الأُلتراس تطوي صفحة الاستغلال الإخواني للرياضة

13856
عدد القراءات

2018-08-16

مؤخراً أعلنت روابط المشجّعين الرياضيين (الأُلتراس) في مصر حلّ نفسها وتوقيف نشاطها، وأهمها أُلتراس نادي الأهلي، الذي أعلن ذلك عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

ربما لم يلفت ذلك كثيراً المراقبين للشأن المصري، لكنّه يعدّ حدثاً سياسياً بالغَ الأهمية، إذ معناه أن طيفاً كبيراً من المجتمع الذي كان محسوباً على الإخوان انتقل الآن إلى خانة الدولة، أو على الأقل اختار الوقوف محايداً في المنتصف، لتفقد الجماعة واحداً من أهم رموز قوتها الجماهيرية في مصر بعد أن تمكنّت لسنوات من اختراقها واستغلالها لصالحها.

أعلنت (الأُلتراس) في مصر حلّ نفسها وتوقيف نشاطها

تجنباً للاستغلال

شهد شهر أيار (مايو) الماضي حلّ روابط الأندية المصرية على التوالي وحرق "البانر" الخاص بها (الراية التي تحمل اسم كل مجموعة وشعارها)، ونشرت رابطة ألتراس "أهلاوي" بياناً على صفحتها جاء فيه: "تأسس جروب أُلتراس أهلاوي لمساندة النادي الأهلي داخل مصر وخارجها، ووجودنا أو عدمه لن يحرم الأهلي من جماهيره، المباريات أمام أي مشجّع الغرض منها المشاهدة والاستمتاع فقط لا غير، الرابطة منذ تأسيسها داعمة ومساندة للدولة، ولن تكون غير ذلك، ولذلك قرّرنا من أجل الحفاظ على مستقبل الجميع حتى لا يستغلنا أحد استغلالاً سيئاً حل جروب أُلتراس أهلاوي نهائياً".

فقدت الجماعة داعماً مهماً بحلّ روابط الألتراس في مصر بعد أن تمكنّت لسنوات من اختراقها واستغلالها

أُلتراس نادي الاتحاد السكندري بدوره أعلن أيضاً حل رابطة جرين ماجيك وحرق البانر الخاص بها، كما حل أُلتراس يلو دراجونز المنتمي لنادي الإسماعيلي الرابطة الخاصة به، عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وجاء في بيانه: "اخبروا التاريخ عنا.. عشر سنوات مضت منذ التحليق الأول للتنانين في سماء المدينة كانت كل لحظة فيها تظهر الإخلاص في حبها وكيان النادي الإسماعيلي العظيم الذي بناه الأجداد.. ولن ننسى، نتذكر فيها.. كل قرار، دخلة ورسالة، منتج، كل شارة، وأول سي دي في مصر وأول كورتيج في مصر، وكل فرد نضج داخل المجموعة وكل اجتماع وتجمع وترحال.. وكل مرة تدخلنا لتصحيح مسار نادينا الغالي، وقد آن للتنين أن يستريح بعد تلك المسيرة الحافلة".

كيف سيطرت الجماعة على الأُلتراس؟

بمجرد أن تشكّلت رابطة النادي الأهلي المصري العام 2007، سعت جماعة الإخوان بمحاولات حثيثة لاختراقها، ولكنها فشلت في ذلك حتى جاء العام 2011 حاملاً معه إسقاط نظام الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، وساعتها أعلنت روابط الأندية عدم مشاركتها في أي تظاهرات سياسية، إلا أنّه في العام التالي اجتمع خيرت الشاطر مع رابطتي الأهلي والزمالك، وكلّف ابنه بالإشراف على هذه المجموعات، وبعدها شهدت الساحة المصرية مشاركة هذه الروابط في فعاليات سياسية تتجاوز الأهداف التي أُنشئت من أجلها، فوقفت بجوار الإخوان في كل مواقفها، بل وكانت رابطة الأهلي والزمالك تحديداً هي العمود الفقري، لحركة حازمون، التي يقودها حازم صلاح أبو إسماعيل.

بمجرد أن تشكّلت رابطة النادي الأهلي المصري العام 2007 سعت جماعة الإخوان بمحاولات حثيثة لاختراقها

الحماس الشديد، التنظيم الجيد، والالتزام بقرارات القيادات هي صفات ثلاث يتسم بها شباب الأُلتراس على اختلاف مكوناتهم، وأنديتهم التي يشجعونها، ومن هذه الجوانب بدأت علاقة روابط الأُلتراس بالإخوان.

وهو ما عبّر عنه صراحة أحد قيادات الأُلتراس مؤسس حركة (أحرار) أحمد عرفة، المتهم بانتمائه لجماعة أنصار بيت المقدس؛ حيث اعترف في التحقيقات أنّهم استغلوا الألتراس في التجنيد، وأنّهم نجحوا بالفعل في إرسال عدد منهم إلى سوريا للقتال مع جماعة أحرار الشام هناك، التي انضم إليها أحمد مبروك سلامة، أحد مؤسسي تنظيم الجهاد بمصر، والمسؤول عن استقبال المصريين بسوريا.

اقرأ أيضاً: هكذا حرّض سيد قطب على إعدام العاملَين المصريين خميس والبقري

كان أول ظهور لحركة "أحرار" المنبثقة من أتباع حازم أبو إسماعيل، بمشاركة الوايت نايتس (أُلتراس الزمالك)، في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 أمام دار القضاء حيث كان يعقد المستشار أحمد الزند رئيس نادي القضاة جمعية عمومية طارئة للقضاة للاحتجاج على الإعلان الدستوري الذي أصدره محمد مرسي حينها، وشارك أُلتراس زملكاوي في عدد كبير من الفاعليات التي نظمتها جماعة الإخوان لدعم مرسي بعد عزله إثر ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013.

 الأُلتراس كانت تستغل أي مباراة للهجوم على الجيش والشرطة

ألقت أجهزة الأمن عقبها القبض على "سيد مشاغب"، أحد أبرز كابوهات (قيادات التشجيع) ألتراس "زملكاوي"، مع بعض قيادات حركة "أحرار"، يوم أحداث الحرس الجمهوري في تموز (يوليو) 2013 بعد مراقبة المنزل الذي كانوا به، ووجدت العديد من إصدارات تنظيم القاعدة مع المتهم حازم العيني، قائد التنظيم، ومموّله مثل كتاب (فرسان تحت راية النبي) للقيادي في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وكذلك كتاب "دعوة المقاومة الإسلامية"، ووجّهت لهم اتهامات تتعلق بـ"تشكيل تنظيم إرهابي والسعي لقلب نظام الحكم".

شارك أُلتراس "زملكاوي" بفاعليات عديدة نظمتها الجماعة لدعم مرسي بعد عزله إثر ثورة 30 يونيو

في يوم 7 شباط (فبراير) 2015 اصطدم الأُلتراس بالأمن المصري، وقُتل عدد من الأفراد أمام استاد الدفاع الجوي، فأصدرت الجماعة بياناً رسمياً من خلال متحدثها الإعلامي محمد منتصر طالب فيه رابطة الأُلتراس بالانضمام إلى تظاهرات الجماعة.

عقب أحداث استاد بورسعيد في مباراة الأهلي والنادي المصري، يوم 1 شباط (فبراير) 2012 التي راح ضحيتها 72 قتيلاً ومئات المصابين، وتمثّل أكبر كارثة في تاريخ الرياضة المصرية، اختنقت العلاقة بين رابطة أُلتراس الأهلي والنظام المصري، وتم منع الجماهير من دخول المدرجات، لأنّ روابط الأُلتراس كانت تستغل أي مباراة للهجوم على الجيش والشرطة، وتحاول أن تثير الشغب، وتحرق الملاعب.

اقرأ أيضاً: الـ "كيكي" في القاهرة: مجتمع الفُرجة على الطريقة المصرية

وفي هذا السياق يشير فرهارد خسرو خافار في كتابه "شهداء الله الجدد: في سوسيولوجيا العمليات الانتحارية"، إلى دراساتٍ تتحدث عن شبابٍ كانوا من عشّاق أندية كرة القدم أو الرياضة وأصبحوا متطرفين؛ بل وانتقلوا من القابلية للتطرف إلى القابلية للقيام بعمليات إرهابية، وأن ثمة علاقة بين الجهاديين ولعب الكرة.

في مصر تأسس أول أُلتراس في العام ٢٠٠٧

من هم الأُلتراس؟

أورد مركز هردو لدعم التعبير الرقمي، في دراسة بعنوان: (أزمات الأُلتراس بين الرياضة والسياسة) أنّ كلمة Ultras كلمـة لاتينيـة تعنـي المتطـرفين، وهـم مجموعـة معروفـة بانتمائهـا وولائها الشديد للفرق الرياضية وخصوصاً كـرة القـدم، وأول مجموعـة تـم تكوينهـا كانـت فـي البرازيـل العـام ١٩٤٠، وعرفـت باسـم Torcida ثـم انتقلـت إلـى أوروبـا، وتحديداً يوغوسلافيا ثم كرواتيا، وأخيـراً وصلت إلى شمال إفريقيا .

اقرأ أيضاً: لماذا لم يتأثر تديّن مصر برحيل الإسلاميين؟

في مصر تأسس أول أُلتراس في العام ٢٠٠٧ وهو أُلتراس "وايت نايتس" المنتمي لنـادي الزمالك، وفي نفس العام تأسس أُلتراس "أهـلاوي" المنتمـي لنـادي الأهلـي، وتـبعتها بعد ذلك باقي روابط الأُلتراس للأندية المصرية .

كانـت روابـط الأُلتراس فـي البدايـة تهـتم بالرياضـة فقـط، وخصوصـاً مباريـات كـرة القـدم، ثـم بـاقي الألعاب الجماعيـة، ولـم يظهـر لهـم أي انتمـاء سياسـي أو تـدخل في الشأن العام، وفي البدايـة رحّـب الجميـع بهـذه الظـاهرة لمـا أدخلـوه مـن طـرق جديـدة فـي التشـجيع، وخصوصـاً مـا يطلـق عليـه الـدخلات، وهـي رسـالة تظهـر كـل بداية مباراة تغطي مدرجات كاملة.

كان أول ظهور لحركة "أحرار" المنبثقة من "حازمون" بمشاركة أُلتراس الزمالك في 2012

الأُلتراس بطبيعة التكوين هو مجموعة شبابية - يتراوح متوسط أعمار أفرادها ما بين ١٥-٢٠ عاماً، عمادها الأساسي هو التمرد على أنماط التشجيع التقليدية؛ فالتشجيع بالنسبة لهم ليس مجرد حب النادي، أو متابعة مبارياته من أمام شاشة التلفاز، أو الارتباط بروابط المشجعين، التي كانت سائدة قبل ظهورهم، وكانت مرتبطة بمجالس إدارات الأندية ولا تخرج عن حظيرة طاعة هذه الإدارة، أو المساحة التي رسمتها لها، في المقابل فإن عقلية الألتراس أو الـ Mentality تقوم على الاستقلال عن قيود مجالس إدارات الأندية، والإبداع الصوتي والبصري في المدرج، والترحال وراء النادي في كل مباراة له حتى لو كانت خارج حدود الدولة، فضلاً عن التشجيع المستمر طوال مدة المباراة سواء كان الفريق خاسراً أم فائزاً؛ فالأمر الأهم لعضو الألتراس هو التشجيع، والمباراة بالنسبة له ليست ما يجري على أرض الملعب، وإنما مباراة في التشجيع لمؤازرة اللاعبين وحثّهم على الأداء الجيد في الملعب، لذلك تجدهم في بعض الأحيان يشجعون وهم يعطون ظهرهم للملعب.

اقرأ أيضاً: مكافحة الإرهاب في مصر: القانون وحده لا يكفي

يتمرد الأُلتراس على أي محاولات لفرض السيطرة عليهم خاصة من جانب السلطة، وعلاقتهم بالشرطة وأفراد الأمن أبرز مثال على هذا التمرد؛ فالشعار الأبرز الذي تشترك فيه كل مجموعات الألتراس حول العالم هو "كل الشرطة أوغاد" (All Cops Are Bastards-  A.C.A.B) فهناك عداء غير طبيعي بين مجموعات الألتراس وعناصر الشرطة، وهذا ما استفادت منه جماعة الإخوان، التي استغلت حالة العداء في تحشيد هذه العناصر بحجة الرياضة، ونقلها إلى مربع السياسة ومعادة الدولة.

مؤسس حركة أحرار أحمد عرفة اعترف أنّهم نجحوا باستغلال الألتراس لتجنيد أفراد إلى سوريا

ولكل رابطة من المشجعين (دخلة) أو نشيد يبدأون به أية مباراة، فيغني ألتراس الأهلي "أعظم نادي في الكون هفضل أحبه بجنون حبي ليك يا أهلي الموت هيوقفه"، ويغني ألتراس "وايتس نايتس" أو "الفرسان البيض" للزمالك "غالي وأفديه بحياتي حياتي وعمره يهونوا يهونوا لاسم واحد زمالك"، أيضا يغنون "سألوني مين اختار لو في جنة او في نار زمالك اكيد حبي الوحيد من غير ما احتار".

اختنقت العلاقة تماماً ما بين الدولة المصرية وروابط الأُلتراس

مبادرة رئاسية للحوار

عقب أن اختنقت العلاقة تماماً ما بين الدولة المصرية وروابط الأُلتراس، دخل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على الخط، وذلك أثناء اجتماعه مع أصحاب المبادرات المجتمعية، بقصر الاتحادية؛ حيث وجّه تحيته لألتراس "أهلاوي"، عبر رسالة نقلها موقع "يلا كورة"، وذلك بعد المظهر اللافت الذي ظهروا به في مباراة فريقهم أمام سيوي سبورت الإيفواري، في ختام الكونفدرالية، التي توّج الأهلي بلقبها، وسط 50 ألفاً من مشجعي الفريق، في كانون الأول (ديسمبر) 2014.

اقرأ أيضاً: لماذا تراجعت عمليات التنظيمات الإرهابية "الإخوانية" في مصر؟

وقال في تصريحاته آنذاك: "أرسل تحياتي للألتراس، كنت سعيداً للغاية بالمباراة، لقد شاهدتها، كنت فخوراً باللافتات التي رفعتها الألتراس، وكنت سعيداً بهذا المشهد، وأتمنى منهم الاستمرار بنفس الشكل لكي تستفيد بهم البلاد".

طرح السيسي مبادرة للحوار مع الأُلتراس، مؤكداً أنّه لن يتدخل في أحكام القضاء، وهي المبادرة التي ردّت عليها المجموعة بضرورة محاكمة جديدة لكل من له علاقة بأحداث بورسعيد، ومقتل 72 منهم.

وفي 16 أيار (مايو) 2018، وبعد بضعة أسابيع من أحداث شغب أسفرت عن محاكمة بعض من المنتمين لرابطة أُلتراس الأهلي، أعلنت المجموعة حلّ نفسها، وقامت بمحو صفحاتها الرسمية من مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تحرق "البانر" الخاص بها، في فيديو بثته عبر الإنترنت معلنة انتهاء وموت الرابطة إلى الأبد، لتطوى بذلك صفحة أكبر أداة جماهيرية كانت في يد جماعة الإخوان، خلال السنوات الأخيرة.

بيان حل الأُلتراس لنفسه:

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: