10 أفلام رصدت وجوه الحياة خارج كوكب الأرض

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
10792
عدد القراءات

2018-08-13

العالم الأرضي يسر الناظرين، ويسلب ألباب المتأملين، ولكن هل تقتصر الحياة فقط على سطح الكوكب برغم سعة الكون المستمر في التمدد؟ هل يستطيع الإنسان يوماً ما التواجد في مكان غير الأرض؟ وهل تنتهي الحياة على الأرض فيُرغم الناس على البحث عن وطن بديل؟ كلها خيالات أرهقت العقل البشري، في مختلف أنحاء الكوكب وعبر عصور مختلفة، فانطلق يبحث عن إجابات.
ذهب خيال الفنانين في صولات وجولات مع تلك الأفكار المذهلة والمرعبة في آن واحد، الإجابة عنها، ثمّ انهالت الأفلام منذ بزوغ فجر الفن السابع تتسابق في عرض ما أبدعه خيال السينمائيين والكُتّاب وأفكارهم عن حقيقة عالم الأرض والفضاء.
"حفريّات" رصدت 10 أفلام استعرضت إمكانية وجود حياة خارج الأرض، فأطلقت العنان لخيال العلماء وطموحاتهم، وجسدتها من خلال الفن السابع.

أولاً- Interstellar:


يأخذنا المخرج والكاتب الإنجليزي كريستوفر نولان مرة أُخرى إلى عوالمه الخيالية، بالإشتراك مع ماثيو ماكونهي، وآن هاثاواي، في تحفته الأخيرة Interstellar عام 2014، وتدور أحداث الفيلم حول فناء كوكب الأرض الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى، لترسل وكالة ناسا مجموعة من أمهر رواد الفضاء، في رحلة لاستكشاف كوكب جديد يمكن للبشر العيش عليه بدلاً من الأرض، وبمزج فريد بين 5 نظريات فيزيائية (الجاذبية الصطناعية، حركة دوران الثقوب السوداء، الثقوب الدودية، الإبطاء الزمني بسبب الجاذبية، واقع خماسي الأبعاد)، استطاع نولان عبور الزمان والمكان واختراق الثقوب الدودية التي تنهار على عتبتها كل النظريات الفيزيائية، وخلق واقع خماسي الأبعاد، يمكن من خلاله اجتياز حاجز الزمن والسفر إلى الماضي.

هل تقتصر الحياة فقط على سطح الأرض وهل يستطيع الإنسان يوماً ما التواجد في مكان غير هذا الكوكب؟

طرح الفيلم تساؤلات مهمة حول حقيقة هذا العالم، ومفهوم الزمن، والوجود والعدم، ونظرية العوالم الموازية التي يعمل العلماء على إيجاد حلول لمعادلاتها، والفكرة الأهم التي تعرّض لها الفيلم كانت التأثير الشبحي أحد أطروحات نظرية ميكانيكا الكم لأينشتاين.
حصد الفيلم العديد من الجوائز، وتوج بجائزة الأوسكار لأحسن تأثير بصري عام 2015، كما حصل نولان على جائزة أفضل مخرج من الأكاديمية البريطانية.

ثانياُ- (2001: A Space Odyssey):

في العام 1968 استطاع العبقري ستانلي كوبريك خوض أولى تجاربه الفضائية عبر الشاشة، وقدّم تحفته A Space Odyssey، من بطولة غاري لوكود ودوجلاس راين، يتناول الفيلم  الحياة خارج الأرض، حيث اجتمع كوبريك بمجموعة من علماء ناسا، وطلب منهم لوحات تخيلية لما ستصبح عليه شكل مركبات الفضاء المستقبلية، وينقسم الفيلم لمرحلتين؛ الأولى مأخوذة عن نظرية التطور، حيث مجموعة من القردة العليا أسلاف البشر، الذين يجدون حجر أسود، ليلتفوا حوله، والمرحلة الثانية هي السفينة الفضائية التي تنطلق في رحلتها إلى كوكب المشتري لرصد إشارات غريبة وصلت منه إلى الأرض، وحين يصل القائد (غاري لوكود) إلى وجهته يجد ذات الحجر الذي اكتشفته القردة العليا.

اقرأ أيضاً: 10 أفلام أشعلت حرائق الحب في قلوب العشاق
الفيلم يميل أكثر إلى الفلسفة منه إلى العلم التجريدي، في محاولة لرصد بذور حياة البشر قبل أن يصبحوا على صورتهم الحالية، وكذلك الرحلة المستقبلية التي تجاوز فيها رائد الفضاء ذاته، وتمكّن من رؤيتها خارج أرضنا التي نعرفها.
حصد الفيلم 3 جوائز بافتا، كأفضل إخراج فني، وصورة سينمائية وكذلك تأثيرات بصرية، وحصد أيضاً أوسكار أفضل مؤثرات بصرية عام 1969.
ثالثاً- independence day:

الفيلم من إنتاج عام 1996، بطولة ويل سميث، وبيل بولمان. استطاع المخرج الألماني رونالد ايميريش تخيل ماذا سيكون مصيرنا لو أنّ هناك غزواً فضائياً، أو حضارات متطورة خارج وطننا الأرض تحاول الوصول إلينا، والقضاء على حضارتنا، لذا استعد ويل سميث، وبقية أبطال الملحمة لمحاربة الأطباق الطائرة التي تغزو الأرض، وقاموا باختراق أنظمة الحاسب الآلي التي يستخدمها الفضائيون في محاولة لتعطيل مسيرتهم نحو الأرض، بعد أن فشلت القوى النووية في القضاء عليهم، ينجح الأبطال في القضاء على تلك الكائنات وتدمير السفينة الأم، لكن بعد أن دمر الفضائيون عدداً كبيراً من المدن وقتلوا الملايين من البشر.
حصد الفيلم جائزة الأوسكار لعام 1997 لأفضل مؤثرات بصرية، وكذلك عدة جوائز أخرى، وتصدر قائمة أعلى إيرادات، محققاً 817 مليون دولار أمريكي، ليحتل المركز 38 عالمياً من حيث ارتفاع الإيرادات.
رابعاً- Mars Attacks:

في العام ذاته الذي خرج فيه فيلم يوم الاستقلال، أخرج تيم برتون Mars Attacks بطولة جاك نيكلسون وناتالي بورتمان وسارا جيسيكا، وفي إطار خيال علمي كوميدي، استطاع برتون تحويل سلسلة القصص الخيالية التي تحمل الاسم نفسه الصادرة عام 1962، وتتناول قصة هجوم لسكان كوكب المريخ، يحاولون القضاء على البشر، في إطار كوميدي، يتناول السخرية من الرئيس الأمريكي، وكذلك مجلس الشيوخ، وكل مؤسسات الدولة التي تعجز عن ردع هذا الهجوم، حتى يتم اكتشاف وسيلة للقضاء عليهم وهي مقطوعة موسيقية تستمع إليها إمرأة عجوز، وحين يسمعها الفضائيون تنفجر أدمغتهم.
لم يحصد الفيلم العديد من الجوائز كمنافسه يوم الإستقلال، سوى جائزة ساتورن لأفضل موسيقى.

خامساً- sunshine:

إنتاج عام 2007، إخراج داني بويل، وبطولة سيليان ميرفي وداني بويل. تدور أحداث الفيلم حول الفناء مصير الأرض حين تتوقف الشمس عن الشروق، ويتجمّد الكوكب، وعن طريق مركبة فضائية تنطلق إلى الفضاء لإعادة إحياء الشمس التي ستموت لخمسين سنة أخرى، وذلك عن طريق إلقاء قنبلة ذرية بقلب الشمس تعيد إحياء طاقتها من جديد، وبينما يهلك كل أفراد الطاقم وتتحطم السفينة التي تبتلعها الشمس بعد انفجار القنبلة، تضيء الشمس عالم البشر من جديد.
يلقي الفيلم الضوء على فلسفة الحياة وما تمثله الشمس بالنسبة للإنسان وهذه المفارقة العجيبة، فعلى الرغم من عظمة هذا النجم العملاق الذي يهبنا الحياة، إلّا أنه قد يسلب حياتنا أيضاً.
لم يحظ الفيلم بالإهتمام الكافي، حيث بلغت ميزانية الإنتاج 40 مليون دولار، والإيرادات لم تتخطَ الـ32 مليون دولار.
سادساً- Knowing:

تم إنتاج الفيلم عام2009، أخرجه أليكس بروياس، وقام بالبطولة نيكولاس كيدج وروز بايرن، تناول الفيلم نظرية العلماء حول فناء الشمس، الذي سيأتي كقدر محتوم وهو موت النجوم وانتهاؤها، ولذا تبدأ درجة حرارة الأرض في الارتفاع في الوقت الذي يجد فيه نيكولاس كيج الفيزيائي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ورقة بحوزة ابنه عثر عليها في حفل مدرسي عليها أرقام عشوائية، وفي محاولاته لفك ألغاز تلك الأرقام يكتشف أنها تواريخ لحوادث حول مناطق مختلفة من العالم على مدار خمسين عام، وآخر تاريخ كُتب في الورقة هو تاريخ نهاية العالم، وانفجار الشمس التي ستبتلع كوكب الأرض.
حاز الفيلم على إعجاب العديد من النقاد، وقد أشاد موقع Rotten Tomatoes  ببراعة الفيلم في تجسيد نهاية الأرض من روعة المشاهد البصرية، ووصلت إيرادات الفيلم إلى 186 مليون دولار، بينما بلغت ميزانيته 50 مليون دولار.

سابعاً- Avatar:

بعدما تصدر المخرج الأمريكي جيمس كاميرون تاريخ إيرادات السينما في العالم بعد فيلم تيتانك، يتحدى نفسه من جديد بعدما أخرج فيلم أفاتار عام 2009، بطولة ستيف لانج و زوي سالاندا، بدأ كاميرون العمل في الفيلم عام 1994، إلّا أنه خرج للنور بعد 15 عشر عاماً، ويتناول الفيلم فكرة وجود كائنات على قمر يسمى باندورا، تعيش هذه الكائنات في سلام حتى يأتي البشر كغزاة بحثاً عن معدن نفيس، وفي مشروع علمي أقامته القوات الأمريكية، لجعل جنودهم كائنات مشابهة لسكان باندورا، تدور رحى الحرب بين الأرض والكائنات الزرقاء، والتي تنتهي بهزيمة سكان الأرض.
تصدّر الفيلم قائمة إيردات السينما العالمية، حيث بلغت إيراداته 2 مليار دولار، وميزانيته 230 مليون دولار، وترشح لجائزة الأوسكار2010، وفاز بجائزتي غولدن جلوب لأفضل مخرج، وأفضل عمل درامي.

ثامناً-Planet Of The Apes:

بعد هجوم المريخ يعود تيم بروتون من جديد إلى عوالمه الخيالية في عام 2001، في كوكب القردة، حيث قام بالبطولة تيم روث، وهلينيا كارتر. وتدور أحداث الفيلم حول سفينة فضائية تنطلق من الأرض عام 2029، وبعد مرورها بعاصفة، ينطلق أحد رواد السفينة بكبسولته، ليتم ابتلاعه عن طريق أحد الثقوب الدودية في الفضاء، فيجد نفسه على سطح كوكب آخر تتحكم فيه القردة بالبشر، والبشر فيه عبيد لدى القردة العليا، التي من المفترض طبقاً لنظرية التطور هي السلف الأول للإنسان المعاصر، يحاول رائد الفضاء تحرير نفسه ومن معه من البشر من قبضة العبودية، وتحاول أحد القردة المتمردة على نظام مجتمعها مساعدتهم، حتى ينجح في العودة للأرض مع أقرانه من البشر.

ذهب خيال الفنانين في صولات وجولات مع الأفكار المذهلة التي أجابت عنها الأفلام منذ بزوغ فجر الفن السابع

بشكل سلس، استطاع روث تصوير بشاعة العبودية والاستغلال، عندما وضع البشر موضع بقية الكائنات الحية التي تستعبدها البشر، وكذلك موضع العبيد من البشر الذين يتم استغلالهم، ففي مجتمع القردة لا تستعبد القردة بعضها البعض، وإنما هناك علاقات قوية من المحبة فيما بينهم، وذلك على العكس من البشر الذين يستعبدون بعضهم البعض في صور وأشكال مختلفة.
بلغت ميزانية الفيلم 100 مليون دولار، بينما وصلت إيراداته 362مليون دولار.
تاسعاً- The Martian:

صدر الفيلم عام 2015، إخراج ريدلي سكوت، وبطولة مات ديمون وكريستين ويج، اقتبسه كاتب السيناريو درو غودارد عن رواية الكاتب آندي وير والتي تحمل ذات الاسم، وتدور الأحداث حول رحلة استكشافية من وكالة ناسا تتجه صوب كوكب المريخ، إلّا أن أحد أفراد الرحلة (مات ديمون)، تدفعه عاصفة كونية بعيداً عن باقي زملائه، وظناً منهم أنه لقي حتفه، يستكملون عودتهم إلى الأرض، ولكن رغبة الحياة التي دفعت ديمون ليصارع الموت في بيئة معادية، جعلته يستجمع كل ما أوتي من علم وقوة وشجاعة ليظل على قيد الحياة، وباستخدام الموارد المتاحة لديه استطاع أن يصلح مركبته ويرسل إشارات إستغاثة إلى كوكب الأرض.
الفيلم حاز إعجاب النقاد والجمهور. وطبقاً لإحصائيات موقع (Rotten Tomatoes)، حصل الفيلم على نسبة إعجاب 92%، كما وصفه النقاد بأنه فيلم ذكي وسلس، ومصنوع بحرفية، مشاهد الفيلم تبرز قيمة الذكاء الإنساني، وكيف استطاع العلم ترويض الطبيعة لصالحنا، كلها تطلق العنان لخيالنا حول ما يمكن أن نصنعه في المستقبل.
حصد الفيلم جائزتي غولدن جلوب، وفاز مات ديمون بأوسكار أحسن ممثل في 2016 عن الفيلم، الذي بلغت ميزانيته 108 مليون دولار بينما وصلت إيراداته 394 إلى مليون دولار.

عاشراً- solaris:

صدر عام 2013، أخرجه ستيفن سوديربرج، وقام بالبطولة جورج كلوني وفيولا ديفيس، وهوإعادة إنتاج لفيلم أخرجه الروسي أندريه تاركوفيسكي عام 1972، ويتناول قصة طبيب نفسي، انضم إلى طاقم سفينة فضائية انطلقت من الأرض ويرفضون العودة بعد تعرضهم لظاهرة نفسية غريبة جعلت أحباءهم الموتى يزورنهم داخل السفينة، واختفى أغلب أفراد الطاقم، وانتحر البعض منهم، وعندما ذهب الطبيب النفسي تعرّض للظاهرة نفسها؛ حيث ظهرت زوجته الميتة وأصبحت تحاوره وتجالسه في السفينة، أصبح الجميع في حالة ذهنية مضطربة بعد عبورهم أحد الثقوب الدودية، التي نقلتهم إلى بعد زمني آخر خارج الأرض.
حصل الفيلم على جائزة أفضل موسيقى تصويرية، وبلغت إيراداته 30 مليون دولار، بينما تجاوزت ميزانيته 47 مليون دولار.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟

1,385
عدد القراءات

2019-06-23

حرب حزيران (يونيو) 1967، أو نكبة حزيران (يونيو)، أحد أهم الأحداث التي تسبّبت في تحوّلات جذرية وعميقة في مصر والمنطقة العربية، فالضربة الإسرائيلية جاءت في شدّة توهّج الأنظمة القومية، الداعمة لحركات التحرر الوطني في المنطقة، تلك الدعوات التي أعطت شعوراً بالتميز للمواطن العربي، ثم فجأة، ومن دون أيّ استعداد، انكسرت شوكة أحد أكثر الأنظمة القومية في مصر وسوريا، بعد معركة غير متكافئة مع إسرائيل.

اقرأ أيضاً: هل أخفق فيلم "حرب كرموز" في إظهار فظائع الاستعمار البريطاني؟
ورغم تناول السينما لتلك المرحلة عن طريق العديد من الأفلام السينمائية، إلا أنّ نكبة حزيران (يونيو)، وما حدث بعدها من حرب الاستنزاف، ثم حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، ما تزال تخفي الكثير من الأسرار التي تحتاج للمزيد من الأفلام، وربما ذلك ما دفع صنّاع فيلم "الممر"، للمخرج شريف عرفة، والفنان أحمد عز، لتقديم عمل حربيّ متميز، عن واحدة من عمليات حرب الاستنزاف، التي قدمتها الصاعقة المصرية في حربها مع إسرائيل.

الإعلان الرسمي للفيلم:

حقيقة الهزيمة كاملة
عمل صنّاع فيلم "الممر" على تقديم حقيقة الهزيمة كاملة، دون مواربة، أو استشعار الحرج، المسألة التي وضعت "نظام يوليو" تحت وطأة المحاكمة في فيلم "الممر"، فما حدث من المؤكّد أنّ له سبباً، ذلك السبب هو ما حاول صنّاع الفيلم توضيحه، من فوضى غير مفهومة عاشها الجيش المصري في تلك المرحلة، قبل حزيران (يونيو) 67، فوضى أشار إليها صناع العمل بشكل غير مباشر، عن طريق العديد من المشاهد في مقدمة العمل، أبرزت حجم الاستخفاف بالوضع الأمني المأزوم الذي عاشته المنطقة العربية في تلك الفترة، أو بشكل مباشر عن طريق حوارات بين أبطال العمل، تناولت تلك الفوضى، التي أنهت عليها تماماً تبعات نكبة حزيران (يونيو) 67، ليبدأ الجيش المصري مرحلة جديدة من ضبط كلّ شيء، انتهت بتحقيق النصر.

الفيلم هو الأضخم إنتاجياً حيث تجاوزت تكلفة إنتاجه 100 مليون جنيه وحرب الاستنزاف جسّدت إرادة النهوض من الكبوة

الفيلم هو الأضخم إنتاجياً؛ حيث تجاوزت تكلفة إنتاجه 100 مليون جنيه، واستُخدمت فيه تقنيات عالية جداً لتقديم المعارك والمواجهات المسلحة بين الصاعقة المصرية والجيش الإسرائيلي بشكل شديد الاحترافية، وهو ما يدعو للتجاوز عن بعض هنات السيناريو، التي أضعفت العمل، خصوصاً في الثلث الأول منه، قبل أن تبدأ مواجهات حرب الاستنزاف.
لم يتناول الفيلم أسباب نكبة حزيران (يونيو) 67 فقط، لكنّه أيضاً قدّم صورة مميزة جداً لمقاومة أهالي سيناء للمحتل، وتقديمهم الدعم الكامل لقوات الجيش المصري، وهي المسألة التي قطعت الشكّ باليقين، ضدّ كلّ من يدّعي أنّ هناك تخاذلاً شاب تصرفات أهل سيناء في أثناء المواجهات المصرية في المنطقة، وقدم ذلك الدور ببراعة؛ الفنان المصري محمد جمعة، والفنانة أسماء أبو اليزيد، عندما شخّصا دور اثنين من بدو سيناء، قدّما الدعم الكامل لقوات الصاعقة المصرية في اقتحامهم للعمق الإسرائيلي من أجل تنفيذ مهاماتهم العسكرية.

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم فيلم "الآباء والأبناء" بالانحياز إلى النظام السوري؟
فيلم "الممر" يعدّ فرصة كبيرة للأجيال التي لم تُزامن فترة الحرب لتدرك حجم العداوة بيننا وإسرائيل، بغضّ النظر عن اتفاقيات السلام، فرغم الاتفاقيات ما يزال هناك دم مسال اختلط برمال سيناء دفاعاً عنها، دماء كان سببها حلم إسرائيلي مجنون بتمدّد المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل حتى نهر النيل في القاهرة.
إرادة النهوض من الكبوة
الناقد الفني، شريف ثابت، قال لـ "حفريات": إنّ حرب الاستنزاف جسدت إرادة النهوض من الكبوة واستدعاء رصيد القوة والعزيمة والصمود، وهي لحظة التوحّد بين الشعب والجيش والسلطة، وبداية الطريق لتحويل الهزيمة إلى نصر.
وبحسب ثابت، "يرصد الفيلم هذه اللحظة المفصلية في التاريخ المصري المعاصر، من خلال قصة مُقسمة إلى ثلاث حبكات فرعية تروي معاً أحداث العملية الصعبة المُكلفة بها إحدى مجموعات الصاعقة في عُمق الأرض المُحتلة شرق قناة السويس في إطار حرب الاستنزاف".

اقرأ أيضاً: فيلم "واجب": الفلسطيني خارج إطار الأسطورة
وأوضح ثابت: "الفيلم من تأليف شريف عرفة، الذي كتب القصة والسيناريو. وبالنظر إلى أفلامه الأخيرة التي شارك في كتابتها؛ نلاحظ احتواءها بذرة جيدة ومضموناً مهمّاً، مقابل خفّة معالجاتها وافتقارها لإحكام السيناريوهات، مقارنةً بما تقدم من أفلامه، التي كتبها ماهر عواد ووحيد حامد".
من كواليس تصوير الفيلم:

نزهة بين جبال سيناء
يضيف ثابت: "بإمكاننا النظر هنا في "الممر" إلى خفة المُعالجة باعتبارها هدفاً مقصوداً في حدّ ذاته، من أجل استيفاء الشروط التجارية لأفلام العيد؛ من إنتاج سخيّ، ومشاهد حربية مبهرة بحقّ، و"أكشن" مُغلّف بجرعة "زائدة" من الكوميديا، إضافة إلى شعارات وطنية رنانة "يرقعها" أحمد عز (قائد مجموعة الصاعقة) كل شوية".

فيلم الممر يعدّ فرصة كبيرة للأجيال التي لم تُزامن فترة الحرب لتدرك حجم العداوة مع إسرائيل

ويستدرك الناقد الفني: "كلّ هذا مفهوم ومُقدر، غير أنّه اتسم بقدرٍ عجيب من الاستسهال، سواء في بناء الشخصيات التي جاءت كلها بلا استثناء مُقولبة وكرتونية تماماً، أو تصاعد أحداث العملية التي يُفترض أنها شديدة الخطورة، فإذا بها أقرب إلى نزهة بين جبال سيناء، إضافة إلى تشكيلة "من اللي قلبك يحبها من الكليشيهات الحوارية المهروسة في مئات الأفلام"، الأمر الذي جعلني –لا إرادياً- أستدعي المقارنة مع فيلم "الطريق إلى إيلات"، واعتناء مخرجته، إنعام محمد علي، ببناء شخصيات حقيقية، ابنة زمانها، وبالجدية والدقة في تتبع تفاصيل العملية الحقيقية، إضافة إلى ذلك؛ ثمة أخطاء واضحة على مستوى "الميزانسين"، مثل: ديكورات منزل ضابط الصاعقة، والتي جاءت أقرب لشقة فاخرة بالرحاب، بدلاً من منزل تعيش فيه أسرة متوسطة بالحقبة الناصرية اشتراكية الهوى، أضف إلى ذلك أنّ المشاهد الخارجية جاءت مفتعلة تماماً، بفضل تصويرها بين ديكورات مسرحية الطابع، كذلك توغّل فرقة الصاعقة داخل العمق السيناوي، شرق القناة، بأردية الجيش المصري، لأيام طويلة، دون اعتبار لخطر اكتشافهم بواسطة مروحيات الجيش الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: فيلم "ليلة طولها اثنتا عشرة سنة".. تحفة فنية عن أدب السجون
ويرى ثابت؛ أنّ تجربة "الممر"، كأول فيلم حربي يتم تنفيذه بتقنيات متطورة وميزانية هي الأضخم، تضمّنت ميزات كثيرة بالفعل، غير أنّ اضطلاع شريف عرفة بكتابة القصة والسيناريو خصم من المحصلة النهائية. وبدلاً من الفوز بفيلم عظيم يجسد بطولات وتضحيات المصريين، تحوّل الممر إلى فيلم مغامرات تقليدي، على غرار "كازابلانكا" و"حملة فرعون".

وفاة إمام عبدالفتاح.. ناسك الفلسفة وإمامُ الترجمة

1,035
عدد القراءات

2019-06-19

وسط زحمة الحياة التي طالما زهد فيها وربأ بنفسه أن تشغله عما نذر عمره له، رحل أمس الثلاثاء، إمامُ الترجمة العربية وعاشق الفلسفة إمام عبدالفتاح إمام بعد فترة مرض قصيرة، عن عمر ناهز ٨٥ عاماً.

اقرأ أيضاً: طيب تيزيني.. شاهد على "موت الإنسان" وسوريا الجريحة

أثار إمام، المولود بالشرقية العام 1934 لوالد من علماء الأزهر، الاستغراب بكم الأعمال الكثيرة التي ارتبطت باسمه بما ينوء به رجل واحد، فقد أصدر ما يقرب من مائة كتاب ما بين تأليف وترجمة ومراجعة، ومن أشهر مؤلفاته: "المنهج الجدلي عند هيجل"، "مدخل إلى الفلسفة"، "أفكار ومواقف"، "تطور الجدل بعد هيجل" (3 أجزاء)، "الديمقراطية والوعي السياسي"، "كيركجور، رائد الوجودية"، جزءان، "هوبز فيلسوف العقلانية"، "الطاغية" عدة طبعات، "الأخلاق والسياسة"، و"معجم ديانات وأساطير العالم".

ظل إمام مخلصاً لنصيحة أستاذه زكي نجيب محمود: ليكن المعجم أقرب شيء إلى يدك

كما أشرف عضو الجمعية الهيجلية بكندا واتحاد كتاب مصر على ترجمة موسوعة "كوبلستون" الصادرة عن المركز القومي للترجمة والتي تعد الأهم في تاريخ الفلسفة الغربية، وترجمَ بعض أجزائها.

الحيرة التي يثيرها الرجل حد التشكيك بنسبة كل هذه المنجزات إليه سرعان ما تتلاشى حين يدرك من لم يعرفه كيف عاش هذا العاشق للكتاب؛ فهو يقول في آخر مقابلاته إنّه بعد أن بلغ من العمر عتياً لم يكن له أي هواية أو عادة تشغله عن الورقة والقلم، وأكد أنّه لم يجلس يوماً على مقهى مستغرباً ممن يضيعون الساعات فيه، "ليس لي في الدنيا سوى فوضى مكتبي.. أنام مبكراً وأصحو في الرابعة أو الخامسة وبعد إفطاري أنكب على مكتبي.. ولا أشاهد التلفاز إلا لماماً.. حياتي كلها هي الكتب".

ارتبط اسم إمام، في بداية حياته الفكرية، بترجمة أعمال الفيلسوف الألماني هيج

ارتبط اسم إمام، في بداية حياته الفكرية، بترجمة أعمال الفيلسوف الألماني هيجل، منذ أن نال درجة الماجستير من آداب القاهرة، وكان موضوعها "المنهج الجدلي عند هيجل" العام 1968، كما نال درجة الدكتوراه من آداب عين شمس وموضوعها "تطور الجدل بعد هيجل" بمرتبة الشرف الأولى العام 1972.

اقرأ أيضاً: رحيل برنار دادييه أعظم كتّاب ساحل العاج

تنقّل إمام عبد الفتاح مدرساً لمادة الفلسفة بين جامعات جامعة القاهرة وعين شمس، والمنصورة، والزقازيق الكويت، وطرابلس، وكلية الدعوة الإسلامية- وجامعة سبها بليبيا، وأشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة.

بعد مسيرته الأكاديمية الحافلة اكتفى الراحل في السنوات الأخيرة بالعمل في الترجمة والإشراف على مترجمين شباب أنجزوا سلسلة "أقدم لك" للمجلس الأعلى للثقافة، التي صدر منها حتى الآن ما يقرب من سبعين عدداً.

 

 

رغم خبرته الواسعة في مجال الترجمة التي بدأت منذ المرحلة الجامعية، ظل إمام عبدالفتاح حتى آخر أيامه مخلصاً بتواضع لنصيحة أستاذه زكي نجيب محمود "ليكن المعجم أقرب شيء إلى يدك، ولا تقل لنفسك أنا أعرف هذا المصطلح، وقد سبق لي ترجمته".

الحيرة التي يثيرها إمام حد التشكيك بنسبة كل هذه المنجزات إليه تتلاشى حين يدرك المرء كيف عاش هذا العاشق للكتاب

يقول إمام إنّ أول صدمة صادفها في عالم الترجمة ذلك "القول المحبط"، على حد تعبيره، "كل مترجم هو خائن"، وهو يعارض تعميمه بشدة مؤكداً صعوبة قبوله بحجة أنّ المترجم لن يستطيع أن يكون موضوعياً ودقيقاً؛ بحيث ينقل إلى لغته روح النص الأصلي الذي يقوم بترجمته، "ما دام لم يحرّف في الترجمة أو يخطئ في النقل".

في كتابه الشهير "الطاغية"، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة، ثم في كتابه "الأخلاق.. والسياسة"، يلخص إمام عبد الفتاح رويته الفلسفية للسياسة التي تميل إجمالاً إلى المنهج الوسطي الواقعي الذي يفرق بين الأخلاق والسياسة دون التقليل من أهمية كل منهما أو إنكار الاتصال والتعاون بينهما؛ "الحكم لا يستقيم أبداً طالما تداخلت معه أمور من قبيل الدولة الدينية، والمستبد العادل.."، مؤكداً  "مازلت أؤمن إيماناً راسخاً لا يتزعزع أنّ تردي الأوضاع العربية يعود بالدرجة الأولى للنظام السياسي وليس إلى الأخلاق كما يظن البعض ولا إلى الدين كما يتوهم البعض الآخر".

"جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
1,860
عدد القراءات

2019-06-17

توالت ردّات الفعل المتتالية بمجرد عرض الحلقة الأولى من المسلسل الأردني، بإنتاج أمريكي، على شبكة "نتفلكس"، تحت عنوان "جن"، وكان ظهورها الأبرز عبر وسائل الإعلام التي انجرّت وراء الاصطفافات في مرات ووراء السبق الصحافي من دون تدقيق في أوقات أخرى، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي جنحت فيها المخالفات نحو القدح والذمّ والتحقير.

تحوّلت الانتقادات لـ "جن" لقضية رأي عام، حين أُطلِقت تصريحات على مستوى رسمي شارك فيها المفتي والمدعي العام ومؤسسات الإعلام

توالت ردّات الفعل كما حجارة الدومينو التي يدفع كل منها الآخر؛ إذ سبق عرض المسلسل حملة إعلانية محصورة في نطاق متوسط، تلته حالة من الاستياء والانتقادات بمجرد عرض الحلقة الأولى على "نتفلكس" بذريعة تضمّنها ألفاظاً بذيئة ومشاهد خادشة للحياء ومخالفة قيم المجتمع الأردني، ليعقب هذا مطالبات بمحاسبة القائمين عليه. وصرحت هيئة الإعلام المرئي والمسموع أنّ المسلسل ليس من ضمن صلاحياتها، وقالت الهيئة الملكية للأفلام إنّ دورها يقتصر على تسهيل الدعم اللوجستي للتصوير في الأردن فحسب، فيما أعلنت سلطة منطقة العقبة أنها بصدد اتخاذ إجراءات رادعة بحق القائمين على العمل، وليحسم مدّعي عام عمّان الجدل بإيعاز لوحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية باتخاذ إجراءات فورية لوقف بث المسلسل ونشره، ولتُصرّح "نتفلكس" عقب هذا بأنها لن تتهاون مع الألفاظ الجارحة والاتهامات التي طالت طاقم العمل.
يذكر أنّ المسلسل، من تأليف وإنتاج إيلان وراجيف داساني وإخراج اللبناني مير جان بوشعيا وإخراج الأردني أمين مطالقة.

 

هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي وتراشق الاتهامات
في وقت اكتفت فيه معظم وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية بتناقل مستجدّات الأمر تباعاً، من تنديدات وتصريحات من دون مناقشة مستفيضة لحيثيات العمل ومن دون إيراد رأي الأطراف كافة عند النقل عن رؤية جهة ما للعمل والقائمين عليه، فإنّ وسائل التواصل الاجتماعي خلقت حالة عالية من التحريض والذم والقدح والاتهامات، ما اقترب بالأمر من حدود خطاب الكراهية، كما أنّ مراقبة للتعليقات لم تجرِ، وكان ثمة جهل ملحوظ لدى كُثر من المعلّقين وناشري التعليقات حول أنّ مساءلة قانونية قد تحدث بسبب ما انطوَت عليه هذه التعليقات من ذم وقدح واتهامات وتحقير.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
وسائل إعلام عربية وعالمية انشغلت بردّات الفعل حول الفيلم، فيما لم يحظَ الفيلم نفسه كمادة بمناقشة ما، فظهرت عناوين من قبيل "مسلسل جن الذي جنّن الأردنيين" و"مشاهد إباحية تتسبّب في وقف مسلسل جن في الأردن" و" بعد عرضه على نتفليكس.. مسلسل جن يثير جدلاً بالأردن" و"بدء عرض مسلسل جن.. هجوم عاصف عبر تويتر ونتفليكس ترد".
الأمر لم يخلُ من اتهامات لجهات عدّة، منها ما طال هيئة الإعلام المرئي والمسموع، ومنها ما طال الهيئة الملكية للأفلام، واتهامات أخرى طالت هيئة تنشيط السياحة وأخرى تعلّقت بقناة تلفزيونية محلية قيل في معرض الاتهامات إنها أسهمت في ترويج الفيلم من دون التدقيق في محتواه.
وعند العودة لما بُثّ عبر هذه القناة تحديداً يتبيّن التالي:
- الفيديو بُثّ عبر منصة "إنستغرام"، قبل أسابيع، ولم يكن ترويجياً بل أقرب للقيمة الخبرية التي تتحدّث عن تصوير أول مسلسل عربي على "نتفلكس" في الأردن.

- عُرِضَ تقرير في ساعات الصباح الباكر على هذه القناة؛ للحديث عن المسلسل الذي تمّ تصويره في البتراء، وكان التقرير متقضباً ولم تظهر فيه أي مقاطع من العمل.

- عرضت القناة مشاركة لنقيب الفنانين الأردنيين السابق ساري الأسعد، الذي تحدّث عن المسلسل من وجهة نظر أخرى بعيدة عن التسويق.

ويشي ما سبق بحجم الاتهامات التي أُطلِقت جزافاً إلى حد كبير، ومنها ما ذهبَ لتناول سلطة منطقة العقبة، على الرغم من كون الجهة هذه لم تقترب من حدود الفيلم من قريب أو من بعيد.

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
بدورهما، أصدرت الهيئة الملكية للأفلام وهيئة الإعلام المرئي والمسموع بيانين؛ للتعليق على الاتهامات الموجة إليهما، ليتضمّن بيان الهيئة الملكية للأفلام "لا يوجد في نص القانون أي مهمة رقابية للهيئة على الأعمال المقدمة ولا تتطلع على النص أو السيناريو. اللافت أن ثمة مطالبات بمزيد من الحريات والخيارات الشخصية. لكن عندما نواجه حالات كهذه، ينسى البعض هذه المطالب. ففي نهاية المطاف هذه قضية خيار شخصي لمشاهدة أو عدم مشاهدة عمل قد لا نتفق على محتواه"، فيما جاء في بيان هيئة الإعلام المرئي والمسموع أن مثل هذا الإنتاج (المسلسل) لا يدخل ضمن صلاحياتها، كاطلاع ورقابة على السيناريو، أو جميع الأمور الفنية والتقنية من حيث الإعداد والإنتاج والتمثيل والإخراج، وذلك وفقاً لأحكام قانون الإعلام المرئي والمسموع النافذ، مكملة أنّ مسؤوليتها الوطنية تتمثل في المتابعة مع الجهات ذات العلاقة "لمنع عرض مثل هذه المشاهد داخل الأردن سواءً مع الهيئة الملكية للأفلام أو مع أي جهة فنية مختصة أخرى".

الاحتجاجات تركزت على العبارات النابية التي وردت في المسلسل

تحويل الأمر لقضية رأي عام
تحوّلت الانتقادات المتوالية لمسلسل "جن" لقضية رأي عام، حين أُطلِقت تصريحات على مستوى رسمي حول الأمر، من بينها ما ذهب إليه مدّعي عام عمّان من إيعاز لوحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية باتخاذ إجراءات فورية لوقف بث المسلسل ونشره، وليُصرّح مفتي المملكة الأردنية الهاشمية محمد الخلايلة أيضاً حول الأمر، بقوله إنّ العمل يُخالف تعاليم الدين الإسلامي، ولتطفو على السطح أنباء تتحدّث عن اجتماع بين مجلس النوّاب والحكومة؛ لبحث الأمر.

اقرأ أيضاً: مسلسل Wild Wild Country: يُسائل الديمقراطية الأمريكية
وفي تعليقه على هذا السجال الإعلامي، يقول الصحافي يحيى شقير، المختصّ بالتشريعات الإعلاميّة، إنّ  "وسائل التواصل الاجتماعي حوّلت قضية مسلسل جنّ  إلى قضية رأي عام، وأصرّ على أنّ وسائل التواصل الاجتماعي وليست وسائل الإعلام من قام بذلك؛ ذلك أنّ الأولى سحبت البساط من تحت الصحف والتلفاز وجميع مظاهر الإعلام التقليدية، وباتت باروميتر لقياس الرأي العام وتشكيله".

شقير: أن يتم بث المسلسل من الخارج سواءً عبر الفضائيات أو عبر الاشتراكات فلا ولاية للقانون الأردني عليه

وينوه شقير إلى أنه "في المعايير الدولية للبث السينمائي والتلفزيوني، يجب التفريق بين طريقتين للبث: الأولى ما يسمى البث الخطي linear وهو ما يتم بثه على التلفزيون الوطني للعامة، وفيه يتم التشدد على جوانب العنف والأخلاق العامة، أما البث غير الخطي non-linear أو البث حسب الطلب on-demand كما في حالة مسلسل جن، فيمكن مشاهدته من قبل مشتركي نتفلكس، حيث يدفع المشاهد بدل هذه المشاهدة، فتكون القيود أكثر ليونة".
يردف شقير أنه "يُشترَط في جميع الحالات وضع تحذير للمشاهد بوجود مشاهد جريئة أو عنف مع المقياس المناسب لأعمار المشاهدين"، مضيفاً "أن يتم بث المسلسل من الخارج سواءً كان هذا عبر الفضائيات أو عبر الاشتراكات فلا ولاية للقانون الأردني عليه، أما في حال الرغبة في عرضه في الأردن سواءً كان هذا في دور السينما أو الفضائيات المحلية، فقانون الإعلام المرئي والمسموع يقوم بالرقابة المسبقة".
توالت ردّات الفعل كما حجارة الدومينو التي يدفع كل منها الآخر

رؤية فنية
ويعلّق أستاذ الإعلام في الجامعة الأمريكية في دبي، الدكتور موسى برهومة، على ما سبق، بقوله "أزعم أن الغالبية العظمى من المعترضين على المسلسل لم يشاهدوه، ولا يعرفون ما هي نتفلكس، لكنهم ساروا وراء السائرين بأنّ المسلسل يتصادم مع أخلاق الأردنيين، مع أنّ المسلسل لا صلة له بالأردنيين، وهو عمل فني يشارك فيه ممثلات وممثلون من الأردن، وجرى تصويره وإنتاجه لمصلحة شركة عالمية هي نتفلكس، ولا يزعم المسلسل أنه يعبّر عن الشعب الأردني وقيمه".
يستدرك برهومة، قائلاً "لا أعتقد أنّ هذا المسلسل عمل فني خارق؛ فهو مسلسل متواضع المستوى، وحكايته ساذجة ولا تتضمن أي تسويغ فني للأحداث التي اختارها القائمون على العمل أن تكون فانتازية. الاحتجاجات تركزت على العبارات النابية التي وردت في المسلسل، وحقاً لا ضرورة لها على الإطلاق إلا إذا كان المقصود بها إحداث الصدمة، وقد تحقق هذا الأمر على نحو سلبي لا يخدم المسلسل ولا أفق الدراما في الأردن".

اقرأ أيضاً: جدل في الشارع الأردني بعد عرض مسلسل "جن" عبر "نتفليكس"
ويرى برهومة أنّ "المجتمع الأردني بطبعه محافظ، وهذا أمر لا يعيبه ولا ينتقص منه أبداً، لكن الذي يجري في أعقاب أية قضية تتناول منظومة الأخلاق العامة، أنّ هناك وكلاء جعلوا أنفسهم ناطقين حصريين باسم القيم والأعراف وأداء الشعائر الدينية. وهؤلاء الوكلاء ينشطون كلما أثيرت زوبعة، كما جرى أخيراً حول المسلسل، وهي ليست أكثر من زوبعة في فنجان".
يضيف برهومة أنّ "الغريب حقاً هو أنّ هؤلاء الوكلاء أصحاب صوت عالٍ، ويتبعون مؤسسات تنظيمية ذات أجندة معروفة تتعقب الحالات التي تعتقد أنها ناشزة، من أجل الاصطياد في المياه العكرة، فتثوّر الشارع والناس عبر وسائط السوشال ميديا، وينجرّ خلفها المتابعون كالقطيع".
وأعرب برهومة عن أسفه من "استثمار هذا المسلسل من أجل الإساءة إلى حرية التعبير والرأي والإبداع، ومن أجل المغالاة في محاصرة الفنون بعامة؛ لأنها، في نظر أولئك الوكلاء الحصريين، عدوّة الدين والأخلاق والقيم".




البرازيل.. محطة الإمارات الجديدة في رسالة التسامح والأخوة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
29
عدد القراءات

2019-06-25

تواصل دولة الإمارات العربية إشاعة التسامح والأخوة في كافة أنحاء العالم، في إطار مبادرات عام التسامح، الذي أطلقته دولة الإمارات، برعاية رئيس الدولة.

واختارت هذه المرة دولة البرازيل، لتكون موطن وثيقة "الأخوّة الإنسانية"؛ حيث نظّمت قنصلية الإمارات في ولاية ساو باولو البرازيلية، فعالية التسامح والأخوة لجميع الأديان في البرازيل، للالتفاف حول مائدة حوار مشتركة حضرها عدد كبير من كلّ الأطياف والأديان الموجودة في البرازيل وفق وكالة "وام".  

   دولة الإمارات العربية تنظّم فعالية التسامح والأخوة بين الأديان في عاصمة البرازيل

ووقَّع خلال الفعالية، الإمام الشيخ محمد البقاعي، والكردنيال دون أوديلو شيرير، رئيس أساقفة ولاية ساو باولو، ممثلاً عن الطائفة الإسلامية، على وثيقة "الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك"، وسط حضور من رجال الدين والسلطات البرازيلية، وبعض من نواب مجلس الشعب، وعدد من القناصل والأكاديميين والصحفيين، الذين أكّدوا أهمية المبادرة، خاصّة لشعب كبير ومتعدّد الأديان والثقافات مثل شعب البرازيل.

وقال قنصل عام دولة الإمارات، إبراهيم سالم العلوي، في ولاية ساو باولو: إنّ "هذه المبادرة ماهي إلا سلسلة متواصلة من مبادرات دولة الإمارات، تأكيداً منها على إرساء قواعد الإخاء والمشاركة، ومحاربة التطرف ونبذ العنف واحترام جميع الأديان، موجهاً الشكر للقيادة الرشيدة في الدولة، التي أعطتهم الفرصة لنشر تلك الثقافة في جميع أنحاء العالم، متقدماً بالشكر للحضور من جميع الطوائف والأديان الذين لبّوا الدعوة.

بدورهم، وجه الحضور الشكر لقيادة دولة الإمارات على ما تقوم به من مبادرات، من شأنها نشر التسامح والمحبة والسلام بين الجميع.

 

 

 

المغرب في مواجهة الإرهاب.. آخر عملياته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
34
عدد القراءات

2019-06-25

أعلنت السلطات المغربية، اليوم، تفكيك خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، في مراكش، كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضدّ أهداف عسكرية ومدنية.

وأكدت أجهزة الأمن المغربية؛ أنّ "الخلية التي قُبض على أفرادها في منطقة الحواز، تتكون من 4 إرهابيين، أعمارهم بين 25 و40 عاماً، موالين لتنظيم داعش".

ضُبطت بحوزة الإرهابيين بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تمّ استعمالها لتحضير مواد متفجرة

وضبطت الأجهزة الأمنية بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تم استعمالها لتحضير مواد متفجرة، بحوزة أحد أفراد هذه الخلية، وفق ما أوردت موقع "هسبريس" المغربي.

وشملت قائمة المضبوطات أيضاً: معدات إلكترونية، وأسلحة بيضاء، ومنظاراً، ومبالغ مالية، ودراجة نارية.

وكشفت التحقيقات الأولية؛ أنّ "زعيم هذه الخلية الإرهابية، استقطب باقي أفراد المجموعة، وأدار علاقات مشبوهة مع عناصر تنشط بالخارج بهدف التخطيط والإعداد لتنفيذ عمليات إرهابية خطيرة في المغرب باستعمال عبوات ناسفة".

وشدّدت الأجهزة الأمنية على أنّه "سيتم تقديم المشتبه فيهم إلى العدالة، فور انتهاء التحقيقات التي تجرى معهم حالياً تحت إشراف النيابة العامة المختصة".

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تفكيك خلية داعشية، خلال حزيران (يونيو) الجاري؛ إذ نجحت السلطات المغربية، مطلع الشهر الجاري، في تفكيك خلية داعشية في الرشيدية وتنغير، كانت بصدد الإعداد لتنفيذ اعتداءات إرهابية.

ونجحت السلطات أيضاً، في 18 حزيران (يونيو)، في تفكيك خلية إرهابية بمدينة تطوان كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية.

ومنذ قتل سائحتين أوروبيتين بالمغرب، أواخر العام 2018، تشنّ السلطات المغربية ملاحقات أمنية واسعة ضدّ الخلايا التابعة لتنظيم داعش الإرهابي.

 

داعش على الحدود الأمريكية!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
44
عدد القراءات

2019-06-25

حذّرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، أمس، من احتمال وجود عناصر لتنظيم داعش الإرهابي في أراضي المكسيك، جارة الولايات المتحدة.

وأكّدت الشرطة المكسيكية؛ أنّها تلقت بلاغاً من أمريكا يؤكد أنّه تمّ رصد المواطنَيْن المصريَّيْن: إبراهيم محمد، ومحمد عيسى، والمواطن العراقي أحمد غانم محمد الجبوري، الذين يشتبه بانتمائهم لـتنظيم داعش الإرهابي، في بنما، في 12 أيار (مايو) الماضي، ثم في كوستاريكا، في 9 حزيران (يونيو) الجاري"، حسبما نقلت شبكة "روسيا اليوم" عن موقع "إكسيلسير" المكسيكي.

أمريكا تحذّر السلطات المكسيكية من احتمال وجود عناصر لتنظيم داعش الإرهابي في المكسيك

وأشار البلاغ إلى أنّ الإرهابيَّيْن المصريَّيْن غير معروف، ولا يستبعد احتمال وصولهما إلى أراضي المكسيك، بينما تمّ توقيف العراقي في كوستاريكا.

وترجّح السلطات الأمريكية أن تكون وجهة المصريين الولايات المتحدة.

وكان قد كشف الجنرال الروسي، فلاديمير شامانوف، في تصريح لوكالة "نوفستي"؛ أنّ "الإرهابيين المهزومين في سوريا والعراق يحاولون الانتقال إلى أمريكا الجنوبية، والجزء الشمالي من أفغانستان".

وقال الجنرال شامانوف، الذي يترأس لجنة الدفاع في مجلس النواب الروسي (الدوما): "هناك معلومات استخباراتية محددة، تؤكّد أنّ الإرهابيين يتوجهون نحو أمريكا الجنوبية، ليكونوا قريبين من الولايات المتحدة".

يذكر أنّ الحدود الأمريكية من جهة المكسيك تتعرض للكثير من الخروقات يومياً، من قبل مهرّبي البشر، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى طلب بناء جدار على طول حدود بلاده مع المكسيك، للحدّ من موجات النزوح وتهريب البشر.

 




طارق أبو هشيمة: الفتوى أخطر أسلحة التنظيمات الإرهابية

17
عدد القراءات

2019-06-25

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال مدير المؤشر العالمي للفتوى، طارق أبو هشيمة، إنّ هذا المؤشر التابع لدار الإفتاء المصرية فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دُور الفتوى في العالم، مضيفاً، في حواره مع "حفريات" أنّ هذه الآلية البحثية التابعة لدار الإفتاء المصرية، تعتمد أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، من خلال مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين.

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم

وأوضح، رئيس وحدة الدراسات الإستراتيجية في دار الإفتاء المصرية، أنّه رغم قلة نسبة الفتاوى غير المنضبطة إلا أنّها تشكّل خطراً بـ "اتخاذها ذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، ورافداً من روافد الإلحاد من ناحية أخرى".
وأكد أبو هشيمة أنّ المؤشر كشف التناقض الفكري لفتاوى الإخوان المسلمين قبل وبعد وجودهم بالسلطة في مصر، مشدداً على الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ وأنّ "العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة".

وهنا نص الحوار:
دور المؤشر العالمي للفتوى

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية
بدايةً، هلاّ عرّفتنا ما هو المؤشر العالمي للفتوى وآلية عمله وأهميته؟

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية، يرصد ويحلل الحقل الإفتائي العالمي، وفق أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، وهو الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم، وهي فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دور الفتوى في العالم.

اقرأ أيضاً: "الاحتطاب" في تونس: الجماعات الإرهابيّة تسطو وتسرق بفتاوى شرعية
أما عن آلية عمل المؤشر لدينا؛ فكما هو موضح من خلال الاسم، لدينا مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين يقومون برصد وتحليل الفتاوى تحليلاً دقيقاً، من خلال التحليل الكيفي والكمّي، وتكمن أهمية ذلك في إيجاد مؤشر يكون بمنزلة "الترموميتر" لقياس حالة الفتوى على نحو دقيق مبني على أسس علمية وإحصائية دقيقة.

كيف تواجهون فتاوى المتطرفين والتنظيمات الإرهابية استناداً إلى مؤشر الفتوى؟
تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى، لما تمثله من خطورة وما يترتب عليها من أحداث، وبما أنّ مجابهة فتاوى التنظيمات المتطرفة هي من أولويات دار الإفتاء المصرية، فإنّ المؤشر يفرد لها مساحة لرصد فتاوى (تنظيم داعش والإخوان وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس والقاعدة وحزب التحرير وغيرها)، وذلك من منصاتهم الإعلامية ومجلاتهم الدورية وإصداراتهم المرئية والمسموعة؛ وذلك للوقوف على الداء العضال الذي أصاب كثيراً من فتاواهم، والتي يطوّعها قاداتهم لتنفيذ أجنداتهم وأهدافهم المسمومة.

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
فلك أن تتخيل مثلاً؛ أنّ "فتاوى النكاح" تصدّرت فتاوى المرأة عند تنظيم داعش الإرهابي، بنسبة (61%)، معظمها دار حول ظاهرة زواج القاصرات، وأن (90%) من أحكام فتاوى التنظيمات المتطرفة تؤيد الظاهرة ذاتها، وهذه النسب والإحصائيات هي ما توصل إليها المؤشر العالمي للفتوى مؤخراً.

العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة

ما ردكم على اتهامات "تسييس" الفتاوى الرسمية؟
أي عمل لا بدّ من أن يدعم الدولة والوطن، حتى لو كان فكريّاً، ولا شكّ في أنّ لكلّ عمل هادف ومؤسسة إفتائية ناجحة مغرضين يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً، وهذا دأبهم، فهم لا يعملون للأوطان، إنما يخدمون تنظيماتهم وجماعاتهم، ولا بدّ لأي مؤسسة من أن تهدف للحفاظ على الإنسان والبنيان؛ فالانتماء للوطن لا ينفي الانتماء للأمة الإسلامية، ومصالح الأوطان ليست بمعزل ومنأى عن مصالح الأديان؛ لأنّها دوائر متداخلة، وكما قال عالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم، فإنّ المؤسسة الدينية هي القادرة وحدها على أن توحّد البشر في مستوى مشاعرهم وتصرفاتهم.

تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى لما تمثله من خطورة

أما عن أبرز الفتاوى التي رصدها مؤشر الفتوى، وكانت بحسب الحاجة والمصلحة، كانت فتاوى جماعة الإخوان حول مناسبة عيد الأم، فقد أفتوا بعدم جواز الاحتفال قبل وجودهم بالسلطة بمصر، لكنهم أثناء وجودهم في السلطة، أفتوا بجواز الاحتفال به؛ بل وحثّوا الناس عليه، حتى وصل بهم الأمر إلى توزيع البطاقات الملونة على المصلين داخل المساجد أثناء خطبة الجمعة.
الفتوى سلاح مهم جدّاً في يد التنظيمات الإرهابية، فهي بمثابة "سيف المعز وذهبه"، فهي سيف يُشهر في وجه المخالف، وذهب ينثر على رأس المؤيد والموافق، فهي مكمن السلطة داخل هذه التنظيمات.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها خلال العام الماضي حول الفتاوى؟
أطلق المؤشر العالمي للفتوى نتائجه في مؤتمر دار الإفتاء العالمي، تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مجموعة من النتائج، أهمها؛ أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة في العالم، خلال العام 2018، كانت (87%)، ونسبة الفتاوى غير المنضبطة (13%) (سواء كانت متساهلة أو متشددة).
ورغم أنّ الفتاوى غير المنضبطة تُمثل نسبة ضئيلة، غير أنّها تشكّل خطراً من ناحيتين: الأولى أنّها تعدّ سبباً وذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، والثانية: أنّها تُمثّل رافداً من روافد الإلحاد، وتفتح باباً له في عقول الشباب، كما أنّ الفتوى المصرية شكّلت (40%) من إجمالي الفتاوى المرصودة في العالم خلال العام ذاته.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
أما عالميّاً؛ فكانت أهم النتائج؛ أنّ (35%) من الفتاوى الأوروبية تنمّي ظاهرتي "الإسلاموفوبيا" والتطرف، وأنّ الفتاوى الأوروبية تمثل (4%) من جملة الفتاوى في العالم.
مواجهة العقل المتطرف

الإخوان أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الأم لكنهم أجازوه أثناء وجودهم في السلطة
بالإضافة إلى الرصد والدراسات الوصفية ما الذي قمتم به لمواجهة الفكر المتطرف؟

العقل المتطرف عقل شديد التعقيد، ليس لما يحمله من أفكار، إنما لما يحمله من متناقضات، وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة متشابكة الأسلاك، هو يحمل الشيء ونقيضه في آن واحد، وطريقة التعامل مع هذا العقل، تتطلب عمليتين "الإزاحة والإحلال"، إزاحة الأفكار القديمة وإحلال أخرى جديدة.

تنظيم داعش الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)

وعليه؛ فإننا نستدرج المتطرفين فكريّاً لملعبنا، كما نخاطب الناس العاديين المتعاطفين مع أفكار التنظيمات الإرهابية للحيلولة دون حملهم السلاح أو تأثرهم فكريّاً، ومن ثم نمنع حامل الفكر من أن يدخل في دائرة حمل السلاح، وممارسة العنف، وهو هدف لو تعلمون عظيم نرجو أن يستمر، فما أنفع لك حين تمنع شخصاً من أن يكون مفسداً في الأرض.
المؤشر العالمي تصدى بشكل كبير لإصدارات التنظيمات المتطرفة في الفتاوى، وفنّدها، وردّ على الأباطيل التي تروجها تلك التنظيمات، فنحن نتابع بشكل مستمر مقالات وردوداً، بعددٍ من اللغات، للردّ عليها، وهو أمر، لا شكّ في أنّه يؤكد أهمية العمل ذاته.
كما أنّنا عن طريق تفكيك الخطاب الإفتائي بشكل عام، والوقوف على نقاط القوة والضعف فيه، نساهم في تجديد الفتوى ومن ثم تجديد الخطاب الديني لإنتاج خطاب إفتائي رشيد، بعيد عن الفوضى والعشوائية.

لم يعد خافياً أنّ الفتاوى سلاح داعش في معركة البقاء، كيف تشخّصون خط الفتوى للتنظيم؟

الفتوى أهم سلاح للتنظيمات المتطرفة في كافة معاركها بين الحشد والهزيمة؛ فتمويل التنظيمات يكون بفتوى، والقتل والتفخيخ والتفجير بفتوى، واستباحة الأنفس والأعراض والأموال بفتوى، فتنظيم داعش الإرهابي يستغل سلاح الفتاوى في تحريك وصناعة الأحداث؛ لذا نجده يطوِّع الفتوى لتحقيق أهدافه التي تخدم أجندته بنسبة تصل إلى (90%)، وقد تتبع المؤشر العالمي للفتوى خطًّاً زمنيّاً لفتاوى التنظيم منذ نشأته وتكوينه، حتى بوادر هزيمته الأخيرة، وأظهر أنّ أبرز فتاوى الحشد تمثّلت في: "طاعة القائد والخليفة، واستغلال النساء والأطفال، وسرقة ونهب ممتلكات وآثار الدول، واللجوء لإباحة العملات الرقمية المشفرة لمزيد من البقاء وتمويل عناصر التنظيم، ونسف الهوية الوطنية".

اقرأ أيضاً: من يحمي ضحايا فوضى الفتاوى في المغرب؟
في حين كانت أبرز فتاوى بوادر هزيمة التنظيم، في أكثر من مكان على الأرض: "الثبات، والصبر، والتبرع بالأموال، والانقلاب على القائد، والتذكير بالشهادة، ودخول الجنة، والحور العين".

إلى أي مدى يمكن أن يمضي داعش في معركة البقاء فكرياً ومادياً؟

إنّ إعلان هزيمة تنظيم داعش بصورة نهائية لا تعني موت التنظيم موتاً تامّاً، فقط ما تمّ هو إزاحته من جميع المناطق التي كان يسيطر عليها منذ العام 2014، أما أفكاره، فلم يتمّ اجتثاثها بصورة كبيرة، وأرى أنّ الأفكار هي ما تشكل الأخطر والأهم في معركة البقاء مع هذه التنظيمات الإرهابية.

حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية

تنظيم داعش فعلًا لم تكتب شهادة وفاته بعد، فقد انتقل إلى مناطق رخوة في بعض الدول، فهو بمثابة خلية سرطانية في الجسد، عندما تحاربها تنتقل من منطقة الهجوم إلى منطقة أكثر أماناً، أو ما تعارف عليه بـ"إستراتيجية سمكة الصحراء أو سمكة الرمال"؛ حيث تقوم هذه الإستراتيجية على انسحاب التنظيم من أماكن يتعرض فيها لضربات عنيفة، وهجمات متتالية، إلى أماكن جديدة غير متوقعة من قِبل خصومه؛ ليُشكّل بذلك منطقة نفوذ جديدة، يضمن فيها مزيداً من الأتباع، ومزيداً من الموارد المادية التي تساعده على استكمال أهدافه، وعلى الدول التكاتف والاتحاد واتخاذ الخطوات اللازمة لمجابهته قبل إعادة ترتيب أوراقه من جديد.
من الأمور الإيجابية لهزيمة داعش مؤخراً؛ خسارته لكثير من الموارد المالية التي كان يحصلها جراء سيطرته على البترول وتحصيل الأموال، من أهل المنطقة، التي وصلت إلى 88 ألف كيلومتر مربع، والتي كانت تعدّ بالمليارات، وهذه الخسارة ستفقد التنظيم الكثير من وجوده على أرض الواقع، إلى جانب أنها ستصيبه بالإنهاك، وتفقده القدرة على مواصلة الحروب ضدّ الدول التي يخوض معها معارك طويلة.

اقرأ أيضاً: حوار مع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية حول فوضى الفتاوى وتجديد الخطاب الديني
بوجود مجموعة خطوات احترازية لمواجهة التنظيم الذي انتقل الآن من خانة العدو الظاهر إلى خانة العدو الخفي، وعودته ورجوعه لمنطقة الحشد من جديد، وهذا الحشد متمثل في السيطرة على عقول الشباب، من خلال بثّ مفاهيم خاطئة في عقولهم، منوهاً إلى أنّه لتجنّب عودة التنظيم من جديد لا بدّ من سيطرة الدول على المناطق الهشّة، والتي تبعد عنها السيطرة الأمنية بصورة كبيرة؛ حيث تُعدّ هذه المناطق بيئة خصبة لعودة هذه التنظيمات إلى الساحة من جديد.
وكذلك ضرورة وجود آلية للردّ على كلّ الشائعات التي تروج على مدار الساعة؛ لأنّ هذه التنظيمات تستغل هذه الشائعات في استقطاب الشباب، والتي تربطها بالقضايا التي يعيشها المواطن على مدار اليوم؛ حيث تأخذ هذه التنظيمات تلك الشائعات وتنسج عليها حالة من الضجر واليأس والإحباط لدى شرائح الشباب.

اقرأ أيضاً: آخر فتاوى الداعية الجزائري المثير للجدل شميسو
لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ لأنّ وسائل التواصل تعدّ الملاذ الأخير لهذه التنظيمات لنشر أفكارهم الهدّامة، فالتنظيمات الإرهابية تؤمن بأنّ بقاءها على وسائل التواصل سيضمن لها الدعم ليس في دولة واحدة؛ بل في دول عديدة، وبالتالي لا بدّ من رقابة على المحتوى الإلكتروني، إلى جانب السعي لتنقيتها من الأفكار المتطرفة والشاذة، حتى لا نترك باباً لهؤلاء المتطرفين يصلون من خلاله إلى عقول الشباب.
مسايرة التطور

لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية ومجابهة الإرهاب الإلكتروني
ما أحدث تقاريركم الإستراتيجية؟ وكيف تسايرون الجديد على الساحة الدينية والإفتائية؟

لقد قدمنا عملاً جديداً من نوعه، لاقى إشادات داخلية وخارجية، فقد حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية بشكل عام، وفتاوى على وجه الخصوص، على مدار عام، وتوصل إلى أنّ (15%) من رسوم الكاريكاتير المتداولة في المواقع الإلكترونية والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وإصدارات التنظيمات الإرهابية ركزت على قضايا الشأن الديني بشكل عام، وأنّ (70%) منها ألقت الضوء بشكل مباشر على الفتاوى في كافة أرجاء العالم.

اقرأ أيضاً: الفتاوى بين التوظيف السياسي وفخ التناقضات

وعالميّاً؛ تضمن آخر تقاريرنا أسباب حذف موقع البحث الشهير "جوجل" لتطبيق "الدليل الفقهي للمسلم الأوروبي"، أو ما يسمى بـ"يورو فتوى"، التابع للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وكشفنا أنّ تنظيم داعش هو الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)، وبرهنا بالدليل على أن تلك التنظيمات تستخدم هذه التطبيقات كآلية قوية لنشر أفكارها، وتحقيق خططها وأهدافها.

خطط مستقبلية

تجنيد الأطفال
لم يعد خافياً استراتيجية التنظيمات الإرهابية بتجنيد الأطفال، كيف نحصّن الأجيال الصغيرة من التطرف؟

لقد وضعت هذه التنظيمات الإرهابية إستراتيجية بعيدة المدى من خلالها تستبدل بمشاعر البراءة مشاعر الكراهية والحقد والثأر في نفوس النشء ضدّ العالم خارج التنظيم، وقد اتبعت في ذلك مجموعة من الآليات لتنفيذ هذه الإستراتيجية، كان – وما يزال – أهمها؛ سلاح الفتاوى، الذي يحوّل الطفل البريء إلى قاتل صغير.

ثمة مغرضون يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً

أما عن روافد تلك التنظيمات في الحصول على الأطفال المقاتلين في صفوفها؛ فإنّها تكون من خلال روافد ثلاثة، الأول (بنسبة 66%)؛ وهو الأطفال من أبناء مقاتلي التنظيمات، والثاني (بنسبة 24%)؛ وهو الاختطاف والأَسر، والثالث (بنسبة 10%)؛ وذلك عبر الخداع والاستقطاب.
ونحن نرى أنّ روشتة تحصين النشء من التطرف تكمن في تنظيم دورات تدريبية لهم حول المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي بغرض عدم التأثر بأية مؤثرات خارجية قد تحمل تطرفاً أو عنفاً، وإعداد دورات لتأهيل الأطفال المتضررين من العمل الإرهابي.
وقبل ذلك كلّه؛ ضرورة إصدار فتاوى استباقية للتحذير من ظواهر سلبية خاصة بالطفل، مثل: التنمر واختطاف الأطفال وبيع أعضائهم، إضافة إلى المراقبة الأسرية لألعاب الأطفال الإلكترونية، لما ثبت من أضرار هذه الألعاب على الأطفال الصغار.

هل هناك خطوات لدار الإفتاء في المرحلة المقبلة تجاه الحوادث الإرهابية الواقعة في حقّ المسلمين بالخارج؟
لا شكّ في أنّ الحوادث الإرهابية التي تقع بحقّ المسلمين تكون، في جزء كبير منها، نتاج معلومات مغلوطة بشأن الإسلام والمسلمين، وصورة مشوهة لشخص المسلم المسالم غير المتبني للعنف، وعلى الدول الغربية، مراعاة ذلك بمجموعة من الإجراءات.

المؤشر العالمي للفتوى توصل إلى أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة خلال 2018 كانت 87%

لذا؛ فقد حثّ المؤشر العالمي للفتوى الدول الغربية، بالتعاون مع الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، لتبني مناهج تعليمية ومقررات دراسية ونشرات دعوية تنشر الإسلام الصحيح، هذا إلى جانب عزم دار الإفتاء على نشر مبادئ الدين الإسلامي الصحيح عبر صفحاتها المترجمة للغات غير العربية، في مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مستمرة، لتعريف العالم بالإسلام الصحيح البعيد عن أيّ تشويه، وغير المرتبط بتنظيمات أو جماعات أو أفكار فردية، إلى جانب إيفاد الخطباء والدعاة المعتدلين لمسلمي الغرب، وهو الدور الذي تقوم به الدار فعلياً، فهؤلاء المسلمون هم من يمثلون الإسلام في هذه البلاد البعيدة، وهم رسل الدين، فبسماحتهم يتعلم الغرب المعنى الصحيح للدين، ويتم القضاء على صورة المسلم المشوّهة في ذهن غير المسلم.

هل من جديد عن المؤتمر العالمي للإفتاء الذي تعقده دار الإفتاء كلّ عام؟

من المقرر، إن شاء الله، أن تعقد دار الإفتاء المصرية، تحت مظلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، مؤتمرها العالمي السنوي، في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ويعقد هذا العام تحت عنوان "الإدارة الحضارية للخلاف الفقهي"، وسيتناول العديد من القضايا الفقهية المهمّة.

الإمارات صوت لسلام المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
22
عدد القراءات

2019-06-25

منى بوسمرة

سياسات الإمارات الخارجية، ارتكزت تاريخياً، على مبدأ الحلول السياسية، في مواجهة الأزمات، والتوترات، وهذا أهم مبدأ تثبته مواقف الدولة، في كل موقع.

كنا هكذا في ملف اليمن، وفي بقية الملفات، بما في ذلك ملف التوترات في الخليج العربي، والذي يعود إلى مواقف الدولة في المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والعربية، إضافة إلى تصريحات كبار المسؤولين، والدبلوماسية الإماراتية، يجد بكل وضوح أن الإمارات، لا تؤمن بالحلول العسكرية للنزاعات، وتحض على تجنب الصراعات، وتدعو دوماً إلى إطفاء محاولات التصعيد، من أجل تحقيق الاستقرار.

هذا هو موقف الإمارات، وهو موقف لم يأتِ تعبيراً عن ضعف، بل تعبيراً عن قوة ومكانة واقتدار، وإيماناً بكون التوترات تضر الازدهار، وتمس استقرار الشعوب.

ملف توترات الخليج العربي، شهد مواقف إماراتية بارزة، ونحن كنا دوماً، نعبر عن أهمية الحلول السياسية، وفي الوقت ذاته، لا نقبل أن يتم مس أمن المنطقة، ولا استقرارها، إذ إن الدعوات للحوار والحلول السياسية، لا تعني في أي حال من الأحوال السكوت عن محاولات زعزعة أمن المنطقة، والإضرار بمقدرات شعوبها، وهذا يعني أن دعوات الدولة للحلول السياسية، تتوازى معها، الدعوة لردع الإرهاب، والحزم لاجتثاث خطره، وخصوصاً، حين لا تتوقف الأطراف الداعمة لهذا الإرهاب عن ممارساتها.

أمام هذا الصوت الداعي لسلام المنطقة، والسياسة الإماراتية العقلانية، التي تتطابق أيضاً مع سياسات لدول عربية وعواصم دولية وازنة، رأينا كيف لا تتوقف إيران، عن استفزاز المنطقة، وتهديد العالم، إذ يغيب فيها ما يمكن وصفه الصوت العاقل، ولا تظهر أي دعوات متزنة في مراكز القرار فيها، وتجنح نحو التوتير المستمر، وتجر شعبها البريء، نحو صراعات مكلفة، يدفع فيها أبرياء الإيرانيين الثمن، نتيجة للخفة التي تتسم بها هذه السياسات.

لقد عبرت الإمارات، مراراً، عن موقفها لوقف التصعيد في الخليج العربي، وهو تصعيد يمس أمن العالم كله، فهذه المنطقة هي قلب العالم، وشريانه، ونبضه، وما كتبه معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدته الأخيرة، يعبر بوضوح عن هذه السياسات، وخصوصاً، حين تتجدد الدعوة لوقف التصعيد، وإيجاد حلول سياسية، لازمات المنطقة، بدلاً من التوترات التي تهدد المنطقة بأسرها.

لقد آن الأوان لأن تمتثل إيران لدعوات العالم إلى الحوار والمفاوضات، مثلما جاء في تغريدة الدكتور قرقاش، وهذه الدعوات التي تؤيدها القوى المعتدلة والمؤثرة في العالم، بنيت على أساس واضح، من الإدراك العميق بكون التوتير والتصعيد، لن يؤديا إلا لمزيد من الخسائر الكبيرة، والحروب التي لا يريدها أحد.

لقد تعبت المنطقة العربية والإسلامية، من عشرات الحروب الصغيرة والكبيرة، التي ابتليت بها بسبب الصراعات الكبرى، أو النزاعات الدينية والمذهبية والطائفية، أو الصراعات على السلطة، ولم تكسب المنطقة، أي شيء، من حروب المائة عام الأخيرة، وبين أيدينا أرقام مذهلة حول خسائر المنطقة، على صعيد الإنسان وثرواته ومستقبله، فوق الخسائر التي لا يمكن حسبانها بالأرقام، ولا تقديرها بالمال، فهي خسائر تحفر عميقاً في شخصية أبناء المنطقة ووجدانهم وأحلامهم.

لا حل لهذه الأزمات، سوى الحل السياسي، ولا بد من تحرك جماعي، من أجل إطفاء نيران هذه الأزمات، وأن تتوقف إيران عن إشعال أزمات جديدة، وأن يجلس العالم، إلى مائدة التفاوض والحوار، من أجل حل ينشد السلام والاستقرار.

عن "البيان" الإماراتية

استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

42
عدد القراءات

2019-06-25

ترجمة: محمد الدخاخني


هل يجب أن يتعلّم الأمريكيّون، ضمن مناهجهم المدرسية، الأرقام العربية؟

الرئيس التنفيذي لشركة الاستطلاعات وصف النّتيجة بأنّها أتعس وأطرف شهادة على التعصب الأمريكي نراها في بياناتنا

طرحت سيفيك ساينس، وهي شركة أبحاث مقرها بيتسبيرغ، هذا السؤال مؤخراً على نحو 3,200 أمريكي ضمن استطلاع يدور، على ما يبدو، حول الرياضيات، لكن النتيجة كانت مقياساً لمواقف الطلاب تجاه العالم العربي. وقد قال حوالي 56 بالمائة من المُستطلَعين "لا". ولم يصرح 15 بالمائة منهم بأي رأي.

هذه النتائج، الّتي أثارت بسرعة أكثر من 24,000 تغريدة، ربّما كانت لتختلف بشكل حادّ لو أوضح المستطلِعون ماهيّة "الأرقام العربيّة".
هناك 10 منها، هي: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8 ، 9.
تلك الحقيقة دفعت جون ديك، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة الاستطلاعات، إلى وصف النّتيجة بأنّها "أتعس وأطرف شهادة على التّعصّب الأمريكيّ نراها في بياناتنا".

اليوم تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة
يُفترَض أنّ الأمريكيين الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة (وكانت نسبة الجمهوريّين بينهم أكبر من الديمقراطيين) يفتقرون إلى المعرفة الأساسيّة بماهيّة هذه الأرقام، ولديهم أيضاً بعض النّفور من أيّ شيء قد يُوصف بأنّه "عربيّ".
إنّه أمر محزن ومضحك بالفعل - وأيضاً سبب للتّوقّف وطرح سؤال بسيط: لماذا يُدعى النّظام العدديّ الأكثر كفاءة في العالم، والأكثر معياريّة في الحضارة الغربيّة، بـ"الأرقام العربيّة"؟

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
يأخذنا الجواب على ذلك إلى الهند في القرن السّابع؛ حيث طوِّر النّظام العدديّ، الّذي تضمّن الصّياغة الثّوريّة للصّفر. وبعد حوالي قرنين من الزّمان، انتقل إلى العالم الإسلاميّ، الّذي كانت عاصمته الرّائعة، بغداد، آنذاك أفضل مدينة في العالم يتابع فيها المرء حياته الثّقافيّة. وهناك، طوَّر عالم مسلم فارسيّ، يُدعى محمّد بن موسى الخوارزميّ، تخصّصاً رياضيّاً يسمّى الجبر، ويعني حرفيّاً "لم شمل الأجزاء المكسورة".
وفي أوائل القرن الثّالث عشر، اكتشف عالم رياضيات إيطاليّ، يُدعى فيبوناتشي، درس الحساب على يد مُعلِّم عربيّ في إحدى دول شمال إفريقيا المسلمة، أنّ هذا النّظام العدديّ وطبيعته العشريّة أكثر عمليّة بكثير من النّظام الرّومانيّ، وسرعان ما نشره في أوروبا؛ حيث أصبحت الأرقام معروفة باسم "الأرقام العربيّة".

اقرأ أيضاً: كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟
وفي الوقت نفسه، صار عِلم الجبر يُعرف بـ"algebra"، وتطوَّر اسم الخوارزميّ إلى "algorithm".
اليوم، تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة؛ وقد تشتمل قائمة مختصرة على كلمات مثل: أميرال admiral، الكيمياء alchemy، الكُوَّة alcove، الإنبيق alembic [أداة تقطير]، القلويّ alkali، ملاط lute، ماسِك أو قِناع mask، موصلين muslin [نوع من الأقمشة]، نظير nadir، سُكر Sugar، شراب syrup، تعريفة tariff، ذروة zenith. ويعتقد بعض العلماء أنّه حتّى كلمة "check"، أي الورقة الّتي يتحصّل عليها المرء من أحد البنوك، تأتي من الكلمة العربية "صكّ"، والّتي تعني "وثيقة مكتوبة". (وتستخدم صيغة الجمع، "صكوك"، في الصّيرفة الإسلاميّة للإشارة إلى السّندات).

محمّد بن موسى الخوارزميّ
هناك سبب يرجع إليه امتلاك هذه المصطلحات الغربيّة لجذور عربيّة: بين القرنين الثّامن والثّاني عشر، كان العالم الإسلاميّ، عبر لغته المشتركة، العربيّة، أكثر إبداعاً من أوروبا المسيحيّة، الّتي كانت آنذاك تعيش أواخر عصورها الوسطى. كان المسلمون من الرّواد في الرّياضيّات والهندسة والفيزياء والفلك والأحياء والطّب والعِمارة والتّجارة، والأهم من ذلك، الفلسفة. ولا شكّ أنّ المسلمين قد ورثوا هذه العلوم من ثقافات أخرى، مثل؛ اليونانيّين القدماء والمسيحيّين الشّرقيّين واليهود والهندوس. ومع ذلك، فقد طوّروا هذه التّخصّصات من خلال ابتكاراتهم الخاصّة ونقلوها إلى أوروبا.

الأمريكيون الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة ونسبة الجمهوريّين بينهم كبيرة لديهم بعض نفور من أيّ شيء يُوصف بأنّه عربي

لماذا الخوض في هذا التّاريخ المنسيّ؟ لأنّ دروساً يمكن أن تستقى من ذلك، لكلّ من المسلمين وغير المسلمين.
ومن بين الأخيرين يأتي المحافظون الغربيّون، الّذين لديهم شغف بحماية تراث الحضارة الغربيّة، والّتي غالباً ما يعرّفونها على أنّها حضارة "يهوديّة-مسيحيّة" فقط. بالطّبع، الحضارة الغربيّة لديها إنجاز عظيم يستحقّ الحفاظ عليه: التّنوير، الّذي منحنا حرّيّة الفكر وحرّيّة الدّين وإلغاء العبوديّة والمساواة أمام القانون والدّيمقراطيّة.
ولا ينبغي التّضحية بتلك القِيَم لصالح القَبَليّة ما بعد الحداثيّة المسمّاة "سياسة الهويّة". لكنّ المحافظين الغربيين يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة. إنّ ثالث الدّيانات الإبراهيميّة العظيمة، الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث، وتكريم ذلك الإرث قد يساعد على إقامة حوار بنّاء مع المسلمين.

الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث
بالطّبع، أمامنا، نحن المسلمين، سؤال كبير يجب علينا الإجابة عنه: لماذا كانت حضارتنا ذات يوم خلّاقة، ولماذا فقدنا ذلك العصر الذّهبيّ؟
يجد بعض المسلمين إجابة بسيطة في التّقوى والافتقار إليها، معتقدين أنّ هذا التّراجع جاء عندما أصبح المسلمون "آثمين". ويفترض آخرون أنّ العظمة المبكّرة يمكن إرجاعها إلى القادة الأقوياء، الّذين يأملون في أن تتجسّد نماذج مماثلة لهم. ويجد البعض العزاء في نظريّات المؤامرة الّتي تُلقي بالّلوم على الأعداء في الخارج و"الخونة" في الدّاخل.
إليكم تفسير أكثر واقعيّة: كانت الحضارة الإسلاميّة المبكّرة مبدعة لأنّها كانت منفتحة. على الأقلّ، امتلك بعض المسلمين الرّغبة في التّعلُّم من الحضارات الأخرى. كان هناك مجال لحرّيّة التّعبير، وهو ما كان أمراً استثنائيّاً في ذلك الوقت. وقد سمح ذلك بترجمة ومناقشة أعمال فلاسفة يونانيّين كثيرين، مثل أرسطو، كما سمح لعلماء لاهوت من مختلف الأطياف بالتّعبير عن آرائهم، وأتاح للباحثين بيئة عمل مستقلّة. على كلّ حال، منذ القرن الثّاني عشر وما بعده، فرض خلفاء وسلاطين لهم طبيعة استبداديّة شكلاً أقلّ عقلانيّة وأقلّ قبولاً بالتّنوّع للإسلام. وهكذا تحوّل الفكر الإسلاميّ نحو العزلة والتّكرار والّلامبالاة.

وبحلول القرن السّابع عشر، في الهند المسلمة، كان أحمد السّرهنديّ، وهو عالم بارز عُرِف أيضاً باسم الإمام ربّانيّ، يمثّل منعطفاً دوغمائيّاً عندما أدان جميع "الفلاسفة" وتخصّصاتهم "الغبيّة". وكما كتب: "تأتي الهندسة بين علومهم المدوّنة والمنظّمة، وهي عديمة الفائدة تماماً. مجموع ثلاث زوايا في مثلث عبارة عن مجموع زاويتين قائمتين - ما الفائدة الّتي يمكن أن يعود علينا بها مثل هذا الكلام"؟

المحافظون الغربيون يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة

بالضّبط، لماذا حدث هذا الإغلاق المأساويّ للعقل الإسلاميّ، وكيف يمكن الانقلاب عليه، هو السّؤال الأكبر الّذي يواجه المسلمين اليوم. ويجب ألّا نفقد المزيد من الوقت من خلال ألعاب الإنكار والّلوم.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يخطئ الآخرون في الحكم على الحضارة الإسلاميّة من خلال النّظر إلى أسوأ منتجاتها، الّتي يشيع الكثير منها الآن. إنّها حضارة عظيمة قدّمت إسهامات كبيرة للبشريّة، لا سيّما الغرب.
ولهذا السّبب، حين تتّصل عبر هاتفك، تقوم باستخدام "الأرقام العربيّة". وهذا مجرّد غيض من فيض من الأفكار والقِيَم المشتركة بين الإسلام والغرب.


المصدر: مصطفى أكيول، النيويورك تايمز

الصفحة الرئيسية