إذا كان التطرف ينام بين جنبات التراث فمن يوقظه؟!

إذا كان التطرف ينام بين جنبات التراث فمن يوقظه؟!
5494
عدد القراءات

2018-08-19

يظل التطرف حبيس الكتب والرؤوس إلى أن يأتي السياسي ويوقظه من سباته فيعطيه سيفاً أو متفجرات...، والتاريخ حافل بالشواهد على توظيف السياسة للتطرف الديني، لكن هذا التوظيف بلغ ذروته في العقود الثلاثة الأخيرة، ما جعل الإرهاب ظاهرة تختلف جذورها الفكرية –المستمدة من الماضي- عن مسبباتها السياسية الراهنة، تحليل ظاهرة الإرهاب بتحميل التراث الديني المتطرف المسؤولية دون علاج الأسباب يشبه وضع العربة أمام الحصان.

يظل التطرف حبيس الكتب والرؤوس إلى أن يأتي السياسي ويوقظه من سباته فيعطيه سيفاً أو متفجرات

تقول أُم في شهادتها عن تفجير مترو موسكو 2004: "هذا الصبي "الانتحاري / الاستشهادي".. وآخرون.. لقد نزلوا من الجبال وجاؤوا إلينا"، ثم تقول على لسانهم: 'إنكم لا ترون كيف تقتلوننا؛ فلنجرب أن نفعل هذا عندكم"، لم تُغيِّب الحادثة الأليمة عقل هذه الأُم، على الرغم من أن ابنتها أصيبت فيها بجروح خطيرة غيّرت مسار حياتها؛ لقد طرحت الأم السؤال المركزي: لماذا؟ وتوصلت إلى أن "الإرهاب بيزنس" كما جاء على لسانها في كتاب (زمن مستعمل) لسفيتلانا أليكسييفيتش. بهذا المنطق عبّر الفيلسوف ميشيل أونفري "بأن على فرنسا أن تكف عن قصف المسلمين لكي تتوقف "داعش" عن ارتكاب التفجيرات في قلب باريس"، فقامت عليه الدنيا لأنّه أرجع الإرهاب إلى مصادر سياسية.

اقرأ أيضاً: عنف الإرهاب وتركة التراث الفقهي

تحليل الإرهاب من منظور فكري يسهم في فهم الظاهرة وإيجاد الحلول، هكذا فعل فتحي المسكيني قائلاً: "إنّ الإرهاب ليس عنفاً عادياً، بل هو نمط غريب من الرغبة الصريحة في "قتل الدولة"، وليس هذا الشخص أو ذاك"، لكن الرغبة في قتل الدولة لا تنتج من فراغ، في كتابه (الهويات القاتلة) لم يكن أمين معلوف يتحدث عن نظرية المؤامرة، وهو يعزو الإرهاب في الجزائر -في تسعينيات القرن العشرين- إلى ميراث الاستعمار، بقدر ما كان يحلل الميراث القبيح الذي خلَّفه الاحتلال للجيش الوطني، يقول: "تستطيعون قراءة عشرة مجلدات ضخمة عن تاريخ الإسلام منذ البدايات ولن تفهموا شيئاً مما يجري في الجزائر، اقرأوا عشر صفحات عن الاستعمار والتحرر فتفهمون ما يجري بصورة أفضل".

اقرأ أيضاً: مصر: الإخوان والإرهاب من تراث الماضي

كما ربطت حنا أرندت الإرهاب بسياسة الأنظمة الشمولية: "تكمن العلاقة الفارقة للنظام الشمولي في أنّ الرعب والإرهاب يُستخدمان وإنما كأدوات اعتيادية وواسعة الاستخدام لقيادة الجماهير. ولتحقيق هذا الهدف يغذى دائماً، ويعاد إنتاج مناخ الحرب الأهلية"، لكن هذه النظرة التحليلية للإرهاب تختفي وراء كم الكتابات التي تصف الواقع وتتجاهل الجذور التي يمكن الكشف عنها بسؤال "لماذا؟".

اقرأ أيضاً: تراثُ قتل وذبح وفتن أم تراث حب؟

تتناول الصحافة الغربية الإرهاب من زوايا مختلفة؛ مقالة لماكس فيشر بعنوان (كيف يُغيِّر الإرهاب نتيجة الانتخابات؟) تشير إلى أنّ دراسات توصلت إلى أنّ التفجيرات التي تحدث قبيل الانتخابات تسهم في زيادة النقاط لصالح الأحزاب اليمينية، وهيئة تحرير الصحيفة نفسها كتبت مقالاً بعنوان (الحروب الخارجية والإرهاب) يبحث في الصلة بين الحروب الخارجية والإرهاب.

وفي مقالة نشرتها "الإندبندنت" عقب تفجيرات مانشستر كتب باتريك كوكبيرن: "الصلة بين مرتكبي هجمات 11 أيلول (سبتمبر) والولايات المتحدة والسعودية في دعم الجهاديين الذين يقاتلون الشيوعيين في أفغانستان في الثمانينيات لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن إنكار العلاقة بين تفجيرات مانشستر واستعمال الحكومة البريطانية للسلفيين الجهاديين في المملكة المتحدة للتخلص من القذافي".

اقرأ أيضاً: الإخوان يدمرون التراث الإصلاحي ويضرون الدين والمجتمع

يتحدث كوكبيرن هنا عن بريطانيين من أصول ليبية أُعيدت إليهم جوازات سفرهم لمحاربة القذافي في العام 2011، ويقول: "من غير المرجح أن يعودوا مواطنين نموذجيين"، ويصل إلى نتيجة مفادها أنّه "لا ينبغي أن يكون هناك أي غموض حول السبب والنتيجة التي أدّت إلى تفجيرات مانشستر؛ فالأخطاء نفسها ارتكبتها بريطانيا في العراق 2003، وأفغانستان 2006، وليبيا 2011، وفي سوريا خلال الفترة نفسها".

اقرأ أيضاً: تعثر مسار تنقية كتب التراث الإسلامي وأزمة المؤسسات الدينية

ليس كوكبيرن وحده من أدرك هذه الصلة، فـ"منذ يوم الإثنين الماضي فقط أدرك الناس في بريطانيا أن ما حدث في ليبيا في العام 2011 يؤثر بشكل كبير على الحياة في بريطانيا اليوم"، كما ذكر كوكبيرن، ثم يتحدث أحد المعلقين على المقالة عن مسؤولية رئيسة الوزراء تيريزا ماي التي سمحت لهؤلاء بالذهاب إلى ليبيا وارتكاب عمليات إرهابية ثم سمحت لهم بالعودة إلى بريطانيا عندما كانت وزيرة داخلية، وقد دار جدل حول علاقة التفجيرات بترجيح كفة تيريزا.

تراثنا ملغم بالإرهاب حال تراث بقية الأمم لكنّه في هذه المرحلة ليس أكثر من قنبلة بيد من يشعلها

يذهب كوكبيرن بالصلة أبعد من ذلك حين يقول: إن "مجزرة مانشستر المروعة تَسبب فيها العنف المندلع في منطقة شاسعة تمتد من باكستان إلى نيجيريا وسوريا إلى جنوب السودان، بريطانيا تقع خارج حدود مرجل هذه الحروب وسيكون من المستغرب إن لم نُصَب بشرارة هذه النزاعات الوحشية، هذه النزاعات مستمرة منذ أمد طويل لكن بقية العالم يتصرف كما لو كانت الحرب الدائمة هي الحالة الطبيعية في ليبيا والصومال وسوريا والعراق واليمن وجنوب السودان وشمال شرق نيجيريا وأفغانستان".

والحل من وجهة نظر كوكبيرن لن يكون محلياً ولا بتفسير ما حدث فقط ولا بالتخطيط لضبط وتحييد نسبة ضئيلة من السلفيين الجهاديين المتعصبين في المملكة المتحدة، فمثل هذه الإجراءات "ستفتقر دوماً للواقعية ما لم يتم وضعها وتنفيذها بفهم واسع للسياق الذي تحدث فيه"، ويؤكد كوكبيرن أنّ أي معركة لا يمكن خوضها والفوز بها "دون معرفة المكونات السياسية والدينية والعسكرية التي تجتمع معاً لإنتاج سلمان عبيدي وشبكة السلفية الجهادية الغامضة المجتمعة حوله".

اقرأ أيضاً: عبد الباسط هيكل: لا يمكن إحداث قطيعة معرفية مع التراث

وطالما وأن الدول الكبرى تسكت عما يحدث في العالم، "فالعنف الفوضوي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غالباً لا يُذكر في وسائل الإعلام الغربية. وقد بدا أن مجزرة المدنيين في بغداد ومقديشو تبدو طبيعية وحتمية مثل الأعاصير في منطقة البحر الكاريبي أو الانهيارات في جبال الهيمالايا"، كما يرى كوكبيرن.

اقرأ أيضاً: مذبحة التراث على يد الإسلامويين

ما سبق مجرد عينات لكتابات تتعامل مع الإرهاب من منظور تحليلي يذكر السياق والأسباب، بينما يستسهل البعض ظاهرة الإرهاب فيربطونها بأصول فكرية لم تعد تربطها بالإرهاب الحاصل علاقة مباشرة أو قوية، تراثنا ملغم بالإرهاب، حال تراث بقية الأمم، لكنّه في هذه المرحلة ليس أكثر من قنبلة، من يشعل هذه القنبلة هذه مسألة أخرى تحتاج إلى وقفة مستقلة، وهنا يمكن أن نسأل: إذا كان الإرهاب ينام بين جنبات التراث فمن يوقظه!

اقرأ المزيد...
الوسوم:



سيد قطب والصحابة: الانتقاء وفن تلميع التاريخ (6)

2020-01-27

وصف سيد قطب جيل الصحابة، رضي الله عنهم، بصفات مثالية عديدة من بينها "جيل قرآني فريد"، و"جيل مميز في تاريخ البشرية جميعه". ويعود تميز ذلك الجيل، من وجهة نظره، إلى "تفرّده في تلقّي فكره من نبع وحيد هو القرآن الكريم" قبل أن "تختلط الينابيع مع فلسفة الإغريق، وأساطير الفرس، وإسرائيليات اليهود، ولاهوت النصارى، فلم يتكرر ذلك الجيل أبداً". ورأى في ذلك الجيل "ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان". لماذا؟ يجيب قطب "لأنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها".

اقرأ أيضاً: سيد قطب: تأملات في مشروع ملغوم (1)
لا يشك أيّ مسلم وأيّ مؤرخ نزيه في أنّ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يكتف بتبليغ الوحي مشافهة، وإنما أسّس جماعة قوية خاضت تجربة فريدة، وأنّ هذه الجماعة لعبت دوراً حاسماً في تجسيد معاني القرآن الكريم على أرض الواقع، وخلقت نواة الأمة الإسلامية التي ستمتد وتغير مجرى التاريخ.

كان قطب مثالياً جداً في وقوفه عند جيل الصحابة، رضي الله عنهم، حتى كاد أن يحولهم إلى مجموعة ملائكة

لا خلاف حول ضرورة أن تدرس أيّ حركة إسلامية الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام، لكونها الحقبة التأسيسية التي لم يرتبط وجودها فقط بسردية نزول الوحي لمدة ثلاث وعشرين عاماً، وإنّما أيضاً باعتبار أنّ ذلك الجيل قد كان له دور في بناء المرجعية الإسلامية التي لا يمكن فهم تفاصيلها إلا بالرجوع إلى البيئة التي احتضنت تلك المرجعية وغذّتها بتجربتها ومعاناتها وصمودها وخلافاتها. كما حفظتها ونقلتها إلى الأجيال اللاحقة.
مع التسليم بذلك، ارتكب سيد قطب ثلاثة أخطاء كبرى في تناوله لمرحلة الصحابة رضي الله عنهم:
أولاً: كان مثالياً جداً في وقوفه عند جيل الصحابة، رضي الله عنهم، حتى كاد أن يحولهم إلى مجموعة ملائكة. فالانطباع الذي يبقى في ذهن من قرأ "معالم في الطريق" وتأثر به وأعجب بكاتبه أنّ الصحابة بشر فوق النقد، وأنّهم منزهون عن الخطأ، وكأنهم عاشوا خارج التاريخ وماتوا بدون أن يتأثروا بغرائز البشر، ولم تستهوهم أحياناً الحسابات الصغيرة ولم يتورط الكثير منهم في صراعات خطيرة، ولم يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من الخضوع لشهوة السلطة والرغبة في الغنيمة. قَالَ الرَّسُولُ فِي صحابي لَمَّا مَاتَ فِي الْغَزْوِ مَعَهُ، وَكَانَ مُوَكَّلًا أي مكلفاً بِثَقَلِ النَّبِيِّ خَادِماً لَهُ، (هُوَ فِي النَّارِ)، فَنَظَرُوا فَوَجَدُوا مَعَهُ شَمْلَةً )كِساء من صوف أو شعر يُتَغَطَّى به(  سَرَقَهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ!

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الوجه المطمئن مقابل الوجه الآخر (2)
هذه النظرة التمجيدية للتاريخ الإسلامي الأول التي اعتمدها قطب تشكل خطورة على وعي العاملين في حقل الدعوة الإسلامية؛ لأنها لن تهيئهم للتعامل مع حقائق التاريخ، ومن شأنها أن تجعلهم عرضة للفتنة العلمية، وتضعهم في موقع الأضعف عندما يتم إخراجهم من دائرة الدعوة إلى دائرة البحث العلمي، عندها ستصدمهم الوقائع، وسيشكون في معارفهم، وقد يفتنون في دينهم عندما يشعرون بالعجز أمام أهل الاختصاص.
لم يساعد قطب أنصاره على تحديد هوية "الصحابة". من هم؟ وهل جميعهم كانوا صفاً موحداً وصنفاً واحداً أم هم أجيال وتيارات ودرجات وانتماءات اجتماعية مختلفة وطموحات متعددة. إذ رغم الجهود الجبارة التي بذلها الرسول، صلى الله عليه وسلم، معهم في سبيل تربيتهم وتطهير ثقافتهم وصقل مواهبهم ومساعدتهم على التخلص من موروثهم الجاهلي، إلا أنّ الواقع التاريخي يكشف بوضوح أنّ درجة التفاعل معه كانت متباينة، وأنّها اختلفت في العمق من شخص إلى آخر. وهو ما ستكشفه الأيام والأعوام التي توالت فيما بعد وفاة الرسول الكريم، لتكشف الخلافات العميقة بينهم، والتي أدت إلى أحداث ضخمة ومؤلمة شهدتها الجزيرة العربية، ولا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: القفز نحو المواقع الخطرة (3)
ما لم يذكره قطب وأراد أن ينساه المتأثرون به أنّ جيل الصحابة خاض حرباً أهلية كادت أن تدمر البناء كله، وأن تأكل نيرانها الأخضر واليابس، وقد سميت بـ "الفتنة الكبرى". لم يتعرض للأسباب العميقة لتلك الحرب التي قضت على الآلاف من القراء وتم اغتيال كبار الصحابة؟ وماذا ترتب عنها؟ وكيف يجب أن يتعامل معها أصحاب الدعوة اليوم؟ هل يتجاهلونها، أو يكذبون وقوعها؟. أسئلة كثيرة قفز عليها كتاب "المعالم" واعتبرها المؤلف وكأنها غير موجودة، أو افترض أنّ العقل الإسلامي السليم لن يطرحها؛ لأنه لو طرحها الداعية لأثبت قطب له بكونه مصاباً بلوثة "الجاهلية"!

اقرأ أيضاً: سيد قطب: الجاهلية نظرية في الخروج من التاريخ (4)
ثانياً:
عمّق سيد قطب في أطروحته فكرة راسخة عند عموم المسلمين، تتمثل في أنّ مجدهم ونموذجهم الأعلى قد تحقق في ماضيهم، وأنّ المطلوب منهم هو الالتفات دائماً إلى الوراء لمحاولة تكرار ما حصل خلال لحظة التأسيس. فمستقبلهم يكمن في ماضيهم، ولهذا يجدون أنفسهم باستمرار مشدودين إلى الأجداد، وغير قادرين على التحرر منهم والتفكير جدياً في تجاوزهم.

اقرأ أيضاً: سيد قطب و"الظلال".. اختل المنهج فسقط البناء (5)

يطالبون باستمرار بالعودة إلى الإسلام؛ لأنهم يعتقدون في أعماقهم بأنّ الحلم الجميل موجود وراءهم، ولم يفترضوا أنّ الإسلام أمامهم وليس خلفهم، وأنّه مشروع مستقبلي وليس مشروعاً ماضوياً. وشتان بين الحالتين. فالتجديد الحضاري لن يتحقق إذا لم يتم فك الارتباط الآلي بين المجد القديم وبين الحاضر لبناء المستقبل. وفك الارتباط لا يعني رفض الاستعانة بالتاريخ وتحليله في عملية إعادة البناء والتأسيس. ولكن حتى نتجاوز النظرة الدائرية للتاريخ، وبشكل أدق حتى يتم التخلص من الرؤية الانحدارية للتاريخ الإسلامي التي بنيت على حديث نبوي ورد فيه "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). لقد فهم الكثيرون من ذلك أنّ التاريخ الإسلامي يبدأ من الأعلى في شكل سلّم يبدأ من فوق أي من مرحلة الصحابة التي تعتبر القمة في كل شيء، ثم كلما اتجه المسلمون نحو الأمام؛ أي سايروا حركة الزمن إلا وزادت أوضاعهم سوءاً مقارنة بنقطة البداية. وهي نظرة قاتلة للوعي الحضاري ومدمرة للشعوب والأمم. فمن شروط سياقة السيارة أن يلتفت السائق من حين لآخر للمرآة العاكسة التي تكشف له ما وراءه، لكنه لو بقي ينظر إليها باستمرار ولم ينظر أمامه لتسبب في حادث خطير يمكن أن يؤدي به إلى الموت.   

هذه النظرة التمجيدية للتاريخ الإسلامي الأول التي اعتمدها قطب تشكل خطورة على وعي العاملين في حقل الدعوة الإسلامية

ثالثاً: خلص قطب من تأملاته في المرحلة التأسيسية إلى نتيجة أدت عملياً إلى الوقوع في مآزق كثيرة. اعتقد بأنّ تجربة الصحابة تتضمن المنهج الصحيح للدعوة الإسلامية، وأنّ جميع الدعاة في أي زمان ومكان مطالبون بالالتزام بذلك المنهج وعدم الخروج عليه أو تجاوزه. قال "سنلقى في هذا عنتاً ومشقة، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي، ونصره على منهج الجاهلية. وإنه لمن الخير أن ندرك دائماً طبيعة منهجنا، وطبيعة موقفنا، وطبيعة الطريق الذي لا بد أن نسلكه للخروج من الجاهلية كما خرج ذلك الجيل المميز الفريد... ".
هذه الفرضية مثلها مثل الفرضيات السابقة زادت من تعقيد المنهج، وأدت عملياً وحتى نظرياً إلى وضع معالم خاطئة في الطريق.
لا يوجد منهج واحد ووحيد لإصلاح الواقع وتغييره. المنهج مرتبط بالظرف والزمان والمكان والسياق وطبيعة التحديات المطروحة على الشعوب والجماعات. لهذا اختلفت المسارات والتجارب والمحاولات التي خاضتها حتى الحركة الواحدة، وهو ما حصل للإخوان المسلمين الذين دعوا إلى وحدة التنظيم والمنهج، وأسسوا لذلك تنظيماً دولياً، لكن كان الواقع أقوى من الفكرة؛ حيث تعددت الاجتهادات إلى حد التناقض فيما بينها، وهو ما أدى إلى انفراد كل حركة بتحديد مصيرها وفق ما تقتضيه مصلحتها، وأصبح الانتماء إلى هذا التنظيم صورياً أو يكاد بالنسبة للعديد من هذه الحركات، تستفيد من الغطاء لكنها لا تلتزم بكثير مما يقال. (يتبع...)

للمشاركة:

لماذا ترفض شعوب الساحل الأفريقي الوجود العسكري الفرنسي؟

2020-01-27

باتت فرنسا تعاني من أجل تحسين صورتها أمام شعوب منطقة الساحل الأفريقي؛ حيث تنفذ الجماعات الإرهابية المسلّحة هجمات دموية دون انقطاع منذ بداية الصراع في مالي عام 2012، وحيث تتواجد القوات الفرنسية منذ عام 2013، حين تدخلت عسكرياً بطلب رسمي من حكومة باماكو الماليّة.

اقرأ أيضاً: مؤشر الإرهاب 2019: لماذا أفريقيا الأكثر تضرراً؟
ولإعادة تصحيح الوضع وتعزيز الحرب على الجماعات الجهادية المسلّحة، عقدت فرنسا وبلدان الساحل "النيجر، تشاد، موريتانيا، بوركينا فاسو، مالي" اجتماعاً الأسبوع الماضي في ضواحي العاصمة الفرنسية، وقررت رفع مستوى التعاون العسكري المشترك بينها في مواجهة تنامي العمليات الإرهابية.

جاء الاجتماع بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون في أعقاب تزايد الشعور المعادي للوجود العسكري الفرنسي في الساحل الأفريقي

وجاء الاجتماع بدعوة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في أعقاب تزايد الشعور المعادي للوجود العسكري الفرنسي في المنطقة، بعد أن شهدت بعض بلدان المنطقة في الأسابيع القليلة الماضية مظاهرات احتجاجية ضد هذا التواجد، شارك فيها المئات من المواطنين الذين نددوا بـ"الاحتلال الفرنسي" وأحرقوا الأعلام الفرنسية مطالبين برحيل القوات الفرنسية والدولية، تحت شعارات مثل "فلتسقط فرنسا"، الأمر الذي دفع باريس إلى طلب "توضيحات" من حكومات المنطقة فيما يتعلق بالاتهامات الموجهة إليها بالتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وبالطموحات الاستعمارية.
وبدأ الشعور المعادي للوجود الفرنسي والدولي في المنطقة بعد الاصطدام الذي وقع بين طائرتين عسكريتين فرنسيتين في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والذي أدى إلى مقتل 13 جندياً فرنسياً، ممّا كشف عن حضور عسكري قوي لفرنسا، وبدأ مواطنون في بلدان المنطقة بالتعبير عن استنكارهم للوجود العسكري الفرنسي على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصل الأمر إلى حد اتهام فرنسا باستهداف قاعدة عسكرية في النيجر بشكل سرّيّ ومحاولة إبقاء الجماعات المسلّحة فاعلة لإدامة حالة عدم الاستقرار، ولقيت تلك الشائعات رواجاً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع السفير الفرنسي في النيجر إلى تكذيبها يوم 24 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
وخلال الاجتماع السداسي، أعلن الرئيس الفرنسي عن إرسال 220 جندياً إضافياً إلى منطقة الساحل لتعزيز القوات العاملة في إطار عملية "بارخان"، التي بدأتها فرنسا منذ عام 2013 لمواجهة التنظيمات الجهادية المسلّحة، وتتشكل من 4500 جندي يقيمون هناك منذ ذلك التاريخ، لمراقبة الأوضاع الأمنية في منطقة واسعة تساوي تقريباً مساحة أوروبا.
وفقدت فرنسا حتى اليوم 41 جندياً في الساحل منذ أول تدخل عسكري لها عام 2013، لصد هجمات الجماعات المسلّحة التي كانت تسعى إلى دخول عاصمة مالي بعد سيطرتها على مناطق شاسعة في الشمال، وتعد هذه الخسارة أكبر الخسائر العسكرية لفرنسا في جميع عملياتها لحفظ السلام في العالم.

اتهم مواطنون فرنسا باستهداف قاعدة عسكرية في النيجر بشكل سرّيّ ومحاولة إبقاء الجماعات المسلحة فاعلة لإدامة حالة عدم الاستقرار

واتفقت فرنسا والبلدان الخمسة على إنشاء مجموعة عسكرية أطلق عليها اسم "التحالف من أجل الساحل" بهدف تنسيق الخطط العسكرية، في إطار سياسي وإستراتيجي وعملياتي جديد، يتناسب مع تحديات المرحلة؛ حيث سيجمع هذا التحالف بين القوات الفرنسية العاملة في إطار عملية بارخان، وقوات البلدان الخمسة.
وقررت الدول الست تركيز عملياتها العسكرية خلال الفترة المقبلة في المنطقة الحدودية الحساسة بين 3 بلدان هي؛ مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي المنطقة التي تتحرك فيها الجماعات الجهادية بشكل مكثف؛ حيث تسمح لها الفجوات الأمنية على الحدود بالتسلل والتحرك بحرية وتنفيذ هجمات إرهابية قبل العودة إلى قواعدها، خصوصاً مسلّحي ما يسمّى "الجماعة الإسلامية للصحراء الكبرى"، وسيتم في حزيران (يونيو) من العام الجاري عقد قمة جديدة لمناقشة الحصيلة ووضع إستراتيجية جديدة في مواجهة التحديات الإرهابية المتنامية في المنطقة، وذلك بحسب البيان المشترك الذي صدر عقب الاجتماع.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟
وتواجه بلدان المنطقة تحديات أمنية كبيرة منذ أعوام، لكنها مرشحة للارتفاع في حال نفّذت الولايات المتحدة الأمريكية قرارها بسحب قواتها؛ حيث كان قائد القوات العسكرية الأمريكية الجنرال مارك ميللي، قد صرح في وقت سابق بأنّ القوات العسكرية الأمريكية في منطقة الساحل قد يتم تقليص عددها، كما يمكن نقلها كلها إلى منطقة الباسيفيك، وهو ما يشكل عامل قلق لعواصم المنطقة التي تشكو منذ فترة طويلة من عجزها عن مواجهة العمليات الإرهابية، لذلك تريد إقناع الإدارة الأمريكية بإبقاء قواتها هناك.

حضور فرنسا المنفرد في الساحل سيعزز صورتها أمام الشعوب كدولة استعمارية تقليدية تريد بعث الإرث الاستعماري القديم

وتلتقي تلك الرغبة التي عبّر عنها زعماء دول المنطقة مع رغبة فرنسا، التي لا تريد أن تبقى وحيدة في مواجهة الجماعات المسلّحة؛ إذ إنّ حضورها المنفرد في المنطقة من شأنه أن يعزز صورتها أمام تلك الشعوب كدولة استعمارية تقليدية تريد بعث الإرث الاستعماري القديم، وهو ما أعلنه الرئيس الفرنسي؛ حيث قال خلال الاجتماع مع البلدان الخمسة لمنطقة الساحل بأنّه سيحاول إقناع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بأنّ التحدي الإرهابي "يوجد أيضاً في هذه المنطقة وبأنّ الوضع في ليبيا لا يمكن فصله عن الأوضاع العامة في الساحل وفي منطقة بحيرة تشاد"، مشدداً على خطورة انتشار الظاهرة الإرهابية في حال فشل الدول الأوروبية والولايات المتحدة في التعاون لمواجهتها.
ويوجد في إقليم الساحل الأفريقي نحو 7 آلاف جندي أمريكي من القوات الخاصة، يعملون في إطار العمليات المشتركة مع القوات النظامية للبلدان الخمسة ضد الجهاديين، خصوصاً في الصومال.

للمشاركة:

هل جنت السلفية المدخلية والجهادية على السنّة؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2020-01-26

ليس كلّ جدل حول السنّة هو سعْي إلى إنكارها، وإنّما هو نقاش مشروعٌ حول موقع السنّة من التشريع، وهل السنّة مساوية للقرآن الكريم في الدرجة التشريعية؟ ومدى كفاية المناهج المتبعة في فهم/دراسة/قراءة السنّة؟ فالسنّة لا تنطق بالأحكام لكن ينطق باستنباطها عقول الرجال، وهذا سبب للاختلاف والتعدد، وليس هذا الحوار وذاك الجدل وليد عصرنا وإنّما هو قديم يعود إلى بدايات الحركة العلمية في  القرن الثامن الميلادي/ الثاني الهجري.

فإذا كان جيل الصحابة، رضوان الله عليهم، ربط طاعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، الواجبة إلهياً بما يبلغه الرسول من الوحي فقط؛ لذلك تكرّر سؤالهم عن قول أو فعل الرسول: "هل هو الوحي أم الرأي والمشورة"؟ "أهو أمرٌ من الله أم شيء يصنعه لهم"؟ وأحياناً كانوا يطرحون اجتهادات أخرى مخالفة لاجتهاد النبي، صلى الله عليه وسلم، وكثيراً ما كان يطلب منهم ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله "أشيروا عليّ". فإنّه برحيل النبي، صلى الله عليه وسلم، والجيل الأول من الصحابة، رضي الله عنهم، تحوّلت المسلّمة التي تفرّق بين وجود شخصيّتين للرسول بمقتضى صفتَيْه "بشراً نبياً" - يصدر في أقواله وأفعاله عن الوحي المقدس تارة، وعن الرأي البشري تارة أخرى - إلى نقطة خلاف بين مَنْ عُرفوا تاريخياً بـ "أهل الرأي" و"أهل الحديث" قبل أن يُحسم الخلاف بقوة السلطة السياسية وجمود العقلية الدينية لصالح أهل الحديث.

توجّه الخطاب السلفي لقراءة الأخبار المسندة إلى النبي قراءة نفعية أدت لسيادة حالة من السلبية تارة ومن العنف تارة أخرى

فرأت مدرسة الرأي متمثلة في اجتهادات الإمام أبي حنيفة (٨٠-١٥٠هـ/٦٩٩-٧٦٧م) ضرورة التمييز تشريعياً بين نوعين من السّنة: "سنّة الوحي" الثابتة، وهي أقوال النبي، صلى الله عليه وسلم، وأفعاله الشارحة والمبينة لما ورد مجملاً في تعاليم القرآن الكريم التي قد تختلف أفهام العلماء قديماً وحديثاً حول غير قطعي الدلالة منها. و"سنة العادات" المتغيّرة، وهي ما سوى ما تقدّم من أقوال وأفعال تُدرج في سياق الوجود الاجتماعي والزمني له صلى الله عليه وسلم.
واعتمدت مدرسة الرأي في موقفها الرافض؛ لأن تكون السنّة في درجة مساوية للقرآن الكريم في التشريع، على ما بين القرآن والسنة من فروق:
أولاً: القرآن الكريم قد اتخذ له الرسول، صلى الله عليه وسلم، كُتّاباً يكتبونه، ويُرتّبونه بآياته وسوره حسب ما أمر به من الله تعالى، بينما السنّة لم يُتخذ لها كُتّاب، ولم يُكتب منها إلا القليل، بل ورد نهي عن كتابتها اكتفاء بحفظها في الصدور، فلو كانت الأحاديث جميعها تشريعاً عاماً كالكتاب، لأمر الرسول بتدوينها وحفظها، كما فعل ذلك في القرآن الكريم.

اقرأ أيضاً: السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ
ثانياً: القرآن الكريم نُقل إلينا بالتواتر حفظاً وكتابة، بينما السنّة نقلت في معظمها بطرق الآحاد، ولم يتواتر منها إلا القليل.
ثالثاً: القرآن لم يُنقل منه شيء بالمعنى، ومنع ذلك فيه منعاً باتاً، بينما السنّة أُبيح فيها ذلك، ونُقل كثير منها بالمعنى، ولا يخفى تفاوت الناس في فهم المعنى وأسلوب التعبير والنقل، وما يملكه اللفظ من تأثير في تحديد المعنى.
رابعاً: كان الصحابة، رضي الله عنهم، يُراجعون النبي، صلى الله عليه وسلم، عند اختلافهم في حرف من القرآن الكريم، وكان يحكم بينهم فيه، إما بتعيين إحدى القراءتين أو بإجازتهما، بينما السنّة لم يعهد فيها شيء من ذلك.
ولعل تأخّر التدوين أدّى إلى إثارة جدل حول ثبوت الكثير منها مما دفع الإمام البخاري إلى أن يكتفي بأربعة آلاف حديث من ستمائة ألف حديث كان قد جمعها، كما نتج عن تأخير التدوين تعدد الروايات وخلافات بين المحدثين تارة، وبين الفقهاء تارة أخرى، وبين هؤلاء وهؤلاء في تصحيح حديث أو رفضه، والتعويل عليه في الدلالة أو عدم التعويل.

اقرأ أيضاً: "سلفيو كوستا" أين ذهبوا؟
على نقيض موقف مدرسة الرأي جاء موقف مدرسة "أهل الحديث" التي أصرّت على التوحيد بين سنّة الوحي وسنّة العادات، التي حُسم الخلاف لصالحها تاريخياً وساد خطابها في الأوساط الدينية.. ومضت قرون من التوقف والجمود أنتجت حالة من الخروقات الصوفية بلغت ذروتها في القرن الثامن عشر الميلادي عندما أصبح تراب البقيع حيث قبور الصحابة يُباع بوزنه ذهباً، مما كان له أثره في ظهور تيار سلفي مقاوم ليس للبدعة والخرافة فحسب بل لكل محاولة اجتهادية سيقوم بها الإصلاحيون انطلاقاً من فقه المقاصد الذي يربط الأحكام بعللها ثبوتاً وانتفاء، ورغم تعسّر بدايات السلفية المعاصرة في القرن الثامن عشر إلا أنّها نهضت بدعمٍ من بعض الأنظمة السياسية ومهادنة الأخرى، حتى أصبحت أكثر صور التّدين انتشاراً، وأقدرها على مزاحمة التديّن الصوفيّ، وأصبح المتدين في العالم الإسلامي يرى السنّة بعيون التيار السلفي الذي قدّم مفهوماً أحادياً للسنّة، وموقفاً تراثياً واحداً في طريقة الاستدلال بها، وصوّر كلّ ما نُقل عنه، صلى الله عليه وسلم، بأنّه شرْعٌ، واجب، أو مندوب، واستند - كخصمه التدين الصوفي - إلى الأحاديث الآحاد في تقديم مسائل العقيدة متجاهلين أنّ اليقين كسمة أصيلة للعقيدة لا يثبت إلا بالعقل والنقل المتواتر الذي رواه الكافة عن الكافة بلا خلاف، وتمسّك بظاهر الأخبار مدعياً "النصيّة القطعية" المستوجبة للوجوب أو التحريم، فمثل هذا الخطاب هو الأقدر على استمالة العامة بزعم أنّ النّاطق بالحكم والحاسم للاختلاف في المسألة السياسية أو الاجتماعية هو صوت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقيناً دون اعتبار لاحتمالية الدلالة التي تحملها بعض الأخبار، ودون النظر في أثر السياق الداخلي والخارجي في تحديد المدلول.

اقرأ أيضاً: السلفيون في غزة: إيمانهم العنف وعقيدتهم زرع العبوات الناسفة
بهذه الظاهرية توجّه الخطاب السلفي المنقسم على نفسه إلى قراءة الأخبار المسندة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، قراءة نفعية بدافعٍ من واقعه بكلّ ما يحمله هذا الواقع من تخلّف مما أدى إلى سيادة حالة من السلبية تارة، وحالة من العنف تارة أخرى، فحرّمت "السلفية المدخلية" إبداء النصيحة للحاكم في العلن، ورأت في إتيان ذلك ما يتناقض مع أصول عقيدة أهل السنّة والجماعة، مستدعية من سنن الترمذي أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ". وأنّ سَلَمَة بْنُ يَزِيد الْجُعْفِي سأل رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا.. قَالَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ".

اقرأ أيضاً: لماذا يشعر السلفيون بالتفوق؟
وعلى النقيض منها كفّرت "السلفية الجهادية" الأنظمة الحاكمة متبعةً المنهجية السلفية نفسها في الاستدلال، ودخلت في حرب مفتوحة مع العالم مستدعية من السّنن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنّ الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب"، "بُعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي"، "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا "لا إله إلا الله"، "لقد جئتكم بالذبح".
فأهدر كلا الطرفين تعددية مفاهيم السنّة، وتنوّع المواقف التراثية إزاءها، وساعده في ذلك جمود الخطاب الديني، وقصور البحث في الإسلاميات، فلم نستفد من تنوّع الموقف التراثي من السنّة في إعادة تصنيف وتبويب السنّة وفق رؤية مدرسة الرأي، التي تُميّز بين سنّة الوحي، التي هي بيان نبويّ لمراد الله تعالى، وسنّة العادات الخاضعة لسياق الوجود الاجتماعي والزمني له صلى الله عليه وسلم.

يُمكننا استكمال الدرس اللغوي للسنّة بالاستفادة من اللسانيات الحديثة وفهم مفردات علوم السنّة بدراسة تاريخ كلّ مفردة بضوء المنهج العلمي

فـ "لو أننا تتبعنا المرويّ عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأعطيناه نظرة فاحصة يتميز بها ما كان صادراً عن كل شخصية من هذه الشخصيات ولم نخلط بعضها ببعض، ورتّبنا على كلّ منها آثاره، وأعطيناه حقّه، لسهُل على المسلمين أن يَتَفاهموا فيما شجَر بينهم من خلاف، ولتصافح المتخالفون، ولما رمى أحد سواه بالكفر أو الزندقة، ولعلم الجميع ما هو شرع دائم عام لا سبيل إلى مخالفته أو الخروج عنه، وما هو تشريعٌ خاص، أو مُؤقت" ( ). ولما تعطّلت جهود موسوعية ضخمة نحتاج إليها في دراسة متن وسند سنّة الأخبار، مستفيدين مما توفّر لدينا من أدوات تكنولوجيا البحث والتحليل وحوسبة المعلومات في تطوير مناهج نقد السّند التي عُرفت عند القدامى بمناهج (الجرح والتعديل).
أخيراً ما دامت سُنّة الأخبار استقرّت في صورة لغوية، فإنّ هذا يستوجب دراستها وفق آليات الدّرس اللغوي، فنستكمل السّلم المعرفي الذي بدأه الدرس اللغوي التراثي عندما استوقف أبا عبيدة معمر بن المثنى (١١٠-٢٠٩هـ/ ٧٢٨-٨٢٤م) قضية المجاز والحقيقة، وركّز عبد القاهر الجرجاني (٤٠٠-٤٧١هـ/ ١٠٠٩-١٠٧٨م) على أثر السّياق الداخلي والخارجي في تحديد مدلول الخبر، ولن يُمكننا استكمال الدرس اللغوي للسنّة دون الاستفادة من اللسانيات الحديثة في تحليل بنية خطابها، وأن نُدرك ضرورة فهم مفردات علوم السنّة والعقيدة والفقه وأصوله بدراسة تاريخ كلِّ مفردة من المفردات في ضوء المنهج العلمي؛ لنفرز ما هو من الإسلام وما هو غريب عن فضائه، وفي ذلك ضمان لديمومة العقيدة وسلامتها وحيويتها.


هامش:

(1) الإمام محمود شلتوت، مجلة الرسالة، ص١٥٣:١٥٠، عدد ٤٤٩، ٩فبراير ١٩٤٢م.

للمشاركة:



قراصنة أتراك يشنّون هجمات إلكترونية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

أفادت قناة "سكاي نيوز عربية"،  بأنّ قراصنة إنترنت يعملون لحساب الحكومة التركية ينفذون هجمات إلكترونية تستهدف حكومات في أوروبا والشرق الأوسط.

وكشف تحقيق أجرته وكالة "رويترز"؛ أنّ الهجمات الإلكترونية الواسعة النطاق، التي يقودها قراصنة يعملون لصالح الحكومة التركية، استهدفت ما لا يقل عن 30 منظمة، بما في ذلك الوزارات الحكومية والسفارات والأجهزة الأمنية، وكذلك الشركات وغيرها من المجموعات، وفق مراجعة أجرتها الوكالة لسجلات الإنترنت العامة .

"رويترز": الهجمات الإلكترونية استهدفت ما لا يقل عن 30 منظمة، من بينها خدمات البريد الإلكتروني للحكومة القبرصية واليونانية

ومن بين الضحايا؛ خدمات البريد الإلكتروني للحكومة القبرصية واليونانية ومستشار الأمن القومي للحكومة العراقية.

ووقعت الهجمات القبرصية واليونانية والعراقية، التي حدّدتها "رويترز"، في أواخر عام 2018 أو أوائل عام 2019.

وقال خبراء الأمن السيبراني: إنّ "سلسلة الهجمات مستمرة"، مضيفين أنّ "الهجمات تسلط الضوء على نقطة ضعف في الركيزة الأساسية للبنية التحتية على الإنترنت التي يمكن أن تترك الضحايا عرضة للهجمات التي تحدث خارج شبكاتهم الخاصة، ما يجعل من الصعب اكتشافها والدفاع عنها.

وتتضمن الهجمات اعتراض حركة الإنترنت إلى مواقع المستهدفين، ما قد يمكن القراصنة من الوصول غير المشروع إلى شبكات الهيئات الحكومية وغيرها من المنظمات.

 ونقلت الوكالة عن مسؤولين بريطانيين ومسؤول أمريكي واحد؛ أنّ النشاط يحمل بصمات عملية تجسس عبر الإنترنت مدعومة من الدولة أجريت لتعزيز المصالح التركية.

للمشاركة:

ميليشيات الحوثي تستهدف سوقاً شعبياً في تعز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

شنّت ميليشيات الحوثي الإرهابية، اليوم، هجوماً على سوق شعبي غرب مدينة تعز اليمنية، أسفر عن مقتل 3 مدنيين وإصابة 10 آخرين في حصيلة أولية.

واستهدفت الميليشيا سوق "المقهاية" في منطقة الضباب بتعز، بعدد من قذائف الهاون أثناء تجمع المدنيين، وفق ما نقلت وكالات إعلام محلية، وفق موقع "المشهد" اليمني. 

ميليشيات الحوثي تستهدف بقذائف الهاون سوق "المقهاية" وتقتل 3 مدنيين وتصيب 10 آخرين

كما تعرّضت عدة مناطق سكنية في المطار القديم لقذائف حوثية، وسمِع دوي انفجارات عنيفة.

وكثفت الميليشيا الحوثية، خلال الأيام الماضية، هجماتها الإرهابية بمأرب وتعز، وسط تصعيد عسكري يهدّد بنسف الجهود الدولية الرامية لإحلال السلام.

وأحبطت مقاتلات التحالف العربي أوسع هجوم حوثي على مديرية "نهم"، شرق صنعاء، ومكنت قوات الحكومة الشرعية اليمنية من استعادة مواقع استراتيجية كانت خسرتها، الخميس الماضي.

هذا وقد توسّعت المواجهات المسلحة بين الحوثيين والجيش الوطني، لتشمل محافظات عدة؛ صنعاء والجوف ومأرب وتعز والبيضاء والضالع، وكانت أكثرها ضراوة المواجهات في جبهة نهم، البوابة الشمالية الشرقية للعاصمة صنعاء.

المواجهات المسلحة بين الحوثيين والجيش تتوسع في محافظات صنعاء الجوف مأرب تعز البيضاء الضالع

وقد تحدّثت مصادر محلية لموقع "المشهد" اليمني، اليوم، عن أنّ أبرز مواقع المواجهات كانت بمديرية نهم.

الجدیر بالذكر؛ أنّ طیران التحالف العربي ساند قوات الجیش الوطني بأكثر من خمسین غارة جویة ،منھا 35 غارة على مواقع الملیشیا في الجوف، و10 على جبھة نھم بمحافظة صنعاء، والبقیة متفرقة على مأرب وصعده وحجة.

 
 
 
 
 

 

للمشاركة:

على وقع الاحتجاجات.. هل يقرّ البرلمان اللبناني ميزانية 2020؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

وقعت اشتباكات، صباح اليوم، في محيط البرلمان اللبناني بين عدد من المتظاهرين وعناصر من الجيش والقوى الأمنية، بعد منع الأمن للمحتجين من التقدّم نحو المجلس وأجبارهم على التراجع، قبل ساعات قليلة من موعد جلسة مجلس النواب اللبناني لبحث موازنة 2020.

وسقط عدد من الجرحى جراء محاولات متفرقة لمجموعات من المحتجين للدخول إلى مداخل ساحة النجمة من عدة مفارق، وذلك رغم كلّ الإجراءات الأمنية والسواتر الإسمنتية التي تحيط بمجلس النواب ما دفع البعض الى تشبيهها بمنطقة معزولة، وفق "فرانس برس".

إصابة عدد من المحتجين اللبنانيين جراء الاشتباكات مع عناصر الأمن والجيش بمحيط مجلس النواب

وعمد محتجون، منذ صباح اليوم، إلى قطع عدة طرقات في بيروت وبعض المناطق الأخرى، في محاولة لعرقلة انعقاد جلسات نقاش الموازنة.

وجلسة مناقشة موازنة الـ2020 ستحضرها الحكومة الجديدة، بينما رأت أوساط سياسية أنّ حضور الحكومة قبل نيلها الثقة أمر غير دستوري، فيما يقول مؤيدون لانعقاد هذه الجلسة إنّ مناقشة الموازنة وإقرارها أمر يجب أن يحصل في المواعيد الدستورية.

وأعلنت كتل سياسية وبعض النواب المستقلين مقاطعتها لهذه الجلسة؛ بسبب عدم دستوريتها؛ كون الحكومة ستناقش موازنة قبل نيلها الثقة، وهي موازنة رفضها الشعب ونزل إلو الشارع معترضاً عليها، ما دفع الحكومة التي وضعتها إلى الاستقالة.

وفيما سبق انعقاد الجلسات، اتخذت القوى الأمنية والعسكرية تدابير أمنية مشددة، إضافة إلو تعزيز الأسوار الباطونية التي أصبحت كالجدار العازل تفصل مجلس النواب عن محيطه.

حسان دياب يؤكد أنّ حكومته لن تعرقل موازنة 2020 التي أعدتها حكومة سعد الحريري

من جهته، قال رئيس الوزراء اللبناني، حسان دياب، اليوم في تصريح نقلته "سبوتنيك"، إنّ حكومته لن تعرقل موازنة 2020 التي أعدتها حكومة سعد الحريري المستقيلة في تشرين الأول (أكتوبر).

وكان دياب يتحدث في بداية النقاش البرلماني حول ميزانية 2020، وذلك بحسب وكالة "رويترز".

ووقّع الرئيس اللبناني، ميشيل عون، الأسبوع الماضي، مراسيم تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة حسان دياب، وأكد الأخير أنّ الحكومة تضمّ وزراء بعيدين عن السياسة والأحزاب، داعياً لمساعدتها في مهمتها، وحظي "حزب الله"، المدعوم من إيران، بحقيبتي الصحة والصناعة.

للمشاركة:



القبائل الليبية: لا نفط قبل سحب الشرعية من حكومة السراج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

وضعت القبائل الليبية خمسة شروط لإعادة فتح الحقول والموانئ النفطية، وهي إسقاط الاعتراف بحكومة فايز السراج، وتغيير رئيس المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة، من خلال تقسيمها إلى 4 أقاليم.
ودعا شيوخ قبائل وناشطون مدنيون في شرق وجنوب ليبيا لإغلاق موانئ بلادهم احتجاجا على ما وصفوه باستغلال حكومة طرابلس لعائدات النفط لدفع أموال لمقاتلين أجانب وتمويل التدخل العسكري التركي. ويتهم المطالبون بإيقاف تصدير النفط حكومة الوفاق بصرف الأموال لجلب "المرتزقة" و"المستعمرين الأتراك".
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، أعلنت أن الإنتاج النفطي سينخفض من 1.2 مليون برميل يوميا إلى 32 ألف برميل يوميا بحلول يوم الخميس القادم، مشيرة إلى أن الإنتاج النفطي تراجع حتى السبت الماضي بمعدل 75 في المئة عقب إغلاق موانئ النفط الرئيسية شرق ليبيا الأسبوع الماضي.
وأكدت أن الخسائر المالية بلغت 256.6 مليون دولار حتى 23 يناير، داعيةً إلى “إنهاء الاقفالات والسماح لها باستئناف الإنتاج فوراً، من أجل ضمان استمرار إمدادات إنتاجات الوقود إلى كافة المناطق ورفد دورة الاقتصاد الليبي”.
ويرى مراقبون سياسيون، وفقاً لما أوردته صحيفة "العرب" اللندنية الصادرة اليوم، أنّ سحب الاعتراف الدولي بحكومة السراج المنبثقة عن اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 يمثل الشرط الأهم الذي يتفق عليه مجلس النواب والقيادة العامة للجيش والقبائل وعدد من الدول الإقليمية والدولية التي ترى أن تلك الحكومة أصبحت جزءا من المشكلة، ولا يمكن أن تتحول إلى جزء من الحل بسبب تبعيتها للأتراك واستقوائها بالميليشيات والمرتزقة والجماعات الإرهابية وتبديدها للثروة الوطنية.
وأكد المبعوث الأممي غسان سلامة أن ليبيا بحاجة الآن إلى حكومة جديدة تهتم بخدمة المواطنين وتهيئ الوضع للانتخابات من أجل حل مشكلة الشرعية المستعصية، وأضاف “إن العملية السياسية في ليبيا ليست مسألة أشخاص، ولا يعني البعثة أن يكون فايز السراج رجل المرحلة الحالية من عدمه”.
وينظر المحللون السياسيون إلى غلق الحقول والمنشآت النفطية على أنه يضع العالم أمام الحقيقة التي كان يتجاهلها وهي ضيق مجال التأثير الفعلي لحكومة السراج على الأرض مقابل سيطرة الجيش الوطني على أكثر من 90 بالمئة منها، وبالتالي فإن الميزة الوحيدة للحكومة المعزولة في طرابلس هي التصرف في إيرادات الثروة الموجودة خارج سيطرتها من خلال مؤسسة النفط والبنك المركزي ومصرف ليبيا الخارجي.
وتملك ليبيا أضخم احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا وهي مورد مهم للخام الخفيف منخفض الكبريت.
وتُعتبر إيرادات بيع النفط هي المصدر الوحيد الذي يعتد به لدخل ليبيا من الدولارات، إذ درت 22.5 مليار دولار في 2019 لبلد لا يزيد عدد سكانه على ستة ملايين نسمة.
ولعلّ ذلك ما يُفسّر بشكل دقيق المطامع التركية المُتصاعدة في ليبيا لضمان حصتها من غنائم النفط، فضلا عن أهداف أيديولوجية باتت واضحة جدا تتمثل في تمدّد أفكار الإسلام السياسي واستعادة الإرث العثماني في المنطقة.
وتقع معظم منشآت النفط الليبية في مناطق تسيطر عليها قوات موالية للقائد العسكري خليفة حفتر، الذي وسع تدريجيا نطاق نفوذه على مدى الأعوام الستة الأخيرة بمساعدة حلفاء أجانب، من بينهم الإمارات العربية المتحدة ومصر وروسيا.
ومنذ إبريل، يشن الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر هجوما على القوات المتحالفة مع الحكومة المؤقتة في طرابلس، والمدعومة من تركيا التي لا يُخفي رئيسها رجب طيّب أردوغان مطامعه الاقتصادية في أكير خزان نفطي بالقارة السمراء.
وتقول السلطات في الشرق الليبي إنّ إغلاق المنشآت النفطية نتج عن ضغط شعبي. لكن المؤسسة الوطنية للنفط تقول إنه بأمر مباشر من الجيش الوطني الليبي.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

الحكاية من طقطق إلى مؤتمر برلين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

سالم العوكلي
سقط النظام في ليبيا، أعلن يوم التحرير بتاريخ 23 أكتوبر 2011 ، ودخل قاموسنا عيد جديد اسمه عيد التحرير ويوم عطلة رسمية، جرت انتخابات يوم 7/7/2012 خسر فيها تيار الإسلام السياسي خسارة فادحة، وفاز بها التحالف الوطني الذي تأسس في 4 شهور فقط، التف تيار الإسلام السياسي، المتكون من جماعة الإخوان وحليفها التكتيكي الجماعة الليبية المقاتلة، على النتائج وتحكم في المؤتمر الوطني، السجين السابق بتهم إرهابية، عبدالحكيم بالحاج، رئيس حزب الوطن الذي لم يفز بأي مقعد شكّل من خارج المؤتمر كتلة “الوفاء لدم الشهداء” بدعم قطري وأصبحت الكتلة المؤثرة (تم إشهار حزب الوسط في فندق كورونثيا ببذخ عالٍ وكان علم قطر على المنصة ولونه خلفية لها). بدأ المؤتمر الوطني أعماله في طرابلس وشكل حكومة سماها حكومة تكنوقراط بها 5 وكلاء وزارات سيادية عائدون من حرب أفغانستان، أصدر المؤتمر الوطني قانون العزل السياسي وقرار رقم 7 الذي رخص لغزو مدينة بن وليد، وأحال الكثير من الضباط الكبار على التقاعد، وفي هذه الأثناء كانت الاغتيالات يومية في مدينتي بنغازي ودرنة، اغتيال أكثر من 500 ضابط وعسكري ورجل أمن في مدنية بنغازي، إضافة إلى العشرات من الصحفيين والناشطين الحقوقيين، اغتيال 184 شخصية من نخب درنة بينهم ضباط وقضاة ومحامون ومدونون وأساتذة المعهد العالي ورجال أمن ونشطاء مدنيون، وتمت كل هذه الاغتيالات قبل ظهور تنظيم داعش على السطح، ولم يُحقَق في أي جريمة من هذه الجرائم ولما يُلاحق مرتكبوها، رغم وجود سلطة تشريعية وحكومة الكيب التي أعقبتها حكومة ثانية برئاسة علي زيدان، مشاهد تُظهر بوسهمين رئيس المؤتمر الوطني بعد تطبيق قانون العزل على رئيسه الأول، المقريف، بمثابة رئيس الدولة وهو في قبضة ميلشياويين يبتزونه فيما سمي بقضية حنين، مشاهد أخرى تظهر رئيس الوزراء علي زيدان مختطفا من قبل ميليشياويين في ملابس النوم. هناك في الشرق البعيد، القوات الخاصة في بنغازي وحدها تقاوم الميليشيات الإرهابية التي سيطرت على بنغازي، كتب أحدهم على جداره “كل يوم يقتل ضباط وعسكريون في بيوتهم أو أمام المساجد أو في سياراتهم أمام أبنائهم فلماذا لا يجمع العسكريون بعضهم البعض ويدافعون عن أنفسهم. هكذا بدأت ما تعرف بمعركة الكرامة، مجموعة ضباط وعسكريون قرروا الدفاع عن أنفسهم أو الموت وهم يقاتلون.

انتهت ولاية المؤتمر الوطني، وحين رغبوا في التمديد خرجت مظاهرات تقول لا للتمديد، تشكلت لجنة فبراير، قامت انتخابات برلمانية بدون أحزاب أو قوائم خسرها التيار الإسلاموي الذي يقوده الإخوان مرة أخرى، لكن وجود مقر البرلمان في بنغازي ــ وهي تحت سيطرة قوات درع ليبيا (ذراع الإخوان العسكري) والجماعة المقاتلة وأنصار الشريعة ــ طمأنهم، فعدد التوابيت أمام مقر البرلمان أفضل من عدد المقاعد داخله كما حدث في طرابلس، خطوة غير محسوبة ينتقل عبرها مقر البرلمان إلى طبرق وخارج تحكم ميليشيات الإسلام السياسي تماما، رُفعت قضية تطعن في دستورية إجراءات التسليم والاستلام والمقر بالنسبة للبرلمان، وحكمت المحكمة المحاصرة بالميليشيات لصالح الطعن، لكن المجتمع الدولي اعترف بالبرلمان وحكومته المؤقتة، فقامت حرب فجر ليبيا من معركتين: معركة قسورة ضد ميليشيات الزنتان في طرابلس وضد ورشفانة تسببت في نزوح عشرات الآلاف من منازلهم، ومعركة الشروق التي أرسلت أرتالا مسلحة تجاه الشرق الليبي وتم صدها.

انقسمت البلد وبعض المؤسسات، وقاطع نواب تابعون لهذا التيار، من الغرب والشرق، البرلمان في طبرق. في سياق التشريعات والقوانين أصدر مجلس النواب في طبرق قانونا يلغي قانون العزل السياسي وقانون العفو العام (وهذا أفضل ما فعله في مرحلته المرتبكة)، بينما المؤتمر الوطني أصدر قانون العزل السياسي، وقرارا بغزو مدينة بن وليد بحجة أن خميس القذافي حي ومتمترس بها، ونفهم من هذا الفارق الجوهري أن المؤتمر الوطني كان نهجه انتقاميا، والبرلمان كان اتجاهه تسامحيا تصالحيا. استمرت جلسات مجلس النواب تعقد بهدوء ولم يعكرها سوى عكاز شيخ مسن سماه الإعلام (بوعكوز) وأصبح هذا العكوز العقبة الرئيسية أمام بناء الدولة وفق الإعلام الموجه، ونُسيت التوابيت التي كانت توضع أمام مقر المؤتمر الوطني المحاصر بالميليشيات المدججة.

معركة الكرامة اتسعت واستطاعت أن تنجز على الأرض ما عجزت عنه السلطات المختلفة، اتخذ البرلمان قرارا بإعادة الضباط الذين أحالهم المؤتمر الوطني للخدمة، وتعديلا في قانون الجيش الليبي يستحدث منصب القائد العام، واتخذت رئاسة البرلمان القرار رقم 20 لسنة 2015 بتعيين اللواء خليفة حفتر قائدا عاما للجيش وترقيته إلى رتبة فريق، وليؤدي القسم الدستورية أمام البرلمان (في القرار يسمى “الجيش الليبي” وليس الجيش الوطني أو الجيش العربي الليبي). سياسة التمكين التي يقوم بها الإخوان كانت على قدم وساق ونجحت بشكل واضح في تمكين أتباعها من مناصب مفصلية في مؤسسات العاصمة السيادية المسؤولة عن قوت الليبيين ومعاشاتهم، ويبدو أن لا تيار سياسي قادر على مواجهتهم بعد أن خرج التحالف الوطني من المشهد المسلح، ورأى الناس أن لا مؤسسة قادرة على مواجهة هذا الحزب ذي الأذرع المسلحة سوى الجيش الذي كان يقاتل ويدرب ويخرج دفعات جديدة ويستعين بقوى شعبية داعمة.

لحل أزمة الانقسام، بدأ الحوار الليبي من عاصمة إلى عاصمة حتى استقر في الصخيرات، انبثق عن هذا الحوار المضني اتفاق الصخيرات السياسي، وفجأة ظهر اسم المهندس الكهربائي فايز السراج لرئاسة المجلس الرئاسي من مكان غير متوقع أو منظور، ولم يكن اسمه مطروحا للمنصب من قبل الأطراف الليبية المشاركة في التفاوض.

بعد شد وجذب حضر السراج إلى برلمانه في طبرق واكتمل النصاب القانوني، لأن مدة ولاية البرلمان انتهت ولا سبيل للتمديد إلا عبر هذا الاتفاق، ووافق البرلمان على الاتفاق بشروط: تضمينه في الإعلان الدستوري، ومراجعة المادة الثامنة المتعلقة بالجيش وقياداته، وعلى أن يقدم حكومته لتنال موافقة البرلمان، قدم السراج حكومة موسعة رفضت من البرلمان، لكن مديري المسألة اعتبروا هذا الاجتماع ترخيصا للمجلس الرئاسي المتكون من سبعة أعضاء، أخذ السراح ترخيصه وغادر طبرق ولم يرجع أبدا إلى طبرق أو المنطقة الشرقية عموما حتى كتابة هذه السطور، قاطع نائبا المجلس الرئاسي من الشرق ومن الزنتان، القطراني والأسود المجلس، وبسرعة اعترف المجتمع الدولي برمته بالمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق التي تشكلت دون أن تأخذ موافقة البرلمان أو تؤدي القسم، ورغم أن الاتفاق لم يُضمّن في الإعلان الدستوري ولا المادة الثامنة روجعت. سياسة الأمر الواقع أصبحت هي الاستراتيجية ما أدى إلى انقسام حقيقي، بقايا من المؤتمر الوطني المنتهية ولايته تنادوا وشكلوا المجلس الأعلى الاستشاري وسموه (المجلس الأعلى للدولة)، وظهرت تقارير أممية تتحدث عن فساد بالمليارات، وكان الجيش في هذه الفترة يخوض حربه ضد الجماعات الإرهابية في بعض مدن الشرق ويدافع عن الهلال النفطي ضد الميليشيات الإرهابية.

بعد معارك شرسة ودمار في بعض المدن سيطر الجيش على الهلال النفطي وبنغازي ودرنة، وواصل معاركه في الجنوب الليبي، إلى أن وصل إلى مشارف طرابلس، بعد 8 أشهر من معارك الاستنزاف والتضييق على الجماعات المسلحة التي تسيطر على العاصمة وبعض المدن الأخرى، وعملية خاطفة أحكم سيطرته خلال ساعات على مدينة سرت، ذهب السراج إلى أردوغان الذي خسر معاركه في سوريا للاستنجاد به، وقعت اتفاقيات الحدود البحرية والدعم العسكري والأمني، أردوغان اعتبر تدخله في ليبيا دفاعا عن منطقة نفوذ سابق وعن إخوة له في ليبيا، وعن طريق مطارات تركيا تقاطر بقايا المعارضة السورية التي تتحكم فيها جماعة الإخوان المسلمون على ليبيا بعد أن يئسوا من إمكانية إسقاط النظام السوري، بعضهم يريد أن يجاهد وبعضهم يريد أن يفر إلى أوروبا من الشواطئ الليبية وكان الدولار سيد اللعبة، تحولت المعركة من معركة بين الجيش والجماعات المسلحة في طرابلس إلى معركة مع المخطط التركي الذي دمر مثيله سوريا. فجأة كان لقاء موسكو للاتفاق على وقف إطلاق النار، وقع السراج ومن معه مباشرة ولم يوقع القائد العام للجيش الليبي. وتم تسريع وتيرة انعقاد مؤتمر برلين الذي أُجِّل أكثر من مرة ليكون يوم 19 يناير 2020، انعقد المؤتمر وخرج ببيان إنشائي، شبيه تماما لبياناتهم في المسألة اليمنية والسورية التي ليس لها علاقة بما يحدث فعلا فوق الأرض. .

مؤتمر برلين باختصار: اجتماع عاجل حضرته الدول العلمانية الكبرى من أجل إنقاذ حكم الجماعات الإسلامية في ليبيا!!!. وخطوة أخرى لتمكين سياسة الأمر الواقع ووضع الأزمة الليبية في إفريز.

أما غسان سلامة الذي مل من المسألة الليبية فلا يريد سوى حقنها بمسكن مؤقت والمضي في حال سبيله.

عن موقع "218tv"

للمشاركة:

باريس تواجه تحديات جهادية جديدة في الساحل الأفريقي.. ما أبرزها؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-27

ترجمة: مدني قصري


بعد 7 أعوام من قرار فرانسوا هولاند بإرسال جنود فرنسيين إلى شمال مالي بهدف منع الجماعات الإسلامية من السيطرة على البلاد، حان الوقت لإعادة تحديد وتوضيح أهداف عملية "برخان".
لقد شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد، والحاجة إلى تغيير مخططاتهم ومجالات تدخلهم، وذلك بعد الاجتماع الذي عقده قادة منطقة مجموعة الخمس G5، في باو، في 13 كانون الثاني (يناير) من العام الجاري، في سياق يزداد تعقيداً وخطورة بالنسبة لفرنسا.

شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد
كانت بداية القمة، التي كان من المقرر انعقادها أصلاً في 16 كانون الأول (ديسمبر) 2019، جد سيئة؛ حيث جاءت في أعقاب مقتل 13 جندياً فرنسياً في المعركة، في 25 تشرين الأول (نوفمبر) الماضي، وكان لدى رؤساء الدول الأفريقية انطباع سيئ حول استدعاء إيمانويل ماكرون لهم إلى مدينة باو بجنوب غرب فرنسا، الحامية العسكرية التاريخية، لأجل 7 من الضحايا، في حين تشجب جيوشهم مئات الوفيات.

التهديد الجهادي يبعث على المزيد من القلق فهو متجذر بين السكان الأصليين وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد

وتمّ تأجيل الاجتماع أخيراً، بعد هجوم شنّه الجهاديون في شهر كانون الثاني (يناير) الجاري على ثكنات نيجيرية؛ حيث أعاد الزعماء الأفارقة الخمسة تأكيدهم على طلب فرنسا بالتدخل لإعادة تعريف أهداف "برخان"، من جهة، والرغبة في التوسع إلى شركاء جدد في الاجتماع، من جهة أخرى.
إنّ تخفيف حِدة التوترات التي يغذيها الخطاب المعادي للفرنسيين في بلدان الساحل ليس مجرد وهم؛ فلم تعد المسألة تتعلّق بمنع الجهاديين الأجانب من بناء ملاذ في شمال مالي، بل باتت تتعلّق بالقتال ضد المقاتلين المحليين الذين يستخدمون الخطاب الإسلاموي لفرض سيطرتهم على السكان والاستيلاء على السلطة في 3 دول. ويبعث التهديد على المزيد من القلق، فهو متجذر بين السكان الأصليين، وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد في بعض الأحيان، مما يضع الجيش الفرنسي في وضع مربك ومعقد.
الفخ يزداد انغلاقاً
السلفيون في الساحل، حتى لو صَدمت مفاهيمُهم الدينية التقاليدَ المحلية، فإنّهم يستغلون النزاعات على الأراضي بين المزارعين والرعاة، ويشككون في الأرباح التي يستمدها الزعماء التقليديون من السيطرة على ما يأتي وما يخرج من بضاعة وأشياء أخرى؛ بما في ذلك الاتجار بالأسلحة والمهاجرين والمخدرات، كما يستغل السلفيون شعور الظلم الذي تشعر به الفئات المحرومة من السكان، حيث يتهم الجهاديون، القوى المركزية بالفساد ويتهمون الحكام الأفارقة بالعجز عن ضمان الحد الأدنى من صلاحيات الدولة؛ الأمن والعدالة والصحة والتعليم.

اقرأ أيضاً: لماذا ترفض شعوب الساحل الأفريقي الوجود العسكري الفرنسي؟
كيف يمكن أن يحكم الجنود الفرنسيون مثل هذه النزاعات المحلية دون أن يكونوا شركاء مع الأنظمة الفاسدة التي لا تحظى بالشعبية؟ تأمُل باريس الخروج من هذه النزاعات من خلال مغادرة شمال مالي - حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية - ومن ثمّ إعادة الانتشار في منطقة ليبتاكو، على حدود مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث يتركز التهديد الآن.

يود الجيش الفرنسي منع جماعة "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" (EIGS)  من أن تتجذر أكثر في ما يُسمى بمنطقة الحدود الثلاثة، بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث الوضع الأمني الأكثر تدهوراً، ويقول الجنرال لوكنتر إنّه "اليوم، في هذه المنطقة الشاسعة للغاية، الموارد المتاحة لعملية برخان ليست كافية لنشر الجنود على مدار 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع". وإن قامت عملية برخان بتعبئة 4500 رجل رسمياً، فهناك حوالي 2000 فقط موجودون بالفعل على الأرض.

تأمل باريس الخروج من هذه النزاعات بمغادرة شمال مالي حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية

ومنذ بدء العملية الفرنسية في مالي، كان عام 2019 أكثر الأعوام دموية؛ بحصيلة 1500 قتيل عسكري من جانب الجيوش المشاركة، و 4000 ضحية مدنية.
مع ذلك، فقد بدأ الفخ ينغلق؛ ففي حين يزيد الاستمرار في القتال من خطر التورط في الوحل والتعرض للجيوش المحلية، إلّا أنّ الانسحاب سيكون أسوأ من ذلك، حيث سيدفع بلدان الساحل وسكانها إلى الفوضى وإلى قبضة الديكتاتورية الدينية، مع ما يترتب على ذلك من آثار فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب.
ويحتاج الأمر إلى أكثر من قمة واحدة لمجموعة الخمس، حتّى يتم إزالة سوء التفاهم حول فوضى ساحلية ليس لها حلول جيدة دون دعم بناء الديمقراطيات الأفريقية التي تحترم أخيراً جميع السكان.
"الحرب في الساحل لا يمكن كسبها بواسطة قوة غربية"
قام كل من جان ميشيل ديبرات، وسيرج ميخايلوف، وأوليفييه لافكورك، بتحليل سبب نجاح عملية "برخان" في كسب جميع المعارك وخسارة الحرب ضد الجهاديين الإسلاميين.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
في معرض حديثه في صحيفة لوموند، خرج الجنرال برونو كليمان - بولتي، عن الصمت بشأن التدخل الفرنسي في الساحل، وإن اتبعنا تحليله، دون تغيير النهج، فإنّ فرنسا بصدد خسارة الحرب، ليس لأنّ قوة "برخان" مُهدّدة من قِبل ما يشبه "ديان بيان فو" في الرمال، ولكن لأنّ التاريخ يعلمنا أنّ الجيش يمكن أن يكسب كل المعارك ويخسر الحرب، إذ على الرغم من نجاحاته التكتيكية، لا يستطيع منع العدو من تحقيق أهدافه.

ومنذ عام 2017، توسعت مجالات نشاط الجهاديين الإسلاميين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتضاعفت عملياتها، حيث يمثّل الهجوم والاستيلاء على موقع إنديليمان عام 2019، والذي قُتل فيه 49 جندياً مالياً، في 1 تشرين الثاني (نوفمبر)، وتدمير موقع إيناتيس Inates في 17 كانون الأول (ديسمبر)، والذي كبّد الجيش النيجيري خسائر فادحة (71 قتيلاً و30 مفقوداً)، برهاناً على القدرات العسكرية الجهادية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في إقليم الساحل الإفريقي يخرج عن عباءة القاعدة وداعش
ولا تُمثّل الحرب في الساحل نزاعاً بسيطاً يستطيع أن يُنهيه اتفاق الجزائر؛ فالتقدم الجهادي الإسلامي في مالي وبوركينا يمكن أن يزعزع استقرار غرب أفريقيا. أولاً؛ في ساحل العاج حيث لا يمتلك الجيش مصداقية كبيرة، فضلاً عن التنافسات العرقية الشرسة، إذ ستجد الدولة نفسها في انتخابات محفوفة بالمخاطر عام 2020، وستؤدي سيطرة الجهاديين على طرق الصحراء، في النهاية، إلى توسيع الاتجار بالكوكايين والأسلحة والمهاجرين الذين سيتسلل إليهم إرهابيون، عاجلاً أم آجلاً.
أطروحات المؤامرة
على أرض الواقع، يُنظر إلى النزاع بشكل متزايد على أنّه مواجهة عرقية بين مزارعي بامبارا أو دوجون أو موسِي ضد رعاة شعب الفولاني (1)، الذين تم دمجهم على عجل مع الجهاديين. وتشعر السلطات المحلية بالضيق من العدو الذي يحتفظ بالمبادرة ولا تفهم ما يرون بأنه فشل عملية "برخان"، كما تزدهر أطروحات المؤامرة حول لعبة مزدوجة من قبل فرنسا، أكثر فأكثر، حيث يعدّ شعب الفولاني كبش فداء مثالي، فيما يدعو المتطرفون بالفعل إلى القتل، وقد يجد جنود فرنسا أنفسهم في خضم تصفيات الحساب العرقية.
بالنسبة للجيش الأجنبي، فإنّ إجراء عمليات مكافحة حرب العصابات بحثاً عن عدو يختبئ بين السكان أمر صعب للغاية، والإخفاقات في فيتنام وأفغانستان تذكرنا بذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
ولا يمكن كسب الحرب في الساحل، التي لم تعد تتطور الآن في شمال مالي شبه المهجور ولكن في قرى وسط مالي وشمال بوركينا، بواسطة قوة غربية، كما يمنع فشل الأجهزة الحكومية في الدولتين تنفيذ إستراتيجية لطخة الزيت (التي تنتشر بسرعة) الغالية على فكر جالياني (2)، والتي تشهد الإدارة وهي تستعيد تدريجياً سيطرتها على المناطق الآمنة في "برخان" (مالي)، ولن يغيّر تدخل القوات الخاصة الأوروبية من الوضع شيئاً.
إذا أرادت فرنسا أن تتجنب الخروج من المنطقة يوماً ما تحت ضغط شعبي، يجب عليها أن تراجع طرائق وجودها، مراجعة كاملة، وأن توافق على ترك المركز الأول للجهات الفاعلة المحلية، هذا ما قاله الجنرال كليمنت - بوليه.


مصدر الترجمة الفرنسية:

www.lemonde.fr


الهوامش:

1- الفلان شعب يقطن مواطن عديدة في غرب أفريقيا ووسط أفريقيا والساحل الأفريقي، والحجاز ويشكلون أقلية في كل دولة يسكنوها (باستثناء غينيا)، لذا يتحدثون لغات أخرى بجوار لغتهم الأم، ولديهم ثقافة خاصة مميزة. وجلّهم من المسلمين.
2-  جوزيف سيمون غالياني (بالفرنسية: Joseph Simon Gallieni)  قائد عسكري فرنسي ( 1849- 1916 ) شارك في بداية الحرب العالمية الأولى.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية