المصرية مريم زاهر تصوم مع القديسة العذراء: بشرى لكل البشر

المصرية مريم زاهر تصوم مع القديسة العذراء: بشرى لكل البشر
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
10288
عدد القراءات

2018-08-12

"تصادف ميلادي مع صيام العذراء، كما روت لي والدتي، في سن مبكرة من حياتي، ومنذ تلك اللحظة، ارتبط داخلي هذا الصيام، بطقوسه، وخصوصيته، وموعده السنوي، بشيء حميمي وقوي، يبعث في نفسي طمأنينة، وسعادة كبيرتين". لا تتردد مريم زاهر، التي بدأت قبل أيام، صوم القديسة مريم العذراء، في السابع من آب (أغسطس)، وينتهي في 22 من الشهر الجاري، في التعبير عن مشاعرها، التي راكمتها تجاه هذه المناسبة الدينية وخصوصيتها في المجتمع المصري، سواء من الناحية الدينية أو الشعبية.
تقول مريم لـ"حفريات": "كانت ولادتي صعبة ومرهقة، ومرت بظروف معقدة، وقد أسرّ الأطباء لأمي، أنّ مولودتها، ربما، لن تعيش، بيد أنّ الحزن والقلق، اللذين استبدا بقلب والدتي، لم ينسها اللجوء لطلب العون، من السيدة مريم. وفي صلواتها رددت دعواتها، ونذرت أسبوعاً كاملاً تصومه، قبل بدء صيام الكنيسة، وتسمية مولودتها "مريم"، تمثلاً لشفاعتها بعد نجاة طفلتها، وهو ما نفذته أمي، فيما أضحت من القصص الملهمة لي، كلما ترددت أمامي، في مثل هذا التوقيت، منذ خلدتها ذاكرتها، نستمد منها الجلد والإيمان".

اقرأ أيضاً: مسيحيون يشدون بحب النبي: هل يصلح الفن ما أفسدته الأيديولوجيا؟

محتفلون بالعذراء في دير درنكة بأسيوط (تصوير: روجيه أنيس)

وتضيف مريم، أنه من بين الطقوس التي تذكرها، من مرحلة الطفولة، وترافقت مع صوم العذراء؛ هو صناعة المخبوزات (فطير العدرا)، كما نسميه، ويتشارك فيه الصغار والكبار. وبالرغم من أنّ صيام العذراء، يعد من أصغر الصيامات، في المسيحية، ومدته خمسة عشر يوماً، فقط، إلا أنه من أحب وأمتع الصيامات، عند المسيحيين، كما أنّ العديد من الأصدقاء المسلمين، يشاركوننا الصيام، حباً وتكريماً للبتول.

هكذا ارتبط المصريون بالسيدة البتول
"أم النور" و"أم المخلّص"؛ تتعدد الألقاب التي تحوزها السيدة مريم، في الوجدان والوعي الدينيين، المسلم والمسيحي معاً، حيث تكشف تلك المسميات، في دلالتها، عن المكانة العميقة والمقدسة، التي تحتلها في نفوسهم، فارتبطت بها المعجزات، وتلبية العون والشفاعة والفداء. لذا، ففي عيدها أو الموالد المرتبطة بها، ينحرون الذبائح على اسمها، ويقدمون العطايا، وينذرون لها النذور.

خلال الصيام يعتمد المسيحيون على الخبز الناشف والملح ويمتنعون عن أكل السمك بالرغم من التصريح الكنسي بأكله

ولئن اعتبر صوم العذراء، صياماً من الدرجة الثانية، في العقيدة المسيحية، بأيامه الخمسة عشر، التي يسمح في أثنائها بأكل لحوم السمك؛ لكنّ المسيحيين يتهالكون على الالتزام والتقشف، في حدوده القصوى، فينذرون أسبوعاً للصيام، مقدماً، قبل الصيام الأساسي، فيصومون 21 يوماً بدلاً من 15.
كما يعتمد المسيحيون في غذائهم خلال الصيام، على الخبز الناشف والملح، ويمتنعون عن أكل السمك، بالرغم من التصريح الكنسي بأكله.

اقرأ أيضاً: مسلمون ومسيحيون في رمضان على مائدة مشتركة

بائعة مصرية مسلمة تقدم وجبة "شلولو" لمسيحي

ويتفاوت الأمر، قليلاً، لدى أقباط مصر في الصعيد، الذين يتناولون وجبة "شلولو"، وهي عبارة عن وجبة "ملوخية"، تعد بالماء والملح والثوم والليمون، حيث يعتقدون أنّ السيدة مريم، في رحلتها المقدسة لمصر، لم تجد ما تأكله، سوى هذه الأوراق الخضراء "الملوخية"، التي حصلت عليها من أحد الأشخاص، فوضعت عليها ماء، وأكلتها.

اقرأ أيضاً: صورة المسيح في التراث الصوفي الإسلامي
في الموالد القبطية، المرتبطة بالعذراء أو أحد القديسين، ثمة حضور وتواجد ملحوظ ومميز للمكون الإسلامي، الذي يطوف بين هذه المقامات والعتبات المقدسة، وتشكل له سنداً معنوياً، خاصة لدى الفئات الشعبية.

زوار العذراء (اليوم السابع)

معراج الإنسان ضد التعصب

وتعد هذه الاحتفالات الدينية، بمثابة حاضنة اجتماعية، يتخفف فيها المرء من أعبائه، ويتحرر من آلامه، وتقيه من الشعور بالقهر والألم، الذي يكابده في يومياته، فيما تصهره داخل هذا الصخب والمزيج، الديني والاجتماعي والشعبي، بحالاته المتنوعة؛ من أناشيد وأغانٍ دينية، وابتهالات ومواويل شعبية، وقصص أسطورية.

اقرأ أيضاً: المسيحيون في الإمارات.. حرية في العبادة تكفلها القوانين وترعاها الدولة
وفي أحد الأجزاء، التي يرددها الراوي الشعبي، من الموال السباعي، في موالد العذراء، في توقيتاتها المختلفة، أو يروي من خلاله، قصة البتول، توثق عبارة: "بشرى لكل البشر.. إسلام مع أنصار". ملاحظة "الراوي" للإشارة إلى أن ثمة توافد زوار مسلمين للمولد، وعدم اقتصاره على المسيحيين فقط.

مسلمون ومسيحيون في مولد السيدة العذراء

وفي كتاب "مقدمة في الفلكلور القبطي"، يلاحظ الباحث المصري عصام ستاتي، وحدة عضوية في إيمان المصريين العقائدي، الذي يتقاسم عناصر متشابهة ومتطابقة أحياناً، في إيمانهم ووعيهم الديني، ما يجعل لهذه الخصوصية والحضور المشترك، اعتباره وقيمته المنطقية، بغض النظر عن الخلاقات العقائدية، والجدل اللاهوتي بين الأديان.

تعد هذه الاحتفالات الدينية بمثابة حاضنة اجتماعية يتخفف فيها المرء من أعبائه وتقيه من الشعور بالقهر والألم

فإن إيزيس "إلهة القمر"، التي تتجلى في صورة امرأة لها قرنان، بينهما نور القمر، هي نفسها الصورة التي احتلتها، وملأت فراغها، السيدة مريم، التي تحوطها الهالة النورانية، المستمدة من الروح القدس، وخلد المعنى ذاته، لدى السيدة زينب "أم العجائز"، والتي بدورها تنير طريق العميان.
وبحسب ساويرس بن المقفع في تاريخ الآباء البطاركة، فإنه قبل دخول المسيحية لمصر، كانت هناك ديانة اسمها "المريميات"، والتي تعد امتداداً لعبادة إيزيس وأوزوريس، حتى إنّ المسيحيين الأوائل كانوا يعتبرون المسيح مصرياً.

اقرأ أيضاً: سعودي: تحية إلى مسيحيي العالم!

محتفلون بالعذراء في دير درنكة بأسيوط (تصوير: روجيه أنيس)
ووفق صاحب "مقدمة في الفلكلور القبطي"، فإنّ أحد أوجه التشابه بين العقيدة المصرية القديمة والمسيحية، الثيمة المشتركة بين المصريين، وهي عقيدة الحمل بلا دنس أو الإنجاب بدون اتصال جسدي، والتي برزت في الأسطورة المصرية القديمة، عندما جمعت إيزيس أشلاء زوجها أوزوريس والمقطعة إلى أربع عشرة قطعة، في أقاليم مصر، وقامت بجمع ثلاث عشرة قطعة، ولم تتمكن أن تجد القطعة الأخيرة، والتي تمثلت في (القضيب)، فأسقطت دموعها أو النقطة الغامضة، بفضل السحر، وتم الحمل، فأنجبت حورس، فيما السيدة مريم البتول، حملت ببشارة جبريل والروح القدس.

اقرأ أيضاً: مسيحيو القدس: قرار ترامب عزّز وحدتنا
وعبر هذا الحفر الأركيولوجي في الثقافة الشعبية، يتكشف ضوء عميق ينحدر باتجاه تاريخ مشترك وقوي تتصل حلقاته من تطور الوعي الديني والإيماني، والذي يتقاطع، برغم تمايزاته واختلافاته، مع عناصره القديمة، ويستمد منها روحه أحياناً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مصطفى محمود: رحلة بين الشكّ والإيمان لم ينتهِ الجدل حولها

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-12-12

لثمانية وعشرين عاماً؛ استّمر الطبيب والكاتب المصري الراحل، مصطفى محمود، في تقديم أشهر برامج التلفزيون المصري "العلم والإيمان"، بعد حياة حافلة بالإسهامات الأدبية والعلمية والثقافية، اكتسب فيها الراحل شهرة إضافية، وأثار حالة من الجدل؛ كونه العائد من عالم الإلحاد، إلى عالم العلم والإيمان.

بدايات غير مبشرة

بجسد نحيل وعلل صحية، ولد مصطفى محمود، في مدينة شبين الكوم، بمحافظة المنوفية، في كانون الأول (ديسمبر) عام 1921، لأب من الطبقة الوسطى؛ حيث كان يعمل موظفاً لدى الحكومة، وله عدد كبير من الأبناء، كان الراحل أضعفهم بنياناً، حتّى إنّ الأطباء تنبأوا له بوفاة مبكرة، لكنّه خالف تلك التوقعات، ومنحته تلك العلة الصحية الوقت الكافي لأن يمضي وقته في القراءة والاطلاع، بدل الجري واللهو؛ إذ انتقل للدراسة بمدينة طنطا في محافظة الغربية، والتي كان الحضور الصوفي فيها طاغياً، وما يزال، كما أنّ فترة التحاقة بالمدرسة كانت زاخمة بالأحداث الثقافية والسياسية المهمة التي ساهمت في تكوينه، فالبلاد تشهد وفاة الزعيم الراحل، سعد زغلول، بعد أن كان رئيساً لوزراء مصر، وبداية تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، والتي كان لها الفضل في المدّ الإسلاموي الذي حدث لأبناء الريف المصري بشكل خاص، ولم يستثنِ الراحل منهم، ولضرب شعبية حزب الوفد الحاكم في مقتل، في ظلّ هذا التشوش والزخم، تكوّن وعي الكاتب الصغير.

نقاد مصطفى محمود: كان حرياً به نقد سياسات الانفتاح التي أفقرت المصريين، وهدمت المجتمع الزراعي- الصناعي الواعد في مصر الناصرية

مخالفاً التوقعات مرّة أخرى، تفوق الصبي في دراسته، وارتاد كلية الطب، وبدأ مسيرته الأكاديمية، التي أعيقت لـ 3 Hعوام، انعزل فيها داخل المستشفى بسبب مرضه الشديد، ما أتاح له فرصة الانعزال والعكوف على قراءة كلّ ما كان يقع تحت يده، متأثراً بالفلسفة الوجودية الوليدة في فرنسا.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبعد تعافيه استأنف الدراسة مرة أخرى، حتى تخرّج بعد عام واحد من اندلاع ثورة يوليو 1953، والتي سيكشف الراحل لاحقاً عن عدائه لها في كتاباته، كما ساعدته دراسة الطبّ في استكشاف نفسه من جديد، فمع ارتياده المشرحة الطبية التي أرخ لأيامها في كتاباته، اكتشف جلال الموت في نفسه، حتى إنّ أول كتاباته المكتملة كانت بعنوان "لغز الموت"، عام 1959، وهي أشبه ما تكون بطرح فلسفي عن الموت، لم يخفِ فيها خلفيته الأكاديمية، والتي ترى الموت عبر الخلايا، بعيداً عن الروح،  لكنّه وقف متسائلاً فيها عن الإنسان وماهيته، وحقيقة الزمن والروح والوجود والعدم، بدا فيها متشككاً في الأديان وأجوبتها الجاهزة عن الحياة والموت، متأثراً بفلسفة ألبير كامو، وجان بول سارتر، رهبان الوجودية، إذ كان لكتاباتهم حضور كبير في فترة الأربعينيات والخمسينيات.

كاتب كثيف الاطلاع
لقارئ كتابات الدكتور مصطفى محمود أن يستشعر أنّه أمام كاتب يملك حساًّ أدبياً، وربما شاعرياً، أكثر من الشعراء، رغم خلفيته العلمية البحتة، وهو أيضاً كاتب مطلع على كلّ جديد في مجال علم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وهو ما مكّنه من الكتابة في عدة صحف ومجلات قومية، منها: "روز اليوسف"، ومؤسسة "الأهرام"، و"أخبار اليوم"، وحصل منها على عضوية نقابة الصحفيين إلى جانب عضويته في نقابة الأطباء، وهنا وقع الصدام الأول بينه وبين الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، الذي فتح عليه محمود النار حتى آخر أيام حياته، ففي ظلّ اقتصاديات التأميم، وإعادة هيكلة الطبقة الوسطى المصرية، قرّر عبد الناصر ألا يسمح للمواطنين بالجمع بين أكثر من عضوية نقابية، فقرّر محمود التخلي عن عضوية الأطباء، والاحتفاظ بعضوية نقابة الصحفيين، واعتزال العمل الطبّي وتفرّغ للكتابة، وبعناوين نارية هاجم في "الأهرام" و"روز اليوسف" نظام عبد الناصر، منتقداً ما سمّاه النظام الحاكم بالناصرية، وعليه تمّ إيقافه عن الكتابة؛ حيث قال له رئيس تحرير مجلة "روز اليوسف"، الكاتب إحسان عبد القدوس: "اقعد في بيتك... دي أوامر".

اقرأ أيضاً: رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي

كان الراحل على محطة جديدة من الخلاف مع عبد الناصر، لكن هذه المرّة ليس بسبب السياسة، بل بوشاية من المؤسسة الدينية الرسمية "دار الإفتاء"، إذ رفعت تقريراً إلى الرئيس عبد الناصر، بعد نشر كتاب الدكتور مصطفى محمود "الله والإنسان"؛ فالكاتب يتحدث عن الألوهية كفكرة في التاريخ الإنساني تتطور بتطور الإنسان والمجتمعات، وهذا ما أثار حفيظة رجال الدين، ما دفع عبد الناصر إلى تحويل التقرير المقدم من الأزهر إلى المحاكمة، لتكتفي المحكمة بمنع الكتاب من النشر والتداول، ليعاد طبعه فيما بعد، لكن بصيغة التوبة، في كتابه الأشهر "حوار مع صديقي الملحد"، لكن بعد قدوم الرئيس المؤمن، السادات، وما صديقه الملحد إلّا نفسه العائدة من الإلحاد إلى الإيمان، كما زعم، وطوال فترة منعه من الكتابة عكف على كتابة مسرحيات، كانت أشهرها: "الإسكندر الأكبر"، "الزلزال"، "الإنسان والظلّ"؛ إذ دارت جميعها في فلك الدولة الظالمة، وقمع الحريات الشخصية، فتكرر منعه من الكتابة كثيراً، فمع وقوع نكسة حزيران (يونيو) 1967، عاد الراحل بكتابه "لغز الحياة"، الذي بدا فيه متأثراً بكتابات داروين، ونظريات فرويد في الطبّ النفسي، ومنتقداً لها من وجهة نظر دينية.

الشكّ والإيمان
يستشعر القارئ؛ أنّ الشكّ والإيمان هما محور حياة مصطفى محمود، ولكن يبدو أنّ وفاة عبد الناصر كانت توقيتاً مناسباً لعودة مصطفى محمود إلى حظيرة الإيمان، ورحلته بينهما، التي نشرها في كتاب عام 1971، تبعها بحواره مع صديقه الملحد، وبينهما عدة محطات من الكتابات التي حاول فيها الجمع بين الدين والعلم، مستعيناً بخلفيته الأكاديمية، والتي ساعدته على كتابة روائع أدبية في الخيال العلمي، كان أهمها روايته "العنكبوت" (عام 1965)، التي تحولت فيما بعد إلى مسلسل تلفزيوني عرضه التلفزيون المصري، وأضاف إليها روايته "رجل تحت الصفر"، عام 1966، متحلياً فيها بروح الأديب الجامع بين اللغة المتقنة والمطلع العالم على أحدث نظريات الفيزياء، فكانت تلك الرواية محطته الأخيرة مع عبد الناصر، الذي كرّمه ومنحه جائزة الدولة التشجيعية في الأدب قبل أشهر قليلة من وفاته، فكان القارئ المصري والعربي على موعدٍ من كتابات أخرى غريبة على الدكتور مصطفى محمود، يفتح فيها النيران على المعسكر الشيوعي، خاصة في فترة حرب الاستنزاف التي تمّ طرد الاتحاد السوفييتي فيها من تواجده في مصر الناصرية.

حلقات مسلسل العنكبوت
ربما جاءت وفاة مصطفى محمود في وقت مناسب قبل أن يشهد انقلاب الشباب الذي تربّى على كتاباته، قبل ثورة يناير2011.
وعبّرت عبير هاشم (34 عاماً)، معلمة فلسفة في إحدى المدارس في القاهرة، عن رأيها لـ "حفريات": "لا أستطيع إنكار أنّ قراءاتي وتبلور وعيي في المرحلة الثانوية والجامعة، كان بفضل كتابات مصطفى محمود، الذي اتّسمت كتبه بسلاسة الطرح، فلم يكن من المتحذلقين، وهو ما دفع الآلاف من شباب التسعينيات، ومن كانوا في عمري، أن نقرأ له، لكن بعد تجربة ثورة يناير، وانكشاف غمامة الزيف الديني الذي تربينا عليه، وبدأت في مراجعة كلّ ما قرأت من كتبه، اكتشفت أنّه كان مجرد غطاء سياسي لنظام السادات الذي انقلب على ناصر".

اقرأ أيضاً: أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية
ولفتت عبير هاشم التي ساعدتها دراستها الفلسفة على قراءة الماركسية، إلى أنّ انتقادات محمود الكثيرة للماركسية، "ليست سوى تناول سطحي يصدقه البسطاء ومحدودي الثقافة، هدفه الأول إضعاف المعسكر الشيوعي في مصر"، ربّما يجهل كثيرون أنّ الراحل في بداية حياته آمن بالاشتراكية والماركسية ثمّ انقلب عليها لاحقاً وأفرد لنقدها مؤلفات كاملة، أهمها: "الماركسية والإسلام"، "لماذا رفضت الماركسية؟"، "سقوط اليسار"، و"أكذوبة اليسار الإسلامي"، و"عصر القرود".

 

الإيمان دعامة العلم
ثلاثة عقود عكف الدكتور مصطفى محمود على تقديم حلقات برنامجه الأشهر "العلم والإيمان"، مرتدياً ثوباً جديداً يحاول فيه أن يخضع العلم لكلّ ما جاء في النصّ الديني، وعلى أنشودة الناي الأشهر لعازف الناي المصري، محمود عفت، التي تستجلب الخشوع الصوفي إلى النفس، تجتمع الأسرة المصرية حول برنامجه كلّ أسبوع، فيستشعر العوام من الناس عظمة دينهم، وببساطة تحدث إلى العاديين من الشعب فتقرّب إليهم، وبصوته المميز شكّل وجدان أجيال كاملة، هي ذاتها الأجيال التي ستطلق سهام النقد عليه.
تقول الطبيبة المصرية الدكتورة هناء شوقي (63 عاماً)، لـ "حفريات": "كنت من الأجيال التي عاصرت كتابات الراحل فور إطلاقها، فقد ملأت كتبه حقائب أبناء الجماعات الإسلامية، الذين انتشروا كالنار في الهشيم في السبعينيات من القرن الماضي؛ إذ كنت ضمن الطلبة المستهدفين للتجنيد آنذاك، وكانت كتاباته عن الماركسية بشكل خاص، تروّج في الجامعة لضرب حركات طلاب الأحزاب اليسارية والشيوعية، والتي كانت في أوج نشاطها، خاصة بعد قرارات الانفتاح".

لقارئ مصطفى محمود أن يستشعر أنّه أمام كاتب يملك حسّاً أدبياً أكثر من الشعراء، رغم خلفيته العلمية البحتة

وتسترسل قائلة: "إلى جوار سيد قطب وحسن البنا، روّج طلاب جماعة الإخوان لكتب مصطفى محمود عن الاشتراكية والإسلام كرأس حربة في مواجهتهم المفتوحة مع اليسار المصري، وكان سبباً في وقوع العديد من شباب جامعة القاهرة بشكل خاص، في شرك الجماعات الإسلامية".
وإلى جانب كونه كاتباً يمتلك أدواته، فقد أثار الراحل حالة من الجدل السياسي والديني، منذ انطلاقه في عالم الكتابة، أوقعته في شرك التناقضات، خاصة إنكاره لمرحلة الشكّ الإلهي التي عاشها، بعد عودته إلى حظيرة الإيمان، ومدحه المستمر لسياسات السادات، خاصة أنّه أبى أن يمتدح ناصر، الذي عدّه المصريون الأب الروحي للطبقة الوسطى، وتبنى النهج الإصلاحي نفسه لمنظّري الإسلام السياسي، فرأى الحلّ في الأعمال الخيرية، وتقديم المساعدات من الأغنياء للفقراء، وكرّس لنهجه في الجمعية الخيرية التي أنشأها باسمه "جمعية مصطفى محمود الطبية"، والتي تضمّ مستشفى للفقراء، ومسجداً وداراً للمناسبات، بينما يرى كثيرون أنّه كان حرياً به نقد سياسات الانفتاح التي أفقرت المصريين، وهدمت المجتمع الزراعي-الصناعي الواعد في مصر الناصرية، وجعلت معظم شرائح شعب العلم والإيمان تمدّ يدها إلى الصدقات والمعونات.

للمشاركة:

رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية
2019-12-03

اختار صالح علماني، الذي توفي اليوم في إسبانيا، ذات وسم في صفحته على فيسبوك نهاية عام 2010، أن يلخّص حياته ببساطة "عشتُ لأترجم"، مستوحياً ما كتبه من العبارة التي عنون بها ماركيز مذكراته.
بدت رحلة علماني في الحياة أشبه بواقعية سحرية لشاب فلسطيني بدأ في دراسته طبيباً، تراوده أحلام رومانسية أن يغدو روائياً عظيماً، قبل أن يحزم قراره الذي سيكرّسه واحداً من أهم المترجمين العرب الذين طوعوا الإسبانية لتنطق بالعربية مع أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة وشعر، جعلت قارئ الضاد يتنقل مع عوالم نيرودا ولوركا وماركيز وإيزابيل الليندي .. كأنّه يقلب بأُلفة صفحات خطّها نجيب محفوظ أو محمود درويش.

كانت رحلته في الحياة أشبه بواقعية سحرية لشاب فلسطيني، بدأ في دراسته طبيباً، تراوده أحلام رومانسية أن يغدو روائياً عظيماً

من آخر معقل مقاوم في فلسطين عام 1948، غادر الفلاح عمر علماني ابن "ترشيحا" أو "جبل الشيح" كما كانت تعرف بالكنعانية تلك القرية الموشحة بأشجار الزيتون شمال عكا؛ حيث تعايش المسلمون والمسيحيون قروناً، لتبدأ التغريبة، ويشارك الآلاف من أبناء شعبه الذين هُجروا في تلك الرحلة التي ستطول كأنّها مئة عام من العزلة، لينتهي به المطاف في سورية، وفي شهر شباط (فبراير) من عام 1949، رزق الحكّاء الأمي بمدينة حمص بذلك الطفل الذي سيولع بالقراءة، وأطلق عليه اسم "صالح".

 

 

استقر مقام العائلة في الحجر الأسود ذلك الاتساع الغرائبي لمخيم اليرموك جنوب دمشق؛ حيث أكمل صالح علماني دراسته، ليحزم حقائبه نهاية الستينيات صوب مدريد لدراسة الطب حاملاً معه دواوين لصلاح عبدالصبور، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وديوان محمود درويش الأول "آخر الليل" مما كان يثير سخرية زملائه، فلم يكن مستغرباً ألا يتوافق مع هذا التخصص، رغم نجاحه في السنة الأولى، ليتحول إلى دراسة الصحافة التي وجدها أكثر صعوبة! ثم يترك الدراسة فترة بعد أن ساءت أحواله المادية، خصوصاً مع اشتعال حرب تشرين عام 1973، واضطر للعمل في الميناء وأماكن أخرى، ليوفر تكاليف دراسته الجديدة "الأدب الإسباني"، وكانت بدايته في الترجمة مع مقررات المجلس الوطني الفلسطيني التي كان يقوم بنقلها لرفاق شيوعيين إسبان، لتنشر في مجلة يشرف عليها الحزب الشيوعي الإسباني.

اللقاء الأول مع أدب أمريكا اللاتينية

ذات مساء قاده التسكع في قاع مدينة برشلونة إلى أحد المقاهي؛ حيث كان لقاؤه الأول مع أدب أمريكا اللاتينية برواية "مئة عام من العزلة" التي أهداه إياها أحد أصدقائه الإسبان، ليُؤخذ بذلك السرد العجائبي لغابرييل غارسيا ماركيز، ما جعله يحسم أمره ويمزق مخطوط روايته الأولى، ويغادر حلمه الأثير بأن يكون روائياً معروفاً "أن تكون مترجماً مهمّاً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً"، ليشرع بترجمتها، وداوم على ذلك لاحقاً بعد إنهاء دراسته في معسكرات الجيش أثناء تأديته الخدمة الإجبارية في سورية، قبل أن يتوقف بعد صدور أول ترجمة عربية للرواية بقلمي سامي وإنعام الجندي.. لكن ظل في نفسه شيء من هذا العمل، حتى بعد أن تُرجِم أكثر من مرة، وكان على القارئ العربي أن ينتظر حتى عام 2005، لتصدر الرواية بعربيّة علماني.

اقرأ أيضاً: هل يرحل الشعراء: عن الكتابة الحيّة لأمجد ناصر في لحظة الاحتضار
دفعَهُ حرص التّرجمان إلى الانتساب لجامعة دمشق، ودراسة الأدب العربي، حتى يتسلح باللغتين؛ العربية والإسبانية، ويذكر الروائي والقاص الفلسطيني رشاد أبو شاور أنّ أول عمل ترجمه صديقه صالح كتاب صغير عن شاعر التشيلي بابلو نيرودا، ولكن لم تلتفت إليه الأنظار إلا عام 1979، بعد أن انتهى من ترجمة رائعة ماركيز "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" لتتسابق بعدها دور النشر للتعامل مع هذا المترجم الواعد، "كنت أعمل في وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) وذهب عبدالله حوراني (من دار الفارابي) إلى مدير دائرة الثقافة وسأله: ماذا يعمل صالح علماني معكم، فأخبره لا أعرفه، وبعد أن سأل، أخبروه أنني أعمل محرراً في الوكالة، فقال لا هذا احبسوه معكم في غرفة وخلوه يترجم فقط!"، وكان من ضمن متابعيه محمود درويش أثناء عمله محرراً في مجلة "شؤون فلسطينية"، بعد أن وقع على نسخة مترجمة له لأشعار "رافئيل ألبيرتي" ليعلق درويش "هذا الرجل ثروة وطنية ينبغي تأميمها"، ويطلب من الشاعر أحمد دحبور التواصل مع علماني، وإخباره بنية المجلة نشر بعض هذه الأشعار المترجمة.

الترجمة أداة للديمقراطية

الترجمة في نظر علماني، أداة للديمقراطية تتساوى فيها جميع اللغات، ولكنه يؤمن أنّها في الوقت نفسه ضرب من الخيانة الأمينة؛ لأن الترجمة الحرفية كما يعترف جريمة لا تغتفر "المنطق البلاغي بين لغتين قد لا يتقاطع دائماً.. لا يمكن لأي مترجم أن يختفي وأن يتلاشى، هذا مستحيل.." لكنه يرى أنّ "الخيانة" الآن أقل مع التقدم التقني؛ لأن المترجم أصبح يطّلع الآن بكل سهولة على حقيقة المنطقة والثقافة التي يترجم عنها، "عندما تواجهني كلمة أبحث في غوغل عنها، وأطلب معرفة معناها في منطقة البيرو وأحصل على المعنى فوراً ... هذا سهّل عمل المترجم وقلل خيانته".

اقرأ أيضاً: يا أمجد ناصر: الإنسان لا يفنى وإن فني الوجود بأسره

كرس علماني حياته لترجمة الأدب المكتوب بالإسبانية، لكنه لم يقاوم في عام 2006 إغراء ترجمة الديكاميرون للإيطالي بوكاشيو، وكانت هذه أوّل مرّة ينقل فيها عملاً من اللغة الإسبانيّة لم يكتب بها، بعد أن رأى أنّ سبعة قرون فترة امتدت أكثر مما يحتمل، لنقل "ألف ليلة وليلة الإيطالية" كاملة إلى العربية؛ فهو ما يزال ينظر إلى الترجمة بوصفها في الدرجة الأولى علاقة حبّ مع النص. "أحب رواية "الحب في زمن الكوليرا" كثيراً، أحبها لأنني أحبها لا لأمر آخر، أحبها ليس لأنني ترجمتها، بل لأنني قرأتها أولاً".

حلم استحال إلى لجوء

بعد أن تحسنت أحواله المادية نسبياً لم يطل مقامه في "الحجر الأسود" بحثاً عن حياة أهدأ، فغادره مع زوجته وابنيه عمر ولارا ليبتني بيتاً في معضمية الشام. كان يعمل عشر ساعات يومياً، وهو منبطح على الأرض قبل أن يشتري آلة كاتبة استغنى عنها بجهاز الحاسوب، "أقرأ النص خمس مرات، ثم أترجمه مباشرة على شاشة الكمبيوتر. وعندما أنجز بضع صفحات، أقرأ النص الذي ترجمته بصوت عال لمعرفة الإيقاع السمعي للجملة".
عمل علماني مترجماً في السفارة الكوبية وموظفاً في وزارة الثقافة السورية لسنوات طويلة قبل تقاعده عندما بلغ الستين، وبحكم علاقته التي وثقها مع "ثورة المعلومات" ما فتئ ينبش في مواقع الكتب الإسبانية على شبكة الإنترنت، وعندما يعجبه كتاب جديد، يسارع إلى اقتنائه علّه يكون مشروع مولود ترجمة جديداً آخر.
لكم راوده حلم ببناء بيت ريفي في ضواحي دمشق، يكون محراباً لعمله، لكن أطاحت به قذيفة من "الربيع السوري" أتت على معظم بيته في المعضمية، لينتقل منه لاجئاً في مسقط رأسه سورية قبل أن يجبر على مغادرتها والإقامة في إسبانيا التي كرمته في عام 2015، عندما أعلنت "مدرسة طليطلة للمترجمين" عن منحه جائزتها السنوية للترجمة، في دورتها الأولى، مؤكدة أن "لا كرامة لنبيّ في وطنه".

رحلة صعبة أهلته للنجومية

نجح صالح علماني في تكريس نجوميّة المترجم؛ لأنه آمن أنّ الترجمة جنس أدبي قائم بذاته، وأنّ المترجم هو مؤلف مستقل آخر للترجمة يندمج مع النص ويعيد إنتاجه، لكنه ظل وفياً لتواضعه الذي ميزه طوال حياته، فرغم أنّه ترجم جميع أعمال ماركيز، إلا أنّه رفض ترجمة رواية "خريف البطريرك" التي يعدها بعض النقاد أهم أعمال صاحب "مئة عام من العزلة"، والتي نقلها إلى العربية عن الفرنسية محمد اليوسفي، وحين سئل علماني عن ذلك أجاب "لن يكون بإمكاني ترجمتها أفضل منه".
عناوين كثيرة مهمة لم يترجمها علماني، مرجعاً ذلك إلى "صعوبة تسويق الأسماء المجهولة إلى قرّاء العربية"، من جهة وإلى أنّ "دور النشر تلحق الأسماء الرائجة" من جهة أخرى، مستدركاً في إحدى تصريحاته على ما سبق "من المؤسف ألّا تصلنا أعمال الأرجنتيني توماس إيلوي، أو خوان كارلوس وينتي من الأوروغواي، هذا الروائي هو الأب الشرعي للواقعية السحرية".
لم تكن رحلة "كولونيل الترجمة" سهلة، بل كافح ليصل إلى قلوب القراء، ويحصد محبتهم؛ فقد باتوا يدركون معنى كتابة اسم علماني على غلاف الكتاب، ليكون جديراً بالاقتناء، وعن ذلك قال في مداخلة له بأحد المؤتمرات: "إن مهنة المترجم دائماً في الظل؛ لأنه يقدم شخصاً آخر، والمصادفات وحدها هي التي جعلتني نجماً. وأقبل محبة الناس لكنني أخجل، وأرجو لكل المترجمين حظاً مثل حظي في الشهرة".

علماني من أهم المترجمين العرب الذين طوعوا الإسبانية لتنطق بالعربية مع أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة وشعر

علماني الأكثر وفاء لخيانة الترجمة

المترجم العراقي الدكتور محسن الرملي في حديثه مع مدونة وطن   "eSyria" قال عن "عرّاب أدب أمريكا اللاتينية": "إن الحديث عن صالح علماني يقتضي تذكر عبارة تقول: "إن الترجمة خيانة"، فإذا كانت كذلك، فإن أكثرنا وفاء لهذه الخيانة هو صالح علماني".

بفضل دأب وصبر وشغف صالح علماني، صرنا نتوافر على الأعمال الكاملة لأبرز كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية

وأضاف الرملي "صالح علماني درسٌ حيّ وتاريخي لنا جميعاً نحن المترجمين، حيث تخلى عن كل شيء، ليجعل الترجمة طريقاً وهدفاً له، تخلى عن دراسته الأكاديمية، وتخلى عن الكاتب فيه لمصلحة المترجِم فأذاب الروائي في المترجِم كما تذوب قطعة سُكّر في قدح الشاي، لذا نلمس هذه العذوبة في أسلوبه لكل ما ترجمه. وقد راهن علماني على الترجمة ولم يخسر، فحقق شهرة تفوق شهرة الكثير من الكُتاب، حيث لا تكاد تخلو أية مكتبة عربية عامة أو خاصة من كتاب يحمل اسمه".
وفي مقالة له نشرت في صحيفة "القدس العربي" روى الروائي والقاص الفلسطيني رشاد أبو شاور علاقة تربطه بصديقه وجاره صالح علماني قائلاً: "صالح علماني وأنا عشنا لسنوات جارين في (الحجر الأسود) جار مخيم اليرموك، الذي لا يفصله عنه سوى شارع الثلاثين، وتتداخل سبل الحياة بينهما، ففي الحجر أسر فلسطينية كثيرة، والمخيم موئل، كان هكذا قبل تفجّر الاقتتال".

ويمضي أبو شاور في حديثه عن تجربة علماني قائلاً: "بعد معركة بيروت غادرت إلى دمشق، فالتقيت بجاري صالح الذي أقام في الحجر الأسود مع زوجته مستقلاً عن بيت أسرته، فكان أن تساءل بحيرة: لقد فقدت كتاباً ترجمته عن بابلو نيرودا، ولا أدري أين أضعته! قلت له: يا صالح: أذكر أنني حملته إلى بيروت، وأن الدكتور الكيالي وعد بنشره. رد: لا أتذكر".

المفاجأة التي وقعت فيما بعد يقصها أبوشاور "ذات يوم كنت أمر بمكتبة (النوري) المقابلة للبريد المركزي، في دمشق، وكالعادة دخلت إليها، وبدأت أتصفح المنشورات الجديدة.. فإذا بي، ويا للمفاجأة السارة، أجد كتاب نيرودا الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية. كانت فرحة صالح كبيرة عندما فاجأته بنسختين من الكتاب".

ترجمات علماني ماركة مسجلة!

ويمضي أبو شاور بالثناء على علماني "المبدع الكبير، المثقف الرقيق النبيل"، مخاطباً إياه: لست وحدك الفلسطيني الذي يتعذب ويشقى بفلسطينيته، ولست وحدك من يعتز بهذه الفلسطينية التي يحملها صليباً يمضي به في هذا العالم، لا متمسكناً، ولكن معطاء، رغم الصدمات، والمحن، ورحلة الآلام التي يبدو أنها لن تنتهي في المدى المنظور.

وكان الشاعر والأديب الأردني الراحل أمجد ناصر، قد وصف ترجمات علماني بعلامة الجودة المسجلة، حيث كتب في إحدى مقالاته: "إننا نكاد أن نكون، اليوم، بفضل دأب وصبر وشغف صالح علماني، نتوافر على الأعمال الكاملة لأبرز كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية؛ مثل ماركيز وماريو فارغاس يوسا، وإيزابيل الليندي، إضافة إلى أصوات أخرى أقل شهرة عالمياً مثل؛ الفارو مويتس وغوليانو.. وقد لاحظت، شخصياً، في أكثر من معرض عربي للكتاب، مثقفين وقراء يسألون دور النشر عن ترجمات جديدة لصالح علماني بصرف النظر عن موضوع الكتاب أو هويّة الكاتب، فإن لم تكن هذه هي علامة الجودة المسجلة فما عساها تكون؟".

للمشاركة:

أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

2019-12-02

يقول المفكر المصري أنور عبد الملك (1924-2012) : "سميت بهذا الاسم تيّمناً بالفريق أول أنور باشا رئيس هيئة الأركان العامة للجيش العثماني، ورائد حركة "الأتراك الشباب" ثم جمعية "الاتحاد والترقي" التي كان لها أبلغ الأثر على شباب الحركة الوطنية المصرية في مطلع هذا القرن".

أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها

ويستأنف عبد الملك، المولود في أسرة سياسية قبطية عريقة، حديثه عن المؤثرات التكوينية في شخصيته في مجلة المصور، والتي جمعته بعد ذلك في كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم" الصادر عن دار الهلال في شباط (فبراير) 1998 العدد 566، فيرى أنّ هذا الأب الوطني الذي قضى كل يوم بين الثالثة والثامنة من عمر المفكر أنور عبد الملك، يعلمه التاريخ والجغرافيا وحضارة مصر والاكتشافات البحرية وتاريخ المعارك الكبرى، وكثيراً ما ردد على مسامع الفتى الصغير: "عندما تصبح رجلاً تتولى هذه الأمور مع زملائك، مثلنا اليوم" ليصبح الانضمام للحركة الوطنية هو المؤثر الأول في تكوينه، والمؤثر التكويني الثاني "مدرسة العائلة المقدسة" لهيئة اليسوعيين (1929-1940) في القسم العربي منها، وهي المدرسة المرموقة لمن أراد أن يجمع بين التكوين الفكري والروحي والأخلاقي، والوطنية الجارفة وحب مصر، كما فتحت أمامه أبواب التعمق في آداب اللغة العربية.

توفي الأب عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين عاماً في العام 1932، لتضطرب أحوال الفتى؛ حيث كانت الظروف الاقتصادية غاية القسوة، وسعى أصدقاء والده إلى سد الفراغ المعنوي الذي تركه الوالد، فيذكر منهم عبد الملك عمه فؤاد بيك عبد الملك مؤسس "جمعية أصدقاء الفنون الجميلة"، والمشارك في توجيه العديد من المؤسسات، مثل: "الجمعية الزراعية الملكية" و"الجمعية الجغرافية الملكية"، ومستشار الملك فؤاد ثم الملك فاروق، وعبد الحليم البيلي بيك قائد جماعة "اليد السوداء" التي شارك فيها الأب.

في القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري

انجذب عبد الملك إلى القراءة، فكان يقرأ كتاباً كل يوم خلال وبعد ساعات الدراسة، ونتيجة لتدهور أوضاع الأسرة الاقتصادية عمل الفتى في "البنك الأهلي المصري" من خريف العام 1940 حتى ربيع العام 1943، ثم انتقل موظفاً في البنك العقاري المصري ثلاثة أعوام بالقسم القانوني (1943- 1946)، وبعد الانتهاء من العمل اليومي درس اللغة الإنجليزية لأربعة أعوام في المعهد البريطاني، ليحصل على الثانوية العامة البريطانية والتوجيهية المصرية في العام 1944.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بدأ عبد الملك في البحث يميناً ويساراً عن حل ومخرج لأزمة مصر التاريخية، كدولة خاضعة للاحتلال البريطاني، ملتهماً الكتب السياسية والفلسفية؛ حيث أدرك أنّ مع كل أزمة دولية تمسك بتلابيب الدول العظمى كالحروب العالمية، لابد أن تتغير معها أوضاع المستعمرات والدول الخاضعة لهيمنتها، وقد حدث هذا بعيد الحرب العالمية الأولى، فلِمَ لا يتكرر بعيد الحرب العالمية الثانية؟!

كتاب "التكوين..حياة المفكرين والأدباء والفنانين..بأقلامهم"
تساؤلات تلو تساؤلات تعصف بعقل أنور عبد الملك حول معنى التحرير، أو الاستقلال الحقيقي بعد أن ثبت أنّ معاهدة 1923 لم تمنع مصر من أن تصبح دولة تابعة للاحتلال الغربي والسيطرة الاقتصادية والسياسية للحليف البريطاني؟ ما العلاقة بين الاستقلال الحقيقي والنظام الداخلي السياسي؟ كيف يمكن تأمين سيادة القانون وتمثيل إرادة الشعب في البرلمان والحكم وكذا دعم الاقتصاد المصري زراعة وصناعة ومالاً؟ ثم ما العلاقة بين هذا كله والمعاني الكبرى التي أحاطت بتحرك مصر منذ منتصف القرن الثامن عشر وخاصة منذ محمد علي وثورة العام 1881 وكذلك ثورة العام 1919، وما تلاها من وثبات ثورية شعبية حادة؟ وما العلاقة بين الثورة والنهضة؟

كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية

ومع تلك القراءات العريضة اكتشف الفلسفة؛ فأحب محاورات أفلاطون، والفلسفة التساؤلية وأشعار أبي العلاء المعري والفارابي وابن سينا، واكتشف مقدمة ابن خلدون وفلسفة التاريخ الهيجيلية، وكتب الموسوعيين الفرنسيين، وبعد المقاومة البطولية للاتحاد السوفييتي والتضحيات التي قدمها الشعب السوفييتي وانتصاره على النازية، بدأ جيل كامل في الالتفات إلى تلك التجربة التنموية والعسكرية الجبارة، فبدأ عبد الملك يقرأ في التراث الاشتراكي الماركسي، ومدارسه المتنوعة التي حققت على أرض الواقع انتصارات هائلة، مثل: الماوية التى كتب عنها الصحفي الأمريكي "ادجار سنو"  كتابه: "النجم الأحمر فوق الصين"، والذي كشف حقيقة ثورة الصين التحررية.

اقرأ أيضاً: إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"
بدأ عبد الملك يجمع أصدقاءه لعقد حلقة لدراسة الاشتراكية وسبل تحرير مصر، حوارات وسجالات ساخنة جمعت الفتى وأصدقاءه حول تلك التساؤلات التي كانت عبئاً حقيقيّاً على هذا الجيل، الذي كان على موعد مع القدر والصراع ضد الدولة، والدخول معها في معركة تكسير عظام.

جلس الشاب أنور عبد الملك إلى المرشد العام حسن البنا يستمع لخطبته الأسبوعية، ويتحسس معها استجابات الجمهور ليتعرف على مشاعر وتوجهات إخوانه في الوطن.

ومع تجربته السياسية يعود إلى عالم الفلسفة، ليعيد اكتشاف هيجل ويربط مقولاته بمقولات "كتاب الموتى" المصري القديم، ومنه إلى ماركس:"لقد اكتفى الفلاسفة حتى الآن بتفسير العالم، وقد آن الآوان لتغييره"، وربط تلك المقولة بقول الله في كتابه الكريم:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" الصلة التي لا تنفصم بين الفكر والعمل.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني

وتأخذ التجربة منعطفاً جديداً حينما قابل أنور عبد الملك مفتش اللغة الإنجليزية شهدي عطية الشافعي في دار الأبحاث العلمية، ليصبح انضمامه إلى الحركة الاشتراكية واقعاً لا لبس فيه، وتدور ماكينة الاعتقال في عهد رئيس الوزراء إسماعيل صدقي، فيهرب حتى يتم الإفراج عمن تم اعتقالهم.
ويصر نسيبه الأستاذ الدكتور جرجس متى، على الاستمرار في التعليم الجامعي، فيستثنيه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين من الروتين، ويلتحق بقسم الفلسفة جامعة عين شمس، ويلتقي بالدكتور عبد الرحمن بدوي في قاعة المحاضرات، ويصبح من حوارييه برغم اختلافهما، فأستاذ الفلسفة وجودي النزعة يعلي من الذاتية والفردية، والطالب ماركسي شديد الإيمان بحتمية تثوير الواقع، يقول أنور عبد الملك: "تعلمت منه، على وجه التخصيص، أنّ واجب المفكر المصري أن ينكب على أصول الفكر والثقافة الوطنية ليطورهما". وكان لبدوي الفضل في اختيار عنوان لموضوع رسالة دكتوراه الدولة في الآداب التي تمت بين (1955-1969) عن "تكون الأيديولوجيا في نهضة مصر القومية (1805-1892) بعيداً عن فلسفة التاريخ عند هيجل، الموضوع الذي استوقفه قبل أن يرى أستاذه بدوي، وينجح في فرنسا، وينضم للمركز القومي للبحث العلمي بباريس في العام 1960م، ليصبح مدرساً ثم أستاذاً للأبحاث، ثم مديراً للبحوث عام 1970.

اقرأ أيضاً: أكاديمي فلسطيني متخصص في حل النزاعات من دون إحراق المراكب
كان هدف عبد الملك من وراء أطروحته الجامعية أن يعي لماذا أقصى جمال عبد الناصر اليساريين، وأودعهم المعتقلات التي دمرت الأغلبية منهم في "أبي زعبل" ثم "الواحات"، فخرجت تلك الأفكار في كتابه "نهضة مصر".
وتتكرر نصائح عبد الرحمن بدوي لتلميذه النجيب، وينصحه أن يقرأ لمارتن هيدجر صاحب "الزمن والكينونة"، فتجذبه دراسته "ما الميتافزيقا"، ويكتشف مع هيدجر أنّ العقل أعدى أعداء الفكر، فالفكر مقولة تستوعب العقل والتحليل والتركيب والعيان الوجداني والإيمان ومنهج واقعية الإنجاز العلمي.

 كتاب "نهضة مصر"
وفي العام 1943، يجد بالصدفة كتاب "الزمان، النهر المنعش" في مكتبة الأنجلو المصرية لجوزيف نيدهام، ليجد فيه مزيجاً من التنقيب في الاشتراكية، وفي الأديان، وحضارات الشرق، والعلاقة بين التحليل الفلسفي وعلم الفيزيولوجيا والطب، ويراسل عبد الملك الكاتب، ويدعو نيدهام الشاب إلى زيارته بجامعة كامبريدج، ليكتشف معه معنى الشرق الحضاري .
وفي القاهرة يقابل عبد الملك المفكر الجزائري مالك بن نبي، ليعي معه مفاهيم الحركة الأفريقية-الآسيوية وخاصة الإسلام الحضاري العصري، ويتزامن مع الحديث عن الإسلام الحضاري موجة تجديد لاهوتي وحضاري في الكنيسة الكاثوليكية، تحت عنوان لاهوت التحرير على يد الرئيس الأعلى السابق لهيئة اليسوعيين "بيدرو أروبيه"، الذي آمن بالحوار بين الحضارات والتثاقف بينهم.

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني
في العام 1963 نشر أنور عبد الملك مقالة بعنوان "الاستشراق في أزمة" في مجلّة "Diogène" (ديوجين). ألقت المقالة حجراً في بحيرة راكدة، وقوبلت بهجوم حادّ بعدما عدّها كثيرون "تصفية حساب مع الغرب". لكنّ عبد الملك التزم الصمت تجاه منتقديه حتى جاء إدوارد سعيد وأخذ الفكرة إلى آفاق أوسع. أحدثت المقالة ضجة واسعة في صفوف علماء الاستشراق الغربيين حتى أنّها أخرجت بعض العلماء عن صمتهم الذي اعتادوا عليه، فنشروا ردوداً على هذه المقالة التي تصف الاستشراق بأنّه في أزمة أخلاقية؛ بسبب صلة هذا العلم بالحملات الاستعمارية التي قام بها الغرب في دول الشرق، فكان رائداً في مجال نقد الدراسات الاستشراقية؛ وقد سببت له هذه الدراسة عزلة عميقة في الوسط الأكاديمي الغربي، لم يخرج منها سوى بالعودة إلى القاهرة.

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
كل تلك الشخصيات والتجارب جعلت البعد الحضاري هو المحور الرئيس لأفكاره واجتهاداته، ليصدر العديد من الكتب عن الخصوصية الحضارية، مثل: ريح الشرق، في أصول المسألة الحضارية، تغيير العالم؛ رافضاً وجود قالب غربي واحد ثابت تتشكل داخله الحضارة، دون مراعاة للخصوصيات الثقافية.
توفي عبد الملك في 17 حزيرا (يونيو) العام 2012 بباريس؛ حيث كان يقيم عن ثمانية وثمانين عاماً، ليترك للأجيال من بعده تراثا فكريّاً، واجتهاداً أصيلا في معنى وشروط تقديم نموذج حضاري مختلف.

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:

عام على اتفاق ستوكهولم.. تعنت حوثي يفاقم معاناة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

يدخل اتفاق ستوكهولم بشأن الأزمة اليمنية، اليوم الخميس، عامه الثاني، وسط مماطلات حوثية عرقلت تنفيذ غالبية بنوده التي كانت ستُسهم في تخفيف معاناة اليمنيين، وخصوصا سكان مدينة الحديدة غربي البلاد.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، رعت الأمم المتحدة مشاورات سلام بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، أثمرت توقيع ما عُرف بـ"اتفاق ستوكهولم" في السويد.

ونص الاتفاق على عدة تفاهمات؛ أبرزها وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية، فضلا عن تبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا، وفك الحصار الحوثي على مدينة تعز، جنوب غربي البلاد.

وطيلة عام كامل، لم يحقق اتفاق ستوكهولم سوى اختراقات طفيفة في جانب تخفيف التصعيد العسكري بالحديدة.

ومن المقرر أن يقدم المبعوث الأممي مارتن جريفيث، مساء الخميس، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اتفاق ستوكهولم، وما تحقق منه والمؤشرات القادمة بشأن ملف الحديدة.

مسرحية هزلية
كان "ملف مدينة الحديدة" هو القضية الأبرز في اتفاق ستوكهولم؛ حيث نص على هدنة إنسانية تبدأ منذ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2018، فضلا عن فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور قوافل الإغاثة.

كما أكدت بنود الاتفاق انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة الـ3 خلال 14 يوما، ثم من مدينة الحديدة إلى أطرافها في غضون 21 يوما.

ومنذ تلك الفترة، واصلت مليشيا الحوثي مراوغاتها للتنصل من اتفاق الحديدة، عبر تنفيذ انسحاب وهمي أحادي الجانب من موانئ الحديدة.

وارتكزت الخدعة الحوثية على استبدال عناصر المليشيا المدعومة من إيران بقوات موالية لها، في خطوة رفضتها الحكومة اليمنية ووصفتها بـ"المسرحية الهزلية".

مراوغات الحوثيين لم تتوقف عند خدعة الحديدة، بل واصلت المليشيا حفر الخنادق وزراعة الألغام في محيط ميناء الحديدة والشوارع المؤدية إليه، بالتوازي مع تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية.

وفيما توقفت الضربات الجوية للتحالف العربي بشكل كامل منذ عام على مواقع الحوثيين في مدينة الحديدة، واصلت المليشيا الانقلابية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع القوات المشتركة.

وكانت آخرها الهجمات الإرهابية المزدوجة بأكثر من 5 صواريخ باليستية و13 طائرة مسيرة على مدينة المخا في الساحل الغربي لليمن.

وفي الشق الاقتصادي لملف الحديدة، كان من المفترض أن تقوم المليشيا الحوثية بالانسحاب من ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة من أجل توريد إيراداته المهولة إلى البنك المركزي في عدن حتى يتسنى للحكومة اليمنية صرف مرتبات جميع موظفي الدولة.

إلا أن المليشيا رفضت التخلي عن موارد ميناء الحديدة التي تستغلها في شراء السلاح، وهو ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من مرتباتهم ومفاقمة الأوضاع الإنسانية.

أزمة الأسرى

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، عقدت لجنة الأسرى والمعتقلين المشتركة عدة اجتماعات في العاصمة الأردنية عمّان، لكنها لم تخرج بنتائج إيجابية جراء استمرار التعنت الحوثي في الملف الإنساني المفتاحي لبناء الثقة بين الأطراف.

وطالبت الحكومة اليمنية بالبدء بصفقة تبادلية كاملة يتم بموجبها إطلاق جميع الأسرى من الجانبين دفعة واحدة، لكن المليشيا الحوثية اشترطت أن يتم إطلاق 50% فقط، بهدف الاحتفاظ بما تبقى واستخدامهم كورقة للابتزاز السياسي.

وفيما وافقت الحكومة على تبادل 50% من القوائم الخاصة بالأسرى والمخفيين قسريا، وعلى رأسهم 10 صحفيين وعدد من الناشطين والأكاديميين الذين تم اعتقالهم دون وجود أي تهمة، ماطلت المليشيا الحوثية في هذا الجانب، ورفضت تنفيذ تعهداتها حتى الآن.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولت مليشيا الحوثي امتصاص الضغط الأممي، وقامت بإطلاق 290 أسيرا فقط من معتقلاتها في صنعاء.

فيما أكد مراقبون أن جميع المفرج عنهم مواطنون عاديون قامت المليشيا الانقلابية باختطافهم من منازلهم وحواجز التفتيش على مداخل المدن.

وتواصل المليشيا الحوثية اختطاف أكثر من 4 آلاف معتقل ومخفي قسريا في سجونها بصنعاء وذمار وإب والحديدة.

ملف تعز
وبالتوازي مع تعنتها في جميع الملفات واصلت مليشيا الحوثي فرض حصارها الخانق على مدينة تعز للعام الرابع على التوالي، رغم الالتزامات التي قطعتها في اتفاق ستوكهولم.

وضرب الحوثيون عرض الحائط بالالتزامات المترتبة عليهم بناء على الاتفاق، ليرفضوا كل الدعوات الأممية والدولية بتسهيل مرور المدنيين.

وتفرض المليشيا الحوثية حصارا على سكان تعز من جميع المنافذ الرئيسية الشرقية والغربية والشمالية.

كما تمنع دخول الإغاثات والمواد الغذائية، كعقاب جماعي للمدنيين القاطنين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وكان من المفترض، أن تقوم المليشيا الحوثية بفتح أحد الممرات الرئيسية للمدينة وهو الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة صنعاء، لكنها واصلت مماطلتها، وقرنت ذلك باستئناف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية