الشيعة والإسلام السياسي..عندما يخفي التطرف المذهبي مشاريع سلطوية

33352
عدد القراءات

2018-08-19

ما من شكّ في أنّ المراحل الأولى من الدعوة الإسلامية وبدايات التاريخ الإسلامي، تخلو من التقسيم المذهبي إلى "شيعة" و"سنّة". كان هناك مسلمون فحسب، أمّا انقسام المسلمين على نحو ما جرى في ما بعد إلى سنّي شيعي، فهو شأنٌ بشريٌّ خالص؛ لأن هذا التطوّر كان من صنع السياسة والتاريخ وما انطويا عليه من صراعات مركبة داخل الجماعة الإسلامية الوليدة، فهو تقسيم طارئ على دين المسلمين ومفارقٌ لما كان عليه نبيّهم، عليه السلام، الذي لم يكن شيعياً ولا سنياً، وكذا أهله وأصحابه الأوائل، رضي الله عنه، الذين تحوّلوا في وقت لاحق إلى شخصيات رمزية يتقاسمها هؤلاء وأولئك على ضفّتي الانقسام الإسلامي، فيعلون أو يحدّون من مكانتها، كلّ على طريقته.

اعتمد أئمّة الشيعة على وكلاء لهم يمثّلونهم في مناطق انتشارِ أتباعهم ويقومون بمهامّ التوجيه والتعبئة السياسيّة

وبمثل ما تزخر مصادر أهل السنة بأحاديث ومرويات في فضلهم وأولويتهم منذ عهد النبي، عليه السلام، كذلك تحوي المصادر الشيعية روايات تراثية وعنعنات يراد منها إحالة أصل الشيعة وتاريخهم إلى حياة النبي، عليه السلام، معظمها يستند إلى حديثِ يُنسب إلى ابن عبّاس وإلى غيره، جاء فيه: "لمّا نزلَ قوله تعالى ﴿إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خيْرُ البَريّة﴾ قال النبيُّ لعليّ: هم أنت وشيعتك". وفي رواية منقولة عن آخرين أيضاً، "كنّا عند النبيِّ فأقبلَ عليٌّ فقال النبيُّ: والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعتَه لهم الفائزون يومَ القيامة. فنزلَ قوله تعالى ﴿إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خيْرُ البَريّة﴾". وهي رواية معتمدة لدى عموم أتباع المذهب الشيعي.

إقرأ ايضاً: إيران مليارات الحرس الثوري آخر صراعات المحافظين

في المقابل، ثمّة روايات أخرى مختلفة حول بدايات ظهور الشيعة في تاريخ الإسلام، لا علاقة لها بما سبق ولا ما فيه من بعد ديني إيماني؛ بل ترتبط مباشرة بالشأن السياسي وتحديداً الخلاف على السلطة في "الدولة الإسلامية" الناشئة. فهناك من يُرجع أصل الشيعة إلى الفترة التي تلت حادثة "سقيفة بني ساعدة" إثر وفاة النبي، عليه السلام، حين امتنعَ "شيعةُ عليّ" عن مبايعةِ أبي بكر الصدّيق، رضي الله عنه، للخلافة. ويؤرّخ بعضهم لبداية التشيّع في فترة خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وذلك على أرضية الصراعات السياسية التي شهدتها تلك المرحلة وأسّست لظهور أولى الانشقاقات في الإسلام. فيما يرى آخرون أنّ التشيّع بدأ في أعقاب معركةِ كربلاء، حيث شكّل مقتل الحسين بن علي، رضي الله عنه، نقطةَ تحوّل عند أنصاره، فأعادوا تنظيمَ صفوفهم وأصبحوا يشكّلون قوّة المعارضة الرئيسية ضدّ الحكم الأموي، بالأساليب السياسية والدعوية حيناً، وبالقوة المسلّحة أحياناً.

تعتبر التّقيّة التي يمارسها الشيعة من أولى وسائل العمل السياسيّ المعارض السرّيّ بالإسلام وأسلوب فعال في مواجهة بطش السلطات

هذه الآراء في أصل التشيع تؤكد ما يقول به معظم خصوم الإسلام السياسي الطائفي، من أنّ جذر الانقسام المذهبي الكبير في الإسلام لا أساس دينياً له، وإنما يقوم على موقف سياسيّ من مسألة الخلافة، لاسيما عند من شكّلوا المذهب الشيعي فتمايزوا بموقفهم عمن أصبحوا "أهل السنّة". ولتأكيد صحّة اصطفافه السياسي، عمد كلّ فريق منهما إلى تغليف موقفه بطابع ديني، من خلال تأويل النصوص ووضع الأحاديث واختلاق الروايات. ومع مرور الوقت، وتتالي الأحداث وتعمّق الخلافات، تضخّمت أدبيات كل فريق، واستفحل التوظيف السياسي للدين عندهما، ما أدّى إلى تحولّ كل منهما إلى مذهب متكامل له مدارسه وعلومه الفقهية الخاصّة، بأصولها وفروعها، يعتمد تفسيراتٍ وتأويلاتٍ ومدونّة حديثية مختلفة، وفق ما يخدم رؤيته ويساعد في تفنيد المذهب الآخر.

إقرأ ايضاً: إيران تنتفض: "يا رجال الدين أعيدوا إلينا بلادنا"

ولمّا كان للشيعة قصب السبق في اتّخاذ موقع المعارضة السياسيّة في الإسلام، كان لهم أيضاً أسبقيّة في العمل الديني الدعوي المنظّم لأغراض سياسية. ذلك أنّ أئمّة الشيعة كانوا يعتمدون على وكلاء لهم يمثّلونهم في مناطق انتشارِ أتباعهم، ويقومون بمهامّ التوجيه والتعبئة السياسيّة. كما يمكن اعتبار "التّقيّة" التي يمارسها الشيعة واحدةً من أولى وسائل العمل السياسيِّ المعارض السرّيّ في الإسلام؛ إذ كانت أسلوباً فعّالاً اعتمدوه في مواجهة بطشِ السلطات التي عارضوها، من أمويين وعباسيين وسواهم.

ما سبق يدفع إلى القول، إنّ المذهب الشيعيّ، كحالة سياسية اعتراضية على السلطة القائمة، غلّفت دعوتها السياسية بطابع ديني هو من التجارب الأولى لتسييسِ الدين وتديينِ السياسة في الإسلام -إن لم يكن أولها حقاً– وهو أمر ترسّخ عند الشيعة وأصبح من صميم عقيدتهم وممارساتهم، فهي تدور جميعاً حول نظريّة "الإمامة" و"الولي الفقيه" أو"نائب الإمام الغائب"، التي طوّرها بعض فقهائهم وجعلوها جزءاً من العقيدة. ومن المعلوم أنها تصلّبت وتعزّزت بعدما أسّس الخميني نظامه المسمّى "الجمهورية الإسلامية" في إيران، على أنقاض الثورة الشعبية التي أطاحت بالشاه العام 1979.

البعض يحصر الإرهاب في أهل السنة لدوافع أيديولوجية في حين أنّ الشيعة ليسوا خارج لوثة التطرف المذهبي الذي يخفي مشاريع سلطوية

وبعد، فإنّ المتابع للكتابات التي تتناول "الإسلام السياسي" يلاحظ دون عناء كيف أنّ معظمها يتناول الظاهرة في الإطار السنّي فحسب، وكذلك الحال عندما يدور الحديث حول مسائل مثل؛ "السلفية" و"التطرف" و"الإرهاب"، بل إنّ البعض يذهب إلى حصر هذه الأمور في أهل السنة عن عمد وإصرار، انطلاقاً من دوافع سياسية وأيديولوجية، فيزوّر الحقائق ويتجاهل الوقائع والمعطيات الملموسة. في حين أنّ الشيعة، ليسوا خارج لوثة التطرف المذهبي الذي يخفي مشاريع سلطوية.

لا تقتصر المسألة على التاريخ؛ فاليوم تنشط عشرات الأحزاب والحركات الإسلامية، التي تعبّر بوضوح عن "الإسلام السياسي" في نسخته الشيعية، فضلاً عن المنظمات الدينية /العسكرية الطائفية التي ترعاها إيران، وهي تنظيمات متطرفة، شأنها شأن مثيلاتها السنيّة، تمارس التكفير والتفجير والإرهاب وفق ما تقتضيه مصالحها، وكله بفتاوى واجتهادات جاهزة تحت الطلب. وحتى "الجهاد العالمي"، ليس حكراً على المتطرّفين من السنّة، فهناك ميليشيات شيعية متعددة الجنسيات وعابرة للحدود تقاتل من دولة لأخرى وفق ما يوجهها "الولي الفقيه".

إقرأ ايضاً: الشيعة والسنة.. الفتنة الكبرى في 100 سؤال

إن الكلام عن "الإسلام السياسي" والتطرّف المذهبي وما يشكّلانه من خطر على الإسلام والمسلمين وغيرهم، ومثله الحديث عن الإصلاح الديني في الإسلام، سيبقى قاصراً وناقصاً ما لم يشمل الجميع: السنة والشيعة وما بينهما من فرق ومذاهب دون استثناء.

اقرأ المزيد...

الوسوم: