هل قتلت رهبانيّة السوق الأنبا أبيفانيوس؟

20582
عدد القراءات

2018-08-16

في القرن الثالث الميلادي ظهرت الرهبنة في مصر كشكل من أشكال المقاومة السلبية؛ حيث هرب المسيحيّون من بطش الرومان إلى الصحراء الواسعة، وهناك ظهرت الأديرة كأماكن للتعبد والسكن، وعلى هامش الدير نشأت بعض الأنشطة الاقتصادية البسيطة، وكانت في معظمها تقوم على الرعي والزراعة لتأمين احتياجات الرهبان، الذين مارسوها بجوار الصلاة والتعبّد، ومع انتشار المسيحية، واستقرارها في مصر كديانة رسمية، ظلّت الأديرة مركزاً للنشاط الروحي، ورمزاً للزهد والانقطاع عن متع الحياة، وهو ما يمكن عدّه التأسيس الأول للتصوّف في الشرق.

العامل الاقتصادي يؤسّس لسلطة دنيوية

بحسب "ماكس فيبر"؛ فإنّ السلطة تنشأ من خلال وجود ثلاثة شروط رئيسة هي: القدرة؛ وتعني إمكانية ممارسة السلطة من طرف فرد على أفراد، والسيطرة؛ وتعني إمكانية فرض نظام معين للطاعة، وأخيراً الانضباط؛ أي إمكانية خلق نظام معيّن لطاعة فورية تلقائية. ومع وجود كلّ هذه الشروط الموضوعية، تأسّس نظام صارم لإدارة الدير، وهو ما تزامن مع اتساع مساحة الأنشطة الاقتصادية التي فاضت مخرجاتها عن احتياجات الدير، وإذا كان "فيبر" قد ربط مفهومي القدرة والقوة بالمجال السياسي، فإنّه ربط مفهوم السيطرة بالمجال الاقتصادي، وهو ما تحقّق بالفعل داخل منظومة الرهبنة المسيحية في مصر، وبات الوضع أشبه بتخلّق سلطة دنيوية استبدّت باسم المسيح، وأثّرت من خلال الأنشطة الاقتصادية المتنوعة، حتى أنّها حوّلت الاحتفالات الدينية الموسمية إلى سوق تجاري كبير، وباتت تصدّر الفائض خارج الدير، لتحصل على أرباح طائلة.

اقرأ أيضاً: مقتل راهب يفضح صراعات متشعبة داخل الكنيسة المصرية

مع الوقت، وفي ظلّ إحكام قبضة الكنيسة على الشعب القبطي، وهو ما كرّسته الدساتير المتعاقبة بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، أصبحت الرهبنة هدفاً للكثيرين، وفي ظلّ انخراط البعض في ممارسة أنشطة تجارية باسمه، والاندماج الكبير في الحياة الدنيوية، تفكّكت القيم الرهبانية المؤسسة، وانحلّت إلى ممارسات فردية أقرب ما تكون إلى رهبانية السوق.

الدير يتحوّل إلى ساحة حرب

تبلغ مساحة دير أبو مقار حوالي 2700 فدان، يشغل منها الدير بأبنيته وملحقاته نحو أربعة فدادين، والباقي أراضٍ زراعية منتجة. ومنذ الستينيات، وحتى وفاته عام 2006م، كان الدير تابعاً لسلطة الأب متى المسكين، وهو أحد روّاد الإصلاح الديني في الكنيسة الأرثوذكسية، وقد تسبّبت أفكاره في حدوث خلاف حادّ بينه وبين البابا شنودة، الذي اتهمه بإفساد العقيدة، وانتهز وفاته ليزرع عدداً من أتباعه داخل الدير، وهو ما تسبّب في حدوث انشقاق حادّ، وصراع في الأفكار بين المجموعة القديمة التابعة للأب متى المسكين، والتي تمثل الأغلبية، والمجموعة الجديدة التي جاءت في أعقاب وفاته.

هذا التحوّل الدرامي فجّر أزمة لم تواجهها الكنيسة القبطية منذ قيام مجموعة الأمة القبطية باختطاف البطريرك يوساب الثاني

ازداد الصراع حدّةً مع وصول الأنبا أبيفانيوس لرئاسة الدير بالانتخاب عام 2013م، وهو التلميذ المخلص للأب متى المسكين، وقد هاله مدى الابتعاد عن حياة الرهبنة، وانخراط الرهبان الجدد في ممارسة أنشطة تجارية دنيوية، والتربّح من وراء الدير، لينتهي الصراع بأوّل جريمة قتل لرئيس دير على يد أحد الرهبان، وبتخطيط من آخرين.

هذا التحوّل الدرامي الذي شهد في فصوله المتلاحقة محاولة أحد الرهبان الانتحار داخل الدير، وما أبدته تيارات مسيحية من شماتة في الأنبا المقتول، وعلى رأسها جماعة "حماة الإيمان"، فجّر أزمة لم تواجهها الكنيسة القبطية منذ قيام مجموعة الأمة القبطية باختطاف البطريرك يوساب الثاني، عام 1954م، عقب انفلات الأمور من يده، وقيام سكرتيره بممارسة أنشطة مشبوهة؛ حيث أجبروه على التنحّي عن كرسي البطريركية.

تسليع المسيحية ترنيمة أخيرة في مسلسل السقوط

يقول المسيح: "مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدّامي يجاهدون كي لا أسلم إلى اليهود، لكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يو18: 33-36).

يمكن القول: إنّ تحوّل الكنيسة من مساحة الرعاية الروحية، إلى ممارسة سلطة اجتماعية ودور سياسي لاحق، عن طريق التوجيه والتنسيق مع الدولة، التي غضّت الطرف عن ظهور دولة الأقباط، أدّى إلى المزيد من العزلة، وعدم الاندماج الكامل للمسيحيين، خاصّة في (جيتوهات) الصعيد، وهو الأمر الذي ساعد عليه التطرف السنّي، واستهداف الجماعات الإرهابية للأقباط، وكانت المحصلة هي المزيد من توغل الكنيسة، وتعاظم سلطتها، وبات العنصر الاقتصادي شديد الأهمية، ليس فقط في إدارة الاقتصاد الديني المتنامي بمشروعاته المختلفة، وإنما أيضاً عملية ربط الأنشطة الاقتصادية التي يملكها مسيحيّون بالكنيسة، والتي تحوّلت إلى إدارة تشغيل، مستفيدة مرة أخرى من أجواء التعصب الديني لدى قطاع من المسلمين.

ظهرت الفضائيات المسيحية وأطلّ عدد من الدعاة والمبشّرين يمارسون الدور نفسه للدعاة الإسلاميين الجدد

وفي سياق متصل، ظهرت الفضائيات المسيحية، وأطلّ عدد من الدعاة والمبشّرين والعابرين، يمارسون الدور نفسه الذي مارسه الدعاة الجدد في السياق الإسلامي، وتنوّع خطابهم بين الأداء الناعم الجاذب الذي يمثله "سامح مرقص"، والصدامي الحاد الذي يمثله "زكريا بطرس"، وهو الأمر الذي كرّس لمزيد من الوصاية الدينية، إضافة إلى الاستقطاب الحادّ، وممارسة خطاب طائفيّ بامتياز، غذّاه الشعور العام بالمظلومية، وأداء الدولة الرخو في مواجهة الصراعات الطائفية، والتي تسفر في أحيان كثيرة عن تهجير قسريّ، يحمل ظلماً ثقيلاً على الأقليّة.

وعليه؛ باتت المسيحية هي الأخرى سلعة وتجارة رائجة، يمارسها بعض رجال الدين، وهو الأمر الذي أصبح يميّز الأدوار الوظيفية للدّين في المجتمع المصري بشكل عام، لكنّ العدالة تقتضي طرح المشهد العام كلّه للتحليل؛ فإسلام السوق في التسعينيات مهّد الطريق لرسملة الرعاية الروحية التي تمارسها المؤسسات الدينية، وأوعز بتكريس المزيد من العزلة على الأقليات.

اقرأ أيضاً: الدعاة الجدد: عندما ترتدي المدرسة الإنجيلية ثوباً إسلامياً

ويمكن القول: إنّ القرارات الأخيرة التي أصدرها البابا تواضروس الثاني لضبط حياة الرهبنة، وفرض المزيد من القيود على الرهبان، ومنعهم من ممارسة الحياة الدنيوية، لن تأتي بجديد، إن لم يتم ضبط الأنشطة الاقتصادية للأديرة، والتي التهمت المساحة الروحية، وتوسعت على حسابها؛ فالتساؤلات الصعبة التي سوف تشهدها الأيام المقبلة، ستأتي في أعقابها حتماً رياح الإصلاح الديني.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
2019-10-23

تحظى المثالية برصيدٍ كبيرٍ من الاحترام والاهتمام في جميع الثقافات على الإطلاق، وهي تشير دائماً إلى محتوى إيجابي، فيكفي أن نصف أحداً أو شيئاً بالمثالي كي ينفي الذّهن أيّةُ نقيصة عنه، وهذا ما يجعل من الكمال شرطاً لازماً لما هو مثالي، كما عبّر عنه أفلاطون حين ذهب إلى أنّ عالم المثل الذي لا تشوبه شائبةٌ هو العالم الوحيد الكامل، فما قصده أفلاطون؛ أنّ الواقع الذي نعيش مجرّد نسخة مشوّهة عنه، وعبر التاريخ تولّت التربية المسؤولية في محاكاة عالم المثل؛ حيث جعلت من المثل البوصلة التي تُرشدها وتهتدي بها، في واقع يدفع الحياة بالاتجاه المضاد.

اقرأ أيضاً: هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!
تُحيل المثالية إلى إحالات مختلفة؛ تتفق فيما بينها على أنّ الأفكار تسبق الواقع، وأنّ الواقع ينتج عنها، ولكن ما أرمي إليه هنا ليس الفهم الأكاديمي للمثالية؛ إنما ما يترتب على وجودها في حياتنا، خاصةً أنّ المثالية كيفما كانت، فإنّها تشكّل حجر الأساس في بناء سلوك وعقائد الأفراد، بالتالي فإنّ التربية التي تضع المثال نصب عينها، من المفترض أنّها تطمح لخلق عالمٍ أفضل، ولكن ماذا لو أنّها أسهمت في عكس ذلك، وشكّلت عبر تاريخها عائقاً تربوياً في بناء الفرد السليم؟ ألا يعني هذا أن نرمي كلّ ما تعلمناه خلف ظهورنا؟!

إصرارنا التاريخي على المثالية أكبر عملية تعمية مارسناها على أنفسنا، فمع المثالية أصبح ما سيكون أهم ممّا هو كائن

تقول والدة إحدى الإرهابيين، بعدما تفاجأت بورود اسم ابنها على لوائح المطلوبين: "أشعر بصدمة كبيرة لما اقترفت يدا ابني؛ فقد كان منذ صغره ودوداً مطيعاً متفوقاً في مدرسته، محباً للجميع، حتى إنّه لم يقدم على إيذاء نملة، كان حقاً ابناً مثالياً"، ربما هذه الأم لم تكن مخطئة في وصف ابنها بالمثالي، ولكن هذه المثالية التي تراها الأم نقطة إيجابية لصالح ابنها، هي بالتحديد ما جعلته يصل إلى ما وصل إليه، فأطفالنا الذين نعتقد أنّهم مثاليون، لا يبلغون هذه المثالية إلا بعد تعرضهم لكثير من عمليات القمع والبرمجة، من خلال تربية ترغم الطفل على ما نريده ونتوقعه منه؛ إنّها الإطار الذي يحدّد ما يجب أن يكونه الطفل، عملية قولبة تخلق صراعاً مستمراً داخله، وهذا الصراع الداخلي الذي لن يبقى حبيساً، فحين تُتاح له الفرصة سيتجسد على أرض الواقع بأكثر الأفعال تطرفاً.

اقرأ أيضاً: لا داعي للتفلسف!
فمن نعتقد أنّه طفلٌ مثالي هو ببساطة من يحاكي طموحاتنا نحن الكبار، فالطفل المثالي هو المطيع الذي يتصرف وفق ما نمليه عليه، لا يسبب إحراجاً لنا، مجتهدٌ يحفظ دروسه عن ظهر قلب، إنّه كلّ ما يجعلنا فخورين أمام الآخرين، ويقوده إلى التكيف مع تناقضاتنا، بالتالي الطفل المثالي هو ضحيّة تصوراتنا عن أوهام الكمال، التي يرتفع سقفها كلّما كانت الحياة متدنية، وهنا تأخذ المثل شكل القوالب الجاهزة، لتجعل من الصواب والخطأ مطلقين، مما يجعلنا نعامل الطفل كما نعتقد، لا كما هو، وهذا سيشكّل أولى المصادرات على تجربة الطفل في فهم نفسه وفهم الواقع.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرتدي الإمبراطور ثياباً؟
إنّ إصرارنا التاريخي على المثالية هو أكبر عملية تعمية مارسناها على أنفسنا، فمع المثالية أصبح ما سيكون أهم بكثير ممّا هو كائن، وممّا هو موجود، هذا التجنّب الكامل والمتعمّد للحاضر يجعل من الجوانب الشخصية والنفعية الجوانب الأقوى في التربية؛ فالمستقبل المثالي الذي نعدّه للطفل، هو مستقبلنا الذي يلغي حاضر أطفالنا؛ "فالمربي الذي يرغب في فهم طفله لا ينظر إليه عبر عدسة المثاليات، فإذا كان يحبّه حقاً عليه أن يراقبه ويدرسه لرؤية توجهاته وأمزجته وخصوصياته، أما عندما لا يكون المرء محباً يتمتع بالفهم والصبر، يقوم بإجبار الطفل على التقولب في نموذج للسلوك، ندعوه آنذاك بالمثالي، إنّه الحلّ السريع الذي يعطي نتائج رائعة لنا وليس للطفل"، بتعبير كريشنا مورتي، في كتابه "التعليم وقيمة الحياة".

الطفل المثالي هو ضحيّة تصوراتنا عن أوهام الكمال التي يرتفع سقفها كلّما كانت الحياة متدنية

بمجرد تذكّر ما تعلمناه في المدرسة، أو ما نعلّمه حالياً، سيفاجئنا الحضور الكثيف للمثل في مناهجنا منذ مراحل التعليم الأولى حتى النهائية، ويرافق هذه المثل جهد تلقيني كبير يتناسب طرداً مع انفصال الأفكار عن الواقع، فرغم دعوة المثل الدائمة إلى المحبة والسلام، والصدق، واحترام حقوق الغير، والعدالة، لكنّها لم تنجح حتى الآن إلّا في صناعة واقع تتهدده العداوة واللامبالاة، وهذا ما قد نلمسه في الإجابة عن سؤال: ما الذي يمكننا فعله لإنقاذ الأجيال القادمة من التلوث الذي سيدمّر الأرض؟ طفلة في عمر13 عاماً أجابت: "بالنسبة إليّ لن أكون على قيد الحياة إلى حين دمار كوكبنا، وبالنسبة إلى الأجيال القادمة لا خوف عليهم، فالدراسات على قدمٍ وساق لإيجاد كوكب آخر قابل للحياة"، ولنا أن نتساءل: ما الذي قدّمته كلّ القيم والمثاليات التي تعلمتها وتتعلمها هذه الطفلة حتى وصلت إلى هذه الإجابة؟ وهل إجابتها أقل صدمة لنا من صدمة الأم التي تحوّل طفلها المثالي إلى شاب إرهابي؟
يتلخص التناقض الذي تحمله المثل بأنّ من يروّج لها ينظر إليها على أنّها مطلقة وصالحة لكلّ زمان ومكان، بينما هي نسبية، ومتباينة تباين المجتمعات واختلافاتها؛ فكلّ مجتمع له مثله الخاصة التي يُخفي عقائده في داخلها، وهذه المثل نفسها ستنقلب عند كلّ طرفٍ على ما تدّعيه، حين تصبح سبباً في الصراع والحرب ضدّ الآخر؛ فالمثل عندما تصبح أهم ممن وضعها تجرّ الواقع إلى الهاوية، والإنسان الذي وُضعت من أجله، سيصبح وقودها الأول.
لا يوجد صراع في هذا العالم لم تغذّه المثل، فدائماً ما كانت الأفكار والمثل الذريعة الأقوى للتضحية بالبشر، وربما تكون أيديولوجيات القرن الماضي، التي أشعلت أكبر الحروب في تاريخ البشرية، الدليل الواضح على ذلك، حتى الآن؛ نحن لم نتعلّم الوجود من فهمنا لأنفسنا، ومما نحن فيه؛ لذلك كلّ الطرق التي سلكناها كانت مغلقة، أو بتعبير إدغار موران، في كتابه "تربية المستقبل": "إنّنا لا نمتلك المفاتيح التي من شأنها أن تفتح لنا أبواب مستقبلٍ أفضل؛ لأنّنا لا نعرف طريقاً مرسوماً يمكن السير فيه، لكننا نستطيع أن نكتشف الطريق من خلال السير".

للمشاركة:

إيران حين أضمرت السوء لحلفائها.. ماذا فعلت لإنهاك العراق؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-10-23

لعلّ أحد أبرز الدروس الإستراتيجية التي خلُصت إليها قيادة "الثورة الإيرانية" من الحرب المضنية مع العراق، والتي امتدت طوال ثمانية أعوام؛ أنّ العراق، بما يمتلكه من إمكانات وموارد مادّية وبشرّية ضخمة، هو بمثابة المعادل الموضوعي الرئيس، والمكافئ الإستراتيجي الأهم لإيران في المنطقة.

اقرأ أيضاً: لماذا تستّرت لجنة التحقيق العراقية على القتلة الحقيقيين؟
وأنّ وجود دولة عراقية قوية، مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه، يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم، وانكفاء إيران إلى داخل حدودها الجغرافية، وانتهاء أحلامها بالنفوذ الإقليمي، ووقف خطوط إمداد، وتسليح حلفائها ووكلائها، في المناطق الجغرافية الأبعد، مثل؛ سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة؛ لذلك ظلّت إيران حريصة على إبقاء العراق ضعيفاً ومفكّكاً ومنقسماً على نفسه، وأصرَّت على إبقاء الدولة العراقية ضعيفة، رغم أنّ الطبقة السياسية التي وصلت إلى الحكم في العراق، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، كانت في مجملها طبقة سياسية صديقة لإيران، ومقربة جداً من النظام الإيراني، وتجمعهما روابط وعلاقات متميزة، بدا أنّها ارتقت إلى مستوى التحالف الإستراتيجي، ظاهرياً على الأقل.

وجود دولة عراقية قوية مهما كان شكل الحكم الذي تتبنّاه يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني في الإقليم

هذا التقدير الإستراتيجي الإيراني الخطير، والمهم في آن واحد، يُفسّر أيضاً إصرار "إيران الثورة" على حلّ الجيش العراقي بالكامل، وتفكيك بنية الدولة العراقية بشكل عام، بعد سقوط النظام العراقي السابق. هذا الإصرار الذي ترجمته على أرض الواقع آنذاك قيادات عراقية مرتبطة بإيران، ومؤتمرة بأمرها تماماً، رغم كلّ التحذيرات الإقليمية والدولية من خطورته، وعواقبه الوخيمة، ليس فقط على حاضر ومستقبل العراق، بل والمنطقة كلّها؛ فليس هناك ما هو أخطر على الاستقرار من حالة الفراغ الأمني في دولة غادرت للتوّ ثلاثة صراعات وحروب كبرى، وتعاني من انقسامات عمودية وأفقية حادّة؛ طائفية، وإثنية، وسياسية، ذلك الفراغ الرهيب الذي أسّس لكلّ ما شاهدناه بعد ذلك، من ويلات الحروب الطائفية والقومية، والقتل على الهوية، وموجات الإرهاب.

اقرأ أيضاً: هل ستكون "هيئة التصنيع الحربي" بوابة لسيطرة إيران الأمنية على العراق؟
وفي ظلّ النفوذ الإيراني الواسع، وشبه الحصري في العراق، طوال عشرة أعوام، تلت سقوط النظام السابق، ليس هناك ما يمكن أن يفسر الإصرار الإيراني على إنشاء وتدريب وتسليح كلّ ذلك العدد الهائل من الميليشيات، تحت عناوين ورايات متعددة، ومتناقضة ومتناحرة، إلا الإقرار بوجود نوايا مضمرة بإبقاء العراق ضعيفاً، وهذا الهدف "اللئيم" هو الذي كان يدفع النظام الإيراني إلى "دقّ" كلّ هذا العدد من "الأسافين" في جسد الدولة العراقية الهزيل، وما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ الأمر لم يكن محض خطأ تاريخي، هو حقيقة؛ أنّ لدى النظام الإيراني تجربة مغايرة تماماً، وعقلانية تماماً في بلاده؛ فقد أبقى النظام الإيراني على الجيش الإيراني، وهياكل الدولة الإيرانية سليمة بالكامل، بعد انتصار الثورة الإيرانية، وطوال الأعوام التي تلت سقوط الشاه محمد رضا بهلوي، على الرغم من الشكوك العميقة التي كانت تساور الخميني، وسائر قيادات الثورة، تجاه "ولاءات" الجيش والمؤسسات، وإمكانية نجاح "الفلول" في إعادة الحياة للنظام الملكي السابق، وبرّر هاشمي رفسنجاني ذلك فيما بعد، بأن أحداً من "الثوار" المنتصرين في إيران، لم يكن يريد إضعاف "إيران الدولة"، لكنّ هؤلاء "الثوار"، أو جلّهم على الأقل، حرصوا كلّ الحرص على التأكد من تفكيك الجيش العراقي، وكلّ هياكل الدولة العراقية، وأجهزتها الأمنية، بعد سقوط نظام صدام حسين، عام 2003، ودفعوا القيادات العراقية إلى تبني هذا المطلب، والإصرار عليه كشرط أساسي للتعاون مع الولايات المتحدة، وهو ما يظهر جلياً سوء النوايا الذي كان مضمراً للعراق في المخيلة الإيرانية.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟
ولا شكّ في أنّ مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم، اليوم وغداً، تكمن في دولة مستقلة وقوية، بغضّ النظر عن شكل الحكم الذي يمكن أن يجري التوافق عليه بين العراقيين، لكنّ بناء مثل هذه الدولة بات، للأسف، أمراً متعذراً، أو على الأقل بالغ الصعوبة، في ظلّ فوضى انتشار السلاح والميليشيات، التي تعطل الدولة، وترهب المؤسسات، وتعيق عمل الجيش العراقي، وتفرض قيوداً على سيطرته على أمن البلاد واستقرارها؛ بل أصبحت تزاحمه في أبرز وأهم صلاحياته الحصرية، مثل؛ عمليات إنتاج وتصنيع السلاح واستيراده وتصديره، ناهيك عن عمليات السيطرة والانتشار والمراقبة وجمع المعلومات.

إبقاء جسد الدولة العراقية هزيلاً ليس محض خطأ تاريخي بل أضمرت إيران إضعاف هذا البلد لأهداف لئيمة يخدم مصالحها

وقد يقول قائلٌ؛ إنّ إيران أيضاً لديها ميليشيا في الداخل، هي ميليشيا الحرس الثوري، وما يتفرع عنه من قوى عسكرية، وأذرع اقتصادية وإعلامية، وإنّ ما قامت به في العراق مجرد استنساخ لهذه التجربة، جرياً على نهج كلّ قوى النفوذ والهيمنة في العالم التي تسعى بشكل طبيعي إلى استنساخ نفسها في البلدان الواقعة تحت نفوذها، لكنّ مثل هذه المقارنة تنطوي على مغالطات واضحة؛ فالثورة في إيران أبقت على الدولة والجيش والمؤسسات، لكنّها صنعت دولة موازية، وجيشاً موازياً، ومؤسسات موازية، لكن الطبقة السياسية التي حكمت عراق ما بعد 2003 لم تُبقِ على دولة أو جيش، أو مؤسسات، في البلاد؛ بل ليس من المبالغة القول إنّها حتى لم تبقِ على الشعب الذي راح جزء كبير منه، بين قتيل وجريح ومهجَّر ونازح.
لا غرابة إذاً في أن يثور العراقيون اليوم ضدّ هذه الهيمنة الإيرانية، رغم نجاح محاولات إيران في تحريك كلّ المخاوف والهواجس، الطائفية والعرقية، العميقة في وجدان المجتمع العراقي، ونجاحها تبعاً لذلك، في منع تحقق أية مصالحة وطنية شاملة، تفتح الباب أمام بناء دولة مستقرة ومستقلة، ومتصالحة مع مختلف مكونات شعبها، ومحيطها الإقليمي.
أخيراً... شعر العراقيون بوجود نوايا السوء الإيرانية المضمرة.

للمشاركة:

ما الذي يحاول فيلم الممر أن يقوله؟ وهل نجح في ذلك؟

2019-10-22

تزامناً مع احتفالات مصر والعالم العربي بذكرى انتصار حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، عُرض في عدد من القنوات الفضائية المصرية فيلم "الممرّ"، بعد عرضه على شاشات السينما في مصر وبعض الدول العربية، في مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضاً: فيلم "الممر": رسالة لإسرائيل أم حشد للجماهير؟
يُعدُّ الفيلم أضخم إنتاج سينمائي في تاريخ صناعة السينما في مصر، بميزانية تجاوزت 100 مليون جنيه مصري، وقامت شركة الإنتاج ببناء ديكورات الفيلم ومواقع التصوير بمساعدة وإشراف إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية، كما تمّت الاستعانة بمتخصصين لبناء الديكورات بالكامل لمطابقتها بالمواقع الحقيقية خلال تلك الفترة، والاستعانة بفريق عمل أمريكي لتصميم مشاهد القتال والمعارك الحربية.
مقاربة درامية لا محاكاة
يحاول صنّاع فيلم "الممرّ" إيصال رسالة أمل رغم الانتكاسات والهزيمة، من خلال إضاءة منطقة شبه منسية درامياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي المتمثلة بحرب الاستنزاف التي تلت هزيمة 1967، والتأكيد أنّ الجيش المصري في حالة حرب مستمرة، داخلياً وخارجياً، سواء وهو يواجه العدو الإسرائيلي بالأمس أو الإرهاب اليوم، وأنّه هو الذي يتحمّل عبء الدفاع عن الأرض ومقدّرات الوطن، في أحلك الأزمات، وخلال التحديات والمخاطر الإقليمية والدولية المختلفة.

يضيء فيلم الممر منطقة شبه منسية درامياً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي متمثلة بحرب الاستنزاف

نجح صنّاع الفيلم؛ الكاتب والمخرج شريف عرفة، وفريق الفنيين والمساعدين والأبطال، في صناعة توليفة سينمائية ليست بالطبع متسقة ومتوافقة مع الأحداث التاريخية الحقيقية في تلك الفترة، لكنّها، على أيّة حال، جاءت معبرة عن مضمون الأحداث، ولو بشكل جزئي، تحتل فيه الدراما جانباً معتبراً، فيما يتوارى التاريخ والأحداث الحقيقية، وهذا أمر طبيعي رغم اعتراض أعضاء المجموعة المصرية، المعروفة باسم "73 مؤرخين".
ليست السينما أو الأعمال الفنية عموماً مطالَبة بمحاكاة الواقع، سواء المعيش أو الماضي، محاكاة تامة، ولا حتى شبه تامة، فالسينما بالأساس عمل درامي يعالج فكرة أو (ثيمة)، أو حدَثاً ما، بطريقة فنية لا تكترث كثيراً للواقع والأحداث التاريخية؛ فالفيلم يستند إلى جانب من بطولات الكتيبة 93" قتال"، التي كان لها عدد لا يُنكَر من البطولات خلال حرب الاستنزاف، وذلك بسبب تمركزها في منطقة رأس العش في بورسعيد، وهي تلك المنطقة التي وقعت فيها اشتباكات قوية مع القوات الإسرائيلية، لكن الفيلم بالطبع لن يرصد طوال مدة عرضه تلك البطولات بالتفصيل، ولن يتناولها كما حدثت.

أهم ما نجح فيه الفيلم
نجح "الممرّ"، من وجهة نظري، في ثلاثة أمور مهمة للغاية؛ أولها أنّه رصد بطريقة غير مباشرة، في بداية أحداث الفيلم، أسباب هزيمة حزيران 1967 دون تدليس أو مواربة، رغم أنّ ذلك الأمر يقدح في نظام الرئيس عبد الناصر، لكنّ صناع الفيلم كانوا مباشرين في ذلك وعرضوا جزءاً منها، من خلال الحوار بين الأبطال، وأهم ما عُرض كان حالة الفوضى وسوء التخطيط وتقدير الموقف الذي كان يعرفه الجميع ولا يستطيعون شيئاً حياله.

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
أما ثاني الأمور التي نجح صناع الفيلم في إبرازها؛ فيتمثل في بثّ روح المقاومة وإذكائها، واستعادة الأمل مهما كانت الظروف، وتذكير الشباب المصري خاصة، والعربي عامة، بجوهر الصراع العربي الإسرائيلي؛ حيث يعرفون أنّ العدو الإسرائيلي هو الخطر رقم (1) الذي ينبغي أن نواجهه ونستعد له باستمرار؛ لأنّ أطماعه في المنطقة لن تنتهي؛ إذ هي قائمة على نزعة لاهوتية، التفت إليها كاتبا الحوار (شريف عرفة وأمير طعيمة)، فكانت الإشارة إليها عن طريق حوار حدث بين الضابط المصري، نور (أحمد عز)، قائد مجموعة الصاعقة، والضابط الإسرائيلي ديفيد (إياد نصار).

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
وثالث الأمور التي نجح "الممـرّ" فيها؛ التأكيد على دور أهالي سيناء في مقاومة المحتل، وتقديمهم الدعم الكامل لقوات الجيش المصري في تلك الفترة الحساسة، وهو أمر يُعدّ تقديمه مهماً في الوقت الحالي، مع تزايد الأعمال الإرهابية في سيناء، ومواصلة اتهام بعض أهالي سيناء بالتعاون مع الإرهابيين!
سلبيات ونقاط ضعف
لكن تبقى ثمة سلبيات ونقاط ضعف في الفيلم، لعلّ أهمّها أنّه عرَض شخصية المراسل العسكري بشكل كوميدي لا يتناسب وطبيعة الفيلم، من خلال الدور الذي أدّاه الممثل الكوميدي أحمد رزق، وهو ما أعطى الشخصية بُعداً ساخراً، وأضفى عليها تصوراً جعل المراسل العسكري طوال الفيلم شخصية ضعيفة تجبن عن مواجهة المخاطر، رغم أنّ الجيش المصري كان، ولما يزل، يتخيّر المراسلين العسكريين وفق شروط خاصة.

السينما غير مطالَبة بمحاكاة الواقع محاكاة تامة ويعتبر العمل تجربة متميزة لا بدّ من استثمارها بجزء ثانٍ يتجاوز السلبيات

كما كانت بعض مناظر الديكور والأزياء من سلبيات ونقاط ضعف الفيلم؛ فلم يستطع المخرج ومهندس الديكور التعبير بدقة عن الفترة الزمنية التي تكتنف أحداث الفيلم، خصوصاً مع المغالاة في ديكور شقة الضابط المصري، بما لا يعكس الحالة المادية والاجتماعية والذوقية في تلك الفترة، كما لم يكن المزج بين المواد الفيلمية المصورة قديماً، ومشاهد الفيلم سلساً؛ فقد كان المزج مفتَعلاً مضطرباً، بخلاف جنوح بعض عبارات الفيلم، التي جاءت على لسان الضابط نور (أحمد عز) إلى الأسلوب الخطابي المباشر، واللغة الشعاراتية المدرسيّة خاصة في كثير من حوارات المراسل مع أعضاء الكتيبة.
على كلٍّ؛ فإنّ تجربة هذا الفيلم عموماً، كانت جيدة، وذات إيجابيات كبيرة، لا بدّ من استثمارها في استكمال الجزء الثاني، وإنتاج أعمال أخرى يُراعى فيها الاعتماد على سيناريست متخصص، في هذه النوعية من الأعمال، لتلافي عيوب نص هذا الفيلم الذي أصرّ شريف عرفة على كتابته، فضلاً عن ضرورة التحرر من التأثر غير المبرر بالأفلام الأمريكية المعروفة في المشاهد الحربية التي أحسن صناع الفيلم في تنفيذها بشكل غير مسبوق في تاريخ السينما العربية.

للمشاركة:



عدد الإرهابيين الخطيرين يتضاعف 5 مرات في ألمانيا.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

ذكر رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية، هولجر مونش؛ أنّ عدد الإسلاميين الخطيرين أمنياً في ألمانيا تضاعف بمقدار يزيد عن 5 مرات، منذ عام 2013، ليصل اليوم إلى نحو 680 فرداً.

رئيس الشرطة الجنائية: سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد منذ 2016

وأضاف مونش، في تصريحات لصحيفة "راينيشه بوست" الألمانية، الصادرة اليوم: "سلطات الأمن في ألمانيا حالت دون وقوع سبع هجمات في البلاد، منذ هجوم الدهس الذي وقع قبيل الاحتفالات بعيد الميلاد (الكريسماس)، عام 2016".

وقال مونش؛ إنّ القصور الذي وقع في الإجراءات القانونية المتعلقة بشؤون الأجانب والمراقبة والملاحقة الجنائية، للتونسي أنيس العمري، الذي نفّذ بعد ذلك هجوم الدهس في برلين، لا يمكن أن يحدث بعد ذلك الآن.

ومن ناحية أخرى؛ وصف مونش التهديدات من اليمين المتطرف على الإنترنت، بأنّها "تعرض الديمقراطية للخطر"، معلناً في الوقت نفسه تأسيس "مركز مركزي لمكافحة الكراهية على الإنترنت"، وقال: "يتعين علينا التصدي لجرائم الكراهية على الإنترنت بصورة أقوى، الإنترنت يبدو أحياناً مثل معقل أخير للغرب المتوحش، وعندما تؤدي تهديدات اليمين إلى عدم منافسة ساسة محليين في الانتخابات وانسحاب المتطوعين من نشاطهم التطوعي، فإنّ هذا يعتبر أمراً مهدداً للديمقراطية".

مونش يؤكّد أنّ تهديدات اليمين المتطرف تعرّض الديمقراطية للخطر ويجب التصدي لجرائم الكراهية

يذكر أنّ العمري استولى على شاحنة، في 19 كانون الأول (ديسمبر) عام 2016، ودهس بها جموعاً بشرية في أحد أسواق الكريسماس في برلين، ما أسفر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة العشرات، وعقب الجريمة فرّ العمري إلى إيطاليا؛ حيث لقي حتفه بعد أربعة أيام، برصاص الشرطة.

 

للمشاركة:

الحوثيون يعترفون: زرعنا 2500 حقل ألغام!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

أبلغت ميليشيات الحوثي الإرهابية رئيس فريق المراقبين، الجنرال الهندي أبهيجيت جوها؛ بأنّ حقول الألغام التي زرعتها تتجاوز 2500 حقل، في منطقة المنظر والمنصة جنوب غرب الحديدة، وأنّ الذين زرعوا هذه الألغام قتلوا لذلك لا يستطيعون انتزاعها.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تؤكّد لرئيس فريق المراقبين أنّ الذين زرعوا حقول الألغام قُتلوا

وكان فريق الأمم قد أقام، أمس، رابع نقطة مراقبة في منطقة منظر للإشراف على وقف إطلاق النار، وربطها بغرفة العمليات في السفينة الأممية قبالة سواحل اليمن، متهماً ميليشيا الحوثي بقصف منازل المدنيين، في مديرية التحيتا ومواقع الجيش اليمني، رغم الجهود الأممية الرامية للتهدئة، وفق ما نقلت صحيفة "عكاظ".

ولفتت المصادر إلى أنّ الميليشيا ارتكبت خلال الساعات الماضية 20 خرقاً، وتعرضت نقاط لجنة مراقبة وقف إطلاق النار الثلاث في شرق الحديدة لاستهداف مباشر.

في غضون ذلك؛ طالب نائب المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي في اليمن، رضا قريشي، بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي، مؤكداً أنّ البرنامج قدم غداء ودواء وماء تكفي لـ 3 أشهر.

وأوضح في بيان له أمس؛ أنّ 200 شخص ما يزالون معرضين للخطر في المدينة، وسط تفاقم معاناتهم وتوقف المراكز الصحية والمحلات التجارية.

برنامج الغذاء العالمي في اليمن يطالب بتوفير ممرات آمنة لخروج المدنيين من الدريهمي

وتتخذ المليشيا من المدنيين في الدريهمي دروعاً بشرية، وتمنع خروجهم إلى أماكن آمنة بعد أن زرعت حزام ألغام حول المدينة.

ونجح برنامج الغذاء العالمي، الأسبوع الماضي، بعد أن تمكنت قوات التحالف العربي وآليات كاسحات الألغام من تنظيف الطرق المؤدية إلى المدينة من الألغام الحوثية، في تأمين دخولهم عبر طرق ريفية وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين.

 

للمشاركة:

لليوم السابع.. احتجاجات لبنان تستمرّ ولا بوادر للانفراج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

تتواصل الاحتجاجات في لبنان، لليوم السابع على التوالي، وتشهد البلاد شللاً جزئياً، بفعل قطع المحتجين لمعظم الطرقات الرئيسة في مختلف الأراضي اللبنانية، وإغلاق المدارس والمعاهد والجامعات والبنوك.

وبدأ المحتجون، منذ ساعات صباح اليوم، بالتوافد إلى ساحة رياض الصلح وسط بيروت، إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"، كما يسمّيها المحتجون، وسط رفض تام للورقة الإصلاحية التي قدمتها الحكومة اللبنانية، في محاولة لرأب الصدع الاقتصادي والمعيشي الذي أدّى إلى انفجار الشارع، وفق "روسيا اليوم".

المحتجون منذ ساعات الصباح يتوافدون إلى وسط بيروت إيذاناً بيوم جديد من "الثورة"

إلى ذلك، يصرّ المحتجون على إقفال الطرقات المؤدية إلى العاصمة مع بداية كلّ يوم؛ حيث تعمل القوى الأمنية بالتفاوض مع المحتجين إلى فتحها ولو جزئياً في ساعات المساء.

كما يعمد المحتجون إلى قطع الطرقات التي تصل جنوب لبنان ببيروت، وبيروت بجبل لبنان والبقاع والجنوب، تأكيداً على عدم مركزية الاحتجاجات وانتشارها في كلّ أرجاء البلاد.

وبينما أصدر وزير التربية والتعليم العالي، أكرم شهيب، قراراً بإعادة فتح المدارس والمعاهد والجامعات اليوم، ولا يبدو أنّ قراره لقي آذاناً صاغية؛ حيث أقفلت اليوم أيضاً غالبية المدارس في كلّ لبنان، فيما تركت معظم المؤسسات الخاصة الكبيرة تقدير إمكانية الحضور للموظفين وفق ظروف مناطقهم.

وأفادت صحف محلية؛ بأنّه "تمّ تشكيل قيادة من مدنيين وعسكريين متقاعدين، لإدارة حركة الاحتجاجات، ويجري التكتم على إعلان أسمائهم لتجنب الخلافات".

سياسياً؛ أفادت صحيفة "الجمهورية" بأنّ اتصالاً جرى ليلاً بين رئيس البرلمان، نبيه بري، ورئيس الحكومة، سعد الحريري، أكّد خلاله الأخير؛ أنّ "الحديث عن استقالة الحكومة ليس وارداً، وليس مطروحاً على الإطلاق، وبالتالي لا توجد استقالات أو تعديل للحكومة، والأولوية للتنفيذ السريع للمقررات التي انتهى إليها مجلس الوزراء".

وكانت معلومات قد تحدثت، أمس، عن احتمال إجراء تعديل وزاري يطيح بالوزراء "الاستفزازيين" في الحكومة، بهدف امتصاص نقمة الشارع، إلا أنّ هذه الاقتراحات لم تلقَ قبولاً من المحتجين.

ومع اقتراب نهاية الشهر، برزت علامات استفهام في شأن مصير الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، في ظلّ استمرار المصارف في إقفال أبوابها اليوم أيضاً.

الحريري وبري: لا توجد استقالات أو تعديل حكومي، والأولوية للتنفيذ السريع لقررات مجلس الوزراء

وفي هذا السياق؛ طمأنت وزارة المالية بأنّ "دوائرها المختصة تتابع العمل على إنجاز معاملات دفع الرواتب كالمعتاد في مثل هذا التوقيت من كلّ شهر، والتي ستحوَّل إلى المصرف المركزي في مواعيدها العادية والطبيعية".

وكانت مجموعة "لـ حقي" أعلنت في بيانها رقم 8، مساء الثلاثاء، استمرار التظاهرات في كافة المدن اللبنانية، حتى "استقالة الحكومة الفورية، وتشكيل حكومة إنقاذ مصغرة مؤلفة من اختصاصيين مستقلين لا ينتمون للمنظومة الحاكمة، فضلاً عن إدارة الأزمة الاقتصادية وإقرار نظام ضريبي عادل".

كما طالبت بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، بعد إقرار قانوني انتخابي عادل، وتحصين القضاء وتجريم تدخل القوى السياسية فيه.

 

للمشاركة:



مصرع المتنبي.. آل بويه أم اللُّصُوص؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

رشيد الخيّون

احتفلت الموسوعة الشعرية في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، في 23 سبتمبر المنصرم، بمرور (1054) عاماً، حسب التقويم الهجري، على مصرع أبي الطَّيب المتنبي، فقيل قُتل في (27 رمضان 354هـ) المصادف (سبتمبر 965م)، فتوافق الذكرى الـ(1087) حسب الميلادي. إنها ليست المرة الأولى الذي يحضر فيها المتنبي بأبوظبي، بل أحييت عدة مناسبات حوله، في معارض الكتب والندوات الثَّقافيّة، وطباعة ديوانه محققاً، مع صورة مخطوطته في مجلد خاص. وحسب متابعتي، أجد أبا الطَّيب الشَّاعر الأكثر حضوراً، مِن الأوائل والأواخر، في مناسبات أبوظبي الثَّقافيَّة والأدبيَّة، فليس دافع هذا الاحتفاء بحاجة إلى توضيح، فالمتنبي مازال «مالئ الدُّنيا وشاغل النَّاس»، وكان هذا عنوان الاحتفال بذكرى مصرعه.
وكانت مجلة «المقتطف» قد احتفلت بمرور ألف عامٍ على مصرع المتنبي (1935)، ونشرت كتاباً للمحقق والأديب المصري محمد محمود شاكر (ت 1997)، بعنوان «المتنبي»، وكان مِن أبلغ مَن كتب مِن المتأخرين عنه، وبعد حين حصل الكتاب على جائزة «الملك فيصل العالميَّة» (1984). يأتي بعده، في النّشر، كتاب الشَّاعر والأديب البحريني إبراهيم العَريَض (ت 2002) «فن المتنبي بعد ألف عام» (نُشر 1962).
وتزامناً مع «المقتطف»، احتفت مجلة «الرِّسالة» المصرية بألفية المتنبي في العام نفسه، واستكتبت أبرز أدباء وشعراء ذلك الوقت، وبينهم جميل صدقي الزَّهاوي (ت 1936)، والذي وصف المتنبي بعبارة: «مثل بحرٍ رحيب» (مجلة الرسالة). بحثتُ في المجلات العربية، منذ (1935) وما قبلها، وحتى يومنا هذا، عن طريق «موقع» أرشيف المجلات (عن مؤسسة صخر لصاحبها الأديب الكويتي محمد الشَّارخ)، ما استطعت إحصاء البحوث والمقالات التي كُتبت في أبي الطيب!
ليس بين الأوائل، مَن أسس لسيرة المتنبي أكثر أهمية مِن أبي منصور الثَّعالبي (ت 429هـ) في «يتيمة الدَّهر»، فيبدو لم يسبقه أحد بنقد شعر المتنبي، وما تضمنه مِن كنايات وأمثال. قال فيه: «نادرة الفلك، وواسطة عِقد الدَّهر» (اليتيمة). كذلك لا يتجاوز مَن أراد دراسة المتنبي مِن السابقين واللاحقين، ما أرخه القاضي المُحَسّن التَّنوخي (ت 384هـ) في «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة». فعلى ما يبدو معظم المؤرخين، نهلوا منهما في هذا الشَّأن، فهما مِن مجايليه، خصوصاً صاحب النّشوار.
لا ينتسب المتنبي لقبيلة أو مذهب، وقصة والده عيدان السَّقا، واسم المتنبي أحمد بن الحسين الجعفي، يشوبها الغموض، لهذا وجد البعض مجالاً في نسبته إلى العلويين، على أنه تعلم في كتاب الأشراف بالكوفة، وفي شبابه ادعى أنه قائد ثورة علوية ببادية السّماوة، فاستنفر عليه والي حمص للأخشيديين واعتقله ثم استتابه.
قيل الكثير في سبب لقبه بالمتنبي، هل كان لبيت شعر شبه نفسه ببعض الأنبياء، أم لادعاء النّبوة فعلاً؟! فقيل كان له كتاب «يُعارض به القرآن»، ولما سئل عنه في الكبر، قال ذاك كان زمن الحداثة (التَّنوخي، نشوار المحاضرة). تاه البعض فيه، وأظهر مِن شعره دلائل بأنه ابن شخصية علوية بارزة، ابن المهدي المنتظر مثلاً، وبهذا يكون الإمام الثَّالث عشر للإماميَّة، مما سيربك نظريَّة الإمامة إذا صح ما جاء في كتاب عبد الغني الملاح (ت 2002) «المتنبي يسترد أباه» (1973-1974).
كان اعتزاز المتنبي بموهبته طافحاً في شعره: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ وأسمعت كلماتي مَن به صممُ». قالها قبل وجود أبي العلاء المعري (ت 449هـ) أشد المعجبين به، والذي عنون تفسيره لديوانه بـ«معجز أحمد»! هناك مَن لا يُشمئز مِن غروره، وكأنه هو هكذا، فإذا قال محمد مهدي الجواهري (ت 1997): «كلما حُدثتُ عن نجمِ بدا/ حدثتني النَّفس أن ذاك أنا»، فليس هذا بغرور إنما تعبير عن موهبة عالية في الشعر؟! فالمتنبي نظر الأعمى في أدبه والجواهري شبّه نفسه بالنجم، فما الغرور في ذلك، طالما الأمر يخص موهبتهما؟!
تغنى الجواهري في أكثر من قصيدة بعظمة المتنبي. وجاء في قصيدة «يا ابن الفراتين» (بغداد 1969)، بما يُشير إلى مصرعه: «ناشدته وعلى أثوابه عَلَقٌ/ مِن الدِّماء، ومِن حباتها زردٌ»، ويؤكد أنهما مِن دوحة واحدة: «أنا ابن كوفتك الحمراء لي طنبٌ بها/ وإن طاح مِن أركانه عمدٌ/ فكن أبا الطَّيب الجبارَ لي مدداً/ ولي بما صُغتَ مِن جبارةٍ مددُ» (الدِّيوان). شارك أيضاً بـ«فتى الفتيان» في افتتاح مكتبة «المتنبي» الوطنية ببغداد (1977)، وضمن احتفال بألفيته، ومنها: «أراب الجنَّ أُنسٌ عبقريٌ/ بوادي عبقر افتَرَش الجِنانا/ تطوف الحورُ زِدْن بما تَغَنّى/ وهنَّ الفاتنات به افتتانا».
أتذكر كان الشَّاعر السوري سليمان العيسى (ت 2013) حاضراً، فخلع معطفه وأخذ يلوح به في الهواء إعجاباً بالاثنين.
كان المتنبي عائداً مِن شيراز، حيث اللّقاء بعضد الدولة البويهي (ت 372هـ)، وقال فيه: «ولو أني استطعتُ حفظتُ طرفي/ فلم أبصر به حتى يراك»، وكان عضد الدَّولة سخياً معه، وأراد سماع ما يرجحه به على سيف الدولة الحمداني (ت 357هـ)، فدس مِن سأله، فقال: «هذا أجزل إلا أنه عطاء متكلف، وكان سيف الدَّولة يعطي طبعاً»، وهذا ما قتله وهو في طريقه إلى بغداد، وكان أحد وزرائها حشد الشّعراء لهجائه فيها، لأنه رفض مدحه، فردَّ قائلاً: «أرى المتشاعرين غُروا بذمّي ومَن ذا يحمل الدَّاءَ العضالا» (النشوار واليتيمة).
أما الرّواية الأخرى في قتله فإن لصوصاً خرجوا عليه عند النعمانية أسفل بغداد، حيث دير العاقول، وقتلوه وولده، ولم يعلم اللّص فاتك الأسدي قَتل مَن. أما أنه قتله لأنه هجا والده، فهذا اختلاق القصاصين. هذا، ولا يمنع أن يكون الأمران معاً: إشارة مِن البويهيين بقتله نكاية بغرمائهم الحمدانيين، وجرأةً مِن اللّصُوص.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

مظاهرات لبنان: هل بدأ نظام المحاصصة الطائفية يتصدع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

مارتن بيشنس

نحو أسبوع كامل، أبدى الناس في لبنان تمردا غير مألوف ضد ساستهم.

وأغلقت مدارس وجامعات وشركات مع تدفق مئات الآلاف من المتظاهرين على ساحة الشهداء بقلب العاصمة بيروت ومناطق أخرى بشتى أنحاء البلد، للتظاهر ضد أشخاص حققوا مكاسب بينما قادوا لبنان إلى جحيم اقتصادي.

واندلعت المظاهرات بسبب ضريبة على الاتصالات عبر تطبيق واتساب، لكن الحكومة سرعان ما تخلت عنها.

وبالرغم من هذا، لم تتمكن الحكومة من احتواء غضب أمة سئمت الركود الاقتصادي، والفساد المزمن، وغياب الخدمات العامة الأساسية.

ويعاني الاقتصاد اللبناني حاليا تحت وطأة واحد من أعلى معدلات الديون في العالم.

اللافت هو أن الاحتجاجات تجاوزت الخطوط الطائفية التي ابتلي بها لبنان طيلة عقود.

ويقول متظاهر يُدعى كريستيان ماناشي "لأول مرة على الإطلاق هناك وحدة حقيقية في البلد وليست زائفة مثل ما شاهدنا في السابق".

"الناس أدركوا أن المسيحي الذي يعيش في فقر مدقع لا يختلف عن السني أو الشيعي الذي يعيش في فقر مدقع"، بحسب ماناشي الذي يبلغ من العمر 29 عاما.

وبموجب النظام السياسي في لبنان، توزع المناصب السياسية العليا وفقا للطائفة، وهو ما أدى إلى نظام من المحسوبية تمكن السياسيون من استغلاله ببراعة.

وطالب المحتجون زعماءهم بالاستقالة. وقد استقال عدد من الوزراء بالفعل، لكن غالبيتهم مازالوا يقاومون.

وأعلن رئيس الحكومة، سعد الحريري، أمس عن مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية، يأمل أن ينجح بعضها في تهدئة غضب المحتجين. فقد تعهد بخفض رواتب السياسيين، والاستثمار في مجال الطاقة، وفرض ضرائب على المصارف للمساعدة في خفض الدين العام.

وحرص الحريري في كلمته على ألا يلهب الموقف أكثر، قائلا إنه استمع لغضب الناس.

لكن كثيرا من المتظاهرين يرون أن الحكومة تأخرت ولم تقدم إلا القليل، وقد تعهدوا بالبقاء في الشوارع بهدف "إسقاط النظام".

وقال لي محتج شاب "الأمر كله كان مبهما. لماذا لم يفعلوا هذا منذ 30 عاما؟".

غير أن الزعماء السياسيين في لبنان سيأملون أن تخبو الاحتجاجات - التي اندلعت على نحو عفوي غير منظم - في نهاية المطاف.

إذا لم يحدث هذا، فسيتجه البلد إلى منطقة مجهولة. ومن شأن هذا إثارة قلق الغرب، الذي يعتبر لبنان بمثابة منطقة تنعم باستقرار نسبي في الشرق الأوسط المضطرب.

ومما لا شك فيه أن لبنان بلد يشعر بأنه وُلد من جديد في الأسبوع المنصرم. فالناس المهمشون منذ عقود شعروا فجأة أن بإمكانهم محاسبة النخبة السياسية والمطالبة بالتغيير.

وربما حافظ اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية قبل 30 عاما، على السلام، لكنه خلق كذلك مأساة اقتصادية لكثير من اللبنانيين، وقد بدأ يتصدع.

غير أن الخطر الحقيقي مختف خلف قناع المناخ الاحتفالي، الذي يصطحب فيه الناس أبناءهم للاحتجاجات ويرقص فيه متظاهرون بحماس في طرابلس. فالخلافات القديمة لا تموت بسهولة.

وربما شلّت هذه الاحتجاجات المفاجئة حركة الزعماء السياسيين في لبنان، لكن هذا لا يعني أنهم سيسلمون السلطة دون قتال.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

هل يعلن نصر الله الجهاد على لبنان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

مشاري الذايدي

ماذا لدى زعيم «حزب الله»، حسن نصر الله، حامي العهد اللبناني السياسي القائم، ليعيد الشعب اللبناني الثائر إلى منازلهم؟
حسن نصر الله قال صراحة، في خطبته المثيرة تعليقاً على انتفاضة الشارع اللبنانية الكبرى، إنه ليس بمقدور أحد إسقاط العهد، ومسح على لحيته، وقال: «خذوها من هالدقن»!
العهد هو اصطلاح لبناني يعني رئيس الجمهورية وتركيبته السياسية التي تؤمن له الحكم، وفي مقدمها حزبه السياسي، التيار الوطني الحر، أو التيار العوني كما يسمى في لبنان.
يضاف لهذه المفردات، طبعاً، رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي يؤمن الغطاء السني والدستوري لهذه الحكومة وهذا العهد.
«حزب الله» هو المستفيد الأكبر من هذه الحكومة وهذا العهد، فهو يفعل ما يريد تحت غلالة شرعية مدنية شكلية، خاصة مع التضييق الدولي بقيادة أميركا، على إيران وأذرع إيران، ومن أهم هذه الأذرع، شبكة «حزب الله» اللبناني.
دوما يتفاخر نصر الله في خطبه التي يزبد فيها ويرعد، بترسانته من الصواريخ التي تطال حيفا وما بعد حيفا، ولكنها في الواقع طالت الزبداني وما بعد الزبداني، وفتكت بالشعب السوري لصالح الحرس الثوري الإيراني الإرهابي.
يتفاخر بنخبه العسكرية وأصحاب القمصان السوداء من الحزب الأصفر، ممن اتهموا بقتل الرموز السياسية المدنية، وفي مقدمهم رفيق الحريري وجبران تويني ومحمد شطح وجورج حاوي وبيير الجميل وغيرهم ودرّسوا خطف الطائرات المدنية وتفخيخ السيارات.
حسناً، هذه الصواريخ الإيرانية الصنع، وكتائب المقاتلين، بماذا ستنفع حسن نصر الله، ومن يسيّره في إيران، في ردع الشعب اللبناني المنتفض؟
هل سيطلق صواريخه على الناس في ميادين صور والنبطية وبيروت وطرابلس والمتن وبنت جبيل وجلّ الديب؟
هل يعلن مجلسه الجهادي الجهاد على الشعب اللبناني؟ هل يتصدر قادة إرهاب الحزب الخميني اللبناني أمثال طلال حميّة وسليم عياش ونبيل قاووق ومحمد يزبك وهاشم صفي الدين المشهد ويقتلون الناس باسم الله؟
نعم «حزب الله» هو الطرف الوحيد الذي يملك السلاح الفتاك، ولكن بماذا سيفيده هذا السلاح اليوم؟ إن استعمله ضد الناس في شوارع وميادين لبنان، فهو يضع نفسه بشكل نهائي في خانة العدو للوجدان اللبناني العام، وإن لم يستعمله ضاق به، وصار هذا السلاح عليه لا له.
لقد كسر الحاجز، وشبّ عمرو عن الطوق، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وحتى لو «مرقت» هذا الهبة، فالمقبلة أعظم منها. فهل يعلن «نصر الله» الجهاد على لبنان؟

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية