلديات الأكراد بتهم الإرهاب.

داود أوغلو صاحب كتاب “العمق الاستراتيجي” الذي كان يعد دستورا فكريا للعدالة والتنمية، ولد في قونية أواخر الخمسينات، ودرس في إسطنبول العلوم الاقتصادية والإدارية والعلاقات الدولية. ويتقن عددا من اللغات منها الإنكليزية والألمانية.

فلسفته كانت تقوم على قراءة المؤثرات الخارجية والتفاعل معها داخليا. وهو صاحب نظرية “صفر مشاكل مع الجيران”. ولطالما قال أوغلو إن “السلام مهم لتركيا لأنه يسمح لها بإظهار نجاحاتها الاقتصادية وتوسيعها”، مركزا على موقع ومكانة تركيا كدولة محورية، وعلى أن هذا الأمر يرتبط بشكل أساسي بإقرار رؤية ديناميكية مؤثرة في السياسة الخارجية.

عمل داود أوغلو حين كان في الحكم على حشد التأييد لمبادرته الخاصة بالتوصل إلى حل سلمي مع الأكراد الذين تفجرت قضيتهم على شكل حرب مستعرة منذ العام 1984. لكن أوغلو طرح السلام بديلا عن الحرب. ثم ما لبث وعاد إلى حديث القوة حين وصف المئات من المعتقلين الأكراد بالإرهابيين في العام 2015. وفي ذات الوقت هاجم معتصمي ساحة تقسيم، في عداء واضح للحق بالتظاهر وفقا للحياة الديمقراطية، ورفض إدانة مجازر الأرمن. إذن ما هو العقل السياسي الذي يصدر عنه داود أوغلو؟ هل هو عقل متغير يتأثر المتحولات على الأرض والمصلحة والكسب لحزبه، أم هو عقل استراتيجي يفارق سابقه؟

وحين ينتقد داود أوغلو حزبه اليوم، فهو لا ينظر إلى الوراء، ولا يرى كيف أنه ساهم في تكريس الفردية في الحكم عبر مواقفه المتناقضة التي كان يعزز فيها السلطة على حساب الديمقراطية، مشاركا في ذلك “الانحراف عن المسار”، الذي يجعله سببا لتقديم استقالته اليوم.

لا يتصور أحد أن العدالة والتنمية في تركيا تتعلق بالمجد العثماني إكراما لدور العثمانيين أنفسهم، وإدراكا للمنجز الذي قدمته الدولة العثمانية بغض النظر عن سلبياتها، بل إن الأمر لا يعدو كونه تعلق بزرع فكرة الخلافة والإمامة التي يحتاجها الإسلاميون في قلب أي تنظيم يؤسسون له.

العثمانية التي ينادي بها داود أوغلو تنطلق من المنطلق الإسلامي السياسي ذاته، مضافا إليها البعد الخارجي الذي يجعلها تتناقض كليا مع قصة “صفر مشاكل”، مذكرة بالهيمنة وامتداد النفوذ.

“إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية. إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد، ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا. نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال أفريقيا. والدول العظمى تتابعنا بدهشة وتعجب”. بكم تختلف هذه الكلمات عن رسائل حسن البنا حول الأستاذية، وتقديم النموذج العالمي الذي كان يريد للإخوان تمثيله حين يصلون إلى الحكم؟

كتب داود أوغلو، ذات يوم، إن “جغرافية تركيا تعطيها حالة دولة مركزية فريدة تختلف عن الدول المركزية الأخرى، فعلى سبيل المثال تعتبر ألمانيا دولة مركزية في أوروبا ولكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا وآسيا، وروسيا أيضا دولة مركزية في أوروبا وآسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أفريقيا، وإيران دولة مركزية في آسيا لكنها بعيدة جغرافيا عن أوروبا وأفريقيا، وبنظرة أوسع فإن تركيا تحتفظ بالموقع الأفضل في ما يتعلق بكونها دولة أوروبية وآسيوية في نفس الوقت، كما أنها قريبة من أفريقيا أيضا عبر شرق البحر المتوسط، ومن ثم فإن دولة مركزية تحتفظ بموقع متميز كهذا لا يمكن لها أن تعرّف نفسها من خلال سلوك دفاعي، ويجب عدم النظر إليها كدولة جسر تربط نقطتين فقط، ولا دولة طرفية، أو كدولة عادية تقع على حافة العالم الإسلامي أو الغرب”.

كان داود أوغلو يتحسّر على ما فقدته تركيا من نفوذ، ويبشّر باستعادته قريبا فيما لو سارت تركيا على نهج العدالة والتنمية، ويقول إن “ما فقدناه بين أعوام 1911 و1923 من الأراضي التي انسحبنا منها سيسترد، وسنلتقي مرة أخرى مع إخواننا في تلك الأراضي بين أعوام 2011 و2023”.

وهكذا تفشل عملية تسويق العثمانية في الداخل التركي بحكم كونها تصطدم مع المصالح المحلية للسكان، ولا تلبي سوى غايات الحزب الحاكم الأيديولوجية، ولعل هذا كان سببا كبيرا في تراجع شعبية العدالة والتنمية، وهو ما عكسته الانتخابات الأخيرة بشكل جلي.

دفاتر الإرهاب

ورّط داود أوغلو حزبه في نظرياته، وهو إذ ينقلب على الحزب اليوم، فهو لم يعلن مرة واحدة انقلابه على تلك النظريات، ومن بينها ما ينعكس على العلاقة مع إيران على سبيل المثال. فدولة مثل تركيا ترفع شعار قائدة العالم السني، تجدها في حالة تحالف وثيق لا تشوبه شائبة مع أكثر دول المنطقة عداءا لدولها؛ إيران الحرس الثوري والميليشيات وحزب الله والحوثي وغير ذلك.

يرى داود أوغلو أن علاقة تركيا وإيران علاقة تبادل للمصالح، مهما تناقضت الأفكار، وهذا يُظهر للمراقبين مفهوما مختلفا للانتهازية السياسية التي يمر منها المشروع الإسلامي السياسي للطرفين في طهران وأنقرة معا. الأمر ذاته الذي رأيناه في تحالف حماس، الإخوانية، المفاجئ مع إيران والنظام السوري، وسط حرب الجهتين على الملايين ممن ترفع حماس شعار الدفاع عنهم.

وضع داود أوغلو نظرياته تلك في عدة مؤلفات من بينها “العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية” الذي يعد الأهم مع كتابه الشهير “العمق الاستراتيجي والأزمة العالمية”.

لكن التناقضات التي خلقتها تلك المزاوجة المستحيلة بين الدين والسياسة، فتحت الباب أمام خلافات جذرية لعل أبرز محطاتها تصريح داود أوغلو الأخير بعد اتهام أردوغان له بالخيانة، حين قال “إن الكثير من دفاتر الإرهاب إذا فتحت لن يستطيع أصحابها النظر في وجوه الناس. إنني أقول لكم الحقيقة”. مؤكدا أن العام 2015، كان يمثل أخطر وأصعب الفترات السياسية في تاريخ تركيا.

ما الذي كان يقصده داود أوغلو في الإشارة إلى “دفاتر الإرهاب”، وهل هي فعلا كما فهمها كثيرون تقتصر فقط على إرهاب حزب العمال الكردستاني أم تشمل علاقة تركيا مع القاعدة وداعش؟

مغادرة داود أوغلو سفينة أردوغان بهذه الصورة تشير إلى أن السفينة باتت مليئة بالثقوب، وأن المسار لم ينحرف وحسب، بل ضاعت البوصلة وانكشف التخبط وأننا على مشارف انهيار جديد لحكم الإسلام السياسي.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

هل يحرق نتنياهو إسرائيل إذا خسر الانتخابات؟

2019-09-17

ترجمة: إسماعيل حسن


مع حلول موعد الانتخابات الإسرائيلية، اليوم الثلاثاء، تشهد الساحة السياسية في الداخل الإسرائيلي حالة من الترقّب الحذر، على وقع إعادة انتخابات الكنيست الذي حلّ نفسه في أواخر أيار (مايو) الماضي، فيما تزداد آمال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في الحصول على ولاية خامسة، بعد انتخابات التاسع من نيسان (أبريل) الماضي، في وقت أظهرت فيه استطلاعات الرأي، تراجع نسبة المؤيّدين لحزب الليكود اليميني، الذي يقوده نتنياهو، وهو ما يجعل من فرصة نجاحه في انتخابات الكنيست ضعيفة، على غرار ما يتوقعه وحزبه اليميني المتطرف.

اقرأ أيضاً: هل ستواصل إسرائيل هجماتها على مواقع إيران وحزب الله؟
خلال الأيام الأخيرة، وبعد فشل نتنياهو في تشكيل حكومة ائتلافية، نتيجة الصعوبات التي واجهها في التوفيق بين مطلب حزب "إسرائيل بيتنا"، بزعامة أفيغدور ليبرمان، بتمرير قانون تجنيد لا يستثني المتدينين اليهود من الخدمة الإلزامية بالجيش، وبين مطالب حزب "يهود هتوراه" اليميني، الذي يصرّ على إعفائهم، فشلت حينها الوساطات كافة لإقناع ليبرمان بالتراجع عن صيغة قانون التجنيد، التي وضعها العام الماضي خلال تولّيه منصب وزير الدفاع.

أكثر من ثلث الإسرائيليين لن يشاركوا في الانتخابات وذلك بعد هروب رئيس الوزراء نتنياهو لحظة سماع صافرات الإنذار

على صعيد رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود، تعدّ الانتخابات القادمة معركة مصيرية بالنسبة إليه على الصعيدَين؛ السياسي والشخصي، على الصعيد الشخصي؛ يواجه لائحة اتّهام بالرشوة والخداع وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا، قد يشرع بمحاكمته فيها مباشرة حيال فشله في الانتخابات، في حين يأمل نتنياهو حال فوزه، بسنّ تشريع يحول دون محاكمته على القضايا المتورط بها، أما على الصعيد السياسي؛ فخسارته بالانتخابات ربما تعني القضاء على مستقبله، لاقتناعه بوجود من يسعى للتخلّص منه من الأحزاب الإسرائيلية المنافسة.

 تراجع نسبة المؤيّدين لحزب الليكود اليميني، الذي يقوده نتنياهو
في إطار ذلك؛ يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي، المتهم في عدة قضايا فساد، مستقبلاً غامضاً وتحديات كثيرة لخططه، على المستويَين؛ الداخلي والخارجي، بانتظار حسمها في جولة الانتخابات الجديدة؛ إذ يرى مراقبون أنّ فرص فوز الليكود الذي حصل على 36 مقعداً في الانتخابات الأخيرة باتت بعيدة، فيما يقترب تحالف "أزرق أبيض" الذي حصل على 35 مقعداً من تشكيل الحكومة، خاصة بعد اتفاق فائض الأصوات الذي وقع في وقت سابق، بين غانتس وليبرمان، والذي يقوم على تزويد الحزب الأقرب للفوز بعدد من أصوات الحزب الآخر.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستعين بالخنازير لمعالجة جنودها المصابين بأمراض نفسية وعقلية
نتنياهو سعى إلى أن يسابق الزمن، من خلال عقد مؤتمرات وتقديم وعود واهية، ضمن حملته الانتخابية هنا وهناك، وذلك من أجل تعزيز موقفه أمام شعبه، لكن ثمّة ثغرات حدثت مؤخراً تجعل من إمكانية نجاحه أمراً شبه مستحيل؛ حيث قدّم مؤخراً وعوداً كبيرة للشعب الإسرائيلي، على حساب الفلسطينيين، أبرزها؛ ضمّ غور الأردن وشمال الضفة وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليهما، لكن رغم كلّ ذلك يشعر نتنياهو بشكل حقيقي أنّ مشواره السياسيّ بات أقرب إلى النهاية، وأنّ السجن هو مقرّه القادم بعد إثبات إدانته بقضايا الفساد، الحوامات المسيرة، التي تدخل الأراضي الإسرائيلية من غزة بشكل متكرر، باتت تزداد خطورتها يوماً بعد يوم، عندما دخلت على خطّ استهداف عربات الجنود على الحدود، كما حصل مؤخراً، استمرار إطلاق الصواريخ من قطاع غزة نحو المدن الإسرائيلية، وانعدام الحياة المعيشية الآمنة لسكان الجنوب، وتواصل إطلاق البالونات الحارقة، وحرق المحاصيل الزراعية، كلّها أمور باتت مقلقة، رغم عدم وجود أيّ حلّ جذري لها، لا سيما ما حصل مؤخراً أثناء إلقاء خطاب أمام جموع الإسرائيليين في مدينة أسدود، وما أعقبه من إطلاق حماس والجهاد الإسلامي لصواريخ بشكل متعمَّد على المدينة، بالتزامن مع وجوده على منصة الكنيست واضطراره للنزول إلى الملاجئ، هذه الحادثة في حدّ ذاتها تعدّ رسالة فشل وتحدٍّ له، في أعقاب حالة السخرية العارمة التي عجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي والشارع الإسرائيلي، وبالأخص الطبقة السياسية، التي اشتغلت بالتحريض عليه، وسخرت من حالة عدم اللامبالاة لديه في تقصيره في ردع التنظيمات المسلحة بغزة والاستهتار بأرواح شعبه.

يشعر نتنياهو بشكل حقيقي أنّ مشواره السياسيّ بات أقرب إلى النهاية
أمام كلّ هذه الانتقادات والفجوات التي تهدّد بقاء بنيامين نتنياهو على سدّة الحكم، يجهّز الإسرائيليون أنفسهم لسيناريوهات سلبية متوقَّعة، سيقدم عليها نتنياهو في حال فشله في الفوز بالانتخابات المقبلة؛ حيث أوضح الكاتب الإسرائيلي، يوسى يهوشواع؛ أنّ الخطة التي يتحضر لها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تتمثل بتعميم الفوضى في الساحة السياسية الحزبية، من خلال طلبه إعادة إجراء الانتخابات في حال خسارته لها؛ لذلك فقد بدأ يعدّ الأرضية السياسية لهذا السيناريو، من خلال التلويح بإمكانية حدوث تزوير في إجرائها، مما سيؤدي إلى فوضى عارمة غير مسبوقة في إسرائيل، وأزمة قانونية في الدولة، في حين أنّ اعتبار تلك الانتخابات معركة مصيرية له، قد يدفعه إلى سلوك عنيف سياسياً، أو على أرض الواقع، أو عبر رفض النتائج، في ظلّ إظهار استطلاعات الرأي، حتى الآن، عدم إمكانية تشكيله حكومة؛ لعدم توفر 61 مقعداً، من أصل 120، لكتلة اليمين المتطرف.

اقرأ أيضاً: احتدام الصراع الانتخابي في إسرائيل.. واتفاق على إطاحة نتنياهو
وأشار الكاتب إلى أنّ الهدف الأساسي لنتنياهو من هذا المخطط الفوضوي؛ هو الهروب من الاستحقاق القضائي الخاص بملفات الفساد التي تنتظره، وهو ما يعني أنّ إسرائيل، للمرة الأولى منذ تأسيسها، قبل أكثر من سبعين عاماً، قد تكون معرضة لأن تشهد هذه الحالة، واللافت في الأمر؛ أنّ من يخطط لوقوعها هو من يقف على رأس الدولة، نتنياهو شخصياً.
وكشف الكاتب النقاب عن أنّ هناك قناعات بدأت تتجسد في أوساط تنفيذ القانون في إسرائيل، مفادها؛ أنّ نتنياهو لن يترك مقرّ رئاسة الحكومة في القدس بإرادته، ولذلك فقد عزم على القيام بعملية تخريب موجَّهة لمؤسسات الدولة الرسمية؛ حيث بدأ بالشرطة ومحققيها ومفتشها العام، وصولاً إلى النيابة العامة، مروراً بالمحكمة العليا، ووصولاً إلى رئيس لجنة الانتخابات المركزية، وانتهاءً بالمستشار القضائي للحكومة.
على صعيد آخر؛ يجمع محللون ومراقبون على أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يخطّط لتصعيد الأوضاع الأمنية في قطاع غزة، في مسعى منه لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مفسّرين قولهم إنّ الأسابيع الأخيرة شهدت جملة تصريحات وتسريبات للمحيطين به في القضايا الأمنية بصورة هستيرية، أكثر مما كان سابقاً، هذا لا يعني أنّ الرجل يتشوّق لحرب قادمة، لكنّه في الوقت ذاته لا يلغي أيّة احتمالية؛ لأنّه مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي القادم، يشعر نتنياهو بأنّ فرص نجاحه مجدداً بالفوز، بعد نيسان (أبريل) الماضي، قد تتحوّل لكارثة لفقدان الثقة به داخل أوساط الإسرائيليين.

نتنياهو يخطّط لتصعيد الأوضاع الأمنية في قطاع غزة في مسعى منه لتأجيل الانتخابات الإسرائيلية
واستدرك المراقبون، من خلال رؤيتهم؛ أنّ نتنياهو حافظ على شخصية الحذر من أيّة مغامرات عسكرية؛ بسبب رغبته في البقاء بمنصبه؛ لأنّه يعلم أنّه في العقدَيْن الأخيرَيْن لا يمكنه الخروج سليماً معافى، من حرب أو مواجهة عسكرية محدودة، حتى لو كان الجيش الإسرائيلي، الأقوى في الشرق الأوسط، يعمل تحت إمرته، لكنّ الوضع قد ينقلب فجأةً إذا وصلنا إلى نقطة الحسم في مستقبل نتنياهو السياسي، مما قد يجعله يقدم على اتخاذ قرار مصيري، هو الأخطر في حياته.

اقرأ أيضاً: ما سر منح إسرائيل تراخيص بناء للفلسطينيين في المناطق "ج"؟‎
فيما يرى المراقبون؛ أنّ نتنياهو قد يدخل إسرائيل في حالة فوضى، بل ويحرقها بسكّانها، وتعمّ الشوارع بالمظاهرات والفوضى، إذا خسر في الانتخابات؛ وذلك أملاً في إمكانية إعادتها مرة أخرى.
صدمة مدوية أخرى تلقاها نتنياهو في أعقاب فشل تمرير قانون الكاميرات قبل الانتخابات بأسبوع؛ حيث رفض الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون مثيراً للجدل، يسمح باستخدام كاميرات لتصوير ما يجري داخل مراكز الاقتراع خلال الانتخابات المقبلة، وهو ما أثار تحفظاً من المدعي العام الإسرائيلي، الذي صوّتت عليه الأغلبية بالرفض التام، إلى ذلك أيضاً صادق نتنياهو في جلسته الأسبوعية على إنشاء مستوطنة جديدة في غور الأردن، لكنّ المستشار القضائي للحكومة عارض القرار بسبب تزامنه مع اقتراب موعد الانتخابات.

اقرأ أيضاً: "الفصول الأربعة": خطّة الجيش الإسرائيلي القادمة للقضاء على حماس
هذا الفشل الذريع، ربما يعطي صورة مبدئية لنتنياهو بالفشل في الانتخابات القادمة، كما قال رئيس حزب "أزرق أبيض"، بيني غانتس، ثاني الأحزاب المرشحة للفوز في الانتخابات: إنّ نتنياهو فشل خلال الانتخابات السابقة في تشكيل الحكومة، وفشل في تمرير قانون الكاميرات، وسيفشل الأسبوع المقبل في الانتخابات، وقال إنّ إقرار الحكومة مشروع قانون الكاميرات، هو مسعى من نتنياهو للمسّ بشرعية نتائج الانتخابات، وتمهيد لنشر حالة فوضى، خلال الانتخابات وبعدها، مبيناً أنّ خطوة نتنياهو هي هجوم غير لائق على المستشار القضائي للحكومة وعلى رئيس لجنة الانتخابات المركزية، وسلوك لا يمكن احتماله، قائلاً: إنّ "من يحاول المسّ بأسس العملية الديمقراطية، لا يستحقّ أن يقود الدولة العبرية".

رئيس حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس
أما زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، ثالث الأحزاب المرشَّحة بالفوز، فأشار في مقابلة متلفزة؛ إلى أنّه تلقّى معلومات من أنصار حزب الليكود، تحذّره من إمكانية أن يفتعل أنصار نتنياهو أعمال عنف في مراكز الاقتراع بالمناطق التي يحصل فيها "إسرائيل بيتنا" على نسبة عالية من الأصوات، وقال ليبرمان: إنّ "حالة العنف والفوضى التي سيحدثها ناشطو الليكود، سيكون هدفها إلغاء النتائج"، وشدّد على أنّ قادة الليكود لا يمكن أن يقدموا على تلك الخطوة، دون موافقة المستويات العليا، في إشارة إلى نتنياهو.

اقرأ أيضاً: هل تساعد منظومة الدفاع الإسرائيلية "حيتس 3" في ردع التمدد الإيراني؟

النائبة في الكنيست عن القائمة العربية المشتركة، عايدة توما، قالت إنّ "إسقاط قانون الكاميرات يؤكد أنّ نتنياهو لا يتحكم بمجريات الأمور السياسية، وهو قلق جداً من نتائج الانتخابات المرتقبة، لكنّه أراد أن يقوم بفقاعة إعلامية يجذب إليه بها الأنظار، لكن ذلك دليل قاطع على تراجع التأثير السياسي له"، وتابعت: "القائمة العربية لديها مليون صوت، وبإمكانها أن تقدّم نجاحاً كبيراً"، موضحة أنّ "قوة القائمة المشتركة هو العامل الوحيد للتأثير على الحلبة السياسية، وإزالة اليمين المتطرف المتربّع على سدّة الحكم".
ووفق استطلاعات للرأي، أجرتها هيئة البثّ الإسرائيلي، أظهرت تقدّم حزب "أزرق أبيض"، بــ 32 مقعداً، مقابل 31 مقعداً فقط لحزب الليكود، وأضاف الاستطلاع أنّ ثالث أكبر حزب من حيث عدد المقاعد هو القائمة المشتركة العربية، برئاسة أيمن عودة، ويحصل على 10 مقاعد، أما الأحزاب اليمينية، كتحالف يميني، برئاسة آيليت شاكيد، يحصل على 9 مقاعد، وفي المقابل حزب "شاس" المتديّن، برئاسة أرييه درعي، وحزب يهدوت هتوراه المتدين، برئاسة يعقوب ليتسمان، يحصلان على 7 مقاعد، أمّا الأحزاب المتبقية من كتلة يسار، فيحصل تحالف المعسكر الديمقراطي، برئاسة نتسان، على 6 مقاعد، وتحالف العمل بزعامة عمير بيرتس، يحصل على 5 مقاعد، ويظهر استطلاع الرأي أيضاً؛ حصول حزب "إسرائيل بيتنا"، بزعامة ليبرمان، على 9 مقاعد، وهنا بإمكان حزب ليبرمان إعطاء حزب "غانتس" فائض أصوات إذا شارف على الفوز، واحتاج إلى أصوات لرفع نسبة مقاعده، وهنا يبدو نتنياهو أكثر انزعاجاً؛ نتيجة تقارب نسبة الأصوات بين حزبه وحزب غانتس، التي لربما تكون بفارق مقعد واحد، كما حصل في الانتخابات السابقة.

استطلاعات رأي لهيئة البثّ الإسرائيلي أظهرت تقدّم حزب "أزرق أبيض" بــ 32 مقعداً مقابل 31 مقعداً فقط لحزب الليكود

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أنّ نسبة المشاركة في انتخابات الكنيست المقبلة ستكون منخفضة، في حين أنّ أكثر من ثلث الإسرائيليين لن يذهبوا إلى مراكز الاقتراع، ولن يشاركوا في الانتخابات، وذلك بعد هروب رئيس الوزراء نتنياهو، لحظة سماع صافرات الإنذار؛ حيث إنّ هذا الحدث الإعلامي يتعارض مع الوعودات التي قدمها سابقاً، ومن سيقدّم من المرشحين الآخرين وعوداً لن يلتزموا بها.
ويحتم القانون الإسرائيلي على المرشّح الفائز أن يبلّغ رئيس الدولة، خلال 42 يوماً المتاحة له، بأنّه لم ينجح بتشكيل الائتلاف الحكومي، وفي هذه الحالة سيكون من صلاحية الأخير تكليف عضو كنيست آخر، لإبلاغه باستعداده لهذه المهمة، وقبل تكليف مرشح جديد، عليه القيام بجملة استشارات حزبية مع رؤساء القوائم الحزبية، فيما لا يحدّد القانون الإسرائيلي هوية المرشح الجديد، ما يفسح المجال أمام رئيس الدولة؛ إما بتكليف عضو كنيست جديد من حزب الليكود، أو رئيس حزب "أزرق أبيض"، الجنرال بيني غانتس؛ ما يعني عدم تمكّن نتنياهو من تقلّد موقع رئيس الحكومة الجديد، لانقضاء المدة المسموح له خلالها بتشكيل الحكومة.


المصدر: موقع "0404"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية